في زيارتي «اليتيمة» إلى واشنطن في خريف العام 1995، كان من الطبيعي أن أسعى للقاء الدكتور كلوفيس مقصود وزوجته الراحلة الدكتورة هالة مالك سلام، وقد جمعتنا بهما أحلام ونضالات وتظاهرات من أجل فلسطين وقضايا الأمة.
وفي ذلك اللقاء كان «شيخ العروبة»، كما سمّاه يوماً جمال عبد الناصر، في قمة السعادة وهو يصطحبني إلى مكتبه في الجامعة الأميركية في واشنطن ليعُلمني عن افتتاح «مركز الجنوب» في الجامعة برئاسته، فبادرته مازحاً: «بعد المشرق حيث أمضيت سنوات في الهند، وبعد الغرب حيث تمضي سنوات في الولايات المتحدة الأميركية، جاء اليوم دور الجنوب».
لم يشاركني المزاح الأخ الكبير المولع بالتعليقات الساخرة، بل قال لي بصوت فيه الكثير من العزم والحزم معاً: «إنني أسعى عبر هذا المركز المخصص للبلدان النامية، أي لبلدان ما يسمّونه بالعالم الثالث من أجل أن أستكمل رسالة الحركة القومية العربية المعاصرة، يوم وجد جمال عبد الناصر ورفاقه أنفسهم يخوضون ثلاث معارك في آن معاً، معركة الاستقلال الوطني المصري، ومعركة الوحدة العربية، ومعركة التحرر العالمي التي انطلقت من باندونغ في أندونيسيا (1955) لتتواصل في بلغراد ـ يوغوسلافيا (1960)، ولتتحول إلى كتلة عالمية باسم «عدم الانحياز».
«عالمية العروبة» إذاً هي ما كان يشغل بال كلوفيس مقصود يومها، وهو الذي يدرك تلازم الوطنية مع العروبة مع الإنسانية الحقة، وقد تكرّس لديه هذا التلازم حين عاش في أوائل ستينيات القرن الماضي أعظم لحظات انطلاق كتلة «عدم الانحياز» وأعمدتها الثلاثة مصر بقيادة ناصر، والهند بقيادة نهرو، ويوغسلافيا بقيادة تيتو، من دون أن ننسى شوان لاي في الصين، وسوكارنو في أندونيسيا، وسيكوتوري في غينيا، وكاسترو في كوبا، ولومومبا في الكونغو، ومودييو كيتا في مالي...
قد يكون «للبنانية» كلوفيس مقصود الغنية بالتنوع والانفتاح دور مهم في هذا الاهتمام بـ «العالم الثالث» أو بـ «الجنوب» وفق مصطلحات هذا العصر. وقد يكون لعلاقته «الخاصة» بالشهيد كمال جنبلاط أيضاً دور في الخروج من التقوقع والانكفاء، وقد يكون لخاله اليساري العريق جورج حنا دور في تعزيز النزعة الأممية لدى هذا اللبناني الحائر والحالم بمجد لأمته يستعيد معه الأمجاد الغابرة.
لكن بالتأكيد أيضاً كان «للعروبة التقدمية» التي آمن بها كلوفيس وعمل لها طيلة حياته، الدور الأكبر في هذا الانحياز لعالم «عدم الانحياز». فكما تأبى العروبة التي يفهمها مقصود وجيله أن تتعالى عن خصوصيات مكونات الأمة وكياناتها الوطنية، بل ترى في نفسها تكاملاً بين هذه الخصوصية والكيانات، فإنه أيضاً أبى أن يرى العروبة أسيرة عرق دموي، أو نزعة عنصرية، أو انغلاق شوفيني. فالعروبة التي خرجت من أرضها معظم الرسالات السماوية، إما أن تكون إنسانية عالمية، أو لا تكون.
وإذا كان التاريخ يشكل جزءاً مهماً من مكونات العروبة كهوية ثقافية وحضارية جامعة، فإن النظرة المستقبلية للحركة العربية هي شرط وجودها، فلا مستقبل لعروبة لا تتطلع نحو المستقبل.
وبهذا المعنى لم تكن عالمية العروبة عند كلوفيس مقصود مجرد حنين أو «نوستالجيا» لزمن الأمجاد القومية مع جمال عبد الناصر والحركة القومية العربية فقط، بل كانت أيضاً وليدة إدراك عميق لقانون التلازم بين حركة التحــــرر العربية وحركة التـــحرر في العالم، خصوصاً أن إحدى ركائز المشروع الصهيوني قامت على التعبئة العالمية لصالح الكيان العنصري الغاصب.
واليوم، ومع ما نراه في أميركا الجنوبية، وفي جنوب إفريقيا، وفي جنوب آسيا وشرقها، من تململ واضح من نظام الهيمنة الأحادية الاستعمارية، وما نراه من انفضاض شرائح واسعة من الغرب الأميركي والأوروبي عن مساندة الكيان الصهيوني، نكتشف كم كانت نظرة كلوفيس مقصود وأبناء جيله ثاقبة حين رأوا أن معركتهم في العالم لا تقل أهمية عن معركتهم في بلادهم، وإن كانت المعركة في بلادهم هي التي تحسم مستقبل معركتهم في العالم.
يوم التقيت العزيزين هالة وكلوفيس واستمعت منهما إلى ما يقومان به في «جمعية مناهضة التمييز العنصري» التي ترأستها هالة سلام لسنوات، وفي «مركز الجنوب» للدراسات في الجامعة الأميركية في واشنطن الذي ترأسه كلوفيس مقصود، تذكرت قول الشاعر...
«أتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر».