Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

 المنتدى

مواضيع مختارة

أحمد الجمال
[ أحمد الجمال ]

·موسوعة مصر والقضية الفلسطينية - احمد الجمال
·الأمية التاريخية - احمد الجمال
· كيف لا يجهض الحلم؟ - احمد الجمال
·مــولانا - احمد الجمال
·قراءة فى زيارة الرئيس للكنيسة - احمد الجمال
·آخر الدواء الكى! - احمد الجمال
·هواجس الأسئلة المخيفة - احمد الجمال
·عطفًا على ما كتبته هدى عبد الناصر - احمد الجمال
·التخنيون».. و«العبرية» - احمد الجمال

تم استعراض
47679307
صفحة للعرض منذ April 2005

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: خالد
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 226

المتصفحون الآن:
الزوار: 27
الأعضاء: 0
المجموع: 27

Who is Online
يوجد حاليا, 27 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

  
الفكر القومى والحركة العربية - د . أحمد زكريا الشلق
Posted on 17-12-1437 هـ
Topic: القومية العربية
من أواسط القرن التاسع عشر حتى أوئل القرن العشرين

د . أحمد زكريا الشلق*

يتناول هذا البحث دراسة خيوط انبعث حركة يقظة وفكرية عربية , تحولت بفعل عوامل عديدة , الى حركة سياسية قومية وقف فيها العرب للعثمانيين وجهاً لوجة , بعد ما يقرب من قرون أربعة من قبول حكمهم وسيادتهم بأسم الإسلام والخلافة , وبأسم حماية بلادهم من أطماع الغرب التوسعية , فيعرض لمرحلة جديدة , وأخيرة , من علاقة العرب بالدول العثمانية , امتدت لنحو سبعين عاماً , بدأت مع أواسط القرن التاسع عشر , وبلغت نضجها و والذى استطاعت معه مجابهة الدولة , مع بداية الحرب العظمى الأولى , وقد تشابكت وتقاطعت خلالها ومضات الفكر وأفعال السياسية , وجهود المفكرية , مع أصحاب السلطة والسلطان , وعلى مساحة المشرق العربى كلة , الذى كان مسرحاً لذلك .

وسنحاول إلقاء الضوء على مدى أهمية نسبة نشأة الوعى القومى العربى إلى جزء من بلاد الشام , دون سائر المشرق العربى , وكذلك نتبين أهمية وحجم دور كبير , ربما مبالغ فية , فى خلق هذا الوعى , وإلى مدى تأثر هذا الوعى فى تطورة , بالنظريات الغربية عن القومية ؟ ولا يعنينا مناقشى نشأة الوعى القومى وتلك الحركة على اساس طائقى , ينسب الدور الأكبر والأهم لهولاء أو أوولءلك , وهو ما مالت إلية دراسات كثيرة تناولت المسألة , وحسبنا أن نحاول إضاءة الموضوع بنظرة كلية شاملة , استناداً إلى حقائق التاريخ ,ومنطق الأحداث ..انه باختصار الفصل الختامى فى علاقة العالم العربى بالدولة العثمانية , وهو ما يطلب نظرة سريعة على تطور علاقة العرب , بالإسلام , بالعثمانيين , وهو ما يقضى التأكيد على عدد من الملاحظات .




ومن هذة الملاحظات أنة ينسب إلى العرب تطور هام فى تاريخ الإنسانية , يستمد أهميته من نزول ” الإسلام ” كرسالة سماوية عالمية , على نبى عربى , بلسان عربى مبين كما كان العبر مادة الإسلام أى وسائلة البشربة , لنشر دعوتة وتبليغ رسالتة .. كذلك يستمد هذا التطور أهميتة من ” التعريب ” اللغوى والعرقى , الذى حدث بواسطتهم لأهالى البلاد التى فتحوها أو ضموها , حين حلت لغتهم العربية , تدريجياً , محل لغاتها , حتى غلب الدم العربى .. إذا كانت ظاهرة التعريب قد سبقت تاريختهاً , باعتبارها بدأت قبل ظهور الإسلام , فإنها لم تغير العناصر الاساسية لحضارات البلاد التى واكبت وأعقبت الفتوحات الإسلامية , فقد كانت شيئاً اخر , تغذت بلبان الإسلام وقوتة الروحية وثقافية , فضعفت أمامها المكونات الأساسية لحضارات ذات الأصول اليونانة الأرامية , والساسانية , واليونانية القبطية .

يلاحظ كذلك ارتباط ظاهرة نشر الاسلام والتعريب , وعملهما معاً , حيث كانت الصلة بينهما وثيقة , ومع ذلك فإن حدود امتدادهما لم تكن واحدة , فقد انتشر الإسلام , باعتبارة قوة روحية , فى ميادين أوسع , وتخطى ما قصر التعريب , باعتبارة يتطلب هجرة مادية . عن وتخطية .. المهم أنة برز عالمان:

العالم الإسلامى والعالم العربى , والعالم الإسلامى إلى الهند والصين , وإلى أقصى غرب أفريقيا , بينما ظل العالم العربى , والعالم الأول يتمضن الثانى، وبمرور الزمن امتد العالم محصواً فى البلاد التى بلغ فيها التعريب درجة كبيرة من العق والشمول , نتج عنة سياده اللغة العربية التى صارت لفة قومية ومتزاج جمعات كبيرة من العرب الذين استوطنوها , بأهل البلاد , وانتقال عاداتهم وطرائق تفكيرهم وحياتهم إليها , لتمتزج بما هو موجود فيها .

لم تعد كلمة ” عرب” تعنى قبائل البدو الرحل , والذين سكنواشبة الجزيرة العربية , فقد تعبر المضون وأصبح مع الزمن يدل على ” المواطنين ” الذين يقيمون فى هذا العالم العربى , وقد غلب التعريب على عناصرهم المختلفة , رفانطبعوا بطابعة , واصطبغت عاداتهم وتقاليدهم بصيغة عربية , وأصبحت لغتهم الأصلية هى اللغة العربية , وصار الإسلام وثقافية , دين وثقافة الإغلبية الساحقة منهم , وصار اللفظ يطلق على المسيحيين العرب ، يفرقهم المختلفة ، باعتبارهم تعربوا وإن لم يدخلوا الإسلام كدين وعقيدة .

وقد تعاقبت على هذا العالم العربى ، بنطاقة الجغرافى المعروف ، الدول الإسلامية والأسر الحاكمة فى تعاقبها التاريخى , الذى استمر حتى مطلع القرن السادس عشر ، وعندما زحف الأتراك العثمانيون من جبال ووهاد الأناضول إلى القاهرة عام 1517 ، وأرسوا قواعد دولة كبرى ، ذات طابع امبراطورى ، وبسطوا سلطتهم وسيادتهم ، من الجزائر غلاباً حتى الخليج العربى شرقاً ، ومن حلب شمالاً حتى المحيط الهندى جنوباً ، فشملت دولتهم بذلك قلب الإسلام ورأسة ، ففضلاً عن المدن المقدسة الثلاث ، مكة والمدينة وبيت المقدس ، كانت تشمل دمشق والقاهرة وبغداد .. وظلت سيادتهم فى مطاق هذا الحدود حتى اوخر القرن الثامن عشر ، وإن تبدلت وتغيرت طبيعة السلطة التى مارسوها ، والتى كانت ضعيفة بوجة عام ، تفتقر إلى وسائل الحفاظ على نفسها .

ومع ذلك ، فقد كان الحكم العثمانى للعالم العربى من العوامل التى ساعدت على زيادة الترابط بين الشعوب العربية ، فقد جمع العثمانيون العرب فى دولة واحدة ، حقيقة أن حكام هذه الدولة لم يكونوا عرباً ولكن الإسلام الذى جمع بين العرب والأتراك ، كان كافياً للاقتناع بالرابطة ،كما كان الشرق العربى ، بل العالم العربى كله ، يشكل وحدة صغيرة متصلة ، داخل الدولة الكبيرة ، تتصل أرجاؤها دائماً ، دونما حواجز سياسية أو جمركية تفرق بينها ، وكان يزيد من هذا الترابط والتواصل فى العصر العثمانى عوامل عديدة ، منها الحج الذى لم يكن مجرد تأدية فريضة دينية ، وإنما كان مجالاً للتبادل الثقافى والتجارى ، ومنها كذلك تبادل الزيارات العملمية بين الطلاب والعماء فى المشرق والمغرب العربيين ، فضلا ً عن وجود الأزهر الشريف ، الذى كان يضم بين جوانحة أروقة الطلاب والعلماء المغارية والشوام .[1]

لقد أخلد العرب فى كنف الدولة العثمانية إلى سبات طويل ، امتد من أوائل القرن السادس عشر وحتى أواسط القرن التاسع عشر ، وكانوا ينظرون إليها باعتبارها حامية لذمار المسلمين ، وحافظة لبيضة الدين ، رمز الخلافة ، والقمية على تطبيق الشريعة ، وكانت الدولة كذلك فى زمن قوتها وفتوتها ، فى عصر سلاطنيها العظام ، لذلك لم يأنف العرب من الانضواء تحت لوائها السياسى والدينى ( السلطنة والخلافة ) ولك يكن ثمة شعور لديهم ، بأن ذلك يؤثر على مكانتهم فى الإسلام ما دامت الدولة تتعامل معهم ، ومع كافة الشعوب المنضوية تحت لوائها ، دون تمييز بين جنس واخر ، كما لم تميز عنصرها التركى ، عن سائر الأجناس . غير أن توالى القرون والأحداث قد غير من نظرة العرب كثيراً إلى دولة الخلافة وكرد فعل لذلك تولد لديهم شعور بالتميز القومى أو أن هذا الشعور تيقظة العرب القومية ، بفعل عوامل داخلية وخارجية ، برزت اوضح ماتكون مع أواسط القرن التاسع عشر ، ثم ظلت تتضامن وتفعل فعلها ، لتوقظ فى النهاية حالة شعورية قومية لدى العرب .

ويبزر على رأس هذة العوامل ، ضعف الدولة وشيخوختها ، وهى الكيان الواسع الجامع والمهيمن ، الذى إذا ماأدركة العطب والضعف ، برزت الكيانات القومية أو العرقية ، بل والدينية والمذهبية ، لتتكتل ، أو تتشرذم ، حول ذاتها ، باحثة فى كينونتها عن تميزها القومى ، وتستنفر عناصرها الخاصة ، من لغة وتراث وتاريخ ووطن ومصالح مشتركة ، وتنزع عن الدولة الجامعة قداستها وهيبتها ، يساعدها على ذلك أن مركز السلطة فى الدولة اتجة إلى اتباع سياسة تركية محضة ، يستعلى بها على العناصر القومية الأخرى .

لقد اندرجت جامعة العرب القومية ، فى الجامعة الأكبر للمسلمين ، والتى تمثها الدولة العثمانية ، دولة الخلافة الإسلامية ، مع ذلك احتفظ العرب بلغتهم وثقافتهم ، وظل عالمهم على ما هو علية تقريباً ، وقد يعزى ذلك إلى ضعف تأثير الحكم العثمانى على العرب ، بسبب افتقار العثمانيين إلى رصيد حضارى قوى ومؤثر ، ولا أى دولة إسلامية ، لم تعترف بالتفرقة العنصرية بين أجناسها ، بعد أن تلاشى التمييز الأول بين العرب ويين معتنقى الإسلام من غيرهم ، وقبل نشوء القومية الحديثة ، فلم تعرف الدول سوى بعض التمييز فى وظائف اللغات ، وإلى حد مابين الفئات اللغوية : فقد كانت اللغة التركية لغة الحكومة والجيش . واللغة العربية لغة الدراسة والشريعة ، كما كان ثمة ميل إلى اعتبار اللغة الفارسية لفة الآداب .

لقد كان دور العرب الخاص مقدراً ومعترفاً به حقا ، وحيثما حل الإسلام ن حل معة الشعور بدور العرب الخاص فى التاريخ ، وكان لدى العرب ، ودعى قومى ، بذلك ، بل إن هذا الوعى ازداد بفضل العناية التى كان السلاطين العثمانيون يحيطون بها المدارس السنية ورجال الشريعة ، لكن هذا الوعى لم يتجل فى النوعة نحو إيجاد كيان سياسى منفضل ، بل ظهر فى الاعتراز باللغة والثقافة ولأجداد ، وفى الشعور بالمسؤولية نحو الإسلام ، على هذا الشكل تزعمة ونطق باسمة العلماء المحليون فى الولايات العربية ، فى الأزهر والجوامع الكبرى فى حواضر العالم العربى ، والعائلات الكبرى ، والتى صانت تقاليد الدراسة الدينية ، واللغة العربية وعلومها ، وذكريات ما قام بة العرب فى سبيا الإسلام عبر تاريخة.

لقد كان استخدام السلاطين العثمانيين للقب الخلافة من قبل إضفاء الهيبة الدينية ، وكسب ولاء الشعوب الإسلامية ، وأظهار العظمة ، ومن معروف أن العرب لم ينازعوهم هذا اللقب ، وإنما اعترفوا بأن السلطان هو خليفة رسول الله “صلى الله علية وسلم “ بل إنهم أضفوا علية نوعاً من الإلخلافة من نفوذ الدول العثمانية وسهل وحكمها ، بل لقد للفتنة ، وخروجاً على إجماع الأمة ، ولذلك يرتبط العرب بالعثمانيين الفاتحين برباط الإسلام ، وظل الدين هو القاسم المشترك بينتهما حتى القرن التاسع عشر . وعندما ضعفت الدولة العثمانية واستبان عجزها خلال هذا القرن بشكل واضح ، لجأت إلى الدين ، وسعت لإحياء رابطتة والتأكيد على “جامعتة” فيما عرف بالدعوة للجامعة الإسلامية .

ضعف الدولة العثمانية :

أما عن العوامل التاريخية التي أدت إلى ضعف الدولة العثمانية ، فيمكن ملاحظة أن الدولة اتخذت طابعاً إمبراطوريا ، حينما بلغت طوراً كبيراً من الاتساع والتنوع فى العراق والأجناس ، ومن هنا كان لابد من أن تتمتع بتنظيم على درجة علية من الكفاءة ، وأن يستخدم السلاطين سلطاتهم التنظيمية بصورة مستمرة وبكثير من المهارة ،وقد ارتفعت الأصوات تطالب السلاطين بذلك ، غير أنة لم يدخل القرن السابع عشر ، إلا وقد أخدت مظاهر التصدع تظهر بوضوح ، رغم محاولات إصلاح ، لم يكتب لها الصمود لأسباب عديدة يأتى على رأسها تصدى القوى المحافظة والرجعية لها .

لقد كانت بنية النظام السياسى والإدارى للدولة تنطوى على حقيقة ان السلطان هو محور الدولة ، وعى أساس كفاءتة وفعالية قيادية كانت الدولة تسير سيراً ، ولكن الدولة فى الواقع ، وبعد سلسلة من السلاطين الأكفاء والأقوياء ، منيت منذ القرن السابع عشر بعدد من السلاطين الضعاف ، الذين لم يعدوا إعداداً صالحاً للقيام بمهامهم ، فكانت النتيجة أن نشأ صراع على النفوذ بين كبار الموظفين وقواد الجيش المتحالفين مع العلماء ومع نساء القصر وعبيدة ، وفى نهاية القرن السابع عشر انتقل محور السطلة ، من السلطان إلى الصدر الأعظم ، الذى أصبحت دراة ( الباب العالى ) مركزاً للسلطة ، بدلآ من قصر السلطان ، فى حين كان مركز الصدر الأعظم نفسة ضعيفاً تعيينة وعزلة كان متوقعاً على مشيئة السلطان ، فضلاً عن افتقارة إلى جهاز فعال يحكم بة مما أصاب الإدراة بكثير من الاضطراب .. وأصبحت سلطة الدولة المركزية على الولايات تضعف تدريجياً ، معا أتاح للقوى المحلية حرية أوسع للعمل ، وتبع ذلك إنهاك قوة الدولة فى مقاوية محاولات انفضالية معلاوفة .

أما الجيش الذى كان مركز قوة الدولة وفخرها ، فقد تكررت ثوراتة فى عهد السلاطين الضعاف ، ونجحت فرق الآنكشارية أثناء بعض الثورات فى إجبار السلطان على تغيير الصدر الأعظم ، كما نقشت بينهم روح الاستخفاف بالأوامر العسكرية والنزوع إلى التمرد وعدم الانضباط ، ومع أواسط القرن السابع عشر انتهى نظام الدفشرمة ، وسمح للانكشارية بالزواج وإدخال أبنائهم إلى فرقها ، كما سمح للمسلمين الأحرار المولد بالدخول الى فرقها ، وغدا الالتحاق بالجيش يباع ويشترى ويورث كما انخرط أفراد الانكشارية فى الوظائف المدينة فى المدن الكبرى فى الدولة ، وتزوجوا من السكان المحليين ، ولم يأت القرن الثامن عشر إلا وقد أصبح الانكشارية قوة غير محارية بالمعنى الحقيقى ، بل مجرد فئات اجتماعية مميزة .. وفى كثير من ولايات الدولة أصبحت فرق الانكشارية ، التى كانت عماد النظام ، أصبحت الخطر المهدد له ، فهددت السلطة فى كثير من الأحيان ، وانشقت إلى أحزاب متناحرة ، خلقت للدولة حالة من التوتر الدائم .

وكان لنزوح قبائل جديدة من قلب الجزيرة العربية إلى صحراء بلاد الشام والعراق ، وآثارة فى تشكيل تحديات جديدة – مع فرق الانكشارية – لسلطة الدولة ، مما غير من طبيعة الحكم العثمانى للولايات العربية ، فنشأت ، كما هو معروف ، فئات حاكمة شبة مستقلة ، انتقصت من سلطة الدولة ونفوذها ، برز هذا واضحاً فى ظهور فئان من المماليك فى كل من القاهرة وبغداد وصيدا ، وفى ظهور العائلات المحلية فى كل من دمشق وجبل لبنان والموصل ، الذين رضحت الدولة وقبلتهم كحكام . بعد أن تمكنوا من ردع الانكشارية ، ومن رد البدو ، فى كثير من الأحيان ، كما استطاعوا تامين إدارة فعالية ، تستوفى الضرائب ، وتدافع عن الحدود ، وتحافظ ، وأن بدرجات متفاوتة ، على ولاء الولايات للسلطان العثمانى . ولكى يتسنى لهم ذلك أنشأوا جيوشاً خاصة ، وحصلوا على نفود أوسع ، أخل بالتوازن التقيدى الذى أرستة السلطة المركزية .

وقد نضيف الى عوامل الضغف أيضا اشتداد نزعة العلماء ورجال الهيئة الدينية الى أن يصبحوا فئة خاصة وممتازة ، وكان هؤلاء يرتبطون ببعضهم البعض أصلاً برياط التركية المشتركية ، فكانوا يرسلون ابناءهم الى مدارس استانبول الكبرى ليحصلوا بعد ذلك على المناصب العليا ، كما تسابقوا للحصول على إدارة الأوقات ******************* ” الالتزامات ” وتملك الأراضي , كما أصابهم ما أصاب رجال الهيئة الحاكمة من انتشار الرشوة والفساد بين الكثير من عناصرهم.

لقد بانت الدولة العثمانية تعانى أزمة اقتصادية ، تجمعت عناصرها منذ زمن طويل رادات الإدارة الفاسدة من خطورتها ، ان كانت أسبابها خارجية ترجع إلى توسع أوروبا شرقا وغربا بعد حركة الكشوف الجغرافية مما افقد منطقة شرقي البحر المتوسط أهميتها . ذلك أن المراكز التجارية الأوروبية في المحيط الهندي ، فككت الخطوط التجارية التقليدية بين الدولة العثمانية والعالم الخارجي في آسيا وأوروبا ، وحرمت الدولة من الجزء الأكبر من تجارتها الخارجية ، كما عانت ، بعد اكتشاف العالم الجديد وتدفق المعادن النفيسة إلى بلاد البحر المتوسط ، من ارتفاع خطير فى الاسعار ، فتزعزعت مالية الدولة وتضرروت الطبقات المنتجة ، ونتج عن ذلك كلة ازديار الضرائب وتقهقر الزراعة والحرف . ونتيجة عجز الدولة عن وضع نظام جديد لتقدير الضرائب وأسلوب جمعها ، لجأت الى خلق فئات ” الملتزمين ” الذين تولوا جمعها واستغلال الأهالى ، وجعلوها مهنة تورث ،وفوق هذا كلة ن كان على هذا الاقصاد المتداعى مواجهة نفقات القصر والهئية الحاكمة ورجال الدين .

