أعتقد جازما أن الامة العربية لم تعرف في تاريخها المعاصر أياما كالحة وباعثة على الإحباط الشديد، كما هو الحال في المرحلة الراهنة، التي أدمن العرب عليها منذ سنوات.
بالنسبة لفلسطين مثلا، وهي كانت وستظل بوصلة الاحداث والتطورات السياسية بين المحيط والخليج، فقد بدأنا منذ العام 1948 نفقدها جزءاً وراء آخر، حتى إذا وصلنا الى ايامنا هذه، اصبحت فلسطين بكل أجزائها، بل بإضافات من الاراضي العربية في سوريا (الجولان)، وفي لبنان (مزارع شبعا)، تحت نير الاحتلال الكامل لإسرائيل، الذي تفتحت شهيته الاستيطانية لضم الضفة الغربية (أي ما تبقى من فلسطين الاصلية) الى اراضي الكيان العبري. أكثر من ذلك، أصبح شعب فلسطين الذي تمسك برغم كل النكبات والنكسات بالعيش في ارض أجداده، يخضع لحالة من الاذلال والسيطرة والتنكيل، لا سابق لها، وسط استمرار الرعاية الخاصة التي يمنحها المجتمع الدولي لأمن اسرائيل، مهما فعلت بالأراضي التي يعتبرها القانون الدولي محتلة منذ العام 1967. حتى أصبح اطفال هذا الشعب وشبابه بالنسبة للاحتلال الاسرائيلي اشبه بالكلاب الضالة التي تطلق عليها النيران في الشوارع بلا اي صرخة استنكار.
لماذا يكون ممكناً حدوث مثل هذه المسائل، وتكرارها بهذه السهولة الفظيعة؟ لأن الضحية عربي فلسطيني. أما لو كان فرنسياً او سويسرياً او اسكندنافياً، فلما كان من الممكن أصلاً أن تصل الوحشية إلى هذا المدى.
المسجد الاقصى أصبح مسوّراً بمشاريع الحفر تحت الارض، ومحاطاً بمواقع يهودية للصلاة، دورها الأساسي يتمثل بالاستفزاز، فيما البلادة العربية تغرق في سبات عميق، لا صحوة منه، حتى اشعار آخر.
ترتكب اسرائيل كل هذا وهي محاطة بحالة استرخاء عربي الى درجة اعتبارها من قبل عدد من الانظمة العربية حليفا صالحا، في المشاريع الاقليمية الجديدة. أما سائر الدول العربية المحيطة بفلسطين، فأربع منها في المشرق والجزيرة والمغرب، تتعرض لعملية تفتيت بقوة السلاح، حتى بلغ الامر بإسرائيل، في الأزمة السورية مثلاً، أن راحت تطلق التصريح تلو الآخر، عن ان أفضل حل للأزمة السورية، يتمثل بتقسيم سوريا الى دويلات طائفية، مفصحة بذلك عن رغباتها الدفينة في ما يحدث.
إن اربع دول عربية هي سوريا والعراق واليمن وليبيا، وكلها اقاليم تمثل عمقاً تاريخياً وحضارياً للعرب، تواجه مخاطر التقسيم الفعلي والتحول إلى دويلات طائفية، وهو ما يمثل حلاً مثالياً لجريمة اغتصاب فلسطين، لكونه يجعل من الدولة العبرية الكيان الوحيد في المنطقة الذي يحتفظ بعمق «تاريخي» مبني على أسطورة أرض الميعاد.
هل مر العرب المعاصرون في القرن الاخير، بل حتى منذ خضوع عدد من اقطارهم للإمبراطورية العثمانية، بحالة سياسية وحضارية أشد انحطاطاً من الحالة الراهنة، وأكثر امتلاء بمخاطر يمكن ان توصل الى حالة اضمحلال تاريخي،
 وإلى التحول لبشر من الدرجة الثالثة بين شعوب الارض؟