منذ العام 1948، نشأ الارتباط العضوي بين قضية فلسطين ودور مصر المركزي في محيطها العربي. ففي الوقت الذي كانت تكتمل فيه مأساة تدخل الجيوش العربية عسكرياً، في محاولة تمثيلية لمنع قيام دولة إسرائيل، كان نفر طليعي في تنظيم «الضباط الأحرار» يلمس لمس اليد تفاصيل مأساة النظام العربي الرسمي على أرض فلسطين، ويدرك بسليقته السياسية أن الخلل الأساسي المطلوب علاجه، هو هناك في القاهرة، كما في كل عاصمة عربية شاركت في أحداث 1948.
هذا التحليل السياسي البسيط والعميق في آن، كان في أساس الحدث الذي اكتمل بعد ذلك بسنوات أربع، فغيّر وجه المنطقة العربية كلها، لا مصر وحدها، على أيدي الضباط الأحرار والنظام الجديد الذي أسّسوه في القاهرة.
وكما كانت العلاقة واضحة منذ البداية بين التغيير الكبير الذي وقع وانطلاقة دور مصر العربي، فإن العلاقة صارت أوضح بين كل خطوة سياسية يخطوها النظام الجديد، داخلياً وخارجياً، من جهة، ومواجهة تحدي قيام دولة اسرائيل من جهة ثانية. وقد تجلّى ذلك عبر الخطوات الآتية:
ـ إعادة إحياء القطاعات الرئيسية في المجتمع المصري، بالتطبيق السريع لنظام الإصلاح الزراعي في العام 1952.
ـ قرار كسر احتكار السلاح الغربي، وتعويضه بتسليح الجيش المصري (أكبر الجيوش العربية)، بسلاح من المعسكر الشرقي في العام 1954.
ـ تطبيق اتفاقية جلاء الجيوش البريطانية المحتلة لمصر، في العام 1956.
ـ قرار تأميم قناة السويس لتغطية مشروع السد العالي، أكبر مشروع تنمية في المنطقة العربية، في العام 1956.
ـ إعلان الوحدة السياسية الاندماجية بين مصر وسوريا، في العام 1958، التي اختصرها الزعيم الإسرائيلي بن غوريون بالقول: «لقد أطبقت الكماشة العربية على إسرائيل»، والتي جاءت كرد عربي مباشر على اتفاقية «سايكس ـ بيكو» وعلى «وعد بلفور» معاً.
عند هذا الحد، أصبح ملحاً في المعسكر المضاد (التحالف الأميركي - الاسرائيلي وتوابعه في المنطقة)، وقف هذا الزحف المتصاعد لدور مصر في مركزها الأساسي، كما في محيطها العربي، فصدر القرار بتوجيه الضربتين المتعاقبتين (برغم مرور ست سنوات بينهما):
ـ ضربة الانفصال بين مصر وسوريا، التي أحسنت استغلال أخطاء نظام الوحدة الى أقصى مدى، في صيف العام 1961.
ـ وضربة إسرائيل العسكرية، العام 1967، التي جاءت عقاباً مباشراً لعبد الناصر بسبب رفضه الخضوع لتهديدات رسالة الرئيس الأميركي لندون جونسون في العام 1965، القاضية بضرورة تفكيك عناصر دور مصر العربي، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً.
وكان القرار المركزي في مصر، استجابة للمد الجماهيري العربي الذي أطلقته هزيمة 1967، يتمثل بالرد على الهزيمة عسكرياً وسياسياً. لكن قيادة السادات لـ «معركة العبور»، ذهبت بالمعركة في الاتجاه المعاكس، وتوّجت العبور المجهض، باتفاقية «كامب ديفيد»، التي جاءت تراجعاً مصرياً جذرياً عن دور مصر العربي، في العام 1978.
وراح دور مصر العربي في غفوة كاملة طوال عهد حسني مبارك، حتى «ثورة 25 يناير»، التي أعقبتها سلسلة من الأحداث السياسية، انتهت بانتخاب عبد الفتاح السيسي لرئاسة مصر.
طوال هذا الوقت، ظلت الأنظار معلقة على مصير اتفاقية «كامب ديفيد»: هل يبقى دور مصر العربي معطلاً في إطارها؟
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الآمال معلقة على أن تختار مصر اللحظة المناسبة للتخلص، ولو بالتدرّج من قيود الاتفاقية، فاجأنا الرئيس السيسي بالدعوة الى توسيع إطارها، لتضم مزيداً من الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بعد عودة جزيرتي تيران والصنافير إلى سيادتها.
إنه إذاً قرار بتثبيت وإطالة مرحلة لجم دور مصر العربي، عامة، وفي ما يخص القضية الفلسطينية خاصة.
هذه هي خلاصة الموقف حالياً. وحتى إشعار آخر، لا يبدو أن شيئاً مغايراً قريب في الأفق.