Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: قومي عربي
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 233

المتصفحون الآن:
الزوار: 27
الأعضاء: 0
المجموع: 27

Who is Online
يوجد حاليا, 27 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

حسان محمد السيد
[ حسان محمد السيد ]

·هل تذكر الأمة مسجدا إسمه الأقصى؟ ............. حسان محمد السيد
·كنوت,أيها المحظوظ السعيد ................ حسان محمد السيد
·أأنتم أعلم من الخضر أم أكرم من موسى؟.................. حسان محمد السيد
·في ذكرى مأساة كربلاء,كلنا قتلة وعصابات ردة....... حسان محمد السيد
·حرب ال 73 المجيدة وذريعة التوجه الى كامب ديفيد - حسان محمد السيد
·صلاح الدين في بيت المقدس ............. حسان محمد السيد
·أيلول,والحلم الذي لم يكتمل............. حسان محمد السيد
·القومية العربية,الأمل الباقي- حسان محمد السيد
·ثورة الضباط الأحرار - حسان محمد السيد

تم استعراض
49901369
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
نصيحة ام ... وارنباطها بالعلاقات الدولية - محمد فؤاد المغازي
Posted on 19-9-1437 هـ
Topic: محمد فؤاد المغازي

نصيحة أم ... وارتباطها بالعلاقات الدولية!!

بقلــــم: د. محمد فؤاد المغازي

ملحوظة: أعيدوا قراءة هذا التحليل فقد نشر بتاريخ سابق على قرار المحكمة.

المنهـــج الخطــــأ:
لم يكن عنوان المقال الأخير هو: (نصيحة أم ... وارتباطها بالعلاقات الدولية)، في سلسلة مقالاتي التي أحاول من خلالها أن أرصد سياسات النظام السياسي الذي يتولى إدارة السلطة التنفيذية، في الداخل، وفي الاقليم، وفي المجال الدولي، بهدف تحديد قناعاته الفكرية، التي يتأثر بها وترشده في تطبيقاته، ومن ثم تحدد لنا توجهاته، حتى لو لم يعلن عنها بشكل واضح وتفصيلي.

المقال الأول: كان بعنوان السيسي...وخـــلل الانتقـال من قيـادة معركــة..إلي قيــادة ثـــورة.
المقال الثاني: كان بعنوان انهيار الدولة بدأ...عندما أصبحت مصر ملكا للثورة المضادة.
المقال الثالث: كان بعنوان إلـي أيـــن...نحــن ذاهبــون؟
المقال الرابع والأخير: كان بعنوان...توجهات النظام السياسي على المسرح الدولي.
وقد امتنعت عن نشره في ظل الانقسامات التي نشأت عن تنازل النظام السياسي عن جزيرتي (تيران وصنافير) المصرية، وحتى لا يقال: يصب الزيت على النار.

فبعد استماعي لخطاب الرئيس السيسي مع القوي الممثلة للمجتمع المصري. قمت بتغيير عنوان المقال الرابع والأخير ليصبح على النحو التالي: (نصيحة أم...وارتباطها بالعلاقات الدولية). هذا التغيير لم يكن بقصد الاساءة إلي والدة الرئيس السيسي رحمة الله عليها.

فإبداء الرأي يتعلق في استخدام النصيحة والاستشهاد بها، وما يترتب على ذلك من نتائج تَخَطَّتْ حدود (الإبن)، لتؤثر بنتائجها على مجتمع بأكمله، عندما يعتمدها (الإبن)، مَنْهَجَّا في إدارة الدولة.
هذا الاستشهاد كشف لي عن خلل مصدره خلط واقحام لمقولة في غير موضعها، وخلطا واقحاما لمقولة بررت له توظيفها في أخطر القضايا المرتبطة بأي مجتمع في العالم وهي قضية الأرض المكون الأول للدولة.



النصيحة ... ورطت من طبقها في أمرين:
الأمر الأول: أن تنفيذ النصيحة فيما يتعلق بالأرض والسيادة أَمْرْ خارج صلاحيات من تلقى النصيحة. فدور رئيس أي دولة مرتبط بالحفاظ على الأرض وعلى السيادة، وهذا واضح كتابة وقولا في القسم الذي يردده على مشهد من الشعب قبل أن يبدأ عمله، ولا يقبل تعدد التفسيرات، وإلا لضاعت الأرض وأطيح بالسيادة، ("أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهوري، وأن احترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه".
ثم تأتي المادة 151 من الدستور لتعيد التأكيد على أن صلاحيات الرئيس في مجال التصرف في الأرض والسيادة تنص على: (" يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور. ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة").
إذن التعامل مع الأرض له خصوصية لا تخضع لنصائح من نحب، أو لمن نستشير، أو استنادا إلي قناعات فردية، أو استبدال النص الدستوري بأطروحات سياسية. ولكن التعامل مع قضية الأرض يستند إلي قواعد صارمة مرتبطة أصلا واساسا بالشعب المكون الثاني للدولة بوصفه صاحب الأرض، الذي تعود إليه وحده حق ملكيتها، وهي ملكية لها سمة الديمومة تتوارثها الأجيال بعد أجيال، ويسمح لكل جيل بحق الانتفاع بها، وتمنع عنه بل وتصادر حقه في التصرف في الأرض، سواء بالتنازل، أو بالبيع، أو بالتأجير.

الأمر الثاني: هو أن يصبح الاستشهاد بنصائح من (أَعِّـزَاءْ) أن يتحول إلي نهج في التعامل مع القضايا المصيرية، يبرر لكل شخص يشغل منصب قيادي في مؤسسات الدولة، أن يُنَحِي النصوص الدستورية، والقوانين، والعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويكتفي بنصائح تلقاها من محيطه العائلي، أو من أصدقائه، لتتحول إلي قواعد في إدارة الحكم.

عودة إلي خطاب السيسي:
عندما فسر الرئيس السيسي التنازل، أو رد الحق لأصحابه عن جزيرتي تيران، وصنافير لم يقدم للشعب غير جُمَلْ غير كاملة، وطرح أسئلة موتوره، وبلا إجابة عليها، والشيء الوحيد الذي جاء واضحا فيما يتعلق بالأرض كانت نصيحة (وَالِدَتِهْ)، فاستند إليها وأعتمدها كقاعدة موجهة لكل تعاملاته كما ورد في خطابه.

الخطأ الفادح المترتب على قراره الذي فاجئ به الجميع، هو أنه لم يترك فرصة لمن سيخالفونه الرأي، من قانونيين وسياسيين أن يشاركوا بتقديم الأدلة القانونية المتعلقة بالمعاهدات، وبالأصول التاريخية لملكية الجزيرتين (تيران وصنافير) لمصر، واكتفي بقوله لو فعل هذا منذ 8 شهور لظلت حالة الاختلاف والانقسامات مستمرة.

إذن فقرار التنازل عن الجزر المصرية قد حسم واتخذ بالفعل، دون ادني اعتبار لأي اعتراض أو رفض سيأتي فيما بعد. لقد توقع السيسي، ومستشاريه أن اتخاذ قرار يتعلق بالتنازل عن الجزر المصرية سوف يتسبب عنه خلافات، وقد لا أكون مخطئنا إذا ما قلت، أنه قد جرت مناقشات ظهر من خلالها أن احتمالات رفض القرار من قبل الشعب بالتنازل عن أرض مصرية لأسرة آل سعود هو أكثر الاحتمالات ترجيحا، ولو كانت التوقعات مِنْ قِـبَلْ السيسي ومن استشارهم، أن الغالبية ستسانده في قراره، لطرح الأمر على الناس منذ ثماني شهور، بدلا من التستر على قراره طوال هذه المدة.

وبعد أن اصبح الخلاف والانقسام، ظاهرة خرجت إلي الضوء والعلن، واصبح التستر عليها امرا مستحيلا، تقدم السيسي بتبرير استبدل فيه الخطأ بالجرم. فالحوار بين أطراف وطنية وما سيتبع ذلك من تعدد في التفسيرات، كان من الممكن أن تكون فرصة للرئيس السيسي قبل غيره، في أن يستخدمها كقاعدة لفرز الآراء والتفسيرات، ومن خلالها يتعرف على اتجاهات الرأي العام، فيسترشد بها، خاصة وأن الأمر يتعلق بالأرض والشعب صاحبها، والسيادة وهو مصدرها.

كانت النتيجة أن النظام السياسي قد زرع الشقاق وكان هذا متوقعا كما ذكر في خطابه، بل وتوسع الانشقاق والانقسام فوصل إلي ابناء الأسرة الواحدة داخل المجتمع المصري، وكان السيسي هو أول المتضررين، فقد خسر الكثير الكثير بسبب التعامل السياسي مع قضية لا يصلح فيها منهج التعامل بالسياسة، أو استرشادا بنصائح (ست الحبايب)، فمنح نفسه صلاحيات لا حق له فيها. وقد يصلح التعبير في توصيف ما جري بالقول:
(لقد أعطي من لا يملك .. جزيرتين لمن لا يستحق).

هناك قضايا تَقْسِمْ (ظَهَـرَ) أي مجتمع، كأن ينقسم المجتمع إلي أقلية تعيش الثراء، وأغلبية تعيش (الْغُـلْبْ)، أو قضايا تتعلق بأمن الوطن، أو التفريط في السيادة، أو التصرف في ملكية الأرض على أي نحو، القبول أو التستر على من يلحق الإضرار بالوطن من أي طرف سواء داخلي أو خارجي. والتنازل عن جزيرتي (تيران وصنافير) من القضايا التي قد تصل في نتائجها إلي قَسْمْ (ظَهَـرَ) مجتمع لم يتعافى بعد.

بناء العلاقات الدولية...شُيَّــدَ على قاعــدة القــدرة على الإيِــــذَاءْ:
بعيدا عن نصائح الأمهات، والأهل والأصدقاء، دعونا نلقي نظرة مختصرة على الجهود التي كانت وراء تأسيس ما يعرف الآن بالعلاقات الدولية وعلى النحو الذي نراه اليوم. فقد يساهم هذا السرد التاريخي لقواعد التعامل الدولي، فنتأكد أنه لم يرد في ثوابت العلاقات الدولية، نصائح (الأمهات).
فَبِنَاءْ العلاقات الدولية...شُيِّــدَ على قاعــدة القــدرة على الإيِــــذَاءْ، وقد تصلح نصيحة (أَلأُمْ) في أمور كثيرة، إلا في هذا الأمر المتعلق بالأرض والسيادة، فلا تنفع معه النصائح، ولكن تنفع معه التقيد بالقواعد المنظمة لملكية الأرض.

نشأة العلاقات الدولية:
بدأت فكرة بناء علاقات دولية، باجتهاد فكري للفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط Immanuel Kant 1724 - 1804)، توصل إليها بفعل الحروب والصراعات الدموية المستمرة في القارة الأوروبية، المصدر التاريخي لبؤر الاستغلال والعنف والارهاب الذي انتشر وانتقل منها وبها إلي العالم وحتى اليوم، فَطَرَحَ فكرة انشاء تنظيم دولي ينظم العلاقة فيما بين دول أوروبا، ويحتكم لقواعد حل الصراعات بالسبل السلمية، ووفق معايير يتم الاتفاق عليها فيما بين دولها.
وهكذا بدأت فكرة بناء علاقات دولية قاصرة ومحصورة بين الدول الأوروبية، وبين شعوبها المؤمنة بالديانة المسيحية. ورغبة في تخطي الحرج الذي أظهر الفكرة فيما بعد في سياق عنصري ومعزولة عن العالم، لأنها مرتبطة بدول أوروبا جغرافيا، وبالديانة المسيحية، فجرى توسيع نطاق العلاقات الدولية ليشمل آخرين خارج القارة الأوروبية، وخارج الديانة المسيحية، فتم ضم السلطان العثماني إليها.

لكن ظلت النخب السياسية في القارة الأوربية وراء كل الحروب التي تجري على الساحة الأوروبية، أو خارجها تحصد الملايين من الأبرياء من أبناء المجتمعات الأوروبية، والمجتمعات المستضعفة. لكن الكوارث المترتبة على الحروب عززت من هِمَمْ المفكرين والفلاسفة والقانونيين في البحث عن نقاط الضعف والثغرات التي تسببت في الصراعات والاقتتال، خصوصا بعد الحرب العالمية الأولي والثانية.
وبفضل جهود العلماء استمر مشوار تطوير العلاقات الدولية من الناحية الفكرية والأكاديمية، فظهرت المواثيق الدولية متضمنة تشريعات دولية. ثم تقدمت دراسات العلاقات الدولية التي كانت فرعا من فروع علم السياسية لتصبح عِلْمَّا مستقلا بذاته. ووصل هذا العلم في مسار تطوره إلي أن أصبح مرشدا علميا لصناع القرار فيما يتعلق بالمواثيق الدولية، والاتفاقيات الدولية.

فعلى سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن لديها كوادر علمية وفنية لإدارة علاقاتها الدولية مع العالم، حتى جاءت الحرب العالمية الثانية، وظهور الدور الأمريكي على المسرح الدولي، عندها أسسوا المعاهد والمؤسسات الأكاديمية والعلمية لتهتم ببناء كوادر سياسية متخصصة في إدارة العلاقات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية مع دول العالم.

نعود لنؤكد أن ما يتعلق بالعلاقات الدولية ومراحل تطورها هو في الأصل والأساس، نتاج لدراسة الصراعات والتحالفات للنخب الحاكمة والفاعلة على المستوي الدولي، حيث تلعب مصالح تلك النخب أهم الأدوار في القرار المتعلق بالصراعات والحروب، لا يؤخذ للشعوب فيها رأيا، حتى لو نصت القوانين العودة للبرلمانات لأخذ الموافقة عليها.

ورغم كل هذا التطور والتقدم في صياغة المواثيق الدولية حتي اليوم، ظلت الحروب مستمرة، وخطرها يتضاعف بفعل التطوير الدائم لأسلحة التدمير الشامل، ووسائل انتقالها، ووسائل اخفائها، وأصبح مصير الجنس البشري مهدد بالفناء الكامل، ويحدد هذا المصير المدمر شخص واحد تحيط به نخبة من المستشارين.
لهذا لا يجب علينا أن لا نخرج من دائرة الحقيقة إلي دائرة التمني. فَنَرْكَنْ إلي القول بأن العلاقات الدولية تستند إلي النصوص الواردة في القانون الدولي العام، وفي مواثيق المنظمات الدولية، والإقليمية، وجميعها تحقق العدل والمساواة بين الدول، وتطرح الحلول السلمية التفاوضية، التي يمكن لها أن تجنب العالم الصراعات الدموية والحروب، هذا هو الجانب النظري، والْخَطَرْ في الجانب النظري أنه يتستر على الحقيقة.

لكن ليس معني ذلك أن تأسيس علاقات دولية تصل بالعالم إلي حلول سلمية أمرا مستحيل. فتأسيس لعلاقات دولية تُحَقِقْ المساوة بين الدول، ومن ثم تخفض معدل نشوب الحروب، مرتبط بتوفير شرط اساسي ومبدئي وجوهري وهو (تحقيق التوازن في موازين القوة، بين الدول. هذا التوازن المرتبط بعنصر (القوة)، يجعل كل طرف قبل أن يقدم على العدوان، يعرف مسبقا أنه سيواجه ردة فعل تؤذيه وتلحق الضرر بأمنه وبمصالحه.

ولست في حاجة إلي أن أشير أن تحقيق الأمن والمصالح محصورا في عدد قليل من دول العالم، وتحديدا تلك الدول التي تمتلك أسلحة تدمير شامل، ومن ثم فهي لا تقبل أن تتساوي مع الضعفاء أمام القانون الدولي العام، أو تتقيد بمواثيق اقليمية أو دولية، تحت دعوي السلام، أو بسبب شعارات انسانية براقه تطلب العدل والمساواة والسلم للجميع.
فكل الشعارات الانسانية والمطالب في تحقيق السلم والسلام، يصيبها الشلل أمام الدول التي توفرت لها القدرات المكونة (للقوة)، وليست استنادا إلي القوة المعنوية المستندة إلي الحق.

فالدول التي تمتلك القدرة على (الإيِــــذَاءْ) في مقدورها دائما أن تتخلص من الالتزام بقواعد القانون الدولي العام، وجميع المواثيق الدولية والإقليمية، استنادا إلي تفعيل (قاعدة السّيَادَة)، التي تلغي وَتُنَحِي جانبا كل المواثيق الدولية ونصوصها، فلا يتبقى غير سيادة الأقوى، ولا يتبقى للدول المستضعفة غير الاحتجاج، والتطلع نحو السماء.

ومن يتجاهلون شرط تحقيق التوازن في موازين القوة، إنما يقامرون بمصالح وأمن دولهم،
ويتحول التجاهل إلي غطاء يوفر للأقوياء أن يمارسوا دورهم بغير عوائق حقيقية، أو مقاومة تذكر. فبمقدار تصحيح الخلل في موازين (القوة)، بمقدار توفير فرص السلام، وإلا ستظل المساواة الدولية شعارا لا أكثر، ويظل الحديث والمقارنة مستمرة بين (كانت Kant) الحالم بالسلام ونبذ العنف، وبين (نيتشة Nietzsche) الذي يكشف دور الضعفاء قليلي الحيلة، فلا يترك لهم فرصة بالحلم في سلام دعي إليه (كانت Kant)، ويرغمهم على رؤية الحقيقة المستندة إلي (القوة) التي تفضح ضعفهم.

المأساة أن الغرب الاستعماري يظهر علينا باستمرار في صورة (ماما تيريزا)، والمدافع عن حقوق الانسان، الذي تتولي أجهزة دعايته نشرها في العالم، فنجدهم يتحدثون بلسان (كانت Kant) الحالم بالسلام، لكن عند التطبيق فإن (نيتشة Nietzsche) هو الموجه الحقيقي في إدارة الصراعات.

وقد يكون من المفيد أن أنقل (للقارئ) قناعتي بعد قطع مشوار من العمر في الدراسة والقراءة، أنني اصبحت أقرأ مقولة: (إن ما أخذ بالقوة ...لا يسترد بغير القوة)، ليس بكونها شعارا يستخدم في تفعيل الحماس لدي الناس، وإنما لكونها مقولة تمثل خلاصة مختصرة للتوصيف الصحيح لقاعدة التعامل في العلاقات الدولية، لمن أراد الحرص على أمنه ومصالحه. وهذه المقولة إضافة إلي كونها تلخص فهما صحيحا للعلاقات الدولية، فقد انحصر مجال تطبيقها في إطار الدفاع عن الأمن والمصالح الوطنية والقومية، وليست تحريضا لعدوانا على أمن ومصالح الآخرين. وقد فسر قائلها (جمال عبد الناصر) أوجه استخداماتها فقال: (نسالم من يسالمنا) و(لا نقاتل لنغلب، لكننا نقاتل لنحرر، ونحن لا نقاتل للتوسع، ولكننا نقاتل لنحيا).

انتقل لأستعرض عددا من التصريحات والمقولات التي تمثل الأدلة، وتعزز بالبراهين حقيقة التعامل الدولي استنادا إلي قاعدة (الإيِــــذَاءْ)، وردت على ألسنة قادة الدول تهدد بها من تعتبرهم أعدائها، أو الخارجين عن طاعتها، وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية الدولة رقم واحد التي تفرض زعامتها وقيادتها على العالم، معتمدة اساسا في تعاملها وعلاقتها الدولية على أهم سند لها وهو قدرتها على (الإيِــــذَاءْ).

قبل شن الحرب العدوانية النازية على العراق صرح وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية (جيمس بيكر) بأن الادارة الأمريكية: (ستعيد العراق إلي العصر الحجري).
هذه المقولة تختزن إلي اي مدي وصل التهديد بالقوة الغاشمة القادرة على الحاق (الإيِــــذَاءْ) بشكل مباشر ومتوحش، لم تراعي فيه الادارة الأمريكية في حساباتها قيمة لبشر بالملايين هم الشعب العربي في العراق.!!

والسؤال: هل كانت مقولة جيمس بيكر خارج السياق العام للسياسة الأمريكية تاريخيا؟
لا.. تابعوا معي ما قاله وجسده الرئيس الأمريكي (تيودور روزفلت 1858 إلي 1919) من العنف الغير إنساني، فكان يتباهى بأنه قتل كوبيا عندما قاد بنفسه غزو كوبا. وكانت نظرته للهنود الحمر بأنهم أعلي درجة من الحيوانات المفترسة والقذرة. وكان نداءه للأمريكيين أن يكونوا على مستوي الرجولة الظافرة، ولا يكونوا مثل بقية (شعوب الأرض من الضعفاء .. إن الْأَمَانْ بالنسبة للإنسان المتحضر، عندما يستطيع أن يتخلص من جيرانه البرابرة) . هذا الرئيس الذي لا يستحق غير لقب السفاح، كان الرمز والمثل الأعلى لرؤساء من أمثال ريجين، وجورج بوش!!!

وهذا تصريح آخر يُظْهِرْ كيف يتعامل القرار السياسي الأمريكي مع الدين المسيحي الذي يدعو إلي التسامح والمحبة بين كل البشر. دققوا معي في مقولة الرئيس الأمريكي (ويلسون 1913 إلى 1921)، فقد طرح سؤالا تولي بنفسه الرد عليه: " لماذا لم يستطيع المسيح أن يحرك العالم كي يتبعه"؟ وكان جوابه على سؤاله هو: (أن المسيح كان يفكر مثاليا وليس عمليا. لهذا أقترح على الأمريكيين أن يكونوا عمليين كي يكونوا مثالا يتبعه العالم). إذن فالمثالية أو الدعوة للرحمة التي بشرت بها كل الأديان ليست من بين العوامل التي تدخل في حسابات القرار السياسي الأمريكي.

ثم جاء (جورج بوش) بعد أحداث 11/9/2001 يفرض على العالم أن يختار بين أمرين: (أن يمشي خلف الولايات المتحدة الأمريكية.. فقد اختار الوقوف إلي جانب أعظم أمة على الأرض، أو أن يكون مع الإرهاب). أما النائب العام الأمريكي وهو رجل يمثل رمزا للقانون فيقول:(من لا يؤيد سياستنا.. فهو يؤيد الإرهاب). لم يحتكم بوش أو النائب العام إلي الرجوع إلي القانون الدولي العام، أو المواثيق الدولية، وإنما احتكموا إلي قدرتهم على (الإيِــــذَاءْ).

لم تتوقف حدود التعالي والغطرسة والعنف وَقْـفَّا على السياسيين، أو على رموز تمثل في دولها القانون، وإنما انتقلت العنصرية والغطرسة لأقلام الأدباء والكتاب الأمريكيين، نموذج الأديب الأمريكي (هيرمان ميلفيل Herman Melvilla ) فتحدث: أن المجتمع الأمريكي منوط به رسالة تجاه العالم وذلك لطبيعته وتميزه :(أننا نحن الأمريكيون، على ما نحن عليه الآن، نمثل شعبا متميزا. نحن شعب إسرائيل في زماننا الراهن، نحن سفينة نوح الذي بيدها إنقاذ هذا العالم).

وهكذا.. فإن الاختيار المطروح من قبل الأيديولوجية النازية للإدارة الأمريكية المستند إلي قاعدة (الإيِــــذَاءْ)، سيظل محصورا بين أن يمشي البشر خلف أمريكا كَالْخِرَافْ، أو تهددهم سيكين الجزار القابع في (البنتاجون) وزارة الدفاع. فكل تصريحات القادة الأمريكيين لا تخرج عن دائرة النماذج التي قدمناها. لا حرية لرأي يخالف الرأي الأمريكي، ولا حرية لموقف يخالف قرارا للإدارة الأمريكية. هذه هي الديمقراطية الأمريكية، وهذا هو وجهها القبيح النازي الذي لا يعرف غير قاعدة (الإيِــــذَاءْ) في تعاملاته الدولية.

ظلت مفردات الخطاب السياسي الأمريكي للقادة الأمريكيون في علاقاتهم الدولية مرتكزة بالدرجة الأولي على قاعدة (الإيِــــذَاءْ)، تلويحا بها، أو استخدامها، منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية وحتى اليوم لتحقق امنها ومصالحها. هذا السلوك العدواني يمثل نهجا متوارث بَرَّرَ للأمريكيين أن يصيغوا به، ما يسمي بقانون (الحق المطلق) الذي يضع الأمريكيين في مرتبة فوق بقية البشر، ويعطيهم الحق في إبادة الرافضين لطاعتهم، والرافضين لدور الْخِرَافْ.
إذا ما انتقلنا إلي النظرة العامة لرؤية العالم من المنظور الأيديولوجي الغربي الاستعماري، فإن نظرتهم وتقييمهم للعالم بسكانه، وثرواته، لا يخرج عن كونه (سُوقْ) بالمعني التجاري، ويجب التعامل مع (السُّـوقْ) بكل وسائل السيطرة، من التهديد (بالإيِــــذَاءْ)، المستند إلي (الحق المطلق)، إلي وسائل الدعاية والاغراء.
ودعوني أطرح سؤالا: هل يستطيع أي نظام سياسي في العالم، أو أي تجمع سياسي مدني او نقابي، أن ينظم مظاهرات وفعاليات سياسية بأعداد تقدر بالملايين داخل الولايات المتحدة الأمريكية، أو خارجها يطالب (الرئيس الأمريكي) بالرحيل .. فيرحل؟ لكن الادارات الأمريكية تأمر الرئيس (فلان) رئيس الدولة (الفلانية) أن يرحل فيرحل، ومن لا ينفذ القرار يتم اعداد اجراءات ترحيله بالقوة، وكأننا أمام إجراء محلي داخل البلد الواحد.
والآن تابعوا معي ما يتقيأ به المرشحون لمنصب الرئاسة الأمريكي في قضية التعامل مع دول العالم، ونظرتهم للمواثيق الدولية. فتشوا معي على مقولة أو تصريح موجه من قبلهم يؤكدون فيه للشعب الأمريكي والعالم أنهم سيلتزمون بقواعد القانون الدولي العام، وبالمواثيق الدولية في تعاملاتهم مع دول العالم.
أنا لم أوفق في العثور على مقولة واحدة أو تصريح واحد يؤكد هذا المعني. لكني وجدت المرشح الجمهوري للرئاسة الملياردير ( دونالد ترامب) (مُسْهِلاَّ) في تصريحاته المعتمدة على القوة الغاشمة فيصرح ويكرر (انها القوة، انها القوة. لا أحد سيعبث بنا. قواتنا العسكرية ستكون الاقوى). وفي تصريح آخر قال: (السعودية كمثل البقرة، إذا جفت ضروعها سنذبحها).
وآخر الأحداث التي أعلن عنها التلفزيون الألماني في نشرة الأخبار 13/5/2016 هو أن الولايات المتحدة الأمريكية أنشأت قواعد صاروخية على أرض (رومانيا) تبطل مفعول الصواريخ الروسية البالستية. أنهم لا يتوقفون بحثا عن التفوق العسكري الذي يمنحهم القدرة على (الإيِــــذَاءْ) المنفرد.
إن التغني بالنموذج الأمريكي المطبق في اطار العلاقات الدولية واستنساخه من قبل المدافعين عنه في أوطانهم، لا يمنح أي فرصة لتقدم أي دولة، ولا يحقق الفرص في تحقيق الأمن العادل، وتأمين المصالح للكل، لكنه نموذج يوفر الفرص والمزايا للنخب من السماسرة المحليين من أمثال (البرادعي) أن تشارك النموذج الأمريكي في استغلال شعوبهم، أو تخيف بقوتها من يمتلكون القرار السياسي في بلدانهم.

نواصل السرد التاريخي، والتطبيقي، لقواعد التعامل الدولي، في نطاق الاقليم العربي ليزداد تأكدنا أنه لم ترد فيه إشارة إلي (نصائح الأمهات).

وسَأُذَّكرْ القارئ بعدد من المقولات والتصريحات رددها قادة الكيان العنصري الصهيوني النازي ومتعلقة بكيفية التعامل بالتهديد في أمن ومصالح الوطن العربي من المغرب حتى تخوم العراق.
مقولة دافيد بن جوريون: في سجلات لجنة الأمن القومي في إسرائيل بتاريخ يناير 1957 تحدث بن جوريون: ( إنني لا أعرف إلي أين يمكن أن نصل ببرنامجنا النووي، ولكني أتطلع إلي اليوم الذي تستطيع فيه إسرائيل أن ترغم أعداءها على توقيع اتفاقية سلام على أساس الأوضاع القائمة على الأرض وقتها، ثم لا يكون في مقدور هؤلاء الأعداء مناقشة شروط إسرائيل لأنهم يعرفون ما يمكن أن ينتظرهم).
(راجع كتاب محمد حسنين هيكل: عواصف الحرب وعواصف السلام، الكتاب الثاني، ص117).
ثم جاء امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية ووسائل نقلها إلى أي بلد عربي، فأصبح أي اتفاق بين العرب والصهاينة هو اتفاق يخضع لابتزاز موازين القوة المختلة، أي لقاعدة القدرة على (الإيِــــذَاءْ).

كان الرد على امتلاك إسرائيل لأسلحة دمار شامل، هي تلك اللحظة التاريخية النادرة، عندما توحدت كل الفصائل السياسية المصرية لِتَدْعَمْ الإعلان الصادر عن نظام (حسني مبارك)، الذي رفض التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، (وربط توقيعه على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (ن.ب.ت.NPT) بتوقيع إسرائيل عليها).
ولأن مبارك من سلالة الحكام التي لا تشهر عضلاتها إلا في مواجهة الشعب، فقيل له (أخرس، وبدل موقفك) فأسرع وتراجع عن قرار سيادي للدولة المصرية.
(راجع التقرير الاستراتيجي العربي: معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية / عودة الإجماع الوطني، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 199 / 1996، ص424_425.)

مقولة جولدا مائير: إذا كان بن جوريون ويوسف ويتز قد اعترفا بأن هناك طرفين يتنازعان حق ملكية الأرض في فلسطين، فإن ما قالته غولدا مائير كان أكثر نازية وعنصرية فصرحت..( ليس هناك شعب فلسطيني. ليس الأمر كما لو أننا جئنا لنطردهم من ديارهم، والاستيلاء على بلادهم. إنهم لا وجود لهم). انكار لوجود شعب!! فهل أنصفهم القانون الدولي العام؟ أو ساندتهم المواثيق الدولية؟ أو أن حقوقهم سيستعيدها رفع غصن الزيتون.!!

المنظمة الدولية للأمم المتحدة .. ودورها المساند للقادرين على (الإيِــــذَاءْ).
انعكست سياسات الدول التي اعتمدت القوة وسيلتها في التعامل الدولي على المنظمة الدولية للأمم المتحدة. فتكشف ضعفها وانحيازها للقادرين على (الإيِــــذَاءْ). وظهر هذا واضحا من خلال تطبيق القرارات الصادرة عنها. فأصبحت النظرة إلي قراراتها بلا قيمة، ولا تعدو عن كونها إدانة ورقية، مثل القرارات المتعلقة بالمنطقة العربية 181 / 242 / 338 / 425.
وقد فضح وزير الخارجية الفرنسي (رولان دوما) في تصريحه لجريدة اليموند في 12/3/1991، بعد أن أصبح خارج السلطة دور منظمة الأمم المتحدة في إطار الصراع العربي / الإسرائيلي فقال: (أن مجلس الأمن اتخذ 197 قرارا، حول المشكلة الفلسطينية و 34 قرارا حول الفلسطينيين، وقد بقيت هذه القرارات جميعها حبرا على ورق...ومنذ 50 عاما، كان القادة الإسرائيليون من أي حزب، يضعون أنفسهم فوق القانون الدولي).
(راجع روجيه جارودي: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ص292.)

مقولة نتانياهو: الذي يحكم الكيان العنصري الصهيوني النازي (الآن / الآن) قال: (لا يوجد في العالم من يقدر على إيذاء إسرائيل). مقولة تمثل تهديد مباشر لكل دولة لها موقع على الخريطة العربية، هل سمع الناس من أي نظام سياسي في المنطقة العربية، اعتراضا أو تعليقا على ما صدر عن نتانياهو؟ هذا الصهيوني النازي لم تراعي صلافته احراج النظم السياسية التي اعترفت بإسرائيل، وما زال قادتها يرددون ويتفاخرون بترديد المصطلح المزيف المعروف (بالسلام)، يسترون به ضعفهم وعورتهم وخيانتهم.

مقولة (فرانسوا أولاند) الرئيس الفرنسي عند زيارته للمملكة النفطية لأسرة آل سعود قال: (إن أَمْنْ السعودية من أَمْنْ فرنسا). وتعليقي على ما صرح به الرئيس الفرنسي هو: لا قيمة فيمن قيلت فيهم المقولة، فهم أصلا بلا قيمة، ولكن القيمة فيمن قال: وهو الرئيس الفرنسي.

مقولة (ميركيل) المستشارة الألمانية في الكنيست الإسرائيلي: (إن أَمْنْ إسرائيل من أَمْنْ ألمانيا، وهذه قضية غير مطروحة للنقاش انتهي الأمر. هكذا قالت انتهي الأمر). وتعليقي على ما صرحت به المستشارة الألمانية هو: القيمة فيمن قالت .. والقيمة فيمن قيل..لهم.

أما المقولة التي اعتمدت الضعف تبريرا للخيانة، هي مقولة السادات أن: (الولايات المتحدة الأمريكية تملك 99% من أوراق الحل في المنطقة العربية)، ولسوف تظل هذه المقولة تلاحقه في قبره وفي تاريخه. وهي المقولة التي كان يجب أن تكتب على كفنه، ولسوف استمر في ملاحقته فهو من اسس للتخريب الاقتصادي وتبديد الأمن الوطني والقومي.

هكذا يتحدث الأقوياء ممن يمتلكون القدرة على (الإيِــــذَاءْ). وعندما يتحدث الأقوياء يصمت القانون الدولي العام أو يتوارى، نفس الشيء ينطبق على المواثيق الدولية والإقليمية. إذا ليس غريبا أو شاذا، أن يكون الحديث والاحتكام في العلاقات الدولية إلا بين أَنْدَادْ، كل منهم يملك القدرة على (الإيِــــذَاءْ)، بالردع المتبادل، وأزمة كوبا كانت مثالا، أما ما يسمي بالردع المنفرد فهو نموذج اسرائيل والعرب، فإسرائيل وحدها من يمتلك القدرة على الردع المنفرد، بعد أن حالت الثورة المضادة بقيادة (السادات) في مصر، امكانية خلق توازن في موازين القوة، فأصبح الطرف الإسرائيلي المتفرد بامتلاك القدرة على (الإيِــــذَاءْ)، والتهديد بها. أما نحن في الوطن العربي فنرفع شعارات السلام، ونغني (لست الحبايب).

أين هذا كله يمكن أن يقارن ويتوازن مع نصيحة (أم) لولدها؟
فهل تتساوي قاعدة (الإيِــــذَاءْ) مع: (عَلْمِتْنِي ولدتي ... قالت لي متطمعش في اللي في إيدين الناس)، ثم يعاود فيذكر النصيحة مرة أخري ويحاول تفسيرها، فربما وجد على وجوه الحاضرين من لم يستوعب النصيحة وعلاقاتها بالعلاقات الدولية...فيا ليته لم يعاود التذكير بها، ويا ليته لم يشرحها. كلام تبرع به عبد الفتاح السيسي لمن اراد أن ينال منه، وكلام تسبب في تراجع من أيدوه، (وكنت واحدا منهم)، لكني احتفظ له بدوره في الاطاحة بجماعة الاخوان الارهابية.

إلي هذا الحد ويكفي ... تفسيرا للعلاقة بين نصيحة (أُمْ) وعلاقتها بالعلاقات الدولية، وأعتقد أن الرسالة قد وصلت!!!

ما هي أزمة الرئيس السيسي؟
إن أزمة الرئيس السيسي ليست في نصيحة (والدته)، ولكن الأزمة هي في إدارته للنظام السياسي. فالرئيس السيسي يعتقد أنه قادر على جمع الأضداد، الشيء ونقيضه بفعل المنصب الرئاسي. لكن النتيجة ستثبت عكس ذلك، فهو لن يتمكن من أن يربح طرفي الصراع في كل مشكلة تتعلق بقضايا المجتمع. فالسيسي لن يكسب تأييد المستغلين للشعب بتأمين مصالحهم وامتيازاتهم وحمايتهم، وفي نفس الوقت يتوقع أن يتقبل الشعب بالرضا استمرار نهب ثرواته واستمرار شَقَاءِهْ.
إن أزمة الرئيس السيسي ليست في نصيحة (والدته)، فهو يتمسك بنموذج ما يسمي بالانفتاح الاقتصادي، في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية بدأت منذ عام 1974 وحتى الأمس، وكان حصادها تدمير الاقتصاد المصري، وخرابا جرته الديون على مصر.
والتناقض هنا، كيف يمكن أن يحقق نموذج للتنمية قائم على استغلال شعب مُنْهَكْ؟ ثم يتوقع الرئيس أن هذه (الْخَلَطَّةَ) التنموية المجربة على مدار 42 سنة، يمكن أن تحقق عدالة اجتماعية للغالبية الساحقة من شعب مصر. فعروضه الانمائية، ليست جديدة، والجديد فيها يتركز في محاولات الترقيع، وستر مساوئ وعورات الانفتاح الاقتصادي وكوارثه، بالحيلة، وبالأحلام، وبأسماء مستعارة.

واسمحوا لي أن أقدم نصا من الميثاق الوطني الذي قدمه الرئيس جمال عبد الناصر في 21/5/1962 يشرح فيه أوضاع مصر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، قبل ثورة يوليو، وهي حالة تكاد تكون متطابقة مع الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمصر الآن، إن لم تكن أسوأ، وليجرب كل من لديه القدرة على تخطئة ما جاء في الميثاق حول دور رأس المال في حياة المجتمع:
(سيطرة رأس المال على الحكم معناها دكتاتورية رأس المال، وبقاء البناء الاجتماعي والاقتصادي لخدمة مصالح فئة قليلة وطبقة محدودة.. لخدمة الطبقة الرأسمالية، وإذا سيطرت الطبقة الرأسمالية على البناء الاجتماعي والاقتصادي معناه السيطرة على الحكم بطريق مباشر أو غير مباشرة، ومعنى هذا دكتاتورية الإقطاع ودكتاتورية رأس المال التي تحاول أن تخضع المجتمع كله للاستغلال والسيطرة ).

إن أزمة الرئيس السيسي ليست في نصيحة (والدته)، ولكن الكارثة أنه أصبح يتصرف وكأن هذا البلد (مصر) مصيرها متعلق به شخصيا، ومحصور في نطاق منصبه. وأصبحت مفردات خطابه السياسي تفضح ضعفه، وارتباكه، وحتى ثقافته. وهذا يصل بي إلي القول أنه لم يستوعب ما جرى في 25 يناير / 30 يونيو.
فهذه أول مرة يتحدث فيها رئيس دولة عن ( أهل الشر لازالوا يعملون، وسيعملون)، ويتعمد عدم ذكر اسماء تلك القوي الشريرة، ويبرر ذلك بقوله: (أنا ما بسميش حد بطبيعة الحال. مش اخفاءا لكن دا سلوك أنا بتعامل بيه في العموم).
ويضيف: (هناك من يعمل لكي يجعل المصريين في حالة نفسية غير مستقرة)...(حاولوا ضربنا منجحوش / حاولوا حصارنا منجحوش / حاولوا عزلنا منجحوش). كل هذه اللافتات التي يتحدث عنها السيسي منقوشة بالطلاسم، لافتات تُـقْرَأْ .. ولا تُفْهَمْ.

يا (سَيِّــدْ) هذه إدارة دولة، ليس لها علاقة بنصائح (أُمْ) أو بتعليمات (أَبْ)، أو عائدة لطبائعك الشخصية، فما هو شخصي احتفظ به لنفسك، أما ما يتعلق بإدارة النظام السيسي فله قواعد تضبط تعاملاته. فإذا تحدثت عن قوي الشر، التي تسعي في الأرض فسادا، وقد رسخوا حالة نفسية غير مستقرة في المجتمع المصري، ويمارسون التخريب والاضرار بمصالح وأمن البلد يوميا، فليس من حقك أن تبرر صمتك بأنه عائدا لسلوكك الشخصي، وإنما واجبك يحتم عليك ذكر كل التفاصيل للناس فهم الْمُعَرَّضُونَ والْمُهَدَّدُونَ مباشرة وبصفة مستمرة، ومن ثم فهو أمرا ليس متعلقا بشخصك أو بأسرتك، واقع لا يصلح التعامل معه بالقول: (مَنْ كتم سِرَّهُ كان الْخِيَارُ في يده).

يا (سَيِّــدْ) ماذا تنتظر من شعب لا تصارحه بالحقائق، وتطلب منه أن يؤيدك وهو لا يعرف على ماذا يؤيدك؟ تطلب منه أن يكون يقظا وهو لا يعرف مصدر الخطر الذي يهدده. تطلب منه أن يستمع إليك وحدك / وأن يسألك وحدك / وأنت لا تقدم له إجابات على اسئلته. هذا المنهج المستخدم في إدارة الدولة تسبب في قطع الاتصال والصلة بينك وبين الشعب، فلا يمكن ان يجري حوارا بين صَامِتْ...وبين مستمع تعتقد أنه أَصَّمْ.

وعلى كل الأحوال لقد حصلت شخصيا على قائمة سربتها مؤسسة الرئاسة تضمنت أسماء قوي الشر التي يتحدث عنها الرئيس السيسي ولا يأتي على ذكرها، وهي على النحو التالي:
1_ الولايات المتحدة الأمريكية.
2_ إسرائيل.
3_ النفطيون وتحديدا أسرة آل سعود، وقطر.
4_ جماعات الاتجار بالدين
5_ جماعات الاتجار بالوطن.
6_ النفايات المتبقية من الحزب الوطني الذي أسسه الرئيس (الشهيد السادات)، واستولت قياداته، وخدم قياداته، على ثروة شعب وعرق الملايين، ولم يكتفوا بهذا فتمادوا في اهانة المصريين وتعاملوا معهم كشعب من العبيد.

إن أزمة الرئيس السيسي ليست في نصيحة (والدته)، وإنما في التبرير الذي قدمه للناس فمنعه من ذكر اسماء قوي الشر هروبا من مأزق التناقض، التناقض بين تقييمه السياسي لقوي الشر ودورهم، وبين التستر على أسمائهم. والناس أصبحت تعرف أن آل سعود، وآل ثاني هم من يمول قوي (الشَّــرْ) بالمال والسلاح، وبتوفير الغطاء الديني، والغطاء الدعائي، وما كان هذا ليتم بغير ضوء أخضر واشراف مباشر للإدارة الأمريكية، وبمشاركة إسرائيلية تركت الدور الظاهر للنفطيين وجماعات الاتجار بالدين، لكنها على معرفة بكل التفاصيل.
المانع الثاني في عدم ذكر أسماء قوي الشر هو ما ورد فخطابك من تقييم لعلاقات النظام السياسي مع دول العالم، فذكرت أن العلاقات مع دول مثل روسيا والهند وكوريا بالعلاقات الجيدة، بينما جاء توصيفك لعلاقة النظام السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية وبالغرب عموما بأنها علاقات استراتيجية، والفارق الذي يفصل بين العلاقات الجيدة، والعلاقة الاستراتيجية، يحتاج إلي دراسة تفي للموضوع حقه في التفسير.
لكني سأختصر توصيف الفارق بين مصطلح العلاقات الاستراتيجية، والعلاقات الجيدة، بقوانين الميكانيكا المرتبطة بحركة الْتُرُوسْ. (فالتِّرْسْ الْقَائِدْ هو الذي يحدد عدد دورات الْتِرْسْ الْمُنْقَادْ، وسرعته، واتجاهه). وليس بالضرورة أن يكون الْتِرْسْ القائد من تصنيع محلي.
ثم تأتي زيارة الملك السعودي وهو رمز من رموز قوي الشر المتربصة ليس بمصر وحدها ولكنها متربصة بأمة العرب، فلا يغادر المحروسة قبل أن زرع أسفين الفتنة بين المصرين. فتعامل مع النظام السياسي بمثل ما تعامل به البنك الدولي مع مصر في تمويل مشروع السد العالي. عرض تمويل الْسَـدْ العالي في مقابل الاعتراف بإسرائيل، وألان يأتي صهاينة العرب فيعرضون قروض مقابل انتزاع جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، وأن يجري تحجيم ما هو متبقي من دور لمصر في الإقليم العربي.
وهذا ما تحقق وبشهادة وزير الخارجية المصري سامح شكري قال: (ليس من أهدافنا أن تكون مصر رائدة، فمصر ليست رائدة ولكن لها قدرات بحكم موقعها الذي لا ينافسها فيه أحد، لا نسعى أن نكون رواد لأحد وإنما شركاء).
الكارثة هي أن وزير الخارجية لا يعرف الفرق بين الدور الطبيعي، والدور المصطنع، بين الدور الرائد بطبيعته وبمكوناته، وبين الدور الذي تحركه أفرادا ليس لهم انتماءات قومية، ولكنهم يعوضون هذا النقص بالقروض والإكراميات. لكن على النظام السياسي أن يتأكد، أنه مهما بلغ حجم الايذاء من قوي الشر، ومهما بلغ حجم التفريط من قبل النظام السياسي، سيظل دور مصر قائما بحكم مكوناته وبنائه الطبيعي، وهو دورا لا يصلح معه البيع، ولا يصلح معه التنازل بالرشوة. قد تتمكن قوي الشر أن تجمده لفترة زمنية، لكنه يظل باقيا، ليس خاضعا لتقييم المنتفعين بالمناصب، أو الراغبين في قبض ثمن التفريط.
إضافة لملاحظات أخرى حول خطاب السيسي:
لم يأتي في خطابه على ذكر الولايات المتحدة الأمريكية ولو مرة واحدة.
لم يأتي في خطابه على ذكر إسرائيل ولو مرة واحدة.
لم يأتي في خطابه على ذكر مشيخة نفطية كالسعودية وقطر.
لم يأتي في خطابه على ذكر كلمة واحدة مرتبطة بالعروبة، أو الانتماء إليها. وراح يكرر التحريض بالقطرية المصرية.

الخطاب السياسي للسيسي مليئا بمفردات غير محددة:
_ (لن أسمح بتمزيق مصر...قسما بالله اللى هيقربلها لاشيله من فوق وش الأرض.) التهديد لقوي شَــرْ مجهولة الأسماء والهوية، أو لقوي شر لا يعرفها غير الرئيس.
_(أنا مسؤول أمام الله عن 90 مليون وسأقف أمام ربي يوم القيامة أقوله أنا خليت بالي منهم). يا (سَيِّــدْ) أنت مسئول أمام الشعب في الفترة الزمنية المرتبطة بالمنصب الرئاسي، ولا داعي للعب على العصب الديني. فقوي الشر من جماعات الاتجار بالدين يرددون نفس المفردات وأنهم مسئولين أمام الله، وأنهم يفعلون هذا بتكليف من السماء.
_ (بتكلم معاكم زي ما كل مرة بتكلم بكل صدق دايما، وبكل اخلاص، وبكل أمانة وبكل علم وأرجو أن نحط تحت كلمة علم خط كويس).
_ (لو سمحتم متسمعوش كلام حد غيري.. أنا بتكلم بمنتهى الجدية... أنا مش راجل بكذب ولا بلف وادور ولا ليه مصلحة غير بلدي...وفاهم أنا بقول أيه).
ألا تري أنك تمنح نفسك صفات ذاتية، كان من الأفضل أن تأتي من الناس في تقييم دورك وشخصيتك. ألا تري أن منهجك في التفرد والحديث عن (الأنا) عزلك وابعد عنك الكثيرون.

الا تعتقد أن هناك ملايين تشاركك نفس القلق والخوف والحرص؟ فلماذا لا تشركهم معك ومن خلال طرح كل الحقائق حتى تظهر بالفعل وكما قلت أنك: ( مش راجل كذاب)
_ وأخيرا مقولة: (أنا ما بخفش). الخوف مِنْ...مَنْ؟
_ (أنا عارف مصر زي ما أنا شايفكم قدامي كده وعارف علاجها). السيد الرئيس هناك انسداد في قضايا التمويل والأمن تسبب في احداث حالة عسر هضم للاقتصاد المصري. ما العمل؟
_ (لازم نحافظ على النسيج الاجتماعي). (أفكار شريرة القفز على دولة لأخذ خيرها). (الكتلة لَماَّ تفك يسهل كل شيء).
_ (الانتحار القومي لسبب الشك وعدم التصديق. احنا أكثر الناس لا نصدق بعضنا).
تحدثت عن ظاهرة لكن لم تطرح كيف تبني الثقة؟

مرة أخري أنت تحاول أن ترضي الجميع حتى يرضي عنك الجميع، وهذا محال لأن طبيعة الأشياء قائمة على الصراع الاجتماعي. وهذا قانون مرتبط بطبيعة البشر رغم انقساماتهم في الآراء والسلوك والمصالح والأهداف.

أنت وضعت الناقد لسياساتك في مواجهة وطنه، وهنا تداخلت المواقف بين من ينطق ساعيا للتصحيح، وبين المنتقد المأجور. جمعت الكل على صعيد واحد. وهو نفس ما تفعله جماعات الاتجار بالدين وجماعات الاتجار بالوطن. فجماعات الاتجار بالدين تحصر اختيارات الناس بين الله، وبين القرضاوي، فمن خالفهم فقد كَفُــرَ، جماعات الاتجار بالوطن تحصر اختيارات الناس بين الحرية المزعومة التي هي من نصيب النخب ووقفا عليه، ومن خالفهم فهو مع الديكتاتورية، وفي صف العسكر.

لك الله يا أم صابر.


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد فؤاد المغازي
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد فؤاد المغازي:
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار ... 7 - محمد فؤاد المغازي


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.08 ثانية