ورغم أن العثمانيين فى القرن السادس عشر أوشكوا على تنصيب أنفسهم سادة على أوروبا ، وحاربوا دولها محارية الند للند ، إلا أن الصور تغيرت تماماً ،عندما بدأت أوروبا تشهد الثورة العلمية ، وما انبثق عنها من قوة عسكرية واقصادية ، فلم يتمكن العثمانيون من مجاراة ذلك أو الاستفادة ، أواستيعاب الاكتشافات الجديدة فى فنون الحرب ، كما فعلوا ذلك فى عصر سابق ، فقد انتهى ذلك الزمن الذى كان فية العثمانيون يقبلون على التعلم من أوروبا بدافع مصلحتهم ، ويقتبسون منهم ثمار التقدم فى فنون الحرب ، فقد الدولة حيويتها ، بعد انصرام عهد الصلاطين العظام الطويل ، كما فقدت مهارتها السياسة ، ولم يعد بوسعها التكيف وفقاً للتغيرات الجديدة ، التى أصبحت سريعة وواسعة ، فلم يكن للاكتشافات العلمية الجديدة أى صدى لديها ، كما أن الجيش والبحرية لم يقتبسا شيئاً من التطورات الفنية الجديدة ، ويرز الانحطاط فى أواسط القرن الثامن عشر على نحو واضح وخطير.

لقد عجز العثمانيون عن أن يكونوا أندادا للدولة الأوروبية منذ ذلك التاريخ ، فكانت النتجة ازدياد نفوذ هذة الدولة فى عاصمة السلطان ، كما توغلب الجيوش الروسية فى البلقان القوفار ، وفرض على السلطان التخلى عن ” القرم ” التى كانت اول مقاطعة إسلامية تنسلخ عن الدولة العثمانية ، ومع نهاية القرن الثامن عشر احتل الفرنسيون مصر ، ولم تتمكن الدولة من طردهم إلا بمساعدة الإنجليز نوتحت وطأة ذلك كلة اضطرت الدولة الى منح الدولة الأوروبية الكثير من الامتيازات فى ولاياتها ، والتى كان منها حق حماية طوائف دينية بعينها ، صار أربابها عملاء التجارة مع اوروبا وارتفع مستواهم الثقافى كما اشتد شعورهم الطائفى ، مما سينعكس أثرة على نحو خطير فيما بعد .[2]

لقد تعرضت الدولة العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر لمجابهة تحد خطير هدد وجودها ، جاء من قلب الجزيرة العربية ن حين تحولت الحركة الإصلاحية السلفية ” الوهابية” الى دولة ، تتحدى القوى الاجتماعية السائدة ، وتتحدى السلطنة العثمانية ، التى كانت تدعم العالم السنى والسنة ، كما فهمها السلف ، بل كما كانت قد انتهت إلية عبر العصور ، وقد ركز صاحب الدعوة على فكرة أن الإسلام الذى يحمية السلطان العثمانى ، ليس هو الإسلام الصحيح ، وهذا يعنى ضمناً أن السلطان ليس هو الآمام الحقيقى للأمة ، وكما هو معروف ، عجزت الدولة عن التصدى للحركة الجديدة ، إلا بالاستعانة بواليها فى مصر ، الذى تمكن من ذلك ، وأصبح هو نفسة ، يشكل تحديداً جديداً للدولة بعد بضع سنين .

وقد يلاحظ كذلك أن الدولة العثمانية ، ووجهت بثورات محلية وحركات انفصالية ، ودعوات إصلاحية ، مناوئة لسلطتها فى كثسر من الولايات العربية ، وشكلت تهديداً لأساس علاقتها بالعرب ، لكن هل يمكن أن نفسر هذة الحركات باعتبارها تمثل اتجاهاً قوميا عربيأً ؟ وهل كانت صدرة عن شعور قومى عربى حقاً ؟ الواقع أنة فيما يتعلق بالحركات الانفصالية ضد السلطة العثمانية فى بلاد الشام ومصر ، مثل حركة على بك الكبير فى مصر ، وظاهر العمر وأحمد الجزار فى فلسطين خلال القرن الثامن عشر ، فيلاحظ أنها كانت مجرد حركات فردية قامت بها شخصيات بطولية ، بعضها دموى فتاك ، كأحمد الجزار ، والمماليك فى القاهرة .. وعموما كانت دوافعهم شخصية بحتة ، تستهدف الحصول على السلطة ، فظهروا واختفوا فى تعاقب مرهق ، أحرزوا بعض الانتصارات المحلية الموقوتة ، لكنهم عجزوا عن الإطاحة بحكم ال عثمان أو إنهاء سلطتهم على العالم العربى .. وليس فى حركاتهم ما يوحى بتعبيرها عن شعور قومى ، ولا أى نزعة عربية ، ذلك أن معظم الذين قاموا بها لم يكونوا من ذوى الأصول العربية ، ولم يكن لما قاموا بة أثر حقيقى فى نشأة حركة العرب القومية .

كذلك الحال فى الثورات الشعبية التى تزعمها علماء الدين فى مصر وغيرها ، فليس ثم دليل على أنها عبرت عن شعور قومى عربى أو غيرة ، ولم يثبت فى سياق أحداثهل أنها دعت الى الانففصال عن الدولة أو خلع الطاعة للسلطان ، الذى هو فى نظرهم خليفة المسلمين ، ولم تكن هذة الثورات والحركات فى الواقع سوى تعبير عن ظلم ولاة الدولة وقسوتهم فى تحصيل الضرائب ومعاملة الأهالى ، ولا تلبث أن تنتهى بانتهاء أسبابها ، إما بتغيير الوالى العثمانى عام 1805 ومهدت السبيل لتولية محمد على ، لم تكن خروجاً على الدولة ، أودعوة للانفصال عنها ، وإنما كانت ثورة ضد ظلم وبطش الوالى ولعثمانى ، وفى رواية ” الجيرتى ” أن زعيم الثوار ، وهو السيد عمر مكرم ، عندما اجتمع بالمشايخ والأعيان واقترح عليهم تعيين شخص من جنس القوم ( أى عثمانى ) حتى تعين الدولة فى تعيينة من طرفها ، ومال المجميع الى تعيين رجل من رجال السلطان وهو محمد على .

أما الدولة السعودية التى قامت على أساس الفكر السلفى ( الوهابى ) فقد اعتبرها البعض ، بحكم الوضع الجغرافى ، وبتشديدها على العودة إلى عهد الإسلامى الأول ، عربية فى روحها ، ااستنادا الى قول أحد أئمتها عن الإمامة ، أنه إذا كان نوالها بالاختيار ، فالعرب أحق بها من الأتراك ، ومع ذلك فلم تدع الدولة الجديدة إلى تضامن عربى ، بل إلى تضمان إسلامى ، وذهبت إلى أنها الدولة الإسلامية الوحيدة التى يمكن للجميع الانتماء إليها ، ورغم أن ذلك كان تحدياً خطيراً لسلطة العثمانيين السياسية ولسيادتهم ، إلا أننا لا نكاد نلمس فلا اتجاة الدعوة ودولتها توجهاً قومياً عربياً ، وإن كانت قد نبهت الأذهان إلى إمكانية وأهمية مواجهة الدولة العثمانية وسيادتهم .

اما مشروع دولة محمد على الكبرى التى أراد تأسيسها ، فقد اعتبرة بعض المعلقين والكتاب الغربيين مشروعاً لإقامة دولة عربية .. وأن محمد على استهدف بسط على المناطق التى تتكلم العربية من الدولة العثمانية ، وأفاضوا فى ان ابنة إبراهيم باشا أثناء تقديم جيوشه فى بلاد الشادم كان يقوم بالدعاية بين الأهالى لفكرة الدولة العربية المستقلة ، وأنة أوشك أن يحقق ذلك باستيلائة على بلاد الشام ، وغالى بعض الكتاب فى القول بأن نشأة إبراهيم فى مصر ، بخلاف والده ،جعله أقرب إلى العرب والعروبة ، وأن العرب بايعوه بزعامة الفكرة ، بل نسبوا إلية الفضل فى وضع أسس جامعة عربية ، ويشكل عام اعتبروا اتجاة محمد على وابنة بداية احركة العرب القومية . وفى مقابل الأفكار السابقة ، هناك من يفسر مشروع محمد على بأنة كان مشروعاً يتعلق بإقامة دولة إسلامية كبرى ، وأنة استهدف السلطنة والخلافة ، وأنة بدأ وعاش وانتهى عثمانياً مسلماً ، ومن ثم فإن مهمته كانت إحياء القوة العثمانية في ثوب جديد .

والواقع أنة لا يوجد فى كلمات محمد على وسياساته ما يشير إلى أنه كان يسعى لإقامة دولة عربية موحدة ، فليس في رسائله لابنه ما يشير إلى ذلك ، كما أن منشورات إبراهيم باشا للأهالى لم تكن تقصد سوى استماليهم لتسهيل زحفه العسكرية .. ومن الواضح أن طموح محمد على كان يتجاوز إنشاء دولة عربية ، فلم يكن أمر العروبة ، وهو ليس عربياً ، يعنيه كثيراً ، وربما فكر في أنه إذا لم يكن بوسعه تحقيق مشروعة الكبير ، فإنه قد يقصر دولته على المناطق العربية ، التي تشترك مع مصر في الجوار واللغة والجنس ، فيخلق منها دولة ينفضل بها عن الدولة العثمانية ، إذا لم يقدر علي تحقيق طموحه الكبير.[3]

ومهما يكن من أمر ، فإن محاولة محمد على ، رغم حروبه وتوسعاته فى البلاد العربية ، ونجاحه في إحراز درجة من الاستقلال السياسي ، لم يقدر له النجاح ، بسبب موقف الدول الأوروبية منه ، وعلى رأسها بريطانيا ، كما أن الوعي القومي بين العرب لم يكن قد أصبح قوياً بدرجة كافية ، يتحول دولة عربية مستقلة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر ، كانت سابقة لأوانها .. لقد ظلت الدولة العثمانية فى ذهن العرب ، استمراراً لتاريخ الدولة الإسلامية الجامعة والمتعاقبة ، التي تظلهم براية الخلافة ، وكان عليهم أن ينتظروا عقوداً أخرى ، وعوامل تاريخية جديدة ، لتوقظ وعيهم من جديد .

