Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: حسن هرماسي
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 230

المتصفحون الآن:
الزوار: 32
الأعضاء: 0
المجموع: 32

Who is Online
يوجد حاليا, 32 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

حبيب عيسى
[ حبيب عيسى ]

·"99" عاماً على ميلاد جمال عبد الناصر : حبيب عيسى
·الحرية لا تتجزأ ... الحرية للمجتمع - هي الطريق إلى حرية المرأة ..!!حبيب عيسى
·النداء الأخير للحرية "أوراق السجن" - حبيب عيسى
· المرحلة الانتقالية : قضايا ومهام ...! - حبيب عيسى
·''28'' أيلول ''سبتمبر'' ... ! - حبيب عيسى
·23 تموز "يوليو" 1952 : من الحصار ... إلى الثورة ...! - حبيب عيسى
· "أدونيـــــــــــــــس" ... مـن "العَور" فـي قــراءة تـاريـخ الأمة ... إلى "ا
·الربيع العربي ... وماذا بعد ...! - حبيب عيسى
·قراءة في مشهد الانتخابات التـركـية - حبيب عيسى

تم استعراض
49139918
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
الإيديولوجيا وقضايا الوحدة - نديم البيطار
Contributed by زائر on 30-1-1429 هـ
Topic: نديم البيطار


الإيديولوجيا وقضايا الوحدة - نديم البيطار

الإيديولوجيا وقضايا الوحدة

نديم البيطار

حتى ولو لم يكن نديم البيطارغنيا عن التعريف لما سمح تفوق حجم هذه المقابلة بإضافة ما يشبه الفذلكة أو التقديم. وقد فضلنا عوضاً عن هذا منادمة البيطار- وهو حقا نديم طيب العشرة_ بأسئلة مكثفة تتضمن إشارات إلى أهم محاور فكره ومذهبه،هذه المحاور التي تتصدرها قضايا ((الإيديولوجية الانقلابية)) كما سنتعرف على معالمها البارزة، وقضايا القومية والوحدة في الوطن العربي.فغزارة إنتاج البيطار في هذه القضايا(وهي غزارة مقرونة بالجدية) قد حولته إلى محاور ضروري ولا نقول إلى سلطة، ما دام أنه يقبل بمراجعة أدواته ومفاهيمه على ضوء ما يحبل به التاريخ من ((انقلاباًت)) وتغيرات وما يقدمه الفكر الرصين من انتقادات واعتراضات، ولعل في انكباب البيطار على الأسئلة في هذا اللقاء وفي عنايته بها لخير دليل....





سعيك في كتابك الضخم الأيديولوجية الانقلابية هو استخراج القوانين المتحكمة في ظاهرة الثورات الاجتماعية في تاريخ العالم.وهذا المشروع الذي تريده علماً عملياً يتعرض لانتقادات،منها مثلاً أنه يخلط بين الحقيقة في العلوم الدقيقة وبين الحقيقة في العلوم الإنسانية، ويتخذ بالتالي اتجاهاً أو منطقاً وضعياً. فلو كان هناك تجانس بين الحقيقتين لما كان هناك فروق بين تلك العلوم جميعاً، ولكانت شروط التوقع والتنبؤ في علم الإنسان والتاريخ متوفرة كما هي متوفرة في علوم الطبيعة. أما وأن تلك الفروق قائمة فعلاً بحيث إن ما يعتمل في مجال التاريخ الإنساني، خلافا للتاريخ الطبيعي، هو الخصوصيات واللاعادة، فكيف لنا، والحالة هذه، إن نطمح إلى صياغة قوانين من دون إن نسقط في اختزالات مفقرة أو في صورية لا تقول شيئاً عن العالم؟

نديم البيطار: هنا يجب إن أقف أكثر مما يجب نسبياً في الإجابة على هذا السؤال لأن النقد يتكرر في بعض أشكال التعليق على كتاباتي.

النزعة الوضعية التي تطابق بين القوانين الاجتماعية والقوانين الطبيعية تعني عقلاً ذرائعياً يتناقض مع إنسانية الإنسان كإمكان يتجاوز فيه الإنسان ذاته وواقعه، مع القول بأية غائية ثورية تدعو الإنسان إلى هذا . من هذه الزاوية يمكن القول إن مفكرين كباراً، ابتداءاً من سان سيمون وكونت، وانتهاء إلى آخرين من أمثال فرويد، دركهايم يسوي بين العقل وبين العقل الذرائعي، عقل التكيف مع النظام القائم (أي النظام الرأسمالي). إنهم تجاهلوا البعد الثاني في العقل أي البعد النقدي الذي يبرز من عقلنة الوعي وينشغل بالقيم والمقاصد، هذا الذي لا يعمل على الكشف عن مقاصد الحياة أو التاريخ في مرحلة تاريخية معينة يتحول إلى ذريعة، إلى وسيلة في خدمة مقاصد موجودة، في تبرير مباشر أو غير مباشر، ضمني أو صريح لنظام قائم.

دون مثال، دون غائية يتجاوز فيها العقل وضعه، يتحول هذا إلى عقلانية ذرائعية، إلى عقلانية دون عقل.المقاصد لا توفر في هذا العقل أي معنى، وبالتالي لا تقدم أي أساس للتأمل فيما يحدث التفكير حوله أو نقده جذرياً ((كيف)) نصنع شيئاً معيناً وليس ((لماذا)) نصنعه، تصبح القياس الأساسي للعقل،للتقييم. الحرية كقدرة على تغيير الوقائع القائمة وجعلها أكثر قرباً من المثل المعيارية، لا تجد مكاناً لها في الشرع الوضعي الذي يرى إن مقاصد الحياة الإنسانية، وكذلك الحرية الفردية نفسها هي أمور معطاة في المجتمع. لهذا يمكن القول إن إنتاجي يعمل من هذه الزاوية، مع عقلانية عصر التنوير وليس العقلانية الوضعية التي رفضتها، إننا نجد في صدارة هذا الإنتاج أنثروبولوجيا فلسفية راديكالية تحاول إن ((تتغلب)) على الثنائيات التي كانت تواجه الإنسان عبر تاريخه، الثنائية بين ((ما هو كائن)) وبين ((ما يجب إن يكون))، بين الوصفي والإرشادي أو المعياري، بين الضرورة والحرية، بين المثال والممارسة، بين العقل النقدي والعقل الذرائعي، بين الوقائع والقيم، إلخ، وذلك عن طريق ((المشروع الثوري)). إنها أنثروبولوجيا ترى، بكلمة أخرى، إن الحل الذي يمكن إن يتوفر للإنسان- هذا إن كان هناك من حل ممكن- هو العملية الثورية ذاتها التي تترتب على مشروع كهذا، وتوحي له بإمكان حل كهذا، ولكن دون قدرة على تحقيقه في مجتمع معين (كما ترى الماركسية مثلاًً). لهذا ذكرت في كتاب الإيديولوجية الانقلابية بأن التاريخ يتشكل من دورات إيديولوجية لا يمكن إن تنتهي.

النزعة الوضعية تتجاهل هذه الثنائيات التي تحرك وضعنا الإنساني والتاريخي، وتجعل من الصعب لإنسان أو مجتمع يتأثر بها إن يواجه ما تطرحه هذه الثنائيات من قضايا كبيرة. إنها ثنائيات لا تشير إلى تمييزات مصطنعة تقول بها الفلسفة أو هذه الأنثروبولوجيا، بل هي تتسرب إلى حياتنا، إلى وضعنا الإنساني والتاريخي وتعجن حركته. لهذا فإن أحد أشكال المشروع الإيديولوجي الثوري مقدور على الإنسان. إن مفهوم العقل النقدي الذي أشرنا إليه ليس مفهوما وصفيا بل هو مفهوم معياري حول النشاط الإنساني الأمثل لأنه يفترض إن هذا النشاط يحقق في الممارسة أحسن استعدادات الإنسان الكامنة فيه كإمكانية. هذه الإمكانيات والاستعدادات المثلى هي أكثر أشكال هذه القصدية تكاملاً. إن عظمتنا أو خاصيتنا الإنسانية هي في إسهامنا في بناء مشاريع وعوالم عابرة، معرضة للخطأ وناقصة، وليس في طاعتنا أو خضوعنا لوقائع أو حقائق ثابتة كاملة ومطلقة تعلو علينا. عوالم الحيوانات والنبات والحشرات فقط تخضع لعلاقات من هذا النوع.

بالإضافة إلى هذه الأنثروبولوجيا الفلسفية التي تفصلني عن النزعة الوضعية هناك أيضاً اختلاف في الفلسفة الاجتماعية. فالمدرسة الوضعية تقول أنه مع تقدم المعرفة العلمية في دراسة الطبيعة والاجتماع (في العلوم الطبيعية والاجتماعية) فإن نطاق اللاعقلانية يضيق ويزول دور التصورات والمفاهيم الميتافيزيقية من التاريخ وحركته، ولهذا فهي تدعو إلى زوالها وتتوقع هذا الزوال.

إنني التقي مع النزعة الوضعية في هذا المبدأ الذي تخلص إليه، والذي يؤكد بأن المعرفة العلمية تتناقص مع تلك التصورات والمفاهيم، وتعني تحرير الفكر والعقل منها، وأدعو مثلها إلى دراسة المجتمع والتاريخ وإلى تحديد السلوك الاجتماعي السياسي في ضوء الأولى وليس الثانية وإلى تحرير السلوك من هذه الأخيرة. (ولكن هذه المعرفة العلمية نفسها تدل في قناعتي إن الإنسان الحديث كان يستبدل تصورات ميتافيزيقية معينة أو سابقة، كانت قد استنزفت طاقتها، بتصورات أخرى جديدة.

العلوم الطبيعة ابتدأت بالتقدم عندما نفت القوى والمقاصد والمفاهيم الميتافيزيقية من دنياها واتجهت بدلاً من ذلك إلى الكشف عن العلاقات الضرورية أو القوانين التي تربط بين الظواهر التي تدرسها. هذا ينطبق أيضاً على العلوم الاجتماعية التي تعني كذلك الكشف عن علاقات انتظامية أو قوانين موضوعية بين الأحداث والتحولات والظواهر التي تدرسها. إنها لا ترجع- أو لا يفترض بها الرجوع- إلى شيء خارج ما يحدث يكون مسؤولاً عن حدوثها، بل تفسرها في ضوء هذه العلاقات أو القوانين التي تكشف عنها. ولكن العلوم الاجتماعية لا تستطيع تحقيق هذا بنفس الدرجة التي يمكن إن تتحقق في العلوم الطبيعية، لأن المفاهيم "الميتافيزقية" لا تزال تمارس دوراً مهماً فيها، إما لأنها تحتاج إليها في بعض الحالات، وإما لأنها كانت عاجزة عن التحرر منها في حالات أخرى. كل النظريات الاجتماعية التي تريد إن تكون علمية هي نظريات أمبريقية في كونها تحاول دراسة عالم نعترف به كعالم موضوعي خارج إرادتنا، يحدد سلوكنا في شكل ما. المعرفة العلمية تتشكل من نظريات تخضع لمناهج دقيقة من الاختبار التجريبي (الأمبير) الرجوع إلى الواقع الملموس، هذه المعرفة تتقدم لأن نظريات جديدة توفر درجة أعلى من المطابقة مع الواقع من نظريات أخرى تهمل لأن مطابقتها كانت أقل أو غير صحيحة، هذا على الرغم من إن هذه النظريات الجديدة الأكثر تطابقاً مع الواقع قد تجد ما يعثر ويؤخر أو يجمد اعتمادها وهيمنتها في مشاعر ومصالح ومواقف إيديولوجية تعترض طريقها. هذه النظريات قد تختلف في مقاربتها لهذا الواقع الأمبيريقي، في تحديد لها في المناهج التي تستخدمها في دراسته، في المنطلقات التي تنطلق منها، في المقاصد التي تحركها، في الدرجة الموضوعية أو العلمية التي تحققها، الخ.، ولكنها كلها أمبيريقية لأنها توجه نحو عالم نختبره كعالم خارجي، مستقل نسبياً على الأقل في موضوعية خاصة وحقيقي في نتائجه علينا.

المعرفة العلمية ظهرت وتطورت عن طريق الملاحظة الموضوعية التحليلية وتفسير الوقائع الملاحظة على أساس العلاقات أو القوانين الضرورية التي تربط بينها، ولكن هذه المعرفة لا تزال، في العلوم الاجتماعية، متأخرة جدا ًعما هي عليه في العلوم الطبيعية. هذه حالة يجب العمل على التغلب عليها إلى أبعد حد ممكن، ولكن ليس من الممكن، كما يبدو، تحقيق هذا كما نجد في العلوم أو القوانين الطبيعية. هذا النقص واضح في المفاهيم الأخلاقية والميتافيزيقية التي لاتزال ترافق أو توجه الفكر الاجتماعي السياسي.

كتاب الإيديولوجية الانقلابية يدل بوضوح إن الحركات الثورية الكبرى التي صنعت المجتمع الحديث كانت تختلق تصورات ميتافيزيقية جديدة تنطلق منها رغم تمردها على التصورات السابقة، وعلى نمط التفكير الميتافيزيقي. الفرق بينها وبين هذه الأخيرة كان، من هذه الزاوية، وكما أشرنا سابقاًً، الرجوع إلى التاريخ، المجتمع، أو الطبيعة الإنسانية في صياغة الحقائق النهائية التي تنطلق منها وتجد فيها أرضيتها المطلقة. هذا لا يعني طبعاً إن المعرفة العلمية لم تتقدم على حساب التصورات الميتافيزيقية. على العكس، إنها حررت العقل منها في العلوم الطبيعية، ودفعت بعيداً هذا التحرر في دراسة المجتمع والتاريخ والإنسان، ولكنها لم تستطع تحقيق ذلك في الحياة الاجتماعية –السياسية- الإيديولوجية. فهذه القواعد لن تزول، وهذه الحياة لن تتحرر منها، وذلك لأسباب عديدة لا مجال هنا للتعرض لها. هنا اكتفي فقط بالإشارة إلى الثنائيات المذكورة سابقاًً والتي ينطوي عليها الوضع الإنساني والاجتماعي التاريخي، تناقضات وتطلعات تترتب عليها، وتدفع إلى هذه القواعد كمحاولة إلى تجاوزها في حل لها. كتاب الإيديولوجية الانقلابية يدل على أهمية هذه القواعد الميتافيزيقية والأخلاقية للأيديولوجيات العلمية نفسها، وعلى إن زوال أو سقوط هذه القواعد يعني سقوط الإيديولوجية كقوة فاعلة في التاريخ.

النزعة الوضعية تعلن، مثلاًً، نهاية الأيديولوجية في المجتمع الحديث لأن أكثرية المشاكل والقضايا التي يواجهها هي مشاكل وقضايا تقنية وإدارية، أي بعيدة عن الحلول الإيديولوجية والسياسية. إنني أرى، على العكس، وفي ضوء كتاب الأيديولوجية الانقلابية إن أهم قضية يواجهها الإنسان الحضاري الحديث هي الحاجة إلى هذه الحلول، الحاجة إلى بناء "ميتافيزيقي " جديد، إلى صياغة جديدة نعطي أجوبة جديدة، مثلاًً، حول القضايا التالية: من هو الإنسان؟ .. ما هو التاريخ؟ … ما القصد من الإنسان والتاريخ؟… ما القصد من الحياة وما هو معناها؟ الخ .. هذه هي سؤالات الوضع الإنساني الكبرى التي كانت ولا تزال تشغل الإنسان عبر تاريخه. هذه سؤالات لا تستطيع المعرفة الوضعية أو العلمية الموضوعية حلها، وهي إن استطاعت حلها، فإن الإنسان كثيراً ما يرفض قبول "الحل".

النزعة الوضعية لا تنكر فقط دور التصورات الميتافيزيقية والأخلاقية وتتوقع زوالها، بل تنكر أيضاً دور النظرية والعامل السياسي، وهذا ما أرفضه تماماً. إنها تحول الواقع إلى شيء يمكن قياسه وتستثني أو ترفض الجوانب النوعية فيه، وهذا شيء غير ممكن في هذا الشكل الذي ترغب فيه تلك النزعة، فهناك أبعاد نوعية لا يمكن قياسها وهي مهمة وأساسية.

النزعة الوضعية لم تكن تهتم كثيراً بالدور الذي يمكن إن يقوم به العمل السياسي والدولة، وقد رأت الاستقرار الاجتماعي كشيء يترتب على التقنية، إنها قللت من أهمية الدولة والعامل السياسي هذا وإن لم نقل ازدرتهما حتى عندما أكدت، كما نجد عند سان سيمون على أهمية معالجة أوضاع طبقة العمل والتدخل لمصلحتها.

النزعة الوضعية كانت تؤكد، ابتداءاً من سان سيمون، على معنى القيم الأخلاقية كضوابط خارجية ضرورية تكبح وتقيد رغبات الإنسان. إنها كانت تهمل ،بكلمة أخرى، ما أؤكده باستمرار في كتاباتي المختلفة- وخصوصاًً كتاب الإيديولوجية الانقلابية، وكتاب من الحقيقة الإنسانية إلى الحقيقة الانقلابية- وهو إن تمارس، عندما تكون جديدة وجزءاً من تصور إيديولوجي ثوري، دوراً تحريرياً ضرورياً للإنسان، يكشف عن طاقاته وطاقات المجتمع، يحفزها على الخلق والإبداع ويدفع بها إلى مستوى تاريخي جديد.

النزعة الوضعية تتكلم عن النظام، وهو كلام يعبر عن ميل إلى ضبط وتثبيت الأشياء من الخارج، هذا إن لم نقل من فوق، وتكريس البنية الاجتماعية القائمة، بدلاً من التوكيد على التحول، وهو ما أصنعه في كتاباتي المختلفة. والنزعة الوضعية كانت تميل، في الواقع، إلى اعتبار القيم الأخلاقية التي لا تقوم بذلك كقيم غير أخلاقية.

هناك أيضاً، بالإضافة إلى الاختلافات السابقة التي تفصلني عن النزعة الوضعية، اختلاف منهجي أساسي آخر يفصلني عنها. فالمنهج الديالكتيكي (الجدلي) الذي أستخدمه وأرجع إليه يتناقض هو الآخر معها، وهذا واضح ضمنياً على الأقل فيما سبق.

الفرضية الأساسية في هذا المنهج –كما أستخدمه-هي إن كل شيء يعاني التغير والحركة، وهو دائماً في عملية تحول إلى نقيضه، وأن تفاعل الإنسان مع وسطه الاجتماعي التاريخي أو أي واقع يعني ظهور أشياء جديدة، وأن هذه الجدة هي بالضبط ما يميز الإنسان عن الحيوان. التاريخ حركة ديالكتيكية، وكل واقع متحول ينطوي على بذور تدميره، وعلى إمكانات واقع آخر يحل محله،القوى التاريخية والأفكار التي تعبر عن حركة الواقع تصبح مع الوقت أكثر وضوحاً وتدخل في تناقض متزايد مع القوى والأفكار التي تعبر عن حركة الواقع تصبح مع الوقت أكثر وضوحاً وتدخل في تناقض متزايد مع القوى والأفكار التي تعبر عن الواقع أو النظام القائم لأن التحولات الجديدة التي يكشف عنها الواقع نفسه تفرض هذه القوى والأفكار في حركة تجاوزه لذاته هذا التناقض يجد حلاً له عندما تحل الأفكار والقوى الجديدة محل سابقتها وتقيم واقعاً جديداً يعبر عنها. هذا المنهج يركز، على نقيض المنهج الوضعي، على التناقضات، والتوترات والصراعات في إدراك حركة التاريخ والواقع على التناقض بين الواقع والإمكان، بين ما هو موجود وبين ما يجب إن يوجد. هذا بكلمة مختصرة، ما أعنيه بالمنهج الديالكتيكي الذي أرجع إليه في كتاباتي.

الطبقات الحاكمة والأنظمة القائمة والمدارس الفكرية التي تساندها أو تعمل معها تتجنب هذا المنهج. وأما القوى التاريخية الجديدة والاتجاهات الثورية فليس لها على العكس، من مرجع آخر سوى الديالكتيك.

هذا المنهج يوضح بين الأمبيريقية (والقوانين الاجتماعية) التي أرجع إليها والتي يمكن القول أنها أمبيريقية ديالكتيكية، وبين الأمبيريقية التي ترجع إليها الوضعية وهي أمبيريقية يمكن القول أنها ميكانيكية، وتقترن بالعلوم الطبيعية كالفيزياء، الكيمياء، حيث لا يقدم الموضوع أية مشاكل وتناقضات من النوع الذي يقترن بالتحول الاجتماعي التاريخي. الأمبيريقية الأولى تشكل منهجاً أقوى وأصلح لأنها قادرة بالضبط على الانشغال باستمرارية وتطور موضوعها، وبالكشف عن الضرورة التي ينطوي عليها.

لهذا لا يمكن القول إن واقع الظاهرة التي أدرسها هو واقع أمبيريقي أو وضعي صرف. لو وضعت ذلك لما كان من الممكن الكلام في جميع كتاباتي عن اتجاهات وعلاقات انتظامية أو قوانين تدفع، أو يمكن الرجوع إليها في الدفع، نحو مقاصد معينة تتجاوز الواقع أو النظام القائم، أو إن أتكلم مثلاًً عن أطوار تطور الإيديولوجية من الولادة إلى الموت، أو عن المرحلة الانتقالية التي نمر منها –وذلك في ضوء مراحل تاريخية أخرى مماثلة- بأنها تدفع نحو إيديولوجية انقلابية كحل لها، إلخ.. المنهج الديالكتيكي يوفر أداة نستطيع بها إن نفسر وأن نصنع الواقع والتاريخ كشيء أمبير يقي وثوري في نفس الوقت. لهذا فإن ربط إنتاجي بالتيار الوضعي يشير إلى شيء غير موجود لأنه يفترض بأن هذا الإنتاج ينشغل فقط بالواقع الأمبير يقي أو العلاقات الضرورية بينها، وهذا ليس صحيحاً كما تدل الملاحظات السابقة.

إسهام المناهج الأمبيريقية والوضعية كان، في أحسن الحالات، جزئياً فقط لأنها توزع الصعيد الاجتماعي –السياسي إلى قطع أو أجزاء منفصلة، ولكن إدراك المجتمع يتطلب في قناعتي، القناعة التي تدل على ذاتها في دراساتي المختلفة، منظورات كلية. هذه المناهج ساهمت، مثلاً، في إضفاء الشرعية على الرأسمالية بما تمارسه من عزل لموضوعاتها عن الكل الاجتماعي –السياسي الإيديولوجي التناقضي وبطريقة تستثني العقل النقدي والمنهج الديالكتيكي من قبل الباحث العلمي.

المنهج الوضعي والأمبيريقي الصرف، أو منهج العلوم الطبيعية لا يستطيع إن يجد حلا لهذه التناقضات، أو تلك التطلعات التي أشرنا إليها فيما تقدم والتي تتفرع من الوضع الإنساني التاريخي نفسه. الوعي يرجع باستمرار إلى جذور، ضرورات، مقاصد، تتجاوز العقل الأمبيريقي الصرف، ولهذا فهو يحتاج باستمرار إلى الفلسفة، النظريات الاجتماعية والسياسية، التصورات الإيديولوجية، والمثل الثورية. لهذا عندما أقول بقوانين موضوعية تفرض ذاتها فإن هذا القول لا يتطابق مع المفهوم الوضعي، لأنه قول يرتبط بمنهج ديالكتيكي ويوجه إلى مقاصد وتصورات تتجاوز الواقع التجريبي.

القوانين الاجتماعية تمثل، على عكس القوانين الطبيعية، بعداً واحداًً من الواقع الاجتماعي التاريخي لا يستنزف هذا الواقع ككل لأن هناك تناقضات يجب إن يعمل عبرها ويمكن لها تجميده أو إلغاؤه. علم الاجتماع يستطيع في كثير من الأحوال –أو الموضوعات- (أي عندما تتوفر أمثلة تاريخية عديدة كثيرة حول الموضوع أو الظاهرة التي يعالجها) الوصول إلى قوانين موضوعية تفرض ذاتها، ولكن بما أنها تعمل في وضع اجتماعي تاريخي أوسع من الموضوع أو الظاهرة التي تنطبق عليها، يحيط بها ويمتد حولها، وبما إن هذا الوضع يكشف دائماً عن تناقضات وقوى واتجاهات أخرى تتناقض معها، وبما إن الناس لا ينطلقون من اعتبارات عقلانية واعية، من عقلانية علمية في صياغة عملهم تجاه المستقبل، بل على العكس، من مشاعر عميقة ومصالح محورية، وبما إن التاريخ يشكل مسرحاً لهذه المشاعر والمصالح والمركبات الإيديولوجية التي تعبر عنها، وبما إن هذه القوانين تفترض إن تكون الأوضاع الأخرى التي تعمل عبرها وتحيط بها ملائمة لها،فإنها تصبح من حيث التنبؤ بالمستقبل، أو من حيث درجة الحتمية في المستقبل، قوانين احتمالية لأن هذه العوامل الخارجية يمكن إن تتدخل ضدها وتلغي عملها. فهي قوانين ضرورية ولكنها بالتالي غير كافية في تحقيق نتيجة معينة. لهذا يمكن القول إن القوانين الاجتماعية تكشف عن موضوعيتها ((المستقلة)) عن ((حتميتها))، في دورها ((السلبي))، أي في كون عدم توفرها في معالجة مسألة ما أو تحقيق قصدها يجعل تلك المعالجة أو هذا التحقيق غير ممكن أو بعيد الاحتمال.

في كتاب من التجزئة.. إلى الوحدة، مثلاً، حددت القوانين الأساسية (والقوانين الثانوية) التي كانت تعيد ذاتها في تجارب التاريخ الوحدوية. هذه القوانين توفرت لنا في المرحلة الناصرية، ولكننا عجزنا عن تحقيق دولة –الوحدة أو قفزة كبيرة ثابتة نحوها، ليس لأن هذه القوانين لا تتميز بوجود خاص بها، مستقل ((نسبياً))، بل بسبب تلك العوامل الخارجية (أي التي تعمل خارج القوانين في الوسط الذي يفترض عملها فيه) التي أشرت إليها. في كتاب جذور الإقليمية الجديدة حددت هذه العوامل التي جمدت هذه القوانين ومنعت عملها من الخارج، وفي كتاب الفعالية الثورية في النكبة –كمثل آخر- كشفت عن علاقة موضوعية بين الثورة والهزائم العسكرية والأزمات الكبرى،ووصفت الديالكتيك الثوري الذي يترتب عليها وبعض الأوضاع الأساسية التي كانت ترافق ذلك،أي التي يشترط الديالكتيك الثوري وجودها، وخلصت من ذلك إلى القول بأن النكبة التي حلت بنا ستفرز الديالكتيك الثوري الذي يقود إلى إلغاء الأسباب التي قادت إليها،وبالتالي إلى تحرير فلسطين المحتلة. ولكن في كتاب من النكسة إلى الثورة حددت العوامل ((الخارجية)) التي تعثر وتجمد عمل هذا الديالكتيك.

بالإضافة إلى هذه الأسباب العديدة التي ذكرناها والتي تميز بين القوانين الاجتماعية والقوانين الطبيعية (الأسباب الأنثروبولوجية الفلسفية، الأسباب الاجتماعية الفلسفية، الطبيعة الديالكتيكية لحركة التاريخ والاجتماع، عدم توفر أمثلة كثيرة كافية على الكثير من الظواهر الاجتماعية، مواجهة القوانين الاجتماعية لتناقضات خارجية تستطيع إلغاء عملها..) هناك أيضا أسباب أخرى تدفع في نفس الاتجاه، وهنا أود الإشارة –والإشارة العابرة فقط بسبب ضيق المجال- إلى بعضها.

الظواهر الاجتماعية ظواهر معقدة وديناميكية، وهذا يعني إن صياغة مناهج فعالة في ملاحظتها وإدراكها تقود إلى تعميمات أو قوانين دقيقة حول ترابطها وتفاعلها، هي قضية أكثر صعوبة بكثير، وأقل احتمالية مما نجد في القوانين الطبيعية. التعقيد والديناميكية اللذان يميزان الظواهر الاجتماعية يعنيان أنه لا يمكن للبحث العلمي الذي يدرسها إن يشمل جميع جوانب المشكلة أو الظاهرة التي ينشغل بها في روابطها الزمانية والمكانية في تركيزه على بعض هذه الروابط والجوانب يغفل البحث العلمي غالباً جوانب أو روابط أخرى قد تكون مهمة جداً في علاقتها الغير مباشرة، على الأقل بها. العلوم الاجتماعية لا تستطيع، من ناحية أخرى، الاعتماد على الاختبار كما نجد في العلوم الطبيعية، وهو عندما يحدث (أي الاختبار) يكون مختلفاً عما هو عليه في هذه الأخيرة. وأخيراًً، يمكن القول إن العلوم الاجتماعية لم تكن قادرة بأن تخلق، كالعلوم الطبيعية، منهجاً منسجماً وذلك لأنها لم تصهر حقا منهجي البحث الأمبيريقي والعقلاني. ولكن ما ذكرناه سابقاًً حول العقل الذرائعي والعقل النقدي يدل، كما يبدو، إن من الصعب جداً، هذا إن لم نقل من المستحيل، الوصول إلى منهج كهذا.

تنظيرك لوحدوية القومية العربية مقنع إلى حد كبير، أو هكذا يتراءى لكل قارئ متواطئ معك ومشبع بالمثل التي هي مثلك. لكن ما يظهر لي كحلقة ضعيفة أو قل عنيفة في تفكيرك هي في اعتقادك إن غاية الوحدة تبرر كل الوسائل. وحتى لا أقوّلك ما لم تقله أذكر بفقرة من كتابك النظرية الاقتصادية والطريق إلى الوحدة العربية ص522:

((كل ما قد يعتبر جريمة في الحياة العادية، في الحياة الإقليمية، يكون شرعياً إن هو خدم الوحدة. ليس هناك من وسائل أخرى. الأنظمة الإقليمية قد تستطيع حماية نفسها أمام الأعمال القانونية، ولكنها يجب إن ترتعد خوفاً وترجف رعباً أمام تمرد الوحدويين الرهيب الذي يعرف كيف يدق رؤوس الإقليمين ويمارس حريته باستخدام العنف والفكر معاً. كل من ينضوي تحت لواء هذا التمرد الوحدوي الرهيب، فيعطي فكره وحياته لقصد الوحدة، يبلغ قمة أخلاقية عليا تبرر استخدام أية وسيلة في تحقيق هذا القصد النبيل. سرطان الإقليمية أصبح متفشيا، وهو يتطلب قسوة مبضع الجراحين)). ماذا إذن عن وحدة تفرض بحد السيف وتدوس الحقوق في الخصوصية والاختلاف؟

ن.ب: هذه الفقرة تعني أساساً، في السياق الذي وردت فيه، إن القصد الوحدوي يحتاج، كي يكون فعلاً، بأن يتحول إلى القياس الأعلى الذي يقيس كل أعمالنا فيقبل منها ما يخدم هذا القصد، وينكر ما يتعارض معه. ثم أشرت إلى ارتباط هذا القياس بالنظرية الوحدوية العلمية الجامعة لتجارب التاريخ الوحدوية التي قدمتها في دراساتي الوحدوية المختلفة، لأن نظرية كهذه ضرورية له كي يمكن له إن يقود العمل الوحدوي إلى دولة –الوحدة. نظرية كهذه هي التي تضفي على هذا القياس عقلانيته وفاعليته.

في ضوