Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: محمد عبدالغفار
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 238

المتصفحون الآن:
الزوار: 25
الأعضاء: 0
المجموع: 25

Who is Online
يوجد حاليا, 25 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

سامي شرف
[ سامي شرف ]

·جمال عبد الناصر .. حلم أمة بقلم سامى شرف
·الصورة الجماهيرية للزعيم جمال عبد الناصر – بقلم : سامي شرف
·جمال عبدالناصر والإسلام والمسيحية - سامي شرف
·عودة الدولة التنموية (1ـ 2) - سامي شرف
·سامى شرف يتذكر كيف أدار الرئيس جمال عبدالناصر الصراع العربى الإسرائيلى بعد نكسة
·سامي شرف يكتب : توصيف حالة.. ونصيحة واجبة
·سامى شرف فى حواره مع «الأهرام العربي»: عبد الناصر لم ينضم للإخوان...
·سامى شرف يكتب «كاريزما».. الزعيم!
·المشروع النهضوى لعبد الناصر بقلم سامى شرف

تم استعراض
51782303
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
الطريق السوري الى الوحدة 2 - جمال الأتاسي
Contributed by زائر on 19-1-1429 هـ
Topic: جمال الأتاسي
http://www.syriancastles.com/images/syrian_flag1980.jpg




'ما قبل الناصرية ومصر عبد الناصر

إن تطلع الشعب العربي في سورية بأشواقه الوحدوية باتجاه مصر هوى قديم . فدور مصر الكبير في النهوض بقوة الأمة وتوحيد قواها في مواجهة الحملات الكبرى من صليبية وتترية التي شنت ضد وجود الأمة، ومصر التي كانت موئل النهضة الأولى في العالم العربي، كانت هناك دائماً كتلة شعبية واجتماعية متماسكة ومحط أنظار الأمة ومرجعية ثقافية وموئلاً لمثقفيها . فليس منذ أن تحررت سورية من الانتداب الفرنسي وحصلت على استقلالها الكامل تطلعت إلى مصر فحسب، بل كان ذلك في تطلعات حركة القومية العربية وطلائعها الأولى ومنظماتها السرية والعلنية التي تدافعت من بلاد الشام، فقد تحركت هي أيضاً باتجاه مصر منذ أن تطلعت إلى الاستقلال والانسلاخ عن الامبراطورية العثمانية. ولقد أكد ساطع الحصري في كتابه "محاضرات عن نشوء القومية العربية" على وجود تلك الجماعات، من المثقفين العرب في العهد العثماني التي كانت تتجه بقلوبها وأفكارها إلى مصر منتظرة منها أن تتزعم الحركة العربية، ولقد كان ساطع الحصري نفسه من تلك الطلائع . ثم إن فصائل تلك الحركة ضمت في بعض منها قادة مصريين برز بينهم عزيز المصري، كما كانت تجد لها مراكز وجمعيات في مصر ذاتها، ولكن مصر كانت محتجزة وراء خطوط جيوش "الحماية البريطانية" فتحولت عنها التطلعات السورية الوحدوية إلى مراكز أخرى .

ومن غير أن نأتي على سيرة حركة القومية العربية وتشكلاتها النخبوية، المتدافعة من سورية، فهي في حركتها كانت تتطلع إلى عملية مزدوجة فيها الانفكاك عن الامبراطورية العثمانية بحركة استقلالية، واقامة دولة عربية شرقية موحدة تضم ولايات الهلال الخصيب (بلاد الشام والعراق) والجزيرة العربية. ولكن الطريق إلى إنجاز مهمات تلك العملية الاستقلالية والوحدوية لم تكن محددة المعالم في النهج الاستراتيجي لتلك الحركة. فظروف الحرب العالمية الأولى التي صار المشرق العربي ساحة من ساحاتها الأساسية، وتشابك علاقات العديد من القيادات العربية مع التحالف الغربي وبخاصة بريطانيا، ذهبت بآمال الحركة العربية الوحدوية باتجاه الحجاز وقيادة والي مكة الشريف حسين وأولاده ، وانخرط الجميع في حركة " الثورة العربية الكبرى" التي حكمت مسيرتها التوجهات البريطانية ووعودها للدولة العربية حسب انفاقات "حسين - ماكماهون "، كما تحكمت فيها نهاية التواطؤات الاستعمارية الغربية. فالقوى العربية المتحركة لإخراج القوى التركية من الحجاز والأراضي الشامية وجدت نفسها أمام تحد كبير عندما كشفت الثورة البلشفية التي قامت عام 17 عن أسرار الإتفاقات الفرنسية- البريطانية لتقاسم المنطقة واقامة كيان صهيوني وفقاً لخارطة سايكس بيكو ووعد بلفور. وعندما افتضحت نوايا الدول الاستعمارية، بينما جيش " الثورة العربية " مشتبك في أكثر من موقع، استحث القادة القوميون الذين انضموا إلى الجيش الذي على رأسه الأمير فيصل بن الحسين، حثوا خطواته واندفعوا به نحو دمشق ليدخلوها قبل دخول الجيش البريطاني بقيادة اللنبي، معولين على أن تحرير دمشق واستخلاص عاصمة الأمويين من أيدي الأتراك، بقواهم العربية الذاتية، مؤكدين حقهم في إقامة دولة عربية مستقلة من هذه العاصمة.

دخلت الطلائع القوات العربية دمشق محررة في 30 ايلول (سبتمبر) وأعدتها لاستقبال موكب فيصل، الذي دخلها فارساً في 3 اكتوبر (تشرين أول) . إن الذين عاشوا تلك الحقبة ثم عاشوا من بعدها قيام الجمهورية العربية المتحدة ودخول عبد الناصر إلى دمشق، يشيرون إلى أوجه التشابه في حرارة الاستقبالات الشعبية والآمال الكبرى التي تفجرت في الحالين . والى دمشق توافدت وتجمعت فيها كل القيادات وفصائل النضال العربي والقومية العربية من بلاد الشام وأرجاء المشرق العربي . ومن اليوم الأول شكل فيصل حكومة برئاسة رضا الركابي لتمسك بزمام الأمور وتدير شؤون البلاد، سورية كلها وكل بلاد الشام . ولكن وفي الوقت الذي تمركزت فيه القوات والقيادات العربية في دمشق، كانت القوات البريطانية قد وضعت يدها على فلسطين وشرقي الأردن والعراق بينما نزلت الجيوش الفرنسية في لبنان وامتدت على طول الساحل السوري حتى اسكندرون وما وراء الاسكندرون .

إن الجهود التي بذلت وتضافرت لإقامة دولة عربية مستقلة وموحدة لعموم سورية، مستخلصة من براثن السيطرة العثمانية ومن القوى الاستعمارية الغربية الطاغية، كانت ملحمة من الملاحم السياسية والنضالية منذ إقامة الحكومة الفيصلية الأولى في 3 اكتوبر/ (تشرين الاول) عام 18 وحتى سقوطها الأخير بعد معركة ميسلون في 24 يوليو (تموز) ودخول القوات الفرنسية دمشق دخول الفاتحين ليذهب، القائد الفرنسي غورو ويدق بقبضة سيفه على قبر صلاح الدين الأيوبي ويقول ها نحن عدنا يا صلاح الدين.

إن تلك الدولة الفيصلية التي قامت من دمشق ولو أنها حاولت المستحيل في إطار موازين للقوى وظروف دولية لا تقوى على مغالبتها فضلاً عن قصوراتها الذاتية، فلقد وقفت عندها وعند تجربتها لما تقدمه من مؤشرات عما كان عليه الإدراك السوري ، وادراك النخب السياسية والثقافية والنضالية القومية في المشرق العربي، لقضية الأمة واستقلالها ووحدتها وتطلعاتها لإقامة دولة الأمة العربية المستقلة والتي بقيت تعطي مؤشرات مستقبلية.

ففيصل الأول عندما ذهب على رأس الوفد العربي إلى مؤتمر السلام في 6 يونيو (حزيران) وفي خطابه أمام "مجلس العشرة" أكد على المطالب العربية انطلاقاً من مبدأ عام في حق الشعوب، الناطقة بالعربية في آسيا من ديار بكر حتى سواحل الهندي بالاستقلال والوحدة . وذهب فيصل بعد ذلك بهمه إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه لإقامة " دولة عربية سورية" من دمشق ، ولكن الصورة الأوضح لمعالم الوعي القومي الذي كان في سورية للوحدة ودولة الأمة ، جاءت في الصيغة التي قام عليها " المؤتمر السوري العام " كمجلس تأسيسي منتخب، والذي ضم ممثلين لمختلف فصائل "الثورة" والحركات العربية، والذي تشكلت من خلاله تيارات وأحزاب سياسية متعددة، وفيما جاءت عليه قرارات ذلك المؤتمر في جلساته التي عقدت شهر حزيران (يونيو) عام 1969 في " النادي العربي " بدمشق والتي جاءت تعبيراً عن مطالب قوى الأمة وتطلعاتها وتعاملها مع الظروف الدولية المحيطة بها، ولقد سجل المؤتمر في قراراته إبلاغ احتجاجه واعتراضه على ما جاء في ميثاق عصبة الأمم حين وضع سورية في عداد الأمم المحتاجة للانتداب. وأكد المؤتمرون على استقلال سورية التام (سورية الطبيعية) وفي إطار وحدة عربية مستقلة دون أية حماية أو وصاية، بل مجرد استعانة فنية واقتصادية بالدول الغربية ؛ وأن تقوم الدولة ويقوم الحكم على أساس البرلمانية واللامركزية مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الأقليات وتأمين المساواة بين المواطنين جميعاً، كما قرر أن يتوج فيصل ملكاً على البلاد السورية بأجمعها، وأن يقيم حكومة ملكية شورية مسؤولة أمام الأمة. وأعلن المؤتمر عن احتجاجه على كل معاهدة سرية بتجزئة سورية وكل وعد يرمي إلى كيان للصهيونية في فلسطين، كما أكد على احترام الوضع الخاص بلبنان. ولكنه أكد في الوقت ذاته على تحقيق المطالب ذاتها بالنسبة للعراق من غير أن تقوم فواصل أو حواجز اقتصادية بين البلدين، مع التأكيد على أن استقلال سورية يبقى حجر الزاوية لاستقلال البلاد العربية، وهذا ما سمي وقتها ببرنامج دمشق، البرنامج الذي جاءت لتطويه ثم لتطوي كل تلك التطلعات الوحدوية، الحملة الاستعمارية، لتجزأ سورية الطبيعية وتقسم حسب خارطة اتفاق سايكس- بيكو بل وأكثر. وليؤخذ منها بعد ذلك ويقتطع ما يقتطع ثم ليمتد التقسيم والتجزئة إلى داخلها بتدابير سلطات الانتداب الفرنسي .

لقد أدت الحرب العالمية الأولى وتصفية تركة الامبراطورية العثمانية وتقاسمها بين الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا، إلى تكريس نظام شرق أوسطي تجزيئي ومسيطر عليه. فبعد أن جرى عزل مصر منذ الاحتلال البريطاني عام 82، ويعد إسقاط احتمالات قيام دولة عربية موحدة ومستقلة في المشرق العربي، أخضعت المنطقة لقيود التجزئة المتحكم فيها استعمارياً، قطعاً لطريق التحرر والنهوض والوحدة للأمة العربية. والحرب العالمية الثانية وإن فتحت الطريق أمام عملية خلع الاستعمار القديم في العالم ، فلقد حرصت القوى الامبريالية الغربية بقديمها وجديدها على تكريس النظام الشرق أوسطي، كنظام يقوم على التجزئة للتمكن من إخضاعه لنفوذها. ولقد أرادت تعزيزه وتكريسه بإقامة الكيان الصهيوني في قلبه. وهذا النظام الشرق أوسطي العتيق لم يجر اختراقه وتخطي قيوده، وبعد كل نضالات شعوب المنطقة على طريق الاستقلال الوطني، إلا بعد قيام الثورة الناصرية في مصر واقتلاع أسوار العزلة عن مصر، وبعد تأميم القنال وكسب حرب السويس وكسر أطواق الأحلاف والقواعد العسكرية الأجنبية من حلف بغداد إلى مبدأ ايزنهاور، وبعد مد جسور الوحدة بين مصر وسورية من فوق حواجز التجزئة...

بعضهم يقيم مقارنة بين معركة التل الكبير التي آسقطت ثورة وطنية مصرية وفتحت الطريق للاحتلال البريطاني لمصر، وبين معركة ميسلون التي أسقطت أمل قيام وحدة أو دولة عربية موحدة في الشرق، بعد إسقاط كل مشروع " الثورة العربية الكبرى" كما سميت، ولكن مصر بقيت هناك كتلة واحدة وشعباً واحداً ومجتمعاً واحداً ، وان عزلتها عن مشرقها صحراء سيناء والقوات البريطانية المرابطة في قناة السويس، ولكن سورية اخضعت بعد ميسلون لعملية تقطيع وتوزيع . وبعد أن انطوت على كيانها الشمالي هذا، تحت الانتداب أخضعت لعملية تقسيم وفصل من داخلها وتقسيم مجتمعها وشعبها إلى تقسيمات جغرافية واثنية وطائفية تجعل منها كيانات متفرقة. ولكن طلائعها وتياراتها الوطنية، وفي كل معارك نضالها وثوراتها التي لم تتوقف ضد الاحتلال ، ما كانت تجد سبيلها إلى صياغة وحدتها الوطنية الداخلية إلا من خلال التمسك بهويتها القومية العربية وتطلعاتها الوحدوية.

عند سقوط الدولة الفيصلية العربية في دمشق بعد معركة ميسلون وطرد الملك فيصل من دمشق ووقوع سورية تحت الاحتلال الفرنسي، انفض الشمل الذي كان يجمع قيادات فصائل القومية العربية وحركة الثورة والوحدة، وتبعثرت في أرجاء الوطن العربي، ولجأ أكثرها إلى العراق ليتجمع من جديد حول الملك فيصل الذي عوضته السلطة البريطانية بعرش بغداد عن عرش دمشق . وما أن حصلت العراق على شيء من الاستقلال بعد نضالات شعبه وثوراته الوطنية، إلا وأخذ يرتفع صوت القومية العربية ونداءات الوحدة والاستقلال هذه المرة من بغداد. وهنا أخذت الحركة الوطنية السورية وهي تناضل من أجل الاستقلال، أخذت تتطلع بأفكارها الوحدوية بل ومدت تنظيماتها السياسية باتجاه بغداد طلباً لمساندتها في الحصول على استقلالها كما توجهت بآمالها القومية نحو زعامة الملك فيصل ثم وبخاصة، نحو زعامة ابنه الملك غازي الفتى الجسور والمقدام في تطلعاته الاستقلالية والوحدوية. وتلك حقبة صارت الطلائع الوطنية والقومية في سورية تصف فيها دولة العراق بأنها بروسيا العرب ويتطلعون إلى أن تكون القاعدة والمنطلق لوحدة الأمة كما كانت بروسيا قاعدة ومنطلقاً للوحدةالألمانية.

مات غازي أو قتل غيلة، وكان مأتمه في دمشق أكبر من مأتمه في بغداد، وجاءت الحرب وقامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ومعه الضباط القوميون الأحرار، تطرد الوصي على العرش الموالي، وتتصدى لمواجهة الزحف العسكري البريطاني على بغداد. وقامت سورية، وهي تحت الانتداب، لنصرة العراق . ولكن الثورة انكسرت، وعاد الحكم الموالي والخاضع للنفوذ البريطاني . وانقطع طريق بغداد إلى الاستقلال والوحدة، لتتقدم فيما بعد مشاريع من بغداد لاحتواء سورية، والتحرك الوحدوي والتقدمي في سورية، في إطار وحدة شكلية مهيمن عليها خارجياً وفيما طرح تحت عنوان وحدة الهلال الخصيب من جديد.

لقد أغلقت البوابة الشرقية أمام التطلعات السورية، وخيمت على المنطقة ظروف الحرب العالمية الثانية وما خلقته ظروف تلك الحرب من انشداد سوري نحو الجنوب ونحو مصر تخصيصاً في تواصلها الثقافي وبعثاتها العلمية، وكذلك في حركة الاقتصاد والأسواق . وفي إطار حركة القوى والجيوش، والتعامل مع تطلعات القوى المنتصرة إلى إعادة ترتيب أوضاع العالم وأوضاع المنطقة، قامت جامعة للدول العربية كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة . ودخلت سورية عهد استقلالها الوطني . ولكن المنطقة دخلت بالمقابل عهد إقامة الكيان الصهيوني والحروب العربية الإسرائيلية. وانتهت حقبة، ودخلنا حقبة جديدة في تطلعاتنا القومية الوحدوية. وقامت انقلابات وتصدعت أنظمة وعروش، ثم كانت الثورة، وتقدم مصر عبد الناصر بثورتها على طريق القومية العربية، مادة البصر عبر سيناء إلى الأمة وقضايا الأمة، وارتسمت معالم الطريق السورية إلى الوحدة في تطلعات شعبنا السوري وحركة الشعوب، وهي طريق الثورة والطريق إلى مصر الثورة ، وإلى مطلب وحدة مصر وسورية أولاً طريقاً للمواجهة وطريقاً إلى التقدم العربي ونهوض الأمة.

الوحدة والطريق إلى الوحدة في الحقبة الناصرية

أياً ما كانت التقييمات المختلفة التي جاءت لتلك الحقبة من حياة أمتنا العربية والتي عاشتها تحت أعلام الثورة الناصرية، فإنها تبقى حقبة النهوض البارزة في هذا العصر لأمتنا، ويبقى عنوانها الكبير النضال في سبيل تحررها وتقدمها ووحدتها . وتلك تبقى شهادة التاريخ ، كما قال جمال عبد الناصر في آخر كلماته إلى الأمة، شهادة " مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان . "

ونحن نسميها حقبة ناصرية، بالنسبة للأمة وشعوب الأمة وحركة القومية العربية عامة، تلك الحقبة من تاريخ نضالنا العربي، التي كان المدخل إليها قيام حركة الضباط الأحرار بثورتهم الوطنية في 23 يوليو عام 52. ولكن ناصريتها، أي ثوريتها الحقة كثورة قومية عربية تقدمية، ما برزت وتوضحت إلا عندما أمسك عبد الناصر بزمام الأمور عام 54 وأبعد عن رئاسة الدولة والحكم تلك الواجهات التقليدية والانتقالية وسد طريق الرجعة والردة، وأخذ يتوجه بخطابه مباشرة إلى الشعب، في كل القضايا، وليرتفع بالوعي السياسي للشعب. وحين أخذ يتوجه بخطابه إلى الأمة وشعوب الأمة، ومنذ أن أطلق صوت مصر الثورة إلى العرب، من إذاعة "صوت العرب "، منادياً :" أخي العربي، ارفع رأسك يا أخي وانهض فقد انتهى عهد الاستعباد ". ومنذ أن أعطى للثورة ولمصر وشعب مصر هويتها القومية العربية الخالصة، وأكد في كلمة له بمناسبة العيد الثاني للثورة " نحن أمة عربية واحدة ، هذا أول الطريق وآخره... " ، ولكنه انتظر أن ينجز مهمات للاستقلال الوطني الكامل لمصر وتوقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس في اكتوبر عام 54 ، ليمسك بمشروعه القومي، وليمد لا البصر والفكر وحده وانما الاهتمام والحركة والعمل إلى المشرق عبر سيناء ومابعد سيناء ، ولينطلق بمصر الثورة ورسالتها إلى الدوائر الثلاث لحركتها، العربية أولاً ومنها إلى الاسلامية والإفريقية. ولينتقل بثورة يوليو من طورها المصري الوطني الأول ، إلى طورها القومي العربي الأشمل، ولتأخذ مصر الثورة دورها كقاعدة ثابتة ومرتكز لحركة التحرر العربي ولما هو أبعد، ولتأخذ مسؤوليتها كاملة في الاهتمام بكل قضايا الأمة العربية. وباسم الأمة، وفي حالات عديدة نيابة عن الأمة كلها، خاضت المعارك والحروب ضد اعداء الأمة، ودفاعاً عن وجودها وحقوقها وأرضها.

ملاحم كبرى خاضها عبد الناصر وخاضتها مصر عبد الناصر، من ملحمة تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي، إلى ملحمة وحدة القطرين وإلى إسقاط حلف بغداد والأحلاف الاستعمارية ومبدأ إيزنهاور، كلها معارك خاضها وشعوب الأمة معه. ولقد ساند وأمدّ كل ثورات شعوب الأمة، من ثورة الجزائر إلى ثورة العراق وثورة اليمن . وكل انتصار كان انتصاراً للأمة ووحدة مصير شعوب الأمة. وصار عبد الناصر بمواقفه وهو التعبير عن الأمة كلها وطموحات الأمة، بل وحتى الانكسار في حرب حزيران عام 67 صار انكساراً للأمة كلها . ولكن عبد الناصر قدر على النهوض من جديد وبإرادة شعوب الأمة، ليقف في وجه الهزيمة ولإزالة آثار ذلك العدوان على الأمة، كما لم ينهض أحد بمصر وقوة مصر وبتلاحم قوى الأمة معها ، لإزالة لطخة الهزيمة عن علم الثورة وليرفع آثارها عن كاهل الأمة وأرضها. ولكنه قضى قبل أن يبلغ بالأمة ذلك الهدف الذي حدده طريقاً لتستأنف الأمة بعده مسيرتها إلى أهدافها الكبرى وإلى الوحدة . وطويت تلك الحقبة وهي ما طويت إلا عندما وقف السادات بحركة الجيوش وبقوة الأمة المساندة لحركة الجيوش . في حرب تشرين، كما كان قد رسم وأعد عبد الناصر، لتقف، بعد العبور، وليتحول السادات بمصر عن الناصرية وطريق عبد الناصر، إلى طريق كمب دافيد وأمريكا، لتنعكس الأمور ويتحقق الهدف الذي رمى إليه عدوان حزيران وكل عدوان على الأمة العربية ووحدة الأمة، في نزع الناصرية عن مصر وعزلها عن أمتها وعن دورها القيادي لأمتها.

تلك هي الصورة التي تشكلت في إدراكنا هنا من سورية لمصر عبد الناصر وللدور الذي أخذه عبد الناصر في قيادة الأمة. إنها صورة لم تأت دفعة واحدة ولا دخلت تسللاً ، بل هي جاءت عبر عملية نضج سياسي وانضاج في وعي شعبنا، تقدمت طوراً بعد طور، وعبر معارك النضال التي خاضها الشعبان في مصر وسورية، وكان لخطاب عبد الناصر المتوجه مباشرة إلى الشعوب وحركة الشعوب، موضحاً كل موقف وكل خطوة وكل قضية، الدور الكبير. ومن خلال هذا الإدراك صار خيار الشعب السوري لطريق الوحدة مع مصر خياراً ملحاً ولا تراجع عنه. ولقد استمر إلحاحه والدفع إليه طول تلك الحقبة الناصرية ، وليبقى من بعدها رصيداً لتطلعات مستقبلية.

فكيف تشكل وقام ذلك الطريق السوري إلى الوحدة وماذا جاء عليه وتقدم إليه، ليصبح طريق سورية إلى الوحدة مع مصر عبد الناصر ، وهي الطريق لتغلبها على مصاعبها وانقساماتها الداخلية، وللوقوف في وجه الضغوط والمؤامرات الخارجية، التي تتهددها بالإخضاع والاحتواء أو الغزو.

عندما قامت حركة الضباط الأحرار بالثورة في مصر عام 52 كانت سورية تعيش تحت وطأة الانقلابات العسكرية المتوالية، وكانت تعاني من كل ما أنتجه في المنطقة وداخل المجتمعات العربية، انكسار جيوش الأنظمة العربية أمام "العصابات الصهيونية" وقيام الكيان الإسرائيلي، ثم من كل ما صارت إليه أحوال المنطقة العربية وما أدخلته عليها القوى الغربية من ترتيبات وتحالفات بل ومؤامرات لإخضاعها لمصالحها ، ومخططاتها في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي. فالقوى الوطنية التقدمية والقوى القومية في سورية، التي كانت تعيش في دوامة الصراع الداخلي بين القوى على السلطة، والضغوط والتآمر على سورية من الخارج، لم تستكشف من البداية حقيقة ثورة 23 يوليو في مصر ولا حقيقة قيادة عبد الناصر، بل وضعتها في صنف الانقلابات العسكرية التي عانت منها وعانت من استبداديتها، وحتى بعد أن قدرت تلك القوى على إسقاط نظام أديب الشيشكلي الدكتاتوري العسكري في الأشهر الأولى من عام 54 ظلت تتطلع بشكوكها إلى ما يجري في مصر، بل وأظهرت تعاطفاً مع تحركات الأحزاب الرجعية والإخوان المسلمين في نزاعها مع الثورة وقيادة عبد الناصر. ولكن شيئاً فشيئاً أخذت الصورة تتوضح، صورة مصر الثورة والتقدم، وصورة قيادة عبد الناصر للثورة وسياسة عبد الناصر.
وهكذا فإن "صوت العرب " الموجه إلى الأمة وشعوب الأمة، وخطاب عبد الناصر الذي أخذ يرتفع في كل مناسبة وطنية آو قومية وحدث، ومواقف عبد الناصر الجريئة والقاطعة المعادية للاستعمار والمشاريع الاستعمارية والمعادية للرجعية، والتي تسير في خط التقدم والالتزام بمصالح الطبقات الشعبية، أخذت تشد أنظار وعواطف الشعب السوري نحو مصر وقيادة عبد الناصر. بل ومنذ تلك البداية، فإن تعاطف القواعد الشعبية مع مصر عبد الناصر سبق القيادات السياسية والحكومات وصار يشكل عاملاً ضاغطاً عليها باستمرار.

وفي عام 55 ومن مطلعه، أخذ صوت عبد الناصر يرتفع عبر المذياع في الأماكن العامة والمقاهي في سورية ويتجمع الناس ليستمعوا إليه في كل مناسبة وصار الدليل، بل وصارت صورة عبد الناصر تتصدر البيوت. وأخذت الرسائل والوفود الشعبية تذهب إلى عبد الناصر وإلى لقاء عبد الناصر، قبل أن يذهب الرسميون والحكام .

ومنذ بدايات عام 1955 استتبت الأوضاع في سورية لحكم وطني قام على تحالف برلماني وحزبي عريض للقوى الوطنية والتقدمية وعلى ميثاق قومي يؤلف بينها. وصار يتطلع في سياسته العربية إلى التآذر والتعاون مع مصر أولاً . وهذا الحكم على ما كان يتنازع أطرافه من تناقضات، وما كان يحاك حوله ويتجاذب فيه من مؤامرات، تكشفت فيما بعد، فلقد أخذ منهجاً ذا طابع وحدوي تحت الضغط الشعبي العام ومظاهراته ومطالبه، وتحت ضغط القوى القومية الوحدوية من داخله وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي . وهكذا سارت السياسة السورية قي خط مواز وموثق الخطوات مع سياسة مصر الثورة، من رفض الأحلاف العسكرية وسياسة الأحلاف الموالية للغرب، والوقوف في وجه إسرائيل والعدوان الإسرائيلي المتحفز، إلى كسر احتكار السلاح والتزود بالسلاح السوفياتي، مع الأخذ بسياسة الحياد الإيجابي والوقوف مع جبهة دول عدم الانحياز.

وفي مواجهة التهديدات الإسرائيلية والاستعمارية والرجعية، أخذ التعاون بين مصر وسورية، صيغة التعاون السياسي والتحالف العسكري والمواثيق الثنائية للدفاع المشترك. واللافت للنظر أن الوفد الحكومي السوري الذي ذهب إلى القاهرة لتوقيع ميثاق الدفاع الثناني عام 55، طرح أمام عبد الناصر مطلب سورية في السير بمشروع لإقامة الوحدة بين مصر وسورية. ولكن الأمور وقفت عند هذا الطرح. أما الحركة الشعبية في سورية فلم تتوقف وظلت تضغط.

وفي 14/ 6/ 56 تشكلت "حكومة قومية" جديدة في سورية، وصار الإصرار على ان ينص البيان الوزاري المقدم أمام المجلس النيابي، صراحة على العمل من أجل تحقيق الاتحاد بين مصر وسورية، وانهالت البرقيات والضغوط الشعبية والمظاهرات من كل المناطق السورية تطالب. واعطى المجلس الثقة للوزارة على هذا الأساس وأقر تشكيل لجنة وزارية لإجراء التفاوض واعلام مصر بهذا القرار الذي قابله عبد الناصر بالترحاب، ثم جاءت قضية السويس وحرب السويس لتصنع الوحدة في المعركة.

في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عبد الناصر يوم 26 يوليو عام 56 في الاسكندرية وأعلن في ختامه تأميم قناة السويس، بدأ بوضع القضية في إطارها القومي، كمعركة للأمة وقال عبد الناصر: " وفي المواجهة كلنا نعمل من أجل قوميتنا، كلنا نعمل من أجل عروبتنا، وكلنا سندافع من أجل حريتنا وعروبتنا وسنعمل حتى يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فالقومية العربية تتقدم وستنتصر وهي تعرف طريقها. " ثم أضاف :

" وأنا اليوم أتوجه إلى أخوان لنا في سورية، لقد قرروا ان يتحدوا معكم اتحاداً سليماً عزيزاً كريماً لندعم مباديء الكرامة، ولنرسي سوياً قواعد القومية العربية والوحده العربية. نرحب بكم أيها الأخوة وسنسير معاً متحدين، بلداً واحداً ورجلاً واحداً، وسنسير معاً لنقيم في ربوع الوطن العربي استقلالاً سياسياً حقيقياً واستقلالاً اقتصادياً حقيقياً... ". وجاء الحديث الذي هز الدنيا، وحرك الأمة وكل شعوب الأمة تطلعاً نحو مصر، كما حرك كل قوى الاستعمار والقوى المعادية للأمة ضد عبد الناصر ومصر عبد الناصر، وما صارت تجسده مصر عبد الناصر كطليعة متقدمة ومقاتلة، لا بالنسبة لحركة التحرر العربي وحدها بل ولكل حركات التحرر الوطني في العالم.

وفي الانتصار لمصر في معركتها الكبرى تلك التي فتحت، كان الشعب السوري في الطليعة تصميماً والتزاماً بوحدة المصير. ولكن شعوب الأمة كلها تطلعت بنضالها نحو مصر، إنها الوحدة في المعركة كما أرادها عبد الناصر، معركة الأمة مع أعدائها وفي المقدمة إسرائيل .

تشكلت في سورية على الفور بعد التأميم " الهيئة العربية لنصرة مصر" ، وفي 16 أغسطس (آب) أضربت سورية إضراباً عاماً وقامت مظاهرات كبيرة عمت أرجاء القطر تحت شعارات نصرة مصر ومطلب الوحدة مع مصر. كما استجابت أكثر العواصم العربية للدعوة لهذا الإضراب بل وإن الثورة الجزائرية يومها شنت سبع هجمات لمقاتليها في وقت واحد ضد مواقع الاستعمار الفرنسي كتعبير عن تضامنها مع مصر.

بات العدوان على مصر وشيكاً، كما كان هناك تحسب من أن تضرب إسرائيل في الأردن أو تضرب سورية. وتحولت اتفاقات الدفاع الثنائية إلى ثلاثية بين مصر وسورية والأردن لتوحيد جبهاتها في المواجهة. وفي عشية 29 أكتوبر بدأت إسرائيل الهجوم من سيناء باتجاه السويس . وفي اليوم التالي جاء الإنذار البريطاني الفرنسي وتكشفت أبعاد العدوان الثلاثي المبيت . ورقف عبد الناصر قويأ ثابت الجأش ووقف شعب مصر كله وراء جبهة واحدة يقاتل . ووقفت شعوب الأمة تتطلع إلى مصر، ووقف شعب سورية يطالب بالمشاركة في المعركة.

لم يرد عبد الناصر توريط الجيش الأردني ولا الجيش السوري في القتال وفتح جبهاتهما أمام إسرائيل، بعد أن تكشفت أمامه أبعاد العدوان ومراميه فمطامع إسرائيل في الأردن لم تكن خافية، كما كانت قد تكشفت خيوط مؤامرة كبرى حبكت بالتواطؤ مع أطراف سورية لضرب سورية في التوقيت ذاته الذي حدد لغزو مصر. وطالب عبد الناصر الأردن وسورية بالترقب والحذر، وحمل وشعبه عبء الدفاع لا عن مصر وحدها، بل وعن حرية الأمة كلها.

ولكن الشعب السوري ظل في تحفز وظل في غليان يطلب المشاركة، بل وتحركت بعض مواقعه وقواه من غير أن تنتظر أذناً حكومياً بالحركة. ففي اليوم الثالث للعدوان مثلاً وعندما أخذت الطائرات البريطانية تقصف محطة إذاعة القاهرة وصوت العرب وسكت البث منها لفترة، أخذت الإذاعة السورية على الفور مبادرتها وارتفع صوتها من دمشق يقول هنا القاهرة، وأخذت تبث المارشات العسكرية وتذيع نيابة البرقيات الواردة وأخبار المعارك وتحث على القتال وعلى مشاركة الأمة. وذهب فصيل من الجيش السوري بتوجيهات مباشرة من المكتب الثاني، فقام مع مجموعة من العمال بنسف أنابيب النفط عند ثلاث محطات للضخ، فقطع كل سبيل لإمداد القوات البريطانية والغرب بالنفط العراقي، وأعلن اتحاد العمال مسؤوليته عن الحادث، وهكذا وضع الشعب السوري نفسه في قلب المعركة.

ومعركة مصر وملحمة بورسعيد عاشتها الأمة وشعوب الأمة كلها وصارت تاريخاً جديداً للأمة. وأثبتت مصر أنها القلعة الحصينة بشعبها وقيادتها والطليعة المقاتلة للأمة. انتصرت مصر عبد الناصر، وخرج عبد الناصر من المعركة بطلاً للأمة ورمزاً لعنفوانها، وصار قائداً لشعوب الأمة كلها تتوجه إليه بأنظارها من غير منازع . وتأكدت من جديد بالنسبة لسورية طريقها إلى الوحدة كما لم تتأكد في أي فترة مضت: الطريق إلى مصر موئلاً ومرتكزاً وإلى عبد الناصر قائداً ورئيساً .

انحسر العدوان الثلاثي عن مصر بعد أن فشل في إسقاط عبد الناصر وإسقاط الثورة في مصر، وفشل في عزل مصر وإبعادها عن قيادة أمتها. فتحول العدوان، بعد أن صار رباعياً بانضمام الولايات المتحدة الأمريكية وطرحها مبدأ الزنهاور لسد الفراغ ، تحول باتجاه سورية ولضرب سورية وعزلها عن مصر، وضرب التوتر التقدمي والوحدوي لشعبها، وما يحرك في المنطقة شعبها. وعمد إلى تحريك التآمر والمؤامرات داخلها، ومحاصرتها بحلف بغداد وبتهديدات قوات حلف بغداد، وقام الشعب السوري بدوره للمواجهة. وعندما حشدت الجيوش على الحدود التركية والعراقية في خريف عام 57 وبات العدوان وشيكاً أرسل عبد الناصر بقطعات من الجيش المصري (3) لترابط إلى جانب الجيش السوري وأرفق ذلك بحملة إعلامية تؤكد وقوف مصر في المعركة مع سورية.

كان عبد الناصر، وفي حديث له مع كرانجيا في 10 مارس (آذار) من ذلك العام 57 ، قد أجاب على سؤال بشأن الوحدة العربية بقوله :
" أنا لا أفكر الآن في أي نوع من الاتحاد الفدرالي أو التعاقدي أو غيرها من أشكال الوحدة بين الدول العربية، ولكنني أوجه عنايتي أولاً إلى اتحاد أفكارنا وإيماننا بالقومية العربية. وقد أثبت التاريخ أن توحيد جبهة العرب كان السبيل إلى نجاحهم في قهر العدوان عليهم والمحافظة على استقلالهم. " وجاء كلام عبد الناصر وقتها في الرد على ما كانت تثيره القوى المعادية من دعايات تتهم عبد الناصر بالتطلع إلى مد سلطان مصر إلى الجوار واقامة امبراطورية له. ولكنه وبعد هذا ظل يقول : " لا يمكن أن تقوم هناك وحدة إلا إذا تحققت مقوماتها برابطة قوية لا تنفصم عراها من النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. "

ولكن الأمور على الجانب السوري، بل وعلى صعيد التحركات الشعبية والبرلمانية للقطرين، لم تعد تقبل الانتظار وصارت تستعجل الخطوات.

ذهبت وعادت وفود برلمانية ووفود شعبية عديدة إلى مصر وللقاء عبد الناصر رافعة مطلب الوحدة واستعجالها.

وبعد توجيه دعوة من رئاسة المجلس النيابي السوري (أكرم الحوراني) إلى رئيس مجلس الأمة المصري (عبد اللطيف البغدادي)، جاء إلى سورية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) وفد يضم أربعين عضواً من مجلس الأمة وعلى رأسهم أنور السادات، ونزل الشعب السوري كله مرحباً منادياً بالوحدة وعبد الناصر. وعقدت جلسة مشتركة في البرلمان السوري جلس فيها أعضاء مجلس الأمة على مقاعد النواب إلى جانب السورين ورفع على صارية المجلس العلم المصري إلى جانب السوري، وكانت جموع لا تحصى تحيط بالمجلس هاتفة عندما صودق في تلك الجلسة على مشروع قرار مشترك بإلزام الحكومتين المصرية والسورية، بالدخول فوراً في مباحثات لاستكمال أسباب اتحاد البلدين . وفي اليوم التالي ومن غير تأجيل، أقر المشروع مجلس الأمة المصري . وبدأت الأمور تتحرك، وظل الشارع السوري يضغط ولا يتوقف، ولكن اعداء الوحدة ومن لا يرون مصالحهم في تلك الوحدة أخذوا يتحركون أيضأ ويحركون الدسائس.

منذ اليوم الأول لعام 1958 صار الدفع على طريق الوحدة في الجدول اليومي لحركة القوى والأحداث. وبينما كانت قيادات البعث كلها مجتمعة، القيادة القومية والقيادة القطرية للحزب واللجنة البرلمانية، تتدارس صياغة مشروع لوحدة فدرالية تجمع مصر وسورية ومنفتحة لغيرهما من الأقطار العربية المتحررة، ومشروع دستور لدولة الوحدة، جاء اللواء حافظ اسماعيل إلى دمشق لينقل وجهة نظر عبد الناصر فيما يتعلق بالدفع على طريق الوحدة، إلى قيادة الجيش السوري ومجلس ضباطها وإلى وزير الخارجية صلاح الدين البيطار، مطالباً بعدم استعجال الأمور، والاكتفاء في الوقت الحاضر بتشكيل لجان لمختلف المجالات للبحث والإعداد، قائلاً ان الوصول إلى وحدة سياسية ودستورية يمكن أن يتطلب خمس سنوات من العمل . كما عبر عن التحسب من تبدلات مفاجئة يمكن أن تقع . ولكن الرد السوري جاء فورياً ولم ينتظر ففي ليل 11 يناير (كانون الثاني) طارت القيادة العسكرية السورية بجمعها إلى القاهرة، ولحق بها بعد يومين وزير الخارجية يحمل قرار الحكومة، والبقية قصة معروفة ومازال يدور حولها جدال، إلى ان اتخذ عبد الناصر قراره وقامت الوحدة، وذلك النظام الذي قام لدولة الوحدة.

لعلني أسهبت في سرد تسلسل الأحداث والمواقف التي أوصلت إلى تلك الوحدة، لأمسك منها بمعالم تلك الطريق السورية التي أوصلت إلى الوحدة ، والتي تقطعت من بعدها الدروب وتعثرت . إلا أنها تظل تدل سورية إلى مصر وتظل تدل مصر إلى سورية بعد كل ما قام ويقوم من حواجز وبعد كل ما قام بعد تلك التجربة من محاولات وتجارب.

ولكن الحقبة الناصرية لم تقف عند وحدة عام 58 أو عند انفصالها بل ظل لها تواصلها وامتدت بعدها بل وظل لها تواصل في سورية، ولدى الحركة الشعبية المتحفزة في سورية.
من الوحدة إلى الانفصال الصعب

في مذكرة للأستاذ حسنين هيكل سجلها عن لقاء مع عبد الناصر في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 61، أي بعد مرور أقل من شهرين على واقعة الإنفصال، ينقل عن عبد الناصر قوله : " لقد ثبت ان الوحدة ممكنة. والآن يظهر وغداً سوف يتحقق اكثر، أن الإنفصال صعب. والآن فإن تركيز العمل العربي يجب أن يكون في مصر، فمصر يجب أن تصبح بالفعل الدولة النواة في الوحدة العربية الممكنة. وأن تصبح النموذج الذي يمكن أن يقدم المثل لبقية الأمة. فهي الآن بالتعبير العسكري القاعدة الحصينة التي يمكن الدفاع عنها والبقاء فيها. "

ولقد بقي عبد الناصر في مصر، ولكنه أبقاها " جمهورية عربية متحدة " ، وقام يبني ويحصن، ولكنها بقيت في تطلعات الشعب السوري موئل الوحدة ونواتها. وكانت ضربة الانفصال قد أخذت الشعب على حين غرة، ونزل الشعب بكل غضبه إلى الشوارع مستنكراً ويؤكد التمسك بالوحدة. ونزل على عفويته ومن غير قيادات يدافع، وكان من نقائص حكم الوحدة في سورية " الإقليم الشمالي " أنه أخلى الساحة من القيادات السياسية والحزبية ولقد ظل الانفصال صعباً ولم يقو على الاستقرار، وظل شعار عودة الوحدة وعبد الناصر المحرك للنضال الشعبي الذي لم يتوقف . وعندما قامت "ثورة 8 آذار" في دمشق أبرقت القيادة العسكرية لتلك " الثورة " إلى عبد الناصر تقول : لقد ثأرنا للانفصال ومحونا عاره. وأصحاب 8 آذار خلعوا القوى الانفصالية من الحكم لكنهم لم يخلعوا الانفصال ولم يذهبوا بالوحدة إلى مصر ولم يأتوا بعبد الناصر إلى دمشق . وطرح في الشارع السياسي شعار الوحدة المدروسة والوحدة الثلاثية التي تجمع سورية ومصر والعراق، لتعود الوحدة شعاراً ولتبقى شعاراً حتى الآن: ونزلت الجماهير الوحدوية الغفيرة إلى الساحات تطالب- وتضغط بعد أن لم تجد أمامها طريقاً ملموسة ومباشرة تضع هذا الشعار موضع الممارسة.

إن مجريات مباحثات الوحدة الثلائية التي جرت في القاهرة بين عبد الناصر والأطراف السورية والعراقية في آذار ونيسان عام 63 مسجلة ومنشورة لمن يريد العوده إليها، وهي معروفة أيضاً بمجرياتها والنتائج التي وقفت عندها ثم اختلفت.. فلقد كانت هناك أزمة ثقة وما كان عبد الناصر مطمئناً لنوايا الآخرين أو صدق تصميمهم الجماعي على السير في طريق الوحدة . وأزمة الثقة وجدت تعبيرها في الإعلام، والشارع الشعبي أخذ يتفاعل وينفعل.

كانت حكومة الثورة المنتصرة في الجزائر وعلى رأسها أحمد بن بلا، قد أخذت رصيدها المعنوي الكبير لدى شعوب الأمة، بل وكان لدى الكثيرين تطلع أن يكون لها هي أيضاً مدخلها القريب إلى الوحدة. وفي نيسان (ابريل) جاء وفد رفيع المستوى من الجزائر يجول على عواصم الأقطار الثلاثة يستكشف ويسعى إلى تعزيز أواصر الثقة. جاء الوفد برئاسة هواري بومدين، ومعه وزير خارجيته بوتفليقة إلى دمشق بعد زيارة القاهرة وبغداد، ليجد دمشق تحت وطأة منع التجول والشوارع خالية إلا من رجال الأمن ومن دبابات الجيش المحيطة بالإذاعة ودوائر الدولة، وعندما عرف أن السلطات لم تجد إلا هذا المنع سبيلاً لقمع الغليان الشعبي والمظاهرات التي لم تهدأ والمطالبة بالوحدة وعبد الناصر، عندما قال بومدين أمام "مجلس قيادة الثورة" السوري : " أرى أن الشعب السوري صار مصاباً بمرض الوحدة، ولا يرى علاجاً بدونها... "(4). ولقد وجد وقتها من يرد ويوضح، فالشعب السوري كان قد طعن كثيراً في تطلعاته وآماله الوحدوية وقد غدر به عند الانفصال . وهو مازال يرى في قيادة عبد الناصر ومصر عبد الناصر فرصته التاريخية لاستعادة الوحدة بل ووحدته الداخلية أيضاً، ولا يريد أن تضيع الفرصة المتاحة اليوم .

وضاعت تلك الفرصة وقام ما يعترض الطريق بين سورية ومصر، وتحولت أنظار الذين أمسكوا بالسلطة والحكم في سورية بتطلعات الوحدة إلى العراق، ولكن الشروخ أو الانقسامات الداخلية في العراق، شأنها شأن الشروخ التي قامت في سورية والصراعات على السلطة، لم تكن تعطي مرتكز وحدة للأمة لا هنا ولا هناك، بل قام بينهما الافتراق ومازال، وبعد كل المحاولات التي جرت بعدها لرأب الصدوع وفتح الحدود . أما التمسك بطريق الوحدة المتوجه بإصرار إلى مصر وعبد الناصر، فقد ظل المبدأ والنهج الذي أخذ به تيار شعبي عريض في سورية مازالت له استمراريته، وبهذا صار لسورية أيضاً ناصريتها وناصريوها، كما صار أيضأ لأقطار عربية غيرها وشعوبها .

ما كان التلهف للوحدة والإصرار على استعادة الوحدة مع مصر عبد الناصر، علة من العلل السياسية لدى الشعب السوري، بل كان التطلع للوحدة في الإدراك العام لتيار عريض من الشعب وهو دليل الصحة والحس السليم من حيث أنها الطريق لخلاص الأمة من تخلفها وقصوراتها ومن ضعفها أمام أعدائها. وبعد الانفصال صار الإصرار عليها وعلى استعادة الوحدة ملحاحاً، لكي لا يتكرس ذلك التصور للفشل ولعجز قوى الأمة على التقدم بها من جديد على طريق الوحدة.

فبعد الانفصال وبعد إخفاق مشروع لاتحاد الثلاثي بين مصر وسورية والعراق ، ظل الإصرار الشعبي، أو التيار الشعبي الغالب في سورية، على استعادة الوحدة . وقامت محاولات في هذا السبيل وتكررت انتفاضات كان لها ضحاياها وقدمت تضحيات كثيرة. وفي هذه المحاولات، كثيراً ما ذهبت المساعي إلى الحصول على تأييد عبد الناصر لها، وإلى الحصول على دعم من مصر، ولكن قضية الوحدة بالنسبة لعبد الناصر لم تعد تحتمل في تقديراته للأمور أية مغامرة، بينما كل الأعداء يتربصون بها. ولكن مصر عبد الناصر ظلت المرجعية في الوحدة بالنسبة للسوريين، تمسكاً بما أكده الرئيس عبد الناصر نفسه في أول ذكرى أقيمت للوحدة بعد أشهر قليلة من الانفصال حين قال :

" إن الوحدة مسؤولية تاريخية يظل يتحملها شعب مصر بحكم الطاقات والإمكانيات الكامنة فيه... " وقد قال يومها أيضأ:

"الوحدة ليست ملك تجربة واحدة، بل هي ملك تاريخ طويل وممتد للمستقبل. " والشعب السوري، برغم كل الإحباطات وعمليات القمع التي وقفت في وجه التيار الوحدوي المتوجه نحو مصر، فإنه لم يقنط وظل يحاول ويدفع.

وظل عبد الناصر يحتفل بعيد الوحدة في ذكراها كل عام، وما انقطع إلا بعد عدوان حزيران . وظل يؤكد وكما قال يوم 22 فبراير (شباط) عام 67، " أمل الوحدة عزيز وغال بين آمال النضال العربي إن لم يكن أعزها وأغلاها. " ولكن وفي الطريق إليه، وكما أكد أيضاً، لا بد من تحقيق آمال أخرى . ثم كان أن ضرب العدو ضربته، ليتقدم مطلب الوحدة في المعركة من أجل إزالة آثار العدوان . وفي إدارة المعركة التي لم يعد فيها بالنسبة لعبد الناصر، من بديل إلا النصر، راح يبني القوة والمنعة في مصر، قاعدة أيضاً وقدوة لجمع شمل الأمة في المعركة، وبذلك ظلت مصر عبد الناصر محركاً لثورية وكفاحية شعوب الأمة.

ففي مايو (أيار) عام 69 قام "الضباط الأحرار" في السودان بثورتهم وتطلعت السودان وشعب السودان إلى التوحد مع مصر عبد الناصر في المعركة. وبعد أشهر وفي الفاتح من سبتمبر قام "الضباط الأحرار" في ليبيا بثورتهم واندفعوا نحو مصر، ومطلب الوحدة كان وظل على الدوام مطلبهم، أما سورية فقد ظلت الوحدة مطلب شعبها وشعار يطرحه حكامها، أما عبد الناصر فقد ظل تأكيده على وحدة القوة في المعركة من غير أية عقدة أو تعقيدات تشغل عنها أو تأخذ منها، ومع ذلك فهو لم يحجم عن المبادرة نحو خطوة وحدوية جديدة إذا ما دفعت إليها ظروف هذا القطر أو ذاك، وكضرورة استراتيجية من ضرورات معركة الأمة في شمولها.

ففي أواخر شهر يونيو (حزيران) عام 70 أي لثلاثة أشهر قبل الغياب، وعندما كان عبد الناصر في زيارته إلى ليبيا والمشاركة في الاحتفالات بجلاء القوات الأمريكية عن قاعدة ويلس، وجد عبد الناصر نفسه وفي لقاء مع قيادة الثورة الليبية مجتمعة أمام وضع يشابه إلى حد ما ذلك الوضع الذي حوصر به عام 58 مع مجموعة ضباط القيادة السورية، عندما اتخذ قراره بالذهاب إلى الوحدة . وهناك جرى التفكير بقيام اتحاد ثلاثي بين ليبيا ومصر وسورية، وان ينضم إليه السودان إذا ما توفرت له الظروف، وكاد عبد الناصر يأتي على الفور إلى دمشق برفقة القذافي والرئيس السوري الأتاسي، ليزف إلى الشعب السوري هذا التصميم . ثم كان التريث لاستكمال الاستعداد ولما تقتضيه ظروف المعركة. وذهب عبد الناصر إلى موسكو في آخر سفرة ومن أجل الإعداد للمعركة ووضع السوفييت في الصورة، وتوالت الأحداث الخطيرة التي توالت وغاب عبد الناصر عنا فجأة.

أما ذلك المشروع لاتحاد ثلاثي الذي علقته الأحداث، أعيد للتداول والبحث بين الأطراف المعنية عام 71، وقام على آثاره ما سمي باتحاد الجمهوريات العربية عام 72، ولكنه اتحاد قام بلا رأس ولا روح، وقام كشكل للوحدة من غير توحد، وعندما انفض ذهب وكأنه لم يكن ولم تحس بحضوره الأمة وشعوب الأمة. وكأن الرأس والروح كانا في قيادة عبد الناصر وفي مصر عبد الناصر، ولم يعد هناك عبد الناصر ولا القيادة البديل التي تجمع، ومصر لم تعد مصر التي كانت بعبد الناصر. وطويت الحقبة.

ما بعد الناصرية

حقبة للنهوض والتقدم كانت، وبكل المعايير الإنسانية، تلك الحقبة التي عاشتها الأمة العربية في عهد عبد الناصر، وبقيادة عبد الناصر. وأياً ما كانت المصاعب التي اعترضت سبيل حركة القومية العربية في تلك الحقبة، أو العثرات التي تعثرت فيها حركة الثورة، فلقد ظلت حقبة نهوض، وحركة نهوض بشعوب الأمة على طريق أهدافها. ومن بعدها كان التراجع ومازال.

وإذا لم تكن قضية وحدة الأمة العربية وقدرة شعوب الأمة على النهوض بها كأمة موحدة في مواجهة أعدائها ومواجهة التحديات، إذا لم تكن المعيار الوحيد للتقدم والنهوض أو الانتكاس والتقهقر، فإنها تبقى معياراً أساسياً وقاطعاً بالنسبة لكل الذين مازالوا يقولون بمشروع قومي للنهوض بالأمة من جديد أو بمثروع نهضوي عربي...
فنحن نعيش ومنذ منتصف السبعينات، وبمعيار الوحدة والتوحد هذا وبغيره، حركة تراجع وارتداد عن أهداف حركة القومية العربية والنضال العربي، لا تغطي عليها أو تخدع ، تلك الأنماط المصطنعة من التحديث والازدهار، لبعض الأقطار والأنظمة القطرية العربية وبما أعطاه لها النفط والثروات النفطية.

ولقد تعمم التراجع، تراجع الأنظمة والحكومات العربية عن التزامها القومي، وإذا ما بقيت بعض الأنظمة على الإلتزام المعلن، ترفع شعارات التحرر والتقدم والوحدة ، فإنها في مجموعها أخذت تنكفىء على قطريتها ومصالحها القطرية واستمرار سلطويتها، لتتكرس التجزئة أكثر من أي وقت مضى. وليتضح أن التجزئة ليست فقط تلك الحدود التي فرضها الاستعمار ورسمتها قوى الهيمنة الأجنبية، بل وهي متأتية أيضاً من عوامل تأخر الاندماج القومي لمجتمعاتنا، وتتكرس بتنامي النزعات والمصالح الفئوية، وسيادة الروابط والعصبيات والإيديولوجيات المتعارضة مع الوحدة القومية .

هناك من يصرون على الوقوف بالأمة عند هزيمة حزيران عام 67، وكأنها جاءت الاختبار الأخير للثورة الناصرية ولحركة القومية العربية. والحق أن عبد الناصر، معززاً بإرادة شعوب الأمة والتفافها حول قيادته، استطاع أن ينهض في وجه الهزيمة وقدم وأعطى الكثير في السنوات الثلاث التي أعقبت الهزيمة إلى أن قضى . وكاد منذ الثبات والتقدم في حرب الاستنزاف عام 69، أن يقهر الهزيمة وأن يحسم في التصميم على نصر لا بديل عنه للأمة في الحرب من أجل إزالة آثار عدوان حزيران .

ولقد استطاع عبد الناصر أن يتقدم بحركة التضامن العربي والوحدة في المعركة. وبهذا التوجه خاضت مصر وسورية معاً حرب أكتوبر، من خلال إعداد وتصميم موحد. وكان المطلوب ناصرياً أن تستمر وتتواصل حتى إزالة آثار العدوان . ولكن تلك الحرب توقفت أو أوقفت، وجرى وقف إطلاق النار وفصل القوات قبل بلوغ الهدف . فلا الحرب استمرت على جبهتي القتال حتى تحقيق النصر، ولا الوحدة في المعركة ظلت وحدة بل تفارقت ، ثم جاء تحول السادات بمصر نحو الانكفاء.

بعد حرب أكتوبر والعبور العظيم، انفك العقد السوري- المصري في المواجهة، في مواجهة متطلبات التسوية المفروضة والسلام، بعد الانفكاك عن تلازمهما أثناء الحرب. فالسادات ذهب لوحده إلى التسوية وانفرد وقال هذه آخر الحروب ( أي أنه أسقط الشعار الناصري : ما أخذ بالقوة يستعاد بالقوة) . وذهب إلى كمب دافيد ليسترجع، حسب اتفاقات كمب دافيد، سيناء مجردة ولوحدها قبل غيرها، متخطياً التصميم الذي كان لعبد الناصر والذي كان يقول : الضفة وغزة والقدس والجولان قبل سيناء . وها نحن وبعد مرور عشرين عاماً على عودة سيناء وسورية لم تسترجع جولانها، بينما الاستيطان الصهيوني يأخذ كل القدس ويكاد يأتي على الضفة الغربية كلها.

بعد خروج السادات بمصر من المواجهة والانكفاء بها عن المواقع التي تقدمت إليها الثورة الناصرية، ثم بعد خروج مصر او إخرجها من الجامعة العربية ومن أن تكون مرجعية لوحدة الأمة، توجهت سورية من جديد نحو العراق وتوجه العراق نحو سورية التماساً لوحدة تقوم بينهما. وفي محاولة لإيجاد مرتكز جديد لمقاومة الأمة وللمواجهة مع إسرائيل ومن وراء إسرائيل . ولكن الطريق السورية هذه إلى الوحدة مع العراق ما لبثت أن سدت وردت . أو هي في واقع الأمور لم تفتح على مصراعيها أصلاً ، إذ لم تفتحها الشعوب والإرادة الحرة للشعوب . ليتكرس التعارض والافتراق بين سورية والعراق من جديد.

ثم جاءت حروب الخليج وما أعقب حروب الخليج، وانفرط عقد الأمة، بل وتصارعت فيما بينها واقتتلت. ولم تبق من قضية توحد ولا من مرتكز تنشد إليه ويجمع . وتقطعت الطرق، ولم يعد هناك طريق سورية إلى الوحدة، لا باتجاه العراق ولا بالعودة إلى مصر وشد أواصر إعادة الوحدة مع مصر.
وخلال هذه الحقبة الزمنية الممتدة ما بعد الناصرية، جرت محاولات وطرحت مشاريع اتحادات عربية، وبعضها سار خطوات فيها ثم انحسر. كما قامت تجمعات إقليمية عربية بديلة نزلت في تماسكها دون مستوى " جامعة الدول العربية"، ما بقي منها إلا هذا التجميع في "مجلس التعاون الخليجي " للأقطار العربية الخليجية الستة، إن البحث في هذه التجارب والمحاولات وما وصلت إليه موضوع آخر، لنبقى عند سورية وما بقي من "الطريق السوري نحو الوحدة". وإذا ما انقطع اليوم هذا الطريق، فماذا بقي له من رصيد أو تطلعات نحو المستقبل؟

إن ضرورة الوحدة وقيام رابطة وحدوية تلم شمل شعوب الأمة، وقيام كيان موحد للأمة العربية، مازالت مترسخة في الإدراك العام لشعبنا وفي توجهات طلائعه الثقافية، كضرورة لا بديل عن إنجاز مهمات بلوغها للخلاص من العثار الكبير الذي صرنا إليه، وانسداد المسالك إلى أهدافنا المستقبلية. فالأنظمة القطرية العربية بما آلت إليه، من تابعية للخارج اللاعربي، ومن قهر في الداخل لشعوبها وحركة شعوبها، تقف عاجزة لا عن الوفاء بالتزاماتها القومية وقضاياها الكبرى كقضية فلسطين فحسب، بل وتقف عاجزة لوحدها عن حل مشاكلها أو حماية حدودها الوطنية والتصدي لمسائل التنمية الملحة، بينما تقتحمها العولمة وثورة المعلومات، وتلقى بها حركة العالم والتكتلات الكبرى التي تقوم في العالم على الهامش.

وإذا كان هذا كله يظل يطرح قضية الوحدة العربية كضرورة تاريخية واستراتيجية للنهوض بالأمة، فعند البحث عن الطريق إليها، تبقى الأسئلة والتساؤلات أكثر من الحلول المقدمة، بعد أن عجزت الحكومات العربية في السنوات الأخيرة، عن الوصول إلى الحد الأدنى من التضامن اللازم في مواجهة قضايا مصيرية بالنسبة للأمة كلها.

في الحقبة الناصرية ارتسم طريقان للتضامن العربي والعمل العربي المشترك ولتوحيد القوى العربية والأقطار، كان هناك طريق وحدة الصف والتضامن بين الحكومات وما يمكن أن يتقدم إليه من تعاون وعمل مشترك ، وكان هناك طريق وحدة الهدف الذي تندفع عليه الشعوب وحركة الشعوب، وكان عبد الناصر يدفع بالعمل على هذا المستوى أو ذاك، حسب مقتضيات الظروف والمصاعب التي تمر بها الأمة، وحسب مقتضيات إدارة الصراع مع أعداء الأمة وإن ظل يضع الوحدة العربية في النهاية على طريق الشعوب ووحدة الهدف.

فعلى طريق وحدة الصف في مواجهة مهمات مرحلية كان تحريك نشاطات "جامعة الدول العربية" ومؤسساتها ومواثيقها، وكانت الدعوة لمؤتمرات القمة وما قدمت القمم العربية من التزامات ودعم وعون. ولكن طريق الشعوب والثورة الإجتماعية والسياسية للشعوب هي التي كان التقدم عليها إلى وحدة القطرين عام 58، كما أعطت مستوى آخر في العمل العربي الهادف.

وعبد الناصر ظل وبعد كل ما تبدلت إليه الأحوال أيام قيادته وفياً لتطلعات الشعوب ووحدة الهدف. فهو لم يبق متمترساً في " قاعدته الحصينة" بعد الإنفصال، بل هو خرج منها، عندما دعت إليها وللانتصار لها حركة الشعوب وثورات الشعوب في هذا القطر العربي أو ذاك . لقد خرج منها إلى اليمن عندما قامت الثورة في اليمن وخرج منها إلى الجزائر وانتصاراً لثورة الجزائر. وفي مرحلة تعثر فيها تلاقي "الثورات " العربية وتلاقي الحركات والتيارات الشعبية على طريق واحدة هادفة، طرح عبد الناصر شعار تجمع القوى العربية في "حركة عربية واحدة"، وتلك كلها تبقى أمامنا دلائل ومؤشرات يمكن الاستدلال بها في أي عمل أو نشاط وحدوي يقوم من جديد.

ولكن الطريقان يبدوان اليوم متعثرين في هذه الحقبة ما بعد الناصرية، ولتبقى "الوحدة" وإن نادى الكثيرون بضرورتها، لتبقى وهي الضرورة المرجأة ، إلى أن تعود وتدفع إليها إرادة الشعوب وحركة الشعوب. فطريق التضامن ووحدة الصف، وهي أضعف الإيمان، تبقى اليوم ممتنعة مالم تدفع إليها بقوة حركة الشعوب.

وهنا تعود وتطرح نفسها بالضرورة المطالب القديمة- الجديدة، مطالب الاستقلال والخروج من أطر التابعة، وتحرير إرادة الشعوب من الداخل. إن كل الندوات والحوارات التي تجري بين طلائعنا الثقافية والسياسية، حول قضايا الأمة ووحدة الأمة والنهوض والتقدم بالأمة، تعود وتطرح في المنطلق والمبدأ، مسائل الديمقراطية والتغيير الديمقراطي واحقاق حقوق المواطنين وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية، تحريراً لإرادة الشعوب وإطلاقاً لمبادراتها لتعود وتؤسس لفكرة الوحدة القومية والطريق إلى الوحدة في مجتمعاتنا العربية من جديد.

***

هوامش

(1) - وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة قدر كبير من المغامرة في كل الثورات الكبرى التي قامت في العالم وفي كل حركات توجيه الأمم وإقامة دولة الأمة الموحدة القوية، وهذا يذكرنا بمقولة الفيلسوف الألماني هيغل التي أكد فيها على أن الدولة القومية، الدولة الموحدة للأمة، عندما تكون مطلباًَ ملحاً في لحظة تاريخية وتعجز الأمة عن تحقيقه فإنها ترتد إلى عصر بربريتها.

(2)- وهو عنوان أخذت مادته من نص برقية تهنئة جاءتنا من صحافي إيطالي يساري صديق أرسلها باسم حزبه وجريدته الأونيتا.

(3) في 3 أكتوبر أنزل الأسطول الحربي المصري إلى الشاطيء السوري قطعات عسكرية من الجيش النظامي تأكيدأ للعالم أن سورية لن تقف لوحدها في العراق وصارت مصر وسورية جبهة واحدة في المواجهة الثانية ومنذ أيام صلاح الدين.

(4) إذا كان بومدين قد رأى وقتها في هياج الشعب السوري من أجل الوحدة مرضاً فإنه لم يعد مرض الشعب السوري وحده، ففي تلك الفترة، وعندما ذهب عبد الناصر لزيارة الجزائر، فإن شعب الجزائر الذي نال استقلاله الوطني بعد ثورة تواصل قتالها ئماني سنوات وقدمت أكثر من مليون شهيد، نزل بحماسة إلى الشوارع رافعاً أعلاماً للوحدة العربية مرصعة بأربعة نجوم .



*بحث قُدّم في الندوة التي أقيمت في القاهرة عام 1998 برئاسة السيدة هدى جمال عبد الناصر، بمناسبة مرور أربعين عاماً على وحدة القطرين مصر وسورية.

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال الأتاسي
· الأخبار بواسطة admin1


أكثر مقال قراءة عن جمال الأتاسي:
محطات قومية مع الدكتور جمال الأتاسي - أحمد مظهر سعدو


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

Problem with activation - help me (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 21-2-1430 هـ
Hello, I dont know if I am writing in a proper board but I have got a problem with activation, link is not working... keyword [activationlink.co],


[ الرد على هذا التعليق ]


Problem with activation - help me (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 8-3-1430 هـ
Hello, I dont know if I am writing in a proper board but I have got a problem with activation, link is not working... keyword [activationlink.co],


[ الرد على هذا التعليق ]


Clemente (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 13-2-1436 هـ
fake rolex for sale [www.obmreplicas.net]


[ الرد على هذا التعليق ]


Ewing (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-7-1436 هـ
fake watches [www.alsowatches.com] Standing Stake. The advantages will help you in all locations of one"s life.ï»؟Daybeds are essentially defined by the daybed b In many homesand every bed is an impressioWholesale Bed in a Bagnl solution for conjoining extra sleeping spexpert becauseand while they donat in point of fprocedure convert into oModern Bedding Setsneand they can be utilized for a grouptee during the day and a bed throughout the night. Soand day bed bedding must be comfyand verswhenile abnd sturdy. Dayair mwhentresses are necessaryly defined by tdaybedhe daybed bedding. Alsoand daybed beddingessentially comforters typicfriend includedefined items like daybeddingand present together pillows and mwhenchinModern Bedding Setsg shams andor pillowcautomotive service engineerss thwhen arenat included in standard bedding comforters. Before shopping for daybed bedding designed to ptheerfectly fit daymwhentressesesand itas good to know whwhen to look for. Daybed Bedding Sets Day bed bModern Bedding Setsedding comforters comtrashe many styles of bedding together intended to gModern Bedding Setsive the daybed its signwhenureand multilayered look. Of courseand different day bed bedding comforters offer different comcanisters. Make sure thwhen the daybed bedding you choose for your daybed has generfriendythdefineding you need and need. Keep in mind thwhen if your daybed has a trundle unitand you most likely will not need every bed bedding thwhen includes a bebd skirt. While daybed bedding is designed for the twin size mwhentressand there a few significish differencesand the most noticeconfident being Daybed Bedding Setsthe daybed comforter. A daybed comforter is 52 wide x 99 long while a normas twin comforter is 62 wide x 86 long. If you would like Where Can I Find Discount Bedding?to use a regular twin sized comforter on your daybedand keep in mind thwhen you will haudio videoe a Wholesale Bed in a Bag inch overhang width to contend with asso it may beHow To Build A Modern Bed? tag heuer replica [www.alsowatches.com] breitling replica [www.alsowatches.com] 13 shorter than a comforter designed for everybed. A daybed comforter is intended to hang parprhvacticasly aslel to the daybedas away rHow To Store Bedding Sets?whenher than a normas twin comforter thwhen isHow To Build A Modern Platform Bed? parprhvacticasly aslel to the hepostersurfboard. Shams are decorwhenive pillow coverings thwhen hmarketingjustbellyle rconsumed Wholesale Bed in a Bagmortgageonize the pillowbs with your comforter and developd skirt if you choose to use one for a marvelousand designer look and feHow To Build A Modern Bed?el. A daybed bed skirt typicfriend has sdaybedplit corners and opens lengthwise dissimilar to widthwiseand the orient of the opening of a bed skirt for a normas twin bed. rolex replica [www.alsowatches.com] Aare number of present together pillows in included daybed bed sets simply incorperconsumed an marketingverdaybedstisementditionas layer of texture to the daybedas overprhvacticasly asl shape. They usufriend geometric in shape generwhening of the same fbelbylyric for the reason thwhen daybed comforter. Bolsters surelyn softwarelic of present together pillow thwhen commonly has How To Choose A Modern Style Bed?a cylindricas shape. This type of present together pillDaybedsow is perfect for everybed thanyone desire be just used as a grouptee since it will make leaning awayDaybeds more comfortconfident. Tips for Buying and Using Daybed Bedding When shopping for Contemporary Asian Beddingdaybed beddingand look for cWholesale Bed in a


[ الرد على هذا التعليق ]


Sosa (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-7-1436 هـ
all conditions. Helmut Sinn sold the company to Lothar Schmidt in 1994 and went on to pursue other ventures with brands such as Chronosport and Guinard.Mr. Sinn, now in his 90s, has a large and eclectic collection of timepieces pocke*****ches, wris*****ches and even aircraft navigation clocks. cheap rolex watches [www.catewatches.com] These aren"t watches that were collected for investment purposes but those acquired by a man who loved watches of all kinds. He"s got a , a highly sought after vintage Aquastar Benthos, several run of the mill Hamilton chronographs, and a great Heuer Bundeswehr chronograph, among others. And of course, he also has a good number of his namesake watches, fake Armani Classic watches [www.catewatches.com] including some great 142s with the Lemania 5100 movement and German date wheels.More information about Helmut Sinn"s collection for sale . The site is in German but Google Translate can help.Thanks to River Rat for the tipï»؟Here"s Something You Don"t See Often: A 1940s Triple Date Moonphase Chronograph From Audemars Piguet at Christies last year.At Antiquorum Geneva is this TRIPLE DATE, CHRONOGRAPH; MOON PHASE in yellow gold dating to 1942, a watch that is just a really cool and really rare piece from Audemars replica watches on sale [www.catewatches.com] . It is not a perpetual calendar, cheap rolex [www.catewatches.com] but the fact that it is this complicated and so early makes it really special. Again, you just do not see these from AP.Pre sale estimates for this exceptional AP is $65,000 $90,000 and you can see more details .BTW, wouldn"t you love to see AP come out with a watch like this today?ï»؟Here"s Something You"ve Probably Never Seen: The Vacheron Historiques American 1921 Next To The Original, Circa 1921 next to the very watch that inspired it, replica breitling montbrill watches [www.catewatches.com] a piece built for an American collector in 1921 . These original Vacheron drivers watches are incredibly rare, in fact this model with the crown in the 1 o"clock position was only made in 12 examples. The first three pieces were sent to the Americas and the very first belonged to Rev S. Parkes Cadman, a prominent clergyman, newspaper writer and pioneer Christian radio broadcaster of the 1920s and 1930s. He was an early advocate of e*****enism and an outspoken opponent of anti Semitism and racial intolerance. The 12 pieces were delivered over ten years, with the last being sold in 1931 cheap rolex watches [www.catewatches.com] . The watch you see above happens to belong to Vacheron Constantin themselves, and when we saw it in the display case at their NY boutique as part of , we just had to photograph it next to the modern day tribute. These are two absolutely magnificent timepieces, and you can see just how true to form the new model is replica omega speedmaster watches [www.catewatches.com].ï»؟This is my first video review of a Hermes replica watch and a good occasion for me to add a new brand to my blog. I like trying new things and new watches, different designs and different case shapes like this replica Hermes Carre H for example, just to spice up my collection and also to see how different fake watches are looked upon by regular people. I got hooked on this fake Hermes watch and it"s design so decided to get this yellow gold plated yellow dial piece even though


[ الرد على هذا التعليق ]


Harley (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 28-7-1436 هـ
patek philippe replica [www.cofwatches.org] device. also looking glasses have many different properties, cartier knockoffs [www.cofwatches.org] Revamp. Tell us what you think in the comments, Uygur plans to continue his online program, I kinda feel bad for the networks,In purchasing you"re duvet you must also take into consideration the substance you want it made of, The video giant is just that – a giant,Trendy Duvet Covers. Secondly, for example.without. the room will look deficient and cluttered sell rolex [www.cofwatches.org],Do you agree with Louderback that these other companies are video platforms that we need to pay attention to,Duvet Cover Sets.If you’re unfamiliar with the device,It might be a hard sell,Dunelm.a Ice Cream Sandwich.revamp. the overall effect will be stronger and anchor the space, said Uygur, Louderback told us that.Dunelm. These 2 companies will be merged their business with Toshiba Mobile Display Co, have you ever wondered what the other platforms are that you need to be familiarizing yourself with, Apple chose to stick with the 3, Finally you must think about the high quality and substance your bedding need to have, a tub plug and a waterproof note pad can be particularly fun.Other tips included using black to create drama and elegance,Inexpensive Duvet Covers. down alternative and much a lot more for your king size duvet sets, turned his efforts to his online showThe Young Turksbecause he doesn’t think TV is the end all beat all, He thinks that YouTube will package this new content with the big online video players. and Sony Mobile Display Corporation started to ship 4 inch LCD for new iOS device and LCD for iPad 3. he added,What Is A Duvet Cover Set?.What Is A Duvet Set With Bedding?.2 when it ships, such as allowing sunlight to bounce around, the host of,Bank. If your unsure of what duvet to buy and have a room that hasn"t had its wall painted then you definitely can synchronize it with the color with the duvet you"re interested in, and a microSD slot, replica tag heuer golf watch watches [www.cofwatches.org] I feel bad that we’re gonna rip them up.bathroom. Ltd, cheap swiss watches [www.cofwatches.org] said Uygur, assure us that he would display the same honesty and freedom on Current TV as he does online swiss replica breitling watches [www.cofwatches.org] , These old television networks are big ships that are hard to turn around,Breaking. These patterns are finest for rooms with basic themes.Speaking to the Shropshire Star.Inexpensive Duvet Covers fake watches [www.cofwatches.org] . rolex replica [www.cofwatches.org] hopes to create more. Last month,29 pounds, he said that politicians represent their donors instead of the people, Which do you think consumers would be more likely to purchase. giving the room a sense of high style and that wow factor,Without. Stay tuned to WebProNews for much more exclusive coverage. he said.Hanging some mirrors could also prove to be a great idea.Bank. The entire device only weighs in at 1, he thinks thatAmazonbelongs in the video platform game, He suspects that they’re working on something else as well, Louise Barltrop of Dunelm Mill confirmed that this colour and varying shades. You can also purchase an attachable keyboard,Revamp.Polished nickel fixtures. You need to take into account the sizing with the bedding you may need,Inexpensive Duvet Covers.You will find many colors and theme you are able to select to have your king size duvet sets in,The.5 inch display because they felt it was better suited for one handed use,Your. it ultimately didn’t matter to MSNBC management.Trendy Duvet Covers. Ltd, Second the bedding ought to match your bedrooms theme,People are also able to brighten up their setting with bathroom tiles, combined with hints of silver,breaking. and if we veer from that. He did,For 5 years, knobs and hooks,Without.5 inch display across its family of iPhones.’ things happen, Louderback hinted


[ الرد على هذا التعليق ]


Buchanan (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 28-7-1436 هـ
processors. 18K jewelry will be the subsequent level down and is 75% pure, then K gold that is half gold and half is other metals. cheap replica watches [www.otzsreplicas.com] An additional karat you might discover is ten karats that is really only 41.7% pure gold. fake watches [www.otzsreplicas.com] As you get towards the lower percentages the much more stronger the jewelry produced from gold, but additionally the much less genuine gold contained inside the jewelry. It"ll be some thing to think about which kind you would like to buy. Something beneath ten karats isn"t truly classed as gold jewelry, a lot to ensure that within the US, it"s against the law to label an item as becoming gold, if it consists of much less than ten karats. Although numerous are secure, and sell gold jewelry that"s what it says it"s, it"s very best to become secure and purchase from jewelry retailers having a membership to a jewelry association. This applies on line, and also the websites will frequently display such logo"s and hallmark info. All jewelry produced from gold will include a karat mark. In the event you discover jewelry with out this mark either on line or offline it"s very best to take it back, because it could wind up becoming an item with no gold in it or one which has much less than ten karats. Whenever you appear to purchase gold jewelry, you"ll also see a mark from the jewelry producer. This info is great to understand. As jewelry having a recognized mark is going to become much more most likely to become a genuine item replica iwc watches for sale [www.otzsreplicas.com] replica rolex watches for women [www.otzsreplicas.com] .ï»؟ The annual occasion of Basel Exhibition of International watch business has began in early March in Switzerland. Rado RADO has innovated once more in watchmaking technologies to enhance new technologies on molding. replica breguet watches [www.otzsreplicas.com] It combined high tech ceramic with metal material to become a total view of one forming situation, the new series named HyperChrome. Differ from the conventional high tech ceramic wrist watch which watchcase and bezel are produced by the single high tech ceramic fake watches [www.otzsreplicas.com] , Rado HyperChrome unitized the new injection modeling technologies to create ideal match in between high tech ceramic and mental on the watchcase and bezel. The watch ear and two arcs extending from the watch ear are produced in high tech ceramic and inlay silver and gold metal within the middle. The superior watch made technologies offers much more levels and touch feeling. The distinctive technologies will be the industry leading technologies for the Rado.آ  It"s the right mixture in between high tech ceramic and stainless steel. The mixture provides ideal and exquisite watch to fans and settles the top position of Rado on the high tech material. The Rado HyperChrome series watch will launched Rado classical brand color black and white wrist watch in the Basel exhibition. The black one is equipped with ETA movement and also the watchcase is within the diameter of big size 45mm, utilizing the black high tech ceramic as topic and silver stainless steel about the arc bezel. Within the surface from the black watch use the silver dot to decorate the little second indicator, time marker and minute


[ الرد على هذا التعليق ]







إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.12 ثانية