في مطلع هذا الشهر، وقعت بين الكيان الصهيوني ودولة فرنسا، أحداث ديبلوماسية تحمل اشارات بالغة الدلالة على ان دولة الكيان الصهيوني تعيش حالياً، ومنذ مدة، حالة استرخاء استراتيجي وعسكري ازاء وضعها وسط الانظمة الرسمية التي تحكم الدول العربية، المحيطة بها والبعيدة عنها.
فقد أدلى وزير خارجية فرنسا السابق، لوران فابيوس، بأحاديث يشير فيها الى نيته إثارة فكرة إقامة مؤتمر دولي ليبحث قضية فلسطين من جذورها، وإيجاد حل نهائي لها، باتجاه إقامة دولتين متعايشتين جنباً الى جنب.
ولم يكد تصريح الوزير الفرنسي يجفّ حبره حتى جاءه الرد الإسرائيلي الرسمي من اكثر من جهة، بما معناه: مالك ولهذه القضية الآن؟ ألا ترى أن الدول العربية بشكل عام قد تراجعت فيها قضية فلسطين الى حد الإهمال الكامل؟ نحن نعيش مع انظمة هذه الدول حالة وفاق تام، فما لك ولإثارة المشكلات بشأن هذا الموضوع؟
طبعاً، إن مسألة تحديد الحل النهائي لقضية فلسطين، بإنشاء دولة فلسطينية على حدود العام 1967، تتعايش بسلام جنباً الى جنب مع دولة الكيان الصهيوني، ليست جديدة، فهو اقتراح طرح في أكثر من محفل دولي، وقد شكل منذ العام 2002 على الأقل، وجهة النظر الرسمية للانظمة العربية في مبادرة بيروت الشهيرة، التي أطلقها الامير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد في المملكة العربية السعودية يومها.
كذلك فإن هذا الاقتراح تحوّل منذ سنوات طويلة الى وجهة النظر الرسمية بشأن الحل، التي تتبناها وتتمناها السلطة الفلسطينية في رام الله، وتخوض المفاوضات العقيمة لسنوات طويلة، أملاً بالوصول اليها.
ومع ذلك، فإن اسرائيل قد اثبتت خلال هذه السنوات اشياء عملية كثيرة أهمها رفضها المطلق والتحايل على هذا الحل، بل وسعيها اليومي الدؤوب لتقويضه عملياً، عن طريق المضي يوماً وسريعاً وبعمق، في عملية تهويد القدس (العاصمة الفلسطينية المرجوّة وفقاً للحل المقترح)، وسائر أرجاء الضفة الغربية، حتى أغوار الأردن شرقاً.
إذن، ليس حلّ الدولتين، كما ورد على لسان الوزير الفرنسي هو الجديد، بل التوضيح الإسرائيلي الصريح بعدم جدواه وقيمته، وسط حالة الاسترخاء الاستراتيجي التي تهيمن على علاقة دولة الكيان الصهيوني، بالأنظمة العربية الرسمية.
وعلى أي حال فليس في حالة الاسترخاء هذه أي جديد ايضاً، سوى تلك الصراحة الإسرائيلية، التي تتكرّر منذ مدة، على أي حال، على لسان عدد من المسؤولين الصهاينة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ولو نظرنا إلى المسألة من زاوية أخرى، فإننا سنصل الى النتيجة نفسها، مهما كانت الزاوية التي ننظر منها.
فإذا ركزنا على أحاديث وتصريحات المؤسسة الصهيونية العسكرية العليا، فإننا سنجد، ومنذ مدة غير قصيرة، ان لا هم لهذه الاوساط سوى استعراض السيناريوهات المتعددة لاحتمالات قيام حرب فعلية بين القوات الاسرائيلية، و «حزب الله». ولم نر في يوم من الأيام القريبة أي دراسة اسرائيلية تستعرض سيناريوهات الاشتباك مع أي من الجيوش العربية، حتى في الدول المحيطة بفلسطين المحتلة مباشرة.
إنه على اية حال وضع معلوم وواضح، ليس فيه ما هو جديد أو ما هو خفي وغير معلوم. يبقى أن تضع الانظمة العربية الرسمية امامها هذه الحقيقة الاستراتيجية، بمن فيها نظام السلطة الفلسطينية، وتكفّ عن خداع نفسها وخداع الجماهير العربية، بين حين وآخر، بتكرار حل دولة فلسطين على أراضي 1967، عاصمتها القدس الشريف. فحتى هذا الحل لم يعُد له وجود أساساً في سياسة الكيان الصهيوني، لأنه أصلاً، وحتى لو طبق، لا يجد حلاً نهائياً وعادلاً لأصول القضية الفلسطينية، التي لا تحل قبل عودة جميع الذين هجروا من ارض فلسطين في العام 1948 و1967 اليها.
وهذا حل لا بد له من تحولات جذرية في الاوضاع العربية الرسمية، لإمكانية الوصول الى حد تستطيع ان تفرضه عربياً على الكيان الصهيوني المحتل.
وهذا تحول بعيد المدى، يمكن أن يبدأ من استعادة مصر دورها العربي كاملاً، وارتباطها التاريخي بفلسطين وقضية فلسطين.