Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: حسن هرماسي
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 230

المتصفحون الآن:
الزوار: 28
الأعضاء: 0
المجموع: 28

Who is Online
يوجد حاليا, 28 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

د. صلاح عودة الله
[ د. صلاح عودة الله ]

·مصر:من الثورة الى الانتفاضة! - د. صلاح عودة الله
·كلمات في ذكرى رحيل د. عبد الله خوري
·مفاوصات اخر زمن! - صلاح عودة الله
·كلمات في محمد طمليه!
·محمود درويش..وسيدة الأرض!
·صرخات طفل فلسطيني!...............د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة
·ليس دفاعا عن موسى برهومة..بل خوفا على الصحافة الأردنية!
·الفساد والاستبداد في جامعاتنا العربية!
·فلسطين التاريخية والكيان الصهيوني المصطنع! - د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة

تم استعراض
49174276
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
الطريق السوري الى الوحدة 1 - جمال الأتاسي
Contributed by زائر on 19-1-1429 هـ
Topic: جمال الأتاسي




'الطريق السوري إلى الوحدة
جمال الأتاسي

في 22 فبراير (شباط) لعام 1958 تحقق أول انتصار وحدوي حقيقي لحركة القومية العربية، بعد نضال طال نصف قرن من الزمن، وقامت وحدة القطرين مصر وسورية، في إطار "جمهورية عربية متحدة". قامت دولة للأمة، لكل الأمة العربية وقضايا الأمة، ولتكون قاعدة انطلاق والجسر الذي تعبر عليه شعوب الأمة نحو الوحدة العربية الشاملة.

هذه الوحدة، وهذه الدولة القومية الموحدة للأمة العربية لم تعمر إلا ثلاث سنوات وسبعة أشهر، فقد انفصم عقد تلك الوحدة، بل جرى اغتيالها في 28 سبتمبر (ايلول) عام 61 بالتآمر والغدر وبتواطؤ من كل القوى المعادية للأمة، لوجود هذه الأمة أو لنهوضها وتقدمها، من داخلها وخارجها.
الوحدة والطريق إلى الوحدة في الحقبة الناصرية

أياً ما كانت التقييمات المختلفة التي جاءت لتلك الحقبة من حياة أمتنا العربية والتي عاشتها تحت أعلام الثورة الناصرية، فإنها تبقى حقبة النهوض البارزة في هذا العصر لأمتنا، ويبقى عنوانها الكبير النضال في سبيل تحررها وتقدمها ووحدتها . وتلك تبقى شهادة التاريخ ، كما قال جمال عبد الناصر في آخر كلماته إلى الأمة، شهادة " مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان . "

ونحن نسميها حقبة ناصرية، بالنسبة للأمة وشعوب الأمة وحركة القومية العربية عامة، تلك الحقبة من تاريخ نضالنا العربي، التي كان المدخل إليها قيام حركة الضباط الأحرار بثورتهم الوطنية في 23 يوليو عام 52. ولكن ناصريتها، أي ثوريتها الحقة كثورة قومية عربية تقدمية، ما برزت وتوضحت إلا عندما أمسك عبد الناصر بزمام الأمور عام 54 وأبعد عن رئاسة الدولة والحكم تلك الواجهات التقليدية والانتقالية وسد طريق الرجعة والردة، وأخذ يتوجه بخطابه مباشرة إلى الشعب، في كل القضايا، وليرتفع بالوعي السياسي للشعب. وحين أخذ يتوجه بخطابه إلى الأمة وشعوب الأمة، ومنذ أن أطلق صوت مصر الثورة إلى العرب، من إذاعة "صوت العرب "، منادياً :" أخي العربي، ارفع رأسك يا أخي وانهض فقد انتهى عهد الاستعباد ". ومنذ أن أعطى للثورة ولمصر وشعب مصر هويتها القومية العربية الخالصة، وأكد في كلمة له بمناسبة العيد الثاني للثورة " نحن أمة عربية واحدة ، هذا أول الطريق وآخره... " ، ولكنه انتظر أن ينجز مهمات للاستقلال الوطني الكامل لمصر وتوقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس في اكتوبر عام 54 ، ليمسك بمشروعه القومي، وليمد لا البصر والفكر وحده وانما الاهتمام والحركة والعمل إلى المشرق عبر سيناء ومابعد سيناء ، ولينطلق بمصر الثورة ورسالتها إلى الدوائر الثلاث لحركتها، العربية أولاً ومنها إلى الاسلامية والإفريقية. ولينتقل بثورة يوليو من طورها المصري الوطني الأول ، إلى طورها القومي العربي الأشمل، ولتأخذ مصر الثورة دورها كقاعدة ثابتة ومرتكز لحركة التحرر العربي ولما هو أبعد، ولتأخذ مسؤوليتها كاملة في الاهتمام بكل قضايا الأمة العربية. وباسم الأمة، وفي حالات عديدة نيابة عن الأمة كلها، خاضت المعارك والحروب ضد اعداء الأمة، ودفاعاً عن وجودها وحقوقها وأرضها.

ملاحم كبرى خاضها عبد الناصر وخاضتها مصر عبد الناصر، من ملحمة تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي، إلى ملحمة وحدة القطرين وإلى إسقاط حلف بغداد والأحلاف الاستعمارية ومبدأ إيزنهاور، كلها معارك خاضها وشعوب الأمة معه. ولقد ساند وأمدّ كل ثورات شعوب الأمة، من ثورة الجزائر إلى ثورة العراق وثورة اليمن . وكل انتصار كان انتصاراً للأمة ووحدة مصير شعوب الأمة. وصار عبد الناصر بمواقفه وهو التعبير عن الأمة كلها وطموحات الأمة، بل وحتى الانكسار في حرب حزيران عام 67 صار انكساراً للأمة كلها . ولكن عبد الناصر قدر على النهوض من جديد وبإرادة شعوب الأمة، ليقف في وجه الهزيمة ولإزالة آثار ذلك العدوان على الأمة، كما لم ينهض أحد بمصر وقوة مصر وبتلاحم قوى الأمة معها ، لإزالة لطخة الهزيمة عن علم الثورة وليرفع آثارها عن كاهل الأمة وأرضها. ولكنه قضى قبل أن يبلغ بالأمة ذلك الهدف الذي حدده طريقاً لتستأنف الأمة بعده مسيرتها إلى أهدافها الكبرى وإلى الوحدة . وطويت تلك الحقبة وهي ما طويت إلا عندما وقف السادات بحركة الجيوش وبقوة الأمة المساندة لحركة الجيوش . في حرب تشرين، كما كان قد رسم وأعد عبد الناصر، لتقف، بعد العبور، وليتحول السادات بمصر عن الناصرية وطريق عبد الناصر، إلى طريق كمب دافيد وأمريكا، لتنعكس الأمور ويتحقق الهدف الذي رمى إليه عدوان حزيران وكل عدوان على الأمة العربية ووحدة الأمة، في نزع الناصرية عن مصر وعزلها عن أمتها وعن دورها القيادي لأمتها.

تلك هي الصورة التي تشكلت في إدراكنا هنا من سورية لمصر عبد الناصر وللدور الذي أخذه عبد الناصر في قيادة الأمة. إنها صورة لم تأت دفعة واحدة ولا دخلت تسللاً ، بل هي جاءت عبر عملية نضج سياسي وانضاج في وعي شعبنا، تقدمت طوراً بعد طور، وعبر معارك النضال التي خاضها الشعبان في مصر وسورية، وكان لخطاب عبد الناصر المتوجه مباشرة إلى الشعوب وحركة الشعوب، موضحاً كل موقف وكل خطوة وكل قضية، الدور الكبير. ومن خلال هذا الإدراك صار خيار الشعب السوري لطريق الوحدة مع مصر خياراً ملحاً ولا تراجع عنه. ولقد استمر إلحاحه والدفع إليه طول تلك الحقبة الناصرية ، وليبقى من بعدها رصيداً لتطلعات مستقبلية.

فكيف تشكل وقام ذلك الطريق السوري إلى الوحدة وماذا جاء عليه وتقدم إليه، ليصبح طريق سورية إلى الوحدة مع مصر عبد الناصر ، وهي الطريق لتغلبها على مصاعبها وانقساماتها الداخلية، وللوقوف في وجه الضغوط والمؤامرات الخارجية، التي تتهددها بالإخضاع والاحتواء أو الغزو.

عندما قامت حركة الضباط الأحرار بالثورة في مصر عام 52 كانت سورية تعيش تحت وطأة الانقلابات العسكرية المتوالية، وكانت تعاني من كل ما أنتجه في المنطقة وداخل المجتمعات العربية، انكسار جيوش الأنظمة العربية أمام "العصابات الصهيونية" وقيام الكيان الإسرائيلي، ثم من كل ما صارت إليه أحوال المنطقة العربية وما أدخلته عليها القوى الغربية من ترتيبات وتحالفات بل ومؤامرات لإخضاعها لمصالحها ، ومخططاتها في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي. فالقوى الوطنية التقدمية والقوى القومية في سورية، التي كانت تعيش في دوامة الصراع الداخلي بين القوى على السلطة، والضغوط والتآمر على سورية من الخارج، لم تستكشف من البداية حقيقة ثورة 23 يوليو في مصر ولا حقيقة قيادة عبد الناصر، بل وضعتها في صنف الانقلابات العسكرية التي عانت منها وعانت من استبداديتها، وحتى بعد أن قدرت تلك القوى على إسقاط نظام أديب الشيشكلي الدكتاتوري العسكري في الأشهر الأولى من عام 54 ظلت تتطلع بشكوكها إلى ما يجري في مصر، بل وأظهرت تعاطفاً مع تحركات الأحزاب الرجعية والإخوان المسلمين في نزاعها مع الثورة وقيادة عبد الناصر. ولكن شيئاً فشيئاً أخذت الصورة تتوضح، صورة مصر الثورة والتقدم، وصورة قيادة عبد الناصر للثورة وسياسة عبد الناصر.
وهكذا فإن "صوت العرب " الموجه إلى الأمة وشعوب الأمة، وخطاب عبد الناصر الذي أخذ يرتفع في كل مناسبة وطنية آو قومية وحدث، ومواقف عبد الناصر الجريئة والقاطعة المعادية للاستعمار والمشاريع الاستعمارية والمعادية للرجعية، والتي تسير في خط التقدم والالتزام بمصالح الطبقات الشعبية، أخذت تشد أنظار وعواطف الشعب السوري نحو مصر وقيادة عبد الناصر. بل ومنذ تلك البداية، فإن تعاطف القواعد الشعبية مع مصر عبد الناصر سبق القيادات السياسية والحكومات وصار يشكل عاملاً ضاغطاً عليها باستمرار.

وفي عام 55 ومن مطلعه، أخذ صوت عبد الناصر يرتفع عبر المذياع في الأماكن العامة والمقاهي في سورية ويتجمع الناس ليستمعوا إليه في كل مناسبة وصار الدليل، بل وصارت صورة عبد الناصر تتصدر البيوت. وأخذت الرسائل والوفود الشعبية تذهب إلى عبد الناصر وإلى لقاء عبد الناصر، قبل أن يذهب الرسميون والحكام .

ومنذ بدايات عام 1955 استتبت الأوضاع في سورية لحكم وطني قام على تحالف برلماني وحزبي عريض للقوى الوطنية والتقدمية وعلى ميثاق قومي يؤلف بينها. وصار يتطلع في سياسته العربية إلى التآذر والتعاون مع مصر أولاً . وهذا الحكم على ما كان يتنازع أطرافه من تناقضات، وما كان يحاك حوله ويتجاذب فيه من مؤامرات، تكشفت فيما بعد، فلقد أخذ منهجاً ذا طابع وحدوي تحت الضغط الشعبي العام ومظاهراته ومطالبه، وتحت ضغط القوى القومية الوحدوية من داخله وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي . وهكذا سارت السياسة السورية قي خط مواز وموثق الخطوات مع سياسة مصر الثورة، من رفض الأحلاف العسكرية وسياسة الأحلاف الموالية للغرب، والوقوف في وجه إسرائيل والعدوان الإسرائيلي المتحفز، إلى كسر احتكار السلاح والتزود بالسلاح السوفياتي، مع الأخذ بسياسة الحياد الإيجابي والوقوف مع جبهة دول عدم الانحياز.

وفي مواجهة التهديدات الإسرائيلية والاستعمارية والرجعية، أخذ التعاون بين مصر وسورية، صيغة التعاون السياسي والتحالف العسكري والمواثيق الثنائية للدفاع المشترك. واللافت للنظر أن الوفد الحكومي السوري الذي ذهب إلى القاهرة لتوقيع ميثاق الدفاع الثناني عام 55، طرح أمام عبد الناصر مطلب سورية في السير بمشروع لإقامة الوحدة بين مصر وسورية. ولكن الأمور وقفت عند هذا الطرح. أما الحركة الشعبية في سورية فلم تتوقف وظلت تضغط.

وفي 14/ 6/ 56 تشكلت "حكومة قومية" جديدة في سورية، وصار الإصرار على ان ينص البيان الوزاري المقدم أمام المجلس النيابي، صراحة على العمل من أجل تحقيق الاتحاد بين مصر وسورية، وانهالت البرقيات والضغوط الشعبية والمظاهرات من كل المناطق السورية تطالب. واعطى المجلس الثقة للوزارة على هذا الأساس وأقر تشكيل لجنة وزارية لإجراء التفاوض واعلام مصر بهذا القرار الذي قابله عبد الناصر بالترحاب، ثم جاءت قضية السويس وحرب السويس لتصنع الوحدة في المعركة.

في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عبد الناصر يوم 26 يوليو عام 56 في الاسكندرية وأعلن في ختامه تأميم قناة السويس، بدأ بوضع القضية في إطارها القومي، كمعركة للأمة وقال عبد الناصر: " وفي المواجهة كلنا نعمل من أجل قوميتنا، كلنا نعمل من أجل عروبتنا، وكلنا سندافع من أجل حريتنا وعروبتنا وسنعمل حتى يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فالقومية العربية تتقدم وستنتصر وهي تعرف طريقها. " ثم أضاف :

" وأنا اليوم أتوجه إلى أخوان لنا في سورية، لقد قرروا ان يتحدوا معكم اتحاداً سليماً عزيزاً كريماً لندعم مباديء الكرامة، ولنرسي سوياً قواعد القومية العربية والوحده العربية. نرحب بكم أيها الأخوة وسنسير معاً متحدين، بلداً واحداً ورجلاً واحداً، وسنسير معاً لنقيم في ربوع الوطن العربي استقلالاً سياسياً حقيقياً واستقلالاً اقتصادياً حقيقياً... ". وجاء الحديث الذي هز الدنيا، وحرك الأمة وكل شعوب الأمة تطلعاً نحو مصر، كما حرك كل قوى الاستعمار والقوى المعادية للأمة ضد عبد الناصر ومصر عبد الناصر، وما صارت تجسده مصر عبد الناصر كطليعة متقدمة ومقاتلة، لا بالنسبة لحركة التحرر العربي وحدها بل ولكل حركات التحرر الوطني في العالم.

وفي الانتصار لمصر في معركتها الكبرى تلك التي فتحت، كان الشعب السوري في الطليعة تصميماً والتزاماً بوحدة المصير. ولكن شعوب الأمة كلها تطلعت بنضالها نحو مصر، إنها الوحدة في المعركة كما أرادها عبد الناصر، معركة الأمة مع أعدائها وفي المقدمة إسرائيل .

تشكلت في سورية على الفور بعد التأميم " الهيئة العربية لنصرة مصر" ، وفي 16 أغسطس (آب) أضربت سورية إضراباً عاماً وقامت مظاهرات كبيرة عمت أرجاء القطر تحت شعارات نصرة مصر ومطلب الوحدة مع مصر. كما استجابت أكثر العواصم العربية للدعوة لهذا الإضراب بل وإن الثورة الجزائرية يومها شنت سبع هجمات لمقاتليها في وقت واحد ضد مواقع الاستعمار الفرنسي كتعبير عن تضامنها مع مصر.

بات العدوان على مصر وشيكاً، كما كان هناك تحسب من أن تضرب إسرائيل في الأردن أو تضرب سورية. وتحولت اتفاقات الدفاع الثنائية إلى ثلاثية بين مصر وسورية والأردن لتوحيد جبهاتها في المواجهة. وفي عشية 29 أكتوبر بدأت إسرائيل الهجوم من سيناء باتجاه السويس . وفي اليوم التالي جاء الإنذار البريطاني الفرنسي وتكشفت أبعاد العدوان الثلاثي المبيت . ورقف عبد الناصر قويأ ثابت الجأش ووقف شعب مصر كله وراء جبهة واحدة يقاتل . ووقفت شعوب الأمة تتطلع إلى مصر، ووقف شعب سورية يطالب بالمشاركة في المعركة.

لم يرد عبد الناصر توريط الجيش الأردني ولا الجيش السوري في القتال وفتح جبهاتهما أمام إسرائيل، بعد أن تكشفت أمامه أبعاد العدوان ومراميه فمطامع إسرائيل في الأردن لم تكن خافية، كما كانت قد تكشفت خيوط مؤامرة كبرى حبكت بالتواطؤ مع أطراف سورية لضرب سورية في التوقيت ذاته الذي حدد لغزو مصر. وطالب عبد الناصر الأردن وسورية بالترقب والحذر، وحمل وشعبه عبء الدفاع لا عن مصر وحدها، بل وعن حرية الأمة كلها.

ولكن الشعب السوري ظل في تحفز وظل في غليان يطلب المشاركة، بل وتحركت بعض مواقعه وقواه من غير أن تنتظر أذناً حكومياً بالحركة. ففي اليوم الثالث للعدوان مثلاً وعندما أخذت الطائرات البريطانية تقصف محطة إذاعة القاهرة وصوت العرب وسكت البث منها لفترة، أخذت الإذاعة السورية على الفور مبادرتها وارتفع صوتها من دمشق يقول هنا القاهرة، وأخذت تبث المارشات العسكرية وتذيع نيابة البرقيات الواردة وأخبار المعارك وتحث على القتال وعلى مشاركة الأمة. وذهب فصيل من الجيش السوري بتوجيهات مباشرة من المكتب الثاني، فقام مع مجموعة من العمال بنسف أنابيب النفط عند ثلاث محطات للضخ، فقطع كل سبيل لإمداد القوات البريطانية والغرب بالنفط العراقي، وأعلن اتحاد العمال مسؤوليته عن الحادث، وهكذا وضع الشعب السوري نفسه في قلب المعركة.

ومعركة مصر وملحمة بورسعيد عاشتها الأمة وشعوب الأمة كلها وصارت تاريخاً جديداً للأمة. وأثبتت مصر أنها القلعة الحصينة بشعبها وقيادتها والطليعة المقاتلة للأمة. انتصرت مصر عبد الناصر، وخرج عبد الناصر من المعركة بطلاً للأمة ورمزاً لعنفوانها، وصار قائداً لشعوب الأمة كلها تتوجه إليه بأنظارها من غير منازع . وتأكدت من جديد بالنسبة لسورية طريقها إلى الوحدة كما لم تتأكد في أي فترة مضت: الطريق إلى مصر موئلاً ومرتكزاً وإلى عبد الناصر قائداً ورئيساً .

انحسر العدوان الثلاثي عن مصر بعد أن فشل في إسقاط عبد الناصر وإسقاط الثورة في مصر، وفشل في عزل مصر وإبعادها عن قيادة أمتها. فتحول العدوان، بعد أن صار رباعياً بانضمام الولايات المتحدة الأمريكية وطرحها مبدأ الزنهاور لسد الفراغ ، تحول باتجاه سورية ولضرب سورية وعزلها عن مصر، وضرب التوتر التقدمي والوحدوي لشعبها، وما يحرك في المنطقة شعبها. وعمد إلى تحريك التآمر والمؤامرات داخلها، ومحاصرتها بحلف بغداد وبتهديدات قوات حلف بغداد، وقام الشعب السوري بدوره للمواجهة. وعندما حشدت الجيوش على الحدود التركية والعراقية في خريف عام 57 وبات العدوان وشيكاً أرسل عبد الناصر بقطعات من الجيش المصري (3) لترابط إلى جانب الجيش السوري وأرفق ذلك بحملة إعلامية تؤكد وقوف مصر في المعركة مع سورية.

كان عبد الناصر، وفي حديث له مع كرانجيا في 10 مارس (آذار) من ذلك العام 57 ، قد أجاب على سؤال بشأن الوحدة العربية بقوله :
" أنا لا أفكر الآن في أي نوع من الاتحاد الفدرالي أو التعاقدي أو غيرها من أشكال الوحدة بين الدول العربية، ولكنني أوجه عنايتي أولاً إلى اتحاد أفكارنا وإيماننا بالقومية العربية. وقد أثبت التاريخ أن توحيد جبهة العرب كان السبيل إلى نجاحهم في قهر العدوان عليهم والمحافظة على استقلالهم. " وجاء كلام عبد الناصر وقتها في الرد على ما كانت تثيره القوى المعادية من دعايات تتهم عبد الناصر بالتطلع إلى مد سلطان مصر إلى الجوار واقامة امبراطورية له. ولكنه وبعد هذا ظل يقول : " لا يمكن أن تقوم هناك وحدة إلا إذا تحققت مقوماتها برابطة قوية لا تنفصم عراها من النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. "

ولكن الأمور على الجانب السوري، بل وعلى صعيد التحركات الشعبية والبرلمانية للقطرين، لم تعد تقبل الانتظار وصارت تستعجل الخطوات.

ذهبت وعادت وفود برلمانية ووفود شعبية عديدة إلى مصر وللقاء عبد الناصر رافعة مطلب الوحدة واستعجالها.

وبعد توجيه دعوة من رئاسة المجلس النيابي السوري (أكرم الحوراني) إلى رئيس مجلس الأمة المصري (عبد اللطيف البغدادي)، جاء إلى سورية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) وفد يضم أربعين عضواً من مجلس الأمة وعلى رأسهم أنور السادات، ونزل الشعب السوري كله مرحباً منادياً بالوحدة وعبد الناصر. وعقدت جلسة مشتركة في البرلمان السوري جلس فيها أعضاء مجلس الأمة على مقاعد النواب إلى جانب السورين ورفع على صارية المجلس العلم المصري إلى جانب السوري، وكانت جموع لا تحصى تحيط بالمجلس هاتفة عندما صودق في تلك الجلسة على مشروع قرار مشترك بإلزام الحكومتين المصرية والسورية، بالدخول فوراً في مباحثات لاستكمال أسباب اتحاد البلدين . وفي اليوم التالي ومن غير تأجيل، أقر المشروع مجلس الأمة المصري . وبدأت الأمور تتحرك، وظل الشارع السوري يضغط ولا يتوقف، ولكن اعداء الوحدة ومن لا يرون مصالحهم في تلك الوحدة أخذوا يتحركون أيضأ ويحركون الدسائس.

منذ اليوم الأول لعام 1958 صار الدفع على طريق الوحدة في الجدول اليومي لحركة القوى والأحداث. وبينما كانت قيادات البعث كلها مجتمعة، القيادة القومية والقيادة القطرية للحزب واللجنة البرلمانية، تتدارس صياغة مشروع لوحدة فدرالية تجمع مصر وسورية ومنفتحة لغيرهما من الأقطار العربية المتحررة، ومشروع دستور لدولة الوحدة، جاء اللواء حافظ اسماعيل إلى دمشق لينقل وجهة نظر عبد الناصر فيما يتعلق بالدفع على طريق الوحدة، إلى قيادة الجيش السوري ومجلس ضباطها وإلى وزير الخارجية صلاح الدين البيطار، مطالباً بعدم استعجال الأمور، والاكتفاء في الوقت الحاضر بتشكيل لجان لمختلف المجالات للبحث والإعداد، قائلاً ان الوصول إلى وحدة سياسية ودستورية يمكن أن يتطلب خمس سنوات من العمل . كما عبر عن التحسب من تبدلات مفاجئة يمكن أن تقع . ولكن الرد السوري جاء فورياً ولم ينتظر ففي ليل 11 يناير (كانون الثاني) طارت القيادة العسكرية السورية بجمعها إلى القاهرة، ولحق بها بعد يومين وزير الخارجية يحمل قرار الحكومة، والبقية قصة معروفة ومازال يدور حولها جدال، إلى ان اتخذ عبد الناصر قراره وقامت الوحدة، وذلك النظام الذي قام لدولة الوحدة.

لعلني أسهبت في سرد تسلسل الأحداث والمواقف التي أوصلت إلى تلك الوحدة، لأمسك منها بمعالم تلك الطريق السورية التي أوصلت إلى الوحدة ، والتي تقطعت من بعدها الدروب وتعثرت . إلا أنها تظل تدل سورية إلى مصر وتظل تدل مصر إلى سورية بعد كل ما قام ويقوم من حواجز وبعد كل ما قام بعد تلك التجربة من محاولات وتجارب.

ولكن الحقبة الناصرية لم تقف عند وحدة عام 58 أو عند انفصالها بل ظل لها تواصلها وامتدت بعدها بل وظل لها تواصل في سورية، ولدى الحركة الشعبية المتحفزة في سورية.


لقد قامت بعد ذلك محاولات كثيرة ونضالات شعبية كبيرة لاستعادة تلك الوحدة، كما طرحت بدائل لها وأشكال بديلة، وقامت اتحادات وتجمعات إقليمية وكلها أخفقت حتى اليوم في أن تضع الأمة على طريق وحدة حقيقية من جديد، وكأنها كانت فرصة تاريخية للأمة بقيام ثورة القومية العربية كثورة ناصرية وبقيام مصر عبد الناصر، وقد أضاعتها.

ونحن هنا في سورية، وآخرون كثيرون في وطننا العربي، كنا ومازلنا وبعد مرور أربعين عاماً على تلك البداية الظافرة، نسميها وكما سماها عبد الناصر من قبلنا، بالتجربة الرائدة . وهي كما قال عبد الناصر في آخر عيد أقيم لذكرى تلك الوحدة في حياته عام 67 " تبقى أمام النضال العربي ذخيرة ثمينة تعلم وتكشف حتى عن طريق أخطائها.. ".

إنها الرائدة ليس من حيث الشكل الذي أقامت عليه نظام الحكم والبنيان السياسي لدولة الوحدة، فهي قد أثبتت أن وحدة الأمة حقيقة وأن إقامة دولة للوحدة ممكنة إذا ما دفعت إليها الإرادة الحرة للشعوب، وتجاوب معها تصميم القادة وأصحاب القرار، وأن الوحدة خلاقة أيضاً وأنها الطريق لبناء المنعة والقوة والتقدم، وأنها الرد على كل التحديات التي تواجهها الأمة، وأنها السبيل لاستكمال مقومات الاستقلال والتقدم والنهوض والأمن للأمة كلها .

وهي رائدة من حيث أنها دلت إلى طريق، طريق الاستقلال الوطني وإطلاق المبادرة الحرة للشعوب، والطريق التي تذهب من سورية إلى مصر لتعود بمصر إلى سورية وتقوى . ثم إن تلك الوحدة فرضت نفسها ثورية، أي فورية تحرق المراحل وتختصر الإعداد لها . ويقول البعض، ومن بين الذين شاركوا فيها أيضاً بأنها كانت مغامرة غير محسوبة النتائج ، ولكننا لو قرأنا بتدقيق طبيعة حركة القوى والأحداث المتداخلة في تلك الحقبة، والأخطار المهددة لرأينا ان المغامرة كانت ستكون أخطر وأفدح لو أنها لم تقم . وهذا ما التقطته بالعمق الاستراتيجي والتاريخي القيادة الناصرية عندما اتخذت القرار وأقدمت (1) . والحق أنها خطوة ثورية ثورت المنطقة وثورت شعوب الأمة . أما لماذا تعثرت تلك التجربة، وتلك الوحدة الثورة ، وتوقف مدها عند أسوار بغداد وبعد أن كانت الدافع المباشر لثورة 14 تموز في بغداد، ولثورات شعبية أخرى قامت في الوطن العربي، ثم لماذا انحسرت ولم تقوى على حماية نفسها من الثورة المضادة وضربات التآمر والغدر، فتلك مسائل تطرح في المراجعة وللتعلم من التجربة، ولكن وفي هذه المناسبة والذكرى فإن موضوعي يبقى حول "الطريق السوري نحو الوحدة"، وعن الطريق التي مشت فيها سورية إلى تلك الوحدة ، وما كان لها وما بقي من رصيد في الوعي وفي حركة القوى وتطلعات الشعوب.

فالنزوع للوحدة العربية لدى الشعب السوري، وكل طلائعه القومية الثقافية وقواه السياسية وأحزابه الوطنية، نزوع أصلي وأصيل ما انقطع منذ قرن من الزمن . والتطلع إلى مصر والتواصل وحدوياً مع مصر، والتقدم بقوة وبوحدة القوة والقيادة في مواجهة الغزو الأجنبي ومشاريع الهيمنة له جذوره البعيدة وتجاربه التاريخية، ولكن الطريق إلى مصر لم تكن دائما سالكة بل أقيمت أمامها حواجز كثيرة، إلى أن قامت الثورة، الثورة الناصرية في مصر، وما تهيأت له بالثورة مصر وتهيأ له شعب مصر وما أزالت من حواجز وفككت من قيود لتدفق حركة الشعوب باتجاه مصر، ومن سورية بخاصة، مصممة على الوحدة، متخطية الحواجز والمسافات ومختصرة الزمن واحكام الإعداد والتدرج في الزمن، وأعلنت الوحدة.

كان الحدث كبيراً ، هز أرجاء الدنيا، دنيا العروبة أولاً ثم العالم أجمع منذ أن وقف عبد الناصر في الأول من فبراير/ (شباط) عام 58 ليعلن : " اليوم أيها الأخوة المواطنون، وبعد أن كانت القومية العربية هتافات وشعارات، أصبحت حقيقة وحقيقة واقعة . إن الشعب العربي في سورية والشعب العربي في مصر أعلنا مشيئتهما بقيام دولة لوحدتهما : الجمهورية العربية المتحدة " .

وفي الخامس من فبراير/ (شباط) وسورية كلها في مهرجان ، اجتمع المجلس النيابي السوري ليقرر الموافقة بالإجماع على اتفاق الوحدة وليرشح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية المتحدة ؛ وفي 21 فبراير ذهبنا من دمشق جموعاً جموعاً إلى صناديق الإقتراع لنقول نعم للوحدة في جمهورية عربية متحدة وعبد الناصر رئيساً ولم أجد يومها في التعبير عن الحدث ، إلا عنواناً عريضاً لمقالتي في الصفحة الأولى من جريدة "البعث " : كل الذين يريدون البقاء في مسار التاريخ يحيون قيام الجمهورية العربية المتحدة (2) . ولقد جاءت تلك الوحدة نقلة نوعية عظيمة في مسار تاريخ الأمة، وجاءت في مسار تاريخ التحرر الإنساني، ولقد حسبنا يومها أننا قد أمسكنا بمبادرتنا التاريخية في النهوض وأن أهداف الأمة العربية كلها صارت قريبة المنال، وما استطعنا هنا في سورية أن نقدر مسبقاً كل تلك المصاعب التي وقفت على الطريق ولا مقدار الكيد والعدوان الذي يدبره أعداء الأمة . وإن كان عبد الناصر قد نبه منذ البداية وحذر ومنذ أن وقف أمام مجلس الأمة في فبراير/ (شباط) مبشراً بمهرجان الشروق، شروق فجر وحدة الأمة العربية وقيام دولة موحدة للأمة.

وعبد الناصر في تلك الخطبة التاريخية التي بين فيها مقومات تلك الدولة أكد أن المدخل والطريق إلى تلك الوحدة، طريق مصر وطريق سورية، وكل طريق آخر إلى الوحدة إنما يبدأ من الاستقلال الوطني ومن الإرادة الوطنية المتحررة للشعوب وإجماعها ، وقال عبد الناصر:

"ما أن حصلت سورية على استقلالها الوطني إلا وتطلعت إلى مصر، وما أن حصلت مصر على استقلالها الكامل إلا وتطلعت إلى سورية... "

إلا أن ذلك التطلع كانت له جذوره التاريخية البعيدة من قبل ذلك الاستقلال بكثير، بل وكانت له تجارب أيضاً ، ولكن ظروف الاستقلال الوطني لكل من القطرين، مع تحرير الارادة الوطنية للشعبين والتلاقي على الأهداف الكبرى للأمة ، والمعارك التي خاضاها معاً في مواجهة القوى المعادية للأمة ومشاريعها في الهيمنة والاستعمار، من خوض معركة كسر احتكار السلاح معاً ثم والمضي على طريق سياسة الحياد الايجابي في السياسة الدولية والمضي في مواثيق الدفاع المشترك بينهما على طريق مواجهة التطويق والحصار والأحلاف العسكرية المعادية، ماعزز تلك الارادة في شق الطريق نحو الوحدة .

عندما جاء رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي ليرفع العلم ، علم الاستقلال الوطني، بعد جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن في 17 نيسان عام 46، قال : لن يرفع فوق هذا العلم بعد هذا اليوم إلا علم الوحدة العربية، ولكن طريق الوحدة يومها لم تكن سالكة باتجاه مصر وما كانت مصر قد أنجزت مهمات استقلالها الوطني وإجلاء الجيش البريطاني عن قاعدة السويس، و لاكانت الثورة قامت في مصر ولا أقامت نظامها الجمهوري ولا نص دستورها على الانتماء العربي الخالص وعلى أنها جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، ولا خاضت كل تلك المعارك الوطنية الظافرة تحت راية القومية العربية، لتشد لا سورية وحدها وطريق سورية الى الوحدة نحوها، بل وشدت كل تطلعات شعوب الأمة الى الاستقلال والوحدة . ولكن سورية كانت السباقة، وصارت طريق مصر وسورية أولاً في ادراك الشعب السوري ، هي طريق الأمة الى الوحدة والتقدم .

إن شكري القوتلي نفسه، كرئيس للجمهورية السورية، هو الذي ذهب الى القاهرة في 31 يناير/ (كانون الثاني) عام 58 ومعه رئيس الوزراء وعدد من الوزراء ورئيس أركان الجيش، ليذكر بما قاله يوم الاستقلال وليسلم الراية لعبد الناصر ولترفع راية وحدة القطرين . ولكن الارادة الجماعية للشعب السوري، وبكل قياداته المدنية والعسكرية وكل تياراته الوطنية، كانت قد سبقت الحكام الى القاهرة ودفعت بالحكام نحوها، ثم كان لا بد أن تأخذ الأمور مجراها السياسي والدستوري، وقامت الجمهورية العربية المتحدة.

وقضية الوحدة العربية، وكما تشكلت في وعينا القومي العام، وفي ادراك الطلائع والنخب الثقافية والسياسية لشعبنا العربي السوري، إنما هي في النهاية الوحدة التي تجمع أجزاء الوطن العربي كله ومن المحيط الى الخليج، وطناً موحداً وأمة واحدة وكياناً سياسياً واقتصادياً وثقافياً موحداً ومستقلاً عن كل سيادة أو هيمنة أجنبية.

ولقد أخذ توجه الحركة القومية العربية في سورية على طريق هذا الهدف الطموح مسارات مختلفة، عبر المخاضات التاريخية التي انخرطت فيها شعوب أمتنا وحركات التحرر الوطني في منطقتنا العربية، في حقب زمنية متلاحقة من هذا القرن العشرين . ولكن المسار الذي تقدم بسورية نحو وحدة عام 58 وتجربة تلك الوحدة ، تبقى في وعينا القومي في سورية، أو في وعي من بقي على التطلع لوحدة الأمة، كطريق لابديل عنه للخلاص، لا ماضياً تعتز به بل يبقى أيضاً دليلنا الى المستقبل.

لكن وقبل الخوض في الحديث عن المسار السوري الى الوحدة فى الحقب الماضية، سنقف عند التأكيد على بعض الملامح والسمات العامة لذلك المسار.
1- إن التطلع الى الوحدة الشاملة للأمة العربية والى تحرير أقطار الوطن العربي واستقلالها واقامة كيان موحد أو دولة واحدة لشعوبها، كان المبدأ والمنطلق لحركة القومية العربية ولروادها ا لأوائل ولمنظماتها السرية ولأحزابها منذ أواخر القرن الماضي . وهذا التطلع، وبعد كل المتغيرات التي وقعت في منطقتنا والعالم، ما زال قائماً كطريق للنهوض بالأمة من جديد.
2- وفي المشروع القومي العربي كان واضحاً دائماً أن طريق الوحدة العربية طويلة متعددة المراحل والأطوار، وكذلك التجارب والأشكال . وأنها لا تتوقف على ارادة أو استعداد قطر عربي بعينه، أو حكومة أو حزب، ولكنها وقد وجدت محركاً على طريقها ومنطلقاً من بلاد الشام ، أو من جزء من بلاد الشام الذي صارت اليه "سورية"، فلقد كان التوجه الوحدوي في سورية، يذهب في تطلعاته الى مركز عربي ومرتكز قوي وثابت يركن إليه، والى قيادة أو رمز يشد الأنظار اليه ويجمع .
3- إن سورية في توجهها القومي العربي وفي اختيار طريقها الى الوحدة، كانت مستعدة للتخلي عن كيانها السياسي الذي رسمت حدوده من قبل المخططات والمصالح الاستعمارية ومن ثم الأنظمة القطرية والانفصالية، لصالح التكامل مع/ والاندماج في كيان عربي أوسع وأكبر. وهذا لم يكن طريق قواها القومية الى الوحدة والى بناء القوة والمنعة فحسب، بل وكان طريقها في الوقت ذاته لتحقيق الاندماج القومي لمجتمعها نفسه وتحقيق الوحدة الوطنية لشعبها في مستوى أكثر تلاحماً ، بعد كل ما زرعته ظروف القهر من تناثر في بنيته الاجتماعية ومن رواسب العصبيات و الروابط قبل القومية.
4- وطريق الوحدة سابقاً وحاضراً، ماضياً ومستقبلاً ، هو طريق المواجهة مع أعداء الأمة والطامعين في أرضها ونفطها ومياهها ومواقعها الاستراتيجية وكل الذين يعملون على طريق تجزئتها وسد الطريق أمام تقدمها ونهوضها كأمة. وهو الذي شد في الماضي وما زال يشد أواصر الوحدة في المواجهة من سورية الى مصر ومن مصر إلى سورية.
5- ثم إن طريق الوحدة، وكما هو طريق المواجهة، فهو طريق الأمة ولا طريق غيره الى التقدم و النهوض . و هذا ما تدفع اليه الارادة الحرة والمصممة للشعوب، ولقد كان طريق سورية الى الوحدة من البداية هو طريق الاستقلال الوطني وتحرير الارادة الوطنية لشعوب الأمة، لتكون الوحدة خيارها و تعبيراً عن ارادتها الجماعية والحرة ، ولتأتي في خط التقدم وعلى طريق التحرر والتحرير من كل تابعية، وفي المواجهة مع كل مشاريع الهيمنة الأجنبية والاستعمار.

وبكل هذه المؤشرات مجتمعة صارت طريق سورية باتجاه مصر الثورة، مصرعبد الناصر، هي وليس غيرها الطريق السالكة للوحدة . فمن قبل وحدة عام 58 ومن بعدها، اغريت سورية بمشاريع للوحدة، أو راودتها طرق أخرى- الى الوحدة، كمشاريع وحدة الهلال الخصيب وسورية الكبرى، لتسحبها على طريق أردن الملك عبدالله أو عراق نوري السعيد، فضلاً عن كل ما دبر من مؤامرات أو صيغ من تحالفات دفعاً على طريق تلك المشاريع المشبوهة التي كانت تستهدف احتواء سورية في أطر المخططات والأحلاف الاستعمارية، وما صدتها وردتها إلا اليقظة الوطنية للحركة الشعبية في سورية. كما وأن الحركة الشعبية الوطنية في سورية وكل القوى والأحزاب القومية الوحدوية، لم تجد في قيام جامعة الدول العربية عام 45 وانضمام الحكومة السورية اليها تعبيراً عن ارادتها وطموحاتها، أو عن الطريق الى وحدة لأمة كما تتطلع اليها الشعوب. فعدا أنها جاءت بمباركة من الحكومة البريطانية و لتبقى ضمن دوائر نفوذها، فقد قامت كجامعة دول وحكومات منفصلة عن بعضها، وقامت كمنظمة اقليمية لدول مختلفة وليس كجامعة قومية وكيان موحد للأمة، وبقيت على تكريس قطرية الأنظمة في أطر التجزئة. وظلت سورية تطالب بمضاهاتها بجامعة للشعوب تخلع أطر التجزئة وتقتلع الحدود الفاصلة، وتنزع عن الأنظمة قطريتها لتأخذ أسباب الوحدة القومية الصحيحة.

وفي الطريق السوري الى الوحدة، وحدة الأمة العربية، ولاستكمال مقومات وجودها كأمة ونهوضها في مواجهة التحديات، كانت الوحدة دائماً هدف تفرضه ضرورات الحياة وضرورات البقاء والتحرر والتقدم للأمة، في تاريخ حركة القومية العربية والدفع على طريق الوحدة ومشاريع التوحيد والوحدة يمكن أن نميز بين حقبتين تاريخيتين، حقبة الناصرية والنهوض الناصري والثورة الناصرية كثورة للقومية العربية، وحقبة ما قبل الناصرية، ثم وقوفاً عند هذه الحقبة مابعد الناصرية التي نعيشها تراجعاً وانكفاءاً عن كل طريق الى الوحدة.

فالحقبة الأولى في مسيرة نضال الأمة من أجل الاستقلال والوحدة، هي تلك التي تعود بنا إلى بدايات حركة القومية العربية المنطلقة من المشرق العربي وسورية، والتي سارت إلى "الثورة العربية الكبرى" ثورة الشريف حسين عام 16، متطلعة إلى إقامة دولة عربية موحدة للأمة والتي بانكسارها أمام المشروع الاستعماري تكرس نظام شرق أوسطي للتجزئة والهيمنة الاستعمارية، والذي حمل في طياته وعد بلفور وإقامة الكيان الصهيوني، استكمالاً لمقومات ذلك النظام الشرق أوسطي للسيطرة بقيام "إسرائيل "، وسلباً للوجود العريى واستنزافاً لطاقات النضال العربي وسداً لطريق الوحدة . ثم تأتي الحقبة الناصرية للنهوض العربي منذ ان انتقل عبد الناصر بثورة 23 يوليو من طورها الوطني الأول لتصبح ئورة للقومية العربية كلها ووحدة الأمة، والتي حققت اختراقات كبيرة لذلك النظام الشرق أوسطي السالف الذكر في معارك متلاحقة، وانتصارات لثورات الشعوب، وصارت قضية الوحدة العربية والتقدم على طريقها شعارات للنضال اليومي لحركة شعوب الأمة وبالثورة صارت مصر قاعدة حصينة للقومية العربية ودولة لكل الأمة العربية وقضاياها. إنها الحقبة التي بلغت عنفوانها القومي حين حققت وحدة مصر وسورية في جمهورية عربية متحدة، ولتبقى مصر بعد الانفصال جمهورية عربية متحدة، تقود معارك الأمة وتدفع على طريق وحدتها.

ثم هناك المابعد، مابعد الناصرية، والتي يمكن أن نؤرخ بداية التراجع فيها، بعد غياب عبد الناصر، بصعود السادات بثورته المضادة منذ 15 مايو/ (أيار) عام 71، حين خلع عن مصر اسم " الجمهورية العربية المتحدة" وصفة الدولة القومية لكل الأمة العربية. ليعيدها مصر المصرية ثم ليضعها في إسار كمب دافيد. ثم ما توالى في هذه الحقبة الأخيرة من تراجعات ليعود ويتكرس نظام التجزئة والكيانات القطرية الانفصالية ولتدخل الأمة والمنطقة العربية في دوامة مشاريع الهيمنة التي ترتب لإعادة إنتاج نظام شرق أوسطي جديد معولم اقتصادياً لصالح الاستقطاب الأمريكي والرأسمالية الدولية الجديدة، ومتحكم فيه صهيونياً وبالامتداد الصهيوني، لكي لا تقوم قائمة بعده للأمة ولوحدة الأمة.

فكيف كانت وكيف تغيرت الطريق السورية إلى الوحدة في هذه الحقب الثلاث.

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال الأتاسي
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن جمال الأتاسي:
محطات قومية مع الدكتور جمال الأتاسي - أحمد مظهر سعدو


تقييم المقال
المعدل: 4
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

Re: الطريق السوري الى الوحدة 1 - جمال الأتاسي (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-8-1430 هـ
هذا التساؤل الذي أقره الدكتور جمال الأتاسي في نهاية مقاله، شغلني منذ أن فشل القوميون العرب بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر في حرب 1967، فبدلا من أن يقوموا بمراجعة شاملة لنتائج أفعالهم راحوا يدعون النصر على الامبريالية والصهيونية التي لم تكن غايتها احتلال الأراضي العربية، كما ادعى إعلامهم يومها، بل كانت إسقاط الحكومات العربية التقدمية. هنا بدأتِ الفاجعة.. وأنا الذي عشت هذه المراحل الثلاث التي تحدث عنها الدكتور جمال الأتاسي في مقاله هذا.. ففي عام 1949 كنتُ أجتاز المرحلة الابتدائية عندما وقع في وطني سورية أول انقلاب عسكري، قام به ضابط كان خلال الحرب العالمية الثانية مع الفيشيين الفرنسيين "عملاء النازية" بعد أن أسقطت جيوش الفوهلر خط الدفاع "ماجينو" الفرنسي، واحتلت ألمانيا العاصمة باريس، وأصبح اقتصاد المستعمرات الفرنسية وأبناؤها في دول العالم الثالث تعمل لخدمة مصالح النازيين، وأصبحت سورية ولبنان تحكمان مباشرة من عملاء النازية.ونتيجة للحرب العالمية الأولى ظهر على الساحة السياسية العربية تيار قومي جديد، تأثر بتيار التمييز القومي الاشتراكي وبالعلمانية للدول التي خسرت تلك الحرب كألمانيا وتركيا وغيرها؛ ففي ثلاثينيات القرن العشرين وفي بيروت بالذات، ولد الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو ترجمة حرفية للحزب الألماني القومي "النازي" الاشتراكي، لأن كلمة اشتراكي كانت تترجم يومها بكلمة اجتماعي، وحتى الصليب المعكوف عند الحزب النازي حُدِّبتْ زواياه وتحول عند السوري القومي إلى زوبعة.. وولدت أيضا عصبة العمل القومي أم الأحزاب القومية العربية الاشتراكية في بلاد الشام والعراق. وأنا هنا لست ضد أي فكر سياسي كان، سواء انتمى أصحابه إلى عقائد دينية أو فلسفية روحية كانت أو مادية ومن أقصى يمينها إلى أقصى يسارها أو وسطها، شريطة أن لا يفرضوا بالقوة العسكرية عقيدتهم علينا، كما فعلت الأحزاب البعثية والناصرية والشيوعية في أوطاننا العربية، وكما تفعل الأحزاب الإسلامية اليوم في إيران وأفغانستان ولبنان والصومال والسودان وفي غزة أيضا. من هذا الفهم جاء تصنيفي للتيارات والحركات العربية الإسلامية التي ولدت في العصر الحديث في ثلاث تيارات: 1 ـ تيار النهضة العربية الإسلامية الذي نشأ منذ زمن الخلافة العـثمانية متجاوبا مع النهضة الأوروبية الحديثة، وظل هذا التيار يمارس قيم الحرية والتعددية الديمقراطية والعلمانية الفكرية والسياسية دون إقصاء أحد منذ بداية عصر النهضة حتى عهد الرئيس عبد الناصر. وقد أنجز سياسيو هـذا التيار بالتحالف مع الغرب الأوروبي عامة ومع بريطانيا خاصة، دون التخلي عن قيم وأخلاق العـرب والمسلمين: بنية الدولة الوطنية، وجامعة الـدول العـربية، وحلف بغداد.2 ـ تيار قومي شوفيني تجاوب مع النازية ودعوات التمييز القومي في أوروبا، وتزاوج هذا التيار مع تيار أوروبي آخر من دعاة الصراع الطبقي والتمييز الطبقي الاجتماعي وفي أوروبا، أيضا، لينجبا الانقلابات العسكرية التي أنجبت بدورها: التيار القومي الاشتراكي الطبقي. وأحزاب هذا التيار التي نشأت وتعاظمت في دول الطوق العربي، مصر وسوريا والعراق، هي التي فرضت بالقوة العسكرية سلطتها ونهجها الوحيد الجانب لحل مجمل القضايا العربية والإسلامية المعاصرة مسببة بذلك كل محن وكوارث الأمة على مدى النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة. وبسبب السياسات العزباء لهذا التيار احتلت إسرائيل كامل التراب الفلسطيني، وأراضي من دول الطوق العربي منها جولاننا السوري الذي لم يزل محتلا منذ حرب 67 عندما كان اللواء حافظ الأسد وزيرا للدفاع في دولة البعث، وكان الرئيس جمال عبد الناصر لم يزل رئيسا للجمهورية العربية المتحدة رغم الانفصال. واستمر هذا التيار بعزوبيته حتى خسر العراق استقلاله عام 2003، ولم يزل مستمرا في وطني سورية، يحكمنا بقيادة حزب البعث القائد للمجتمع والدولة ولجبهة وطنية تقدمية، والذي حول سورية من جمهورية على غرار الجمهورية الفرنسية إلى جمهورية وراثية على غرار الجمهورية الديمقراطية الشعبية لكوريا الشمالية.3 ـ تيار إسلامي مذهبي مسرف ناهض الأنظمة العربية الإسلامية التي تخندقت مع الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الرأسمالية العالمية وقائدة العالم الحر، وناهض أيضا الأنظمة التي تخندقت مع الاتحاد السوفييتي قائد الشيوعية العالمية وزعيم حلف وارسو؛ ولكن هذا التيار انتهى في معظمه إلى ما انتهى إليه معـظـم التـيار القـومي الاشـتراكي الطبقي في الرفض المطلق للآخر وتخوينه وإباحة قتله، ليصبحا وجهيـن لعـملة واحدة.ملاحظة: إذا سمحتم بالتواصل، فسوف أقدم لكم وجهة نظري في أحداث النصف الثاني من القرن العشرين والأسباب التي أعادت أوطان الأمة العربية للعيش في ظلام القرون الوسطى.


[ الرد على هذا التعليق ]


Re: الطريق السوري الى الوحدة 1 - جمال الأتاسي (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-8-1430 هـ
هذا التساؤل الذي أقره الدكتور جمال الأتاسي في نهاية مقاله، شغلني منذ أن فشل القوميون العرب بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر في حرب 1967، فبدلا من أن يقوموا بمراجعة شاملة لنتائج أفعالهم راحوا يدعون النصر على الامبريالية والصهيونية التي لم تكن غايتها احتلال الأراضي العربية، كما ادعى إعلامهم يومها، بل كانت إسقاط الحكومات العربية التقدمية. هنا بدأتِ الفاجعة.. وأنا الذي عشت هذه المراحل الثلاث التي تحدث عنها الدكتور جمال الأتاسي في مقاله هذا.. ففي عام 1949 كنتُ أجتاز المرحلة الابتدائية عندما وقع في وطني سورية أول انقلاب عسكري، قام به ضابط كان خلال الحرب العالمية الثانية مع الفيشيين الفرنسيين "عملاء النازية" بعد أن أسقطت جيوش الفوهلر خط الدفاع "ماجينو" الفرنسي، واحتلت ألمانيا العاصمة باريس، وأصبح اقتصاد المستعمرات الفرنسية وأبناؤها في دول العالم الثالث تعمل لخدمة مصالح النازيين، وأصبحت سورية ولبنان تحكمان مباشرة من عملاء النازية.ونتيجة للحرب العالمية الأولى ظهر على الساحة السياسية العربية تيار قومي جديد، تأثر بتيار التمييز القومي الاشتراكي وبالعلمانية للدول التي خسرت تلك الحرب كألمانيا وتركيا وغيرها؛ ففي ثلاثينيات القرن العشرين وفي بيروت بالذات، ولد الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو ترجمة حرفية للحزب الألماني القومي "النازي" الاشتراكي، لأن كلمة اشتراكي كانت تترجم يومها بكلمة اجتماعي، وحتى الصليب المعكوف عند الحزب النازي حُدِّبتْ زواياه وتحول عند السوري القومي إلى زوبعة.. وولدت أيضا عصبة العمل القومي أم الأحزاب القومية العربية الاشتراكية في بلاد الشام والعراق. وأنا هنا لست ضد أي فكر سياسي كان، سواء انتمى أصحابه إلى عقائد دينية أو فلسفية روحية كانت أو مادية ومن أقصى يمينها إلى أقصى يسارها أو وسطها، شريطة أن لا يفرضوا بالقوة العسكرية عقيدتهم علينا، كما فعلت الأحزاب البعثية والناصرية والشيوعية في أوطاننا العربية، وكما تفعل الأحزاب الإسلامية اليوم في إيران وأفغانستان ولبنان والصومال والسودان وفي غزة أيضا. من هذا الفهم جاء تصنيفي للتيارات والحركات العربية الإسلامية التي ولدت في العصر الحديث في ثلاث تيارات: 1 ـ تيار النهضة العربية الإسلامية الذي نشأ منذ زمن الخلافة العـثمانية متجاوبا مع النهضة الأوروبية الحديثة، وظل هذا التيار يمارس قيم الحرية والتعددية الديمقراطية والعلمانية الفكرية والسياسية دون إقصاء أحد منذ بداية عصر النهضة حتى عهد الرئيس عبد الناصر. وقد أنجز سياسيو هـذا التيار بالتحالف مع الغرب الأوروبي عامة ومع بريطانيا خاصة، دون التخلي عن قيم وأخلاق العـرب والمسلمين: بنية الدولة الوطنية، وجامعة الـدول العـربية، وحلف بغداد.2 ـ تيار قومي شوفيني تجاوب مع النازية ودعوات التمييز القومي في أوروبا، وتزاوج هذا التيار مع تيار أوروبي آخر من دعاة الصراع الطبقي والتمييز الطبقي الاجتماعي وفي أوروبا، أيضا، لينجبا الانقلابات العسكرية التي أنجبت بدورها: التيار القومي الاشتراكي الطبقي. وأحزاب هذا التيار التي نشأت وتعاظمت في دول الطوق العربي، مصر وسوريا والعراق، هي التي فرضت بالقوة العسكرية سلطتها ونهجها الوحيد الجانب لحل مجمل القضايا العربية والإسلامية المعاصرة مسببة بذلك كل محن وكوارث الأمة على مدى النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة. وبسبب السياسات العزباء لهذا التيار احتلت إسرائيل كامل التراب الفلسطيني، وأراضي من دول الطوق العربي منها جولاننا السوري الذي لم يزل محتلا منذ حرب 67 عندما كان اللواء حافظ الأسد وزيرا للدفاع في دولة البعث، وكان الرئيس جمال عبد الناصر لم يزل رئيسا للجمهورية العربية المتحدة رغم الانفصال. واستمر هذا التيار بعزوبيته حتى خسر العراق استقلاله عام 2003، ولم يزل مستمرا في وطني سورية، يحكمنا بقيادة حزب البعث القائد للمجتمع والدولة ولجبهة وطنية تقدمية، والذي حول سورية من جمهورية على غرار الجمهورية الفرنسية إلى جمهورية وراثية على غرار الجمهورية الديمقراطية الشعبية لكوريا الشمالية.3 ـ تيار إسلامي مذهبي مسرف ناهض الأنظمة العربية الإسلامية التي تخندقت مع الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الرأسمالية العالمية وقائدة العالم الحر، وناهض أيضا الأنظمة التي تخندقت مع الاتحاد السوفييتي قائد الشيوعية العالمية وزعيم حلف وارسو؛ ولكن هذا التيار انتهى في معظمه إلى ما انتهى إليه معـظـم التـيار القـومي الاشـتراكي الطبقي في الرفض المطلق للآخر وتخوينه وإباحة قتله، ليصبحا وجهيـن لعـملة واحدة.ملاحظة: إذا سمحتم بالتواصل، فسوف أقدم لكم وجهة نظري في أحداث النصف الثاني من القرن العشرين والأسباب التي أعادت أوطان الأمة العربية للعيش في ظلام القرون الوسطى. د. محمود حسين صارم            mhsarem@hotmail.com       


[ الرد على هذا التعليق ]


Re: الطريق السوري الى الوحدة 1 - جمال الأتاسي (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-8-1430 هـ
هذا التساؤل الذي أقره الدكتور جمال الأتاسي في نهاية مقاله، شغلني منذ أن فشل القوميون العرب بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر في حرب 1967، فبدلا من أن يقوموا بمراجعة شاملة لنتائج أفعالهم راحوا يدعون النصر على الامبريالية والصهيونية التي لم تكن غايتها احتلال الأراضي العربية، كما ادعى إعلامهم يومها، بل كانت إسقاط الحكومات العربية التقدمية. هنا بدأتِ الفاجعة.. وأنا الذي عشت هذه المراحل الثلاث التي تحدث عنها الدكتور جمال الأتاسي في مقاله هذا.. ففي عام 1949 كنتُ أجتاز المرحلة الابتدائية عندما وقع في وطني سورية أول انقلاب عسكري، قام به ضابط كان خلال الحرب العالمية الثانية مع الفيشيين الفرنسيين "عملاء النازية" بعد أن أسقطت جيوش الفوهلر خط الدفاع "ماجينو" الفرنسي، واحتلت ألمانيا العاصمة باريس، وأصبح اقتصاد المستعمرات الفرنسية وأبناؤها في دول العالم الثالث تعمل لخدمة مصالح النازيين، وأصبحت سورية ولبنان تحكمان مباشرة من عملاء النازية.ونتيجة للحرب العالمية الأولى ظهر على الساحة السياسية العربية تيار قومي جديد، تأثر بتيار التمييز القومي الاشتراكي وبالعلمانية للدول التي خسرت تلك الحرب كألمانيا وتركيا وغيرها؛ ففي ثلاثينيات القرن العشرين وفي بيروت بالذات، ولد الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو ترجمة حرفية للحزب الألماني القومي "النازي" الاشتراكي، لأن كلمة اشتراكي كانت تترجم يومها بكلمة اجتماعي، وحتى الصليب المعكوف عند الحزب النازي حُدِّبتْ زواياه وتحول عند السوري القومي إلى زوبعة.. وولدت أيضا عصبة العمل القومي أم الأحزاب القومية العربية الاشتراكية في بلاد الشام والعراق. وأنا هنا لست ضد أي فكر سياسي كان، سواء انتمى أصحابه إلى عقائد دينية أو فلسفية روحية كانت أو مادية ومن أقصى يمينها إلى أقصى يسارها أو وسطها، شريطة أن لا يفرضوا بالقوة العسكرية عقيدتهم علينا، كما فعلت الأحزاب البعثية والناصرية والشيوعية في أوطاننا العربية، وكما تفعل الأحزاب الإسلامية اليوم في إيران وأفغانستان ولبنان والصومال والسودان وفي غزة أيضا. من هذا الفهم جاء تصنيفي للتيارات والحركات العربية الإسلامية التي ولدت في العصر الحديث في ثلاث تيارات: 1 ـ تيار النهضة العربية الإسلامية الذي نشأ منذ زمن الخلافة العـثمانية متجاوبا مع النهضة الأوروبية الحديثة، وظل هذا التيار يمارس قيم الحرية والتعددية الديمقراطية والعلمانية الفكرية والسياسية دون إقصاء أحد منذ بداية عصر النهضة حتى عهد الرئيس عبد الناصر. وقد أنجز سياسيو هـذا التيار بالتحالف مع الغرب الأوروبي عامة ومع بريطانيا خاصة، دون التخلي عن قيم وأخلاق العـرب والمسلمين: بنية الدولة الوطنية، وجامعة الـدول العـربية، وحلف بغداد.2 ـ تيار قومي شوفيني تجاوب مع النازية ودعوات التمييز القومي في أوروبا، وتزاوج هذا التيار مع تيار أوروبي آخر من دعاة الصراع الطبقي والتمييز الطبقي الاجتماعي وفي أوروبا، أيضا، لينجبا الانقلابات العسكرية التي أنجبت بدورها: التيار القومي الاشتراكي الطبقي. وأحزاب هذا التيار التي نشأت وتعاظمت في دول الطوق العربي، مصر وسوريا والعراق، هي التي فرضت بالقوة العسكرية سلطتها ونهجها الوحيد الجانب لحل مجمل القضايا العربية والإسلامية المعاصرة مسببة بذلك كل محن وكوارث الأمة على مدى النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة. وبسبب السياسات العزباء لهذا التيار احتلت إسرائيل كامل التراب الفلسطيني، وأراضي من دول الطوق العربي منها جولاننا السوري الذي لم يزل محتلا منذ حرب 67 عندما كان اللواء حافظ الأسد وزيرا للدفاع في دولة البعث، وكان الرئيس جمال عبد الناصر لم يزل رئيسا للجمهورية العربية المتحدة رغم الانفصال. واستمر هذا التيار بعزوبيته حتى خسر العراق استقلاله عام 2003، ولم يزل مستمرا في وطني سورية، يحكمنا بقيادة حزب البعث القائد للمجتمع والدولة ولجبهة وطنية تقدمية، والذي حول سورية من جمهورية على غرار الجمهورية الفرنسية إلى جمهورية وراثية على غرار الجمهورية الديمقراطية الشعبية لكوريا الشمالية.3 ـ تيار إسلامي مذهبي مسرف ناهض الأنظمة العربية الإسلامية التي تخندقت مع الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الرأسمالية العالمية وقائدة العالم الحر، وناهض أيضا الأنظمة التي تخندقت مع الاتحاد السوفييتي قائد الشيوعية العالمية وزعيم حلف وارسو؛ ولكن هذا التيار انتهى في معظمه إلى ما انتهى إليه معـظـم التـيار القـومي الاشـتراكي الطبقي في الرفض المطلق للآخر وتخوينه وإباحة قتله، ليصبحا وجهيـن لعـملة واحدة.ملاحظة: إذا سمحتم بالتواصل، فسوف أقدم لكم وجهة نظري في أحداث النصف الثاني من القرن العشرين والأسباب التي أعادت أوطان الأمة العربية للعيش في ظلام القرون الوسطى. د. محمود حسين صارم            mhsarem@hotmail.com       


[ الرد على هذا التعليق ]







إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.13 ثانية