الإحياء الثقافى وعوامل اليقظة العربية

ليس بوسعنا أن نفصل بين بدايات ظهور الوعى وظروف البلاد العربية ، كما لابد من ملاحظة أن هذه البدايات كانت بالدرجة الأولى ذاتية ، وناشئة عن التنبه فى ” نطاق الإسلام ” وبسبب ” الإحياء الثقافى ” ويبدو هذا واضحاًفى الدعوة السلفية . باعتبارها دعوة للعودة إلى الإسلام الأول ، ورفض الانحرافات التلية ، كما تعتبر رداً على التحدى الداخلى المتمثل فى التدهور ، ونقداً للإسلام الذى تمثله الدولة العثمانية ، ورفضاً لهذه السلطة وما تمثله فخلقت بذلك أرضية ، من قلب العالم العربى ، للصدام مع الدولة العثمانية ، وإن لم تبشر بفكرة العروبة أو إقامة دولة عربية ، كما يبدو الإحياء الثقافى فى نفس القترة تقريباً او بعدها بقليل شهدته مصر من يقظة فكرية فى أواخر القرن الثامن عشر ، تمثلت فى دراسة الحديث بصورة نقدية ، وفى العناية باللغة العربية ، وبكتابة التاريخ ، وكان للعلماء الذين قاموا بذلك ، دورهم فى الإحياء الثقافى فى بداية عصر محمد على ، مما نتج عنه نمو حركة إحياء اللغة والأدب العربيين ، والتى شكلت صورة من صور الوعى العربى ، مما يبرز مقومات الأمة العربية .

وكان دور مصر فى هذه البدايات ريادياً فتواصل الإحياء بعد عملية تحديثها فى عصر محمد على ، وفتحت مدراس التعليم المدنى الحديث ، ودفعت البعثات العلمية إلى اوروبا ،وقامت حركة ترجمة واسعة ونشطة ، غدت موجة تحديث اللغة العربية وإغنائها ، وفى تطور النثر والكتابة بأسلوب عربى حديث ، وفى إحياء الشعر ، بدءاً بمحمود سامى البارودى وحتى أحمد شوقى وأقرانه ، ثم حركة التجديد فى البحث اللغوى والتأليف فى علوم العربية ، وفى إعداد مدرسين للغة العربية ، خاصة بعد تأسيس ” دار العلوم وقد نشطت حركة التأليف والنشر باللغة العربية ، وبلغت ذروتها فى العقدين السابع والثامن من القرن التاسع عشر ، كل هذا ساهم فى إثارة اليقظة العربية ، وساهم تدريجياً فى تشكيل الوعى القومى العربى .

وقد برز دور ” رفاعة الطهطاوي ” باعتباره رائداً للحركة الفكرية الجديدة ، عندما حاول تجديد التأليف في قواعد اللغة العربية ، ودعا إلى تيسير الكتابة بها ، وحاول في مؤلفاته تطويعها للأفكار الجديدة ، كما أعطى أهمية خاص لتحقيق ونشر أمهات الكتب العربية ، وحاول إعادة كتابة التاريخ المصرى والإسلامى بمنهج حديث .. وسار على نهجه ” عبد الله فكرى ” الذى دعا إلى تعديل طريقة التعليم لتكون أقرب إلى نشر العلوم ، مع بقاء وحدة اللسان ، ورأى أن ذلك يحفظ للعرب آدابهم وتراثهم ، وييسر الاتصال بتاريخ الأمة وقيمها ، وانتهى إلى القول بأن اللغة العربية العظمية هى سبيل تقدم العرب .. وعموما يمكن اعتبارأن تطور حركة التأليف فى اللغة والأدب ، كانت في جوانب منها ، صدى لظاهرة أعم ،وهى تنبه الوعى العربى ، والاتجاه نحو إبراز الأمة مقويات الأمة العربية ، واثبات شخصيتها أمام التحديات والؤثرات الأجنبية.[4]

وإذا كانت بدايات ظهور الوعى العربى ذاتية بالدرجة الأولى ، فإن انتقال المؤثرات الغربية ، أو حتى الاحتكاك بها ، أضاف عاملا جديداً كان له تأيثره ، فكانت حملة بونابرت على مصر بداية لإحداث هزة ، أطلعت النابهين على نمط جديد من الحضارة ، وعلى أفكار الثورة الفرنسية والمفاهيم الليبرالية ، بغض النظر عن استيعابها وتأثيرها ، كما أن الحملة عرضت المجتمع المصرى لأخطار الغزو والتسلط والهيمنة ومن ثم بعث روح المقاومة ، هزت ذلك الشعور بتفوق دولة الإسلام ذلك الشعور الذى استمر حتى القرن التاسع عشر ، حين أوجدت شعوراً آخر بتفوق الغرب فى العلوم والصناعة والتنظيم ، وبرز جيل النهضة الأول ( العطار والطهطاوي والتونسي وغيرهم ) ممن أبرزوا فى كتاباتهم سمو الإسلام وتفوق مبادئة وقيمه ، ورأوا أن ذلك لا يختلف مع الانفتاح والإفادة والتواصل مع حضارة الغرب ، وبدا هذا واضحاً من تسرب أفكار سياسية واجتماعية غربية إلى كثير من الكتابات .

وكان لانتقال الطباعة والصحافة إلى بلاد الشرق العربي ، وانتشارها على نطاق واسع ، بعد النموذج الذى قدمته البعثة العلمية المرافقة للحملة الفرنسية على مصر ، كان لذلك آثاره الهامة في تدفق نشر التراث العربي الثقافى ، مما أعاد الثقة إلى نفوس العرب ووضعهم وجهاً لوجه أمام العثمانيين والأوربيين وفتح أعينهم على واقعهم المرير ، كما عملت على التقريب بينهم ، فلم يعد العلم حبيساً فى مكتبات العلماء أو المساجد ، وإنما أتيح للجميع يفضل الطباعة ، فى الوقت الذى ساهمت فيه الصحافة فى نشر الثقافى والأفكار الجديدة وخلق رأى عام ، وبروز طبقات من المثقفين بالثقافة الحديثة ، ساهموا بدورهم فى دفع حركة التأليف والترجمة والنشر ، وفى تأسيس الجمعيات الأدبية والعلمية .

عموماً كان للجسور التى أقميت بين أورويا والشرق العربى ، من خلال استقدام المعلمين والفنيين الأوروبيين أو من خلال إرسال البعثات العلمية ، خاصة فى مصر فى عهد محمد على ، أو من خلال حركة الترجمة ، التى أعقبت تأسيس مدرسة الألسن فى مصر بجهود الطهطاوى ، كان لهذه الجسور تأثيرها الهام فى خلق وعى بشعور وطنى ووعى سياسى جديد ، مهد للنظر إلى الدولة العثمانية وتخلفها نظرة ناقدة ، متشككة فى قدرتها قيادتها من المثقفين الذين مالوا اللأخذ بكل ماهو غربى ، ممن انبهروا بتفوق الغرب فى كل المجالات ، وطرحوا التقاليد الإسلامية ، وراحوا يتبنون ويبشرون بأفكار تأثرات بالعلمانية الأوروبية ، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة ، مما يمس الأساس الذى ترتكز عليه الدولة العثمانية فى علاقتها بالعرب .

لقد أدرك قطاع كبير من الثقفين العرب بالثقافة الأوروبية الحديثة أنهم ينتمون إلى كيان مختلف عن الكيان الذى ينتمى إليه غيرهم، فأنشاوا يكتبون عن الوطن والوطنية ، وبزرت فكرة الوطن ، الذى يرتبط أبناؤه بروابط وحقوق وواجبات مشتركة ، ومع وجود جذور تراثية للفكرة الوظنية ، إلا أنها أعطيت مدلولاً سياسياً بتأثير الأفكار الجديدة ، واستجابة لمشاكل داخلية ، مثل وضع أهل البلاد العربية فى مستوى أدنى من العناصر الخارجية الحاكمة والمتحكمة . وطلب المساواة معهم ، كما هو الحال تجاه الأتراك والشراكسة فى مصر ، أو لتخطى المشاكل الطائفية كما هو الحال فى بلاد الشام .

وقد طرح الطهطاوي فى ترجماته وكتاباته عن الوطن والوطنية أفكار سياسية مهمة مهت الطريق للتخلص من الولاء لسلطان الدولة العثمانية ، الذى كان موضع عصمة عند المصريين وسائر أبناء العالم الإسلامى ، فنبهت كتاباته إلى أن الولاء للسلطان ليس قدراً على المصريين ، وأن غيرهم استطاع التخلص من ظلم حكامهم ” وحين ثار الفرنسيون على العائلة السلطانية وحكموا على ملكهم وزوجيه بالقتل وصنعوا جمهورية .. فأعطى بلغة غير مباشرة إيجاد للمصريين بإماكنية التخلص من السيادة العثمانية .. وتوالت كتابات ” محمد عبدة ” و” عبداله النديم ” بشأن الوطن والوطنية ، لتدفع بتيار الوطنية المصرية الذى مهد الطريق للثورة العرابية ورفاقها ، ولتساهم فى تشكيل وعى وطنى يزكى ” رابطة الأولى بين أبناء الوطن الواحد ، حتى ليمكن اعتبارأن نمو التيار الوطنى فى مصر وخارجها ، شكل رافداً من روافد الوعى القومى وقد تأثر الكتاب الشوام بهذا التيار وأثروه ، وظهر ذلك فى كنابات ” بطرس البستانى ” الذى رغم أنة تمسك بالشرعية العثمانية ، إلا أنة نادى بفكرة وطن سورى فى نطاق الدولة العثمانية ، وابرز فكرة ارتباط الجماعة الوطنية بالعربية ، معتبراً أن العربية ، لغة وثقافة تشكل قاعدة مشتركة لأبناء الوطن الواحد ، وأنشً أحمد فارس الشدياق يكتب عن الوطنية ، ويتبرم من استعلاء التك على العرب ، ورغم أنة كان عثمانياً فى وجهته السياسية ، إلا أنة كان يرى أن اللغة والجنس يحددان عناصر الأمة ، فذهب يدعو لإعلاء شأن اللغة العربية ، ويرفض تأكيد البعض على اللغة العثمانية على حسابها .

وقد لعبت البعثات التبشيرية ومدراسها وخريجوها دوراً واضحاً فى حركة الإحياء الثقافى العربى الذى وفر مناخاً لليقظة العربية ، فإلى جانب مهمة هذة البعثات والمدارس التبشرية الأصلية ، قامت بدور مهم فى إحياء اللغة العربية وتراثها وأقامت جسراً لاتصال التراث العربي بالثقافة الأوروبية الحديثة ، وقد تعاظم دورها منذ أوائل الثلاثينيات من القرن التاسع عشر ، فى ظل تسامح الحكم المصرى لبلاد الشام ، ولعبت جماعات ” البروتستانت ” الأميركية دوراً واضحاً عندما فى استخدام اللغة العربية فى الصلاة ، وترجمت الإنجيل إلى اللغة العربية ، واكتسبت شهرة بين جمهور المسيحيين العرب ، وأثار منافسة المبشرين الكاثوليك

، وبالذات ” الجزويت ” فضلاً عن ” الأرثوذكس ” الوطنيين ، الذين بدأوا فى محاكاتهم ، مما نتج عنه إبراز لأهمية اللغة العربية وآدابها ، فلم تعد مهمتها تنحصر في خدمة العلوم الدينية ، وإنما اعتبرها المسيحيون لغة ثقافة قومية يفخرون بها على الأتراك ، كما صار التعليم باللغة العربية فى المدارس البرتستانتية والكاثوليكية ، خاصة بعد أن أسس المبشرون البروتستانت أول مطبعة لهم فى بيروت عام 1834 ، وتبعهم الكاثوليك بأخرى عام 1853 ، وعندما أسس البرتستأنت الكلية السورية فى بيروت عام 1866 ، أسس الكاثوليك جامعة سان جوزيف عام 1875 .

وقد ساعد هذه المدارس جميعاً على القيام بدورها ، أن الدولة العثمانية أهملت تعليم اللغة العربية ، فلم تجد اللغة ملجاً لها إلا فى هذه المدارس المسيحية ، التى كان التعليم يجرى فيها باللغة العربية ، فضلاً عن أنها أتاحت للدارسين فرص الاطلاع والبحث فى تاريخ العرب ولغتهم وآدابهم ، بالإضافة إلى اطلاعهم على الثقافة الأوروبية الحديثة ، وإن كان هناك من يرى عدم المبالغة فى أهمية دور البعثات التبشيرية ومدارسها فى إيقاظ الوعى القومى العربى ، من زواية أن هذه البعثات كانت مهمتما الأصلية تتركز فى نشر العقيدة المسيحية ونشر مذاهبها الأخرى بين المسيحيين والعرب ، وأنها كانت تنتمى لدولة أوروبية وتتقلى دعمها ،ولذلك كانت تدعم المكانة السياسية لهذة الدولة ، كما كانت تتحول إلى أدوات لتحقيق أطماعها السياسية ، مستعينة بالأقليات الدينية والطوائف المحلية ، مما شقة الخلافات الطائفية ، وشكل عقبة في وجة التطور . ومهما يكن من أمر فالذى لا شك فية أن هذه المدارس وخريجيها لعبت دورا هاماُ فى رفد تيار اليقظة العربية ، بما أتاحتة من حركة ثقافة وفكرية عربية ، انتقل بها خريجوها من ميدان الأدب والثقافة إلى مجال السياسة فوسعوا الشقة بين العرب والعثمانيين ، وكرسوا فكرة الانفصال عن الدولة العثمانية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهناك من يرى أن سكان بلاد الشام ، خلال الحكم المصري ، بل والثورة علية اكتسبوا كثيرا من الثقة ، وتبين لهم ضعف الدولة العثمانية ، لا بالنسبة لدول أوروبا فقط ، ولكن بالنسبة لمحمد على نفسه ، حيث ظهرت لهم أهميه انفصالهم عن العثمانيين لتسع سنوات ، كما أن الحروب الطائفية التي حدثت فى لبنان خلال الخمسينيات والستينيات من القرن التاسع عشر ، جعلت عددا من المفكرين يدركون ، بعد أن مزقت هذه الحروب البلاد ، خطورة هذه الظاهرة ، ودعوا إلى رابطة عربية تجمع بين المواطنين علي اختلاف مذاهبهم ، التاريخ المشترك والمنجزات الحضارية العربية المشتركة التي ساهم فيها الناطقون بالضاد من جميع المذاهب ، لجمع أبناء الأمة وراء هدف واحد ، يؤكد الهوية القومية العربية ، كخطوة أولى في سبيل وحدتهم وتحررهم ورقيهم .. وككل الأمم التى تتلمس وحدتها القومية وتحاول في الوقت نفسه التخلص من الأجانب بدأت الدعوة من خلال الأدب العربي ، إلى كشف ماضي الأمة ومنجزاتها والإشادة بعظمة لغتها التي تحدث لغة الحكام الغرباء .

وقد لعبت الجمعيات الأدبية والعلمية دوراً هاماً فى نشر الثقافة العربية ، وصارت تجمعاتها ملاذا للمهمين بشؤون الثقافة والفكر ، وكانت نشأتها على يد نفر من المثقفين المسيحيين العرب ، يعاونهم فريق من رجال المدارس التبشيرية الأجانب ، وأول جمعية نشأت هي ” جمعية التهذيب” عام 1845 التي أسسها البروتستانت كأول جمعية عربية ثقافية ، وشارك في تأسيسها ” بطرس البستاني” ونصيف اليازجى ” وقد تخطى نشاطها الموضوعات اللغوية والأدبية إلى مناقشة الموضوعات الوطنية ، أعقبتها ” جمعية الآداب والعلوم ” التي تأسست في بيروت عام 1847 بجهود البستاني واليازجي والمبشرين الأمير كيين أيضا أما جماعة ” الجزويت ” فقد أسست هى الأخرى ” الجمعية الشرقية” عام 1850 والتي ضمت عدداً من المسيحيين العرب والأجانب ، ويلاحظ أن هذه الجمعيات لم تعمر طويلا ، فلم ينضم إليها المثقفون المسلمين ، الذين ارتابوا في نشاط المبشرين الأجانب .

ويلاحظ أن نشاط مثل هذه الجمعيات في بلاد الشام كان ، حتى هذه الفترة ثقافيا بشكل عام ، فلم تكن ثمة دعوة لكيان سياسي ، فالفكرة العثمانية كانت لا تزال سائدة ، كما أن هذا النشاط الثقافي كان يخفى وراءه قلقاً تكمن أسبابه في انحدار الدولة العثمانية ، وظهور فئات من المسيحيين ارتبطوا بالمصالح التجارية والصناعية والأوروبية ، بالإضافة إلى شعور المسيحيين فى الشام بأنهم أدنى درجة من غيرهم في الإطار العثماني ، وبينما اتجه بعض مفكريهم إلى المناداة بالانفصال عن الدولة العثمانية . والارتباط بالغرب ، اتجه البعض الآخر إلى الدعوة إلى حكومة تضمن مساواتهم بغيرتهم ، بعد أن وجدا فى العربية لغة وثقافة ، قاعدة وطنية مشتركة [5] .

غير أن تأسيس ” الجمعية العلمية السورية ” عام 1857 كان خطوة هامة فى تجاوز ذلك كله ، فقد شارك فيها مثقفون مسلمون ، وتجاوزت النشاط الثقافي والأدبي إلى مجالات وطنية وسياسية ، كما أنها لم تضم أحدا من الأجانب ، فضلا عن شمولها لأعضاء من كل الطوائف ، فكانت تسعى إلى هدف رئيسي هو تطوير البلاد العربية ، استناداً إلى التراث الأصيل المشترك ، ويعتبر الؤرخون أن ظهورها يمثل أول تعبير فعلى عن الوعي الوطني الجماعي ، حيث زرعت بذور الوطنية ، كانت قومية المثل ، عربية الإيحاء ، غير طائفية ، وقد استمرت تعمل فترة طويلة وإن عانت من التضييق والاضطهاد فى عهد السلطان عبد الحميد الثاني ، ومع ذلك احتفظت بمكانتها كمهد لحركة سياسية جديدة ، وكانت تدعو لبعث قوة العرب والاهتمام بآدابهم ، وتتحدث عن ظلم الأتراك وطغيانهم ، وقد ألقى فيها ” إبراهيم اليازجي ” قصيدته البائية المشهورة التى دعا فيها إلى صحوة العرب واتحادهم لرفع نير الأتراك المغتصبين عنهم وطغيانهم ، والتى اعتبرت أول نشيد لحركة التحرر السياسي .

ثم أعقبت ذلك خطوة أكثر اهمية فى نشاط هذه الجمعيات ، التى انتقلت إلى العمل السياسي المباشر ، وإن كان بشكل سرى ، عندما تأسست ” جمعية بيروت السرية ” عام 1875 كأول جهد منظم فى حركة العرب القومية ، والتى يعتبرها المؤرخون أول جمعية سياسية اتجهت اتجاهاً قومياً عربياً صريحاً ، وقد تأسست نتيجة استبداد السلطان وتعاظم الشعور المعادى للترك عموماً والذى غذته الصحافة والتعليم الحديث ، وشعور المسيحيين فى لبنان بأنهم غرباء فى الدولة العثمانية ، ولأن مؤسسيها الأوائل كانوا من الشبان المسيحيين من حقلة البستاني ، قد اتهمت بأنها حركة لبنانية مارونية تستهدف تحرر المسيحيين البنانيين من الحكم العثماني الإسلامي ، ولذلك لجأت إلى إثارة أمجاد العرب العرب ،لكسب تأييد المسلمين منهم ،وقد نجحت بالفعل فى كسب الكثير منهم ، ممن انضموا لعضويتها ، وصارت لها فروع فى دمشق وطرابلس وصيدا .

وكانت الجمعية تنشط فى بث أفكارها من خلال لصق المنشورات فى الشوارع ليلاً ، خوفاً من الاضطهاد والبطش ، وقد تضمنت منشوراتها هجوماً على الحكم العثماني وكشفاًَ لفساده ومساوئه ، ودعوة للعرب للثورة علية ، وكان أهم منشوراتها منشور صدر فى 31 ديسمبر عام 1880 ، اعتبر بمثابة أول برنامج سياسي عربي يطالب باستقلال سوريا متحدة مع لبنان ، والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية للبلاد ، وعدم استخدام المجندين العرب فى غير بلادهم ، وإلغاء الرقابة وكافة القيود المفروضة على حرية التعبير والتعليم ، والحاصل أن ملاحقة السلطات العثمانية لنشاط الجمعية ، اضطر أعضاءها إلى إيقاف نشاطهم وإحراق سجلاتها ، وهجر أعداد منهم إلى مصر ، بين عامي 1882 ، 1883 ، خاصة وأن نشاطهم لم يلق الاستجابة المرجوة بين الجماهير ، فلم يتجاوز تأثيرها عدداً محدوداً من المدن ، ويبدو أن نشاط الجمعية كان سابقاً لأوانة ، فلم تكن البلاد قد بلغت درجة من الوعي القومى ، فجاءت دعوتها السياسية ، بما تضمنتة من قيام ثورة مسلحة ، إذا اقضنت الضرورة ، في وقت لم تكن فيه المة مهيأة لتوحيد صفوفها ، لذلك أخفقت مساعي الجمعية فى هذا الجانب ، وإن نجحت في التعبير عن الأماني الوطنية ، ودفع التيار الفكرى العام وتوجيهه إلى طريق الحركة القومية ، كما أصبح برنامجها نموذجا لما جاء بعده من برامج وأنشطة حركة العرب القومية .[6]

الجامعة الإسلامية :

أقلقت التيارات والتطورات السابقة فى بلاد الشام السلطان عبد الحميد الثانى ، الذى شهد عهده الطويل (1876 – 1909 ) بدايات اليقظة القومية للعرب فى بلاد الشام وخطوها إلي الأمام خطوات أكبر ، وانتقال تأثيرها إلى أنحاء أخرى من العالم العربي ، وتحولها بعد عهده إلى حركة علنية وسرية قوية ، لعل نمو هذه الاتجاهات فى العالم العربي ، وتدهور أوضاع الدولة داخليها ، حدا بأحرار الترك وزعماء الإصلاح إلى التحرك ، ذلك التحرك الذى نتج عنه إصدرا الدستور العثماني ، بعد شهور من تولية السلطان الجديد ، مقيداً السلط المطلقة ومتضمنا المساواة في المعاملة بين رعايا الدولة على اختلاف أجباسهم ومذاهبهم .

غير أن الدولة ما لبثت أن تعرضيت بعد ذلك لثورات في البلقان ، وبلغاريا ، وتهديدات روسية بالتدخل العسكري ، تزايد خطر التجزئة ، بعد تدهورها مالياً واقتصادياً ، وتغلغل الامتيازات والجاليات الأوروبية فى ولاياتها بشكل خطير ، وازدياد السخط الذى أصبح سائداً فى كثير من الولايات الخاضعة لسلطة الدولة والذي لم يكن راجعاً إلى الطغيان الاستبداد فحسب ، وإنما كان مظهر لنمو الوعي القومي ، يضاف إلى ما سبق الطبيعة الأوتقراطية للسلطنة ، والخشية من التحرك الداخلي من جانب الأحرار المعارضين .

لذلك كله انتهز السلطان عبد الحميد ظروف الحرب الروسية – العثمانية

(77 -1878 ) وعطل الدستور ، وأجل اجتماعات البرلمان تماماً ، وبدأ في ضرب الحركة الإصلاحية والدستورية وبدأ مرحلة من الحكم الاستبدادي ، لم يقدر لها أن تنتهي إلا بالإطاحة به عام 1909 . وعموماً كان من أهم وسائل السلطان عبد الحميد لمواجهة هذه الأوضاع فى الداخل والخارج ، اتباع سياسة إسلامية نشطة ، تستنفر مشاعر المسلمين الدينية ، لمقاومة معارضية فى الداخل ، ومواجهة أعداء الولة في الخارج ، وذلك بالتأكيد على إبراز السمات الدينية ” المقدسة ” لمنصبه باعتباره خليفة المسلمين ، واستثارة الإخلاص لعرشة وتأكيد الولاء له من جانب رعاياه ، مما يحاصر القوى الإصلاحية الدستورية ويضيق عليها الخناق ، ويستبدل ” الجامعة الإسلامية ” بـ الجامعة العثمانية ” التى كانت تنادى بها هذه بها هذه القوى .

ومن هنا كانت دعوة السلطان عبد الحميد لفكرة الجامعة الإسلامية واستخدامها أداة تضمن التفاف العالم العربي الإسلامي حول دولة الخلافة ، وبذلك تتأكد السيطرة العثمانية على الأقاليم العربية ، فى وقت كانت تتداعى فيه سلطتها علي البلقان ، فضلا عن أن تأكيد الجامعة الإسلامية سيعطي لسلطتة دعماً وقوة جديدة لمواجهة الأطماع الأوروبية ، بالإضافة إلى ما يروج فى بعض الأوساط من التطلع إلى ” خلافة عربية ” .. لذلك كله دعا ” السيد جمال الدين الأفغاني ” داعية الجامعة الإسلامية الشهير ، للإقامة في عاصمة الدولة عام 1888 ، وأحاط نفسه بعدد من العلماء والمشايخ ، كما سعي بالدعوة إلي إقامة سكة حديد الحجاز ،بتبرعات إسلامية إلى استمالة المسلمين وكسب ولائهم ، ونجح في تحقيق المشروع ، هذا إلى جانب إجرائه اتصالات واسعة بالمسلمين في أنحاء العالم الإسلامي ، عن طريق مبعوثيه من مشايخ وعلماء ورجال طرق صرفية بل ووزارء ، المهم ان السلطان نجح في بذل جهد متواصل للتركيز علي دورة كمدافع عن الدولة الإسلامية ، التي كانت في الواقع آخر معاقل السلطة السياسية والاستقلال للمسلمين السنيين ، كما برزت بإلحاح أهمية أن يكون السلطان خليفة للمسلمين ، مما كان بمثابة نداء لجمع صفوف المسلمين في الدولة حول العرش العثماني .

أما فيما يخص العرب من موضوع الجامعة الإسلامية ، فمن الطبيعي ان يحظوا باهتمام السلطان عبد الحميد ، بحكم أهميتهم للإسلام ، ووقوع الأماكن المقدسة في بلادهم وبحكم كثرتهم العددية ، خاصة وقد رأى بعض مظاهر الوعي القومي تنتشر بينهم ، وتخوفه من المنشورات في بيروت وغيرها ، ومن تطلع البعض إلي إقامة خلافة عربية .. لذلك راح يسعى ، بوسائل مختلفة من الترهيب والترغيب للتعامل معهم ، ومن محاولاته كسب ودهم واستمالتهم ، منحه هبات سخية لمعاهد التعليم العربية ، وإغداقه المناصب ، وبعض مظاهر التكريم علي بعض الشخصيات العربية ، حتى لقد وصل بعضها إلى مراكز مرموقة في عاصمة الدولة ، ومع ذلك لا ينبغي المبالغة في هذا الأمر فقد انتشر جواسيس الدولة في الولات العربية ، وعانى الكثير من الكتاب والمثقفين من النفي والتضييق والسجن ، كما أن محاولات استمالة العرب وكسب تأييدهم ، لم تأخد في اعتبارهم منحهم أى قدر من مطالبهم .

أما العرب ، من جانبهم ، فقد استجابت غالبيتهم لدعوة الجامعة الإسلامية ، والارتباط ” بالدولة العلية ” وتأييد خلافتها ، فى وقت رأوا فيها ملاذا من الأخطار الأوروبية المحدقة ببلادهم ، فقد احتلت فرنسا الجزائر وتونس وراحت تتطلع لبقية المغرب العربي ، كما احتلت بريطانيا مصر ، وأصبح الخوف علي الكيان والتراث مثار اهتمام كبير بين قطاعات واسعة من المثقفين والمفكرين العرب ، ممن فطنوا إلى مخططات الدول الأوروبية لاقتسام الدولة العثمانية ، بما فيها الولايات العربية .. ومن هنا كان قبول الإطار للحكم ، علي أمل تخلصه من الطغيان والفساد والسعي لإصلاحه سياسياً واقصاديا لمواجهة أوروبا وأطماعها ، لذلك ظل غالبية الزعماء العرب علي ولائهم للدولة ، التى ظلت في أعينهم ، رغم كل شئ زمزاً لدولة الإسلام الكبرى ، والتي يستظلون برايتها .[7]

ومن هنا لم تفكر هذه الغالبية في تقويض الخلافة وإقامة دولة عربية مستقلة في هذه المرحلة ، ومع ذلك فلم يكن هذا يعنى قبول الطغيان والفساد وسوء الإدارة العثمانية ، فظلت الحركة العربية تطالب سراً وعلانية بالإصلاح ، لا التخلص من الحكم العثماني ، ولعل فى موقف زعماء الحركة الوطنية المصرية ، في عهد الاحتلال البريطاني ، خير شاهد على ذلك ، حيث دعا زعماء الحزب الوطني المصرى إلى التمسك بشرعية العلاقة مع الدولة العثمانية ، لمدافعة الاحتلال البريطاني ، كما برزت في نفس الإطار جهود حركة الإصلاح الإسلامي علي أساس التعامل والأخذ عن المدينة الحديثة والتى قادها محمد عبده ورشيد رضا ( قبل أن يغير الأخير موقفه من الدولة بعد ذلك ) . غير أننا نلاحظ أن الأسباب التى أدت إلى بالدولة وبالخلافة ،كانت هي نفس الأسباب التى ولدت موقفاً ، من جانب قطاع من المثقفين والمفكرين العرب ، الذين رأوا في فساد الحكم العثماني وفي ضعف الدولة وعجزها عن التصدي للأطماع الأوروبية ، سبباً كافياً للازدراء بالدولة ، الدعوة للتخلص من كل علاقة بها ، مما سيضيف رصيداً جديداً ودعماً لأنصار الاتجاه القومي العربي في بداية القرن العشرين .

ويلاحظ أن الحركة العربية حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، ظلت عواملها معنوية بشكل عام ، غير متأثرة بالمطالب الاقتصادية ، وأن الفضل في ظهورها يرجع إلى حركة الإحياء والنهضة والثقافية والاجتماعية ، ومن المعانة التى أنها كانت ذاتية المصدر ،أي نبعت من داخل العرب أنفسهم ، واستقت أفكارها من محيطهم ، أي أنها لم تكن قد استقت عن الغرب شيئاً موثراً من مبادئه ونظرياته عن الأمة بمعناها الحديث ، أي من حيث هي جماعة متجانسة من السكان يؤلفون وحدة متماسكة وتربط بينهم آمال وأهداف مشتركة ، فلم تصل هذه الفكرة إلى بلاد الشام ، إلا خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، لتطعم شجرة القومية العربية ، التى نبتت نباتاً محلياً ، فحتي ذلك الحين كانت الحركة تستمد غذاءها من الأرض التى تمتد فيها جذورها .

وخلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر توارت الحركة العربية ، وكفت عن القيام بنشاط ظاهر ملموس بسبب نشاط جواسيس الحكومة العثمانية ، ووسائل الرعب التي مارسها النظام الحميدي ، مما شرد الكثير من رجال الحركة ودعاتها ، فضلا عن إغراء بعضهم بالمناصب ، مما أعطى فرصة لدعاة وأنصار الجامعة الإسلامية لتصدر النشاط العام ، ويضاف إلى ذلك انتشار التعليم والغربي والمدارس التابعة للبعثات التبشيرية علي نطاق واسع في الشام ، وتحوله إلي أدوات للمطامع ، مما زاد من الخلافات الطائفية ، كما أن هذا النوع من التعليم أتاح للكثير من رجال الدين المسيحي فرصة تملك أسباب القوة السياسية ، صار هذا النمط من التعليم يفسد ما قام به المصلحون من أتراب البستاني ، الذين كانوا أول من وقف في وجه الخلافات الطائفية والمطامع السياسية لرجال الدين المسيحي .. وثمة أثر سلبي جديد لانتشار التعليم الغربي تمثل في محاصرة اللغة العربية وإضعافها من حيث هي أداة للثقافة القومية ، وأصبح الأمير كان الذين تزعمت مدارسهم حركة إحياء اللغة العربية ، يختارون الطريق الأيسر يجعل الإنجليزية لغة التدريس في الكلية البروتستنينية منذ عام 1880 .. وغنى عن القول أن هذا النمط من التعليم الحديث ، الذي كان مصوغاً في صورة غربية ، قد أضعف التأثير الروحي للثقافة العربية وصار عقبة في طريق التقديم القومي والحركة العربية .

ونتيجة لإحساس المسلمين بالخوف علي أبنائهم من تأثير هذه الثقافة علي دينهم ، وآثروا إرسالهم إلى مدارس الدولة أو مدارس الجمعيات الخيرة الإسلامية ، رغم أن التعليم فيها كان أقل كفاية وحداثة من المدارس الغربية ، إلا أن لغته العربية ومادته وأهدافه ، كان ملائماً للحركة العربية ، وقد استنتج أحد الكتاب ، من ذلك أنه مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين ، بدأ المثقفون والمفكرون المسلمون فب تصدر الساحة وقيادة حركة العرب القومية ، وأصحبت الكثرة البالغة من زعمائها من المسلمين .

جهود المفكرين الإصلاحيين :

وقد لعبت حركة الإصلاح أو التجديد الإسلامي دوراً مهماً في التأكيد علي الرابطة بين العروبة والإسلام ، وعلي أهمية العربية وتراثها ، لذلك تبرز أهمية عدد من المفكرين الإصلاحيين ، باعتبارهم أضافوا رافداً جديداً إلى تيار الوعي العربي ، وإن حدث ذلك بشكل غير مباشر أو مقصود . ومن هنا تأتي أهمية رجل من طراز محمد عبده الذي تلقف تلاميذه دعوته ودفعوها إلى مجالات أخرى ، منها مواجهة الاستبداد ( الخديوي في مصر والسلطان في استانبول ) ومنها التاكيد علي هوية قومية لمصر ( احمد لطفى السيد ) ومنها التأكيد علي أن الخلافة الإسلامية مجرد سلطة روحية لا سياسية .

وقد قادت إصلاح المجتمع الإسلامي ” محمد عبده ” ( توفي 1905 م ) إلى مسألة تحرير الفكر من القيود التقليد ، وإصلاح وتجديد اللغة العربية واساليبها في التحرير ، كضرورة اولية لفهم القرآن ومبادئ الإسلام الصحيحة ،وأدي ذلك بدوره إلى التاكيد علي دور العرب في الإسلام ، ومن ثم ارتفعت الدعوة إلى إبرازه وتجديده وهو أخذه علي عاتقه عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وغيرهما .. وفى تحليله لأسباب تحدث محمد عبده عن التطرف في التمسك بمظاهر ” الشريعة ، مما أدى التقليد الأعمي ، الذى انتشر بقيام الحكم التركى ، وكتب أن الأتراك ، وهم جدد في الإسلام حرموا موهبة فهم رسالة النبي صلى الله علية وسلم فشجعوا الرضوخ الأعمى للسلطة ، خدمة لمصلحتهم .. وحشروا مؤيديهم في صفوف العلماء علي والخمول في شؤون الإيمان ، وعلي الخضوع للسلطة السياسية .. وما قاله محمد عبده في أتراك العصور الوسطي ، كان بوسعه قوله في السلاطين العثمانيين ، وقد كتب عام 1882 بأن ” كل مصري يكره الأتراك ويبغض ذكراهم اللعينة ” وكان يرى ضرورة بعث الخلافة الصحيحة ، علي أن يكون لها وحدها سلطة روحية ، لا أن تحكم ، وكان يرى أن وحدة الأمة وحدة معنوية ، لا يؤثر فيها انقسامها إلى دول قومية .

أما “رشيد رضا ” فكان جل اهتمامه إحياء دولة الإسلام الأولى ” واقتضى ذلك محاربة استبداد السلطان ،و في عدد من مقالاته في ” المنار ” وقف إلى جانب العرب ضد العثمانيين ، وأشاد بدورهم في الفتوحات الإسلامية ، وبازدهار الدين في عهدهم ، لكنه كان يدعو إلى وحدة جميع العثمانيين لمقاومة استيداد السلطان .. وكان يرى أن الإسلام قرين العروبة ، وقد كتب عن الأخوتين الدينية والجنسية ، فهو أخ في الدين للمسلمين ، عرباً وغير عرب ، وأخ في الجنس للعرب ، مسلمين وغير مسلمين ، وإن كان يعطي ما يوجبه الدين الأولوية ، وكان يقبل بالخلافة العثمانية ، باعتيارها ” خلافة ضرورة “، فالعثمانيون يفتقرون إلى أحد الشروط الجوهرية للاجتهاد ، وهى معرفة اللغة العربية ، التي بها وحدها يمكن التفكير في عقائد الإسلام وشرائعة وعندما تولى الاتحاديون الحكم وتبنوا ” القومية الطورانية ” وتنكروا لأخوة الدين ، كنت رضا مندداً بسياسية التتريك واضطهاد العرب ، واعتبر أن ذلك أحيا العصبية العربية ، وبدأ يطالب للعرب الحكم الذاتي ، وشارك في تأسيس ” حزب اللامركزية ..” وأصبح للقضية العربية المكانة الأولى علي صفحات ” المنار ” ثم أيد بعد ذلك ثورة العرب ضد الأتراك خلال الحرب الأولى.

أما ” عبد الرحمن الكواكبى ” ( توفي 1903 م) الذى انطلق إلى مصر فراراً من اضطهاد واستبداد السلطان العثمانية في الشام ، فقد استأنف مهاجمة الاستبداد ، والتأكيد علي فضل العرب ، ودورهم الخاص في الإسلام ، وانتهي إلى حقيقة مؤداها أنه عن طريق العرب يأتي الإحياء والإصلاح الدين ، وكتب في ” أم القري ” عن ان تسلط فئات من غير العرب ، كان بداية الاستبداد والجهل ، وتحكمت آراء ” الدخلاء ” مما أخرج الدين في حضانة أهلة ” العرب ” الذين اقترن دورهم بمجد الإسلام ، وذكر أن جميع الأعاجم الذين قامت لهم دول في الإسلام ، استعربوا وتخلفوا بأخلاق العرب ، ولكن الترك وحدهم ، لم يفعلوا ذلك ، بسبب تعاليهم وبغضهم للعرب .. وقادمت الكواكبى أفكار السابقة إلى تأكيد نظرية العربية ، فبين في نبرة قومية واضحة ، أن العرب قلما اختلطوا بالأغيار ، وأنهم أحفظ ” الأقوام ” علي جنسيتهم وعادتهم ، وانهم يتميزون ” كأمة ” عن غيرهم من المسلمين ، كما أن لغتهم أغني لغات المسلمين في المعارف ، ولها في القرآن خير حافظ ..إلخ ، وبعد أن وبعد أن توسع في الحديث عن فضائل العرب وإبراز دورهم في الإسلام وفي النهضة ، انتهي إلى الدعوة بأن تكون ” الخلافة عربية ” وأن تعقد لقرشي ، تتوفر فيه الشروط الفقهمية ، وأن يتخذ من مكة مركزا له .

ورغم تأييد الكواكبي للجامعة الإسلامية ، إلا انه دعا إلى أنه يجب أن يبايع بها عربي ، ولعله أن بذلك أن ينقل مركز الثقل الذي يستند إلية الأتراك في حكم الإسلامي والاستبداد به إلى العرب ، دون ان يصرح بانفصالهم عن الدولة ، غير أن تطبيق دعوته عملياً سيشكل معولاً يصيب مركز الدولة في الصميم ،وإن اكتفي في هذه المرحلة بالدعوة إلى مساواة العرب بلأتراك ، وضرورة حصول كل “قوم ” علي استقلال نوعي ، يناسب عاداتهم وطبائع بلادهم .. ورغم تأثر الكواكبي بلآراء الحديثة عن الوطنية والقومية ، إلا أن أصول الضارية في التراث العربي الإسلامي جعل العروبة والإسلام عنده متلازمين ولأنه استطاع عرض أفكار بلغة مقنعة ومؤثرة وجرأة شديدة ، فقد وجدت قبولاً وانتشار واسعاً ،ساعد الوعي العربي ، وعلى دفع الاتجاه القومي خطوات أوسع .

وهناك داعية آخر للعروبة عاصر الكواكبي ، وهو ” نجيب عاز وري ( توفي 1916 م) السوري الذي انطلق إلى باريس فراراً من اضطهاد واستبداد السلطان العثمانية في الشام ، فقد ضمن أفكاره في كتاب بالفرنسة صدر 1905 أسماه ” يقظة الأمة العربية ” تحدث فيه عن القومية العربية وانتشار الوعي العربي ، ورغبة العرب في الانفصال عن الدولة العثمانية ، وتأسيس دولة مستقلة .. إلخ ، وقد استطاع عام 1907 نشر مجلة بالفرنسية أسماها ” الاستقلال العربي دأبت علي نشر المعارف العربية وإثارة الاهتمام بتحرير البلاد العربية .. ويبقي من تراث عازورى ن ورغم محدودية تأثيره ، دعوته الواضحة إلى إقامة سلطنة عربية تضم المشرق العربي – دون مصر وشمال أفريقيا – وان تكون هناك خلافة عربية إسلامية ، يتولاها شريف مكة بسلطة روحية علي جميع مسلمي الأرض .. الخ ، وعموماً لم يقدر لأفكاره أن تحدث تأثيرها في الحركة العربية ، لأنها لم تنشأ من دالخها ، كما أن صدورها بلغة اوروبية افقدها فعاليتها . وقد فسرت مسألة استبعاده مصر وشمال أفريقيا من السلطنة التي اقترح استقلالها ، بحرصه علي إرضاء الإنجليز والفرنسيين ، الذين لم يبد تحفظا في الإشادة بدورهم في كل من مصر وبلاد الشام والجزائر .

وفي نفس الفترة ونفس الظروف تقريباً برز ” عبد الحميد الزهراوي ” السوري الذى الهجرة للقاهرة عام 1900 فراراً من استبداد ، لكنة هاجم الجامعة الإسلامية كرابطة سياسية ، ونفي أن يكون لها أساس تاريخي ، ورغم اعترافه برابطة العثمانية إلا أنة اعتبرها نوعاً من الاتحاد بين عناصر مختلفة ” تنقسم انقساماً اول بحسب اللسان ، وثانياً بحسب الدين ” و أنكر أن يكون الاتحاد قائما علي أساس تحكم الترك ، وأنه لا يعني تنازل العربي عن عروبته .. وأكد أن الرابطة العربية أساسية عند قوم ” لهم اليوم جامعة عظيمة من لغة يشرفها الدين والاجتماع ..” وقد استخدم الزهراوى بشكل واضح لفظ ” القوم” للتعبير عن العرب ونسب إلية انها الجامعة الأولي للعرب ، الذين هم في نظره أمة متميزة ، ترتبط بوطن بذاته هو الوطن العربي ..وتكشف كتاباته عن وعيه وتعبيره عن مفهوم للقومية العربية ، يجمع الأرض واللغة والوعي والمصلحة المشتركة ، فكان اتجاهه القومي العربي واضحاً جلياً ، حين نادى بأمة قومية عربية ، تنتمي لوطن عربي واحد.

وإذا كان الزهراوى قد انكر الجامعة الإسلامية كرابطة سياسية فإن ” رفيق العظم” سار خطوة أبعد ، حين اعتبر الخلافة مؤسسة سياسية ورئاسة دنيوية ، وأنها ليست من الدين .. وذكر أن الرابطة القومية قائمة بين العرب ، فهم امة عريقة توحدهم جامعة اللغة العربية ، بعض النظر عن أديانهم ، فليس ثمة تعارض عنده بين القومية والإسلام ، بل إن رابطة الدين الإسلامي تمثل دعماً للقومية ، لكن هذه الرابطة لا تعنى في راية الجامعة الإسلامية ، التى لا يرى لها أصلاً في التاريخ ، ويعتبرها من ابتكار السياسيين .. ومع ذلك لا يرى بأساً من الارتباط بالدولة في إطار ” الرابطة العثمانية ” لمواجهة الأخطار الأوروبية ، غير أن سياسة الاتحاديين العنصرية ضد العرب ، جعلته ينشط في تأسيس ” حزب اللامركزية ..” وكان رئيسه وواضع الأول ، الذي تصدت له حكمة الاتحاديين ، وصادرت نشاطه مع غيره ، قبيل الحرب الأولي ، مما جعله يكفر تماماً بالرايطة العثمانية ، ويتجه وجهة قومية عربية صرفة .

وتتشاربه أفكار العظم مع أفكار ” شكيب ارسلان ” في اعترافه بأهمية الارتباط بالدولة العثمانية من زاوية الخوف من الدسائس الأوروبية ، ورغم اعترافه بسوء إدارة الأتراك ، وإجحاف سياستهم المركزية بحقوق العرب ، إلا أنه رأى ان ذلك أفضل من سقوطهم تحت حكم الأوروبيين ، لذلك فإن اختيارهم البقاء تحت حكم الدولة العثمانية هو ” اختيار لأهون الشرين ..” وكان يرى ان العرب يشكلون امة ، تغني بمزاياها ، ولم يكن يرفض تقوية رابطتها الجنسية العربية ، لكنة لم يكن يريد أن يبدأ ذلك بالاختلاف الصعبة .. ولم يكن يرى بأساً من الحرص علس المساواة بين العرب ، مسلمين ونصارى ، ومطالبتهم بأن يكونوا يداً واحدة للدفاع عن أوطانهم ، لكنه اشترط ألا يؤدى ذلك إلى ترك الرابطة الإسلامية ، أو إجلال الجامعة الجنسية محل الجامعة الإسلامية ، وكان يرى أن رابطة العروبة ، تمثل وحدة في رابطة أوسع ، وهي الرابطة العثمانية أو الإسلامية .

وهكذا برز خلال السنوات الأولى من القرن العشرين ، اتجاه إسلامي عربي جلي ، يمثله الكواكبي وأترابه ، وإن بتنويعات مختلفة ، يؤمن أصحابه بوجود أمة عربية متميزة ، وبوحود دائرتين لا تعارض بيتهما ، إن لم تكونا متعاضدتين ، هما : الدائرة العربية ، وهي رابطة العروبة ، المباشرة والطبيعية ، والدائرة الإسلامية ، التى تربط العرب بالدولة العثمانية ، وهي الدائرة الأوسع..[8] ويلاحظ أن معظم أنصار هذا الاتجاه ، استقوا أفكار عن الأمة من التراث ، ومن المفاهيم الحديثة عن الوطن والقومية . ورغم تأكيدهم علي دور العرب في التاريخ ، وضرورة استعادته ، وبعث نهضتهم ، إلا أنهم ظلوا يرون في استمرار الارتباط بالدولة العثمانية ، عاصماً للمسلمين من الأخطار المدقة بهم ، لذلك لم يمانعوا في استمرار ارتباط العرب بها ، ولكن في ظل حكم غير مركزى ، يحقق لهم نوعاً من الاستقلال الذاتي ، ويعطيهم حقوقهم السياسية والاجتماعية.
الهوامش

[1] راجع كتاب جورج انطونيوس : يقظة العرب ، ترجمة ناصر الدين الأسد إحسان عباس ، بيروت 1980 ، ص 73 – 79 ، ومحمد أنيس : الدولة العثمانية والشرق العربي ، الأنجلوا المصرية 1985 ، ص 263 – 264

[2] حول ضعف الدولة العثمانية تأملات ووجهات نظر إضافية في كتب ألبرت حورائي : الفكر العربي في العصر النهضة ، ترجمة كريم عز قول ، بيروت 1977 ص 51 – 60 عمر عبد العزيز : تاريخ المشرق العربي ، الإسكندرية 1984 ص 109 – 128 أحمد عبد الرحيم مصطفي : في أصول التاريخ العثماني دار الشروق 1982 ص 102 – 104 – 134 – 142

[3] يمكن مراجعة تفسير الحركات الانفصالية عن الدولة العثمانية في كتاب محمود منسي : حركة اليقظة العربية في الشرق الآسيوى ، دار الفكر بالقاهرة 1978 ص 51 – 58 جورج أنطونيوس : المرجع السابق ص 81 – 94 ، عمر عبد العزيز : المرجع السابق ص 413 – 416

[4] عبد العزيز الدوري : التكوين التاريخي للأمة العربية ، دراسة في الهوية والوعي دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1984 ص 135 – 142 والكتاب دراسة هامة في مجال التاريخ للفكر القومي العربي

[5] حول تقييم دور البعثات التبشيرية راجع كتاب أنطونيوس : السابق ص 97 – 109 محمود منسي : السابق ص 62 – 66 ، 93 – 95 ، عبد الكريم رافق العرب والعثمانيون ، دمشق 1974 ص 510 - 515 وكذلك saab, h, arab fedral ists of the ottom an empir , a mia – terdam 1958 , pp 201 202

[6] عبد العزيز الدورى : السابق ص 151 – 152 أنطونيوس : السابق ص 149 – 158 ، محمود منسي : السابق 90 – 91 .

وكذلك zeine ., n, z,arab – turkish rela tions and the emrgence of arab nationalism , beruit 1958 , pp 68 – 69

[7] حول قضية الجامعة الإسلامية وموقف العرب منها راجع البرت حوراني : تاريخ الشعوب العربية ، ترجمة كمال خولي ، دار نوفل بيروت 1997 ص 389 – 395 أحمد عبد الرحيم مصطفي : في اصول التاريخ العثماني ص 247 – 254 توفيق على برو : العرب فل العهد الدستوري . القاهرة 1960 ، ص46 وما بعدها .

[8] انظر عبد العزيز الدوري واقتباساته الهامة من مصادر الكتاب الإصلاحيين في كتابه : التكوين التاريخي اللأمة العربية ، ص 166 – 237 .

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول القومية العربية
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن القومية العربية:
كرونولوجيا الثورة الجزائرية


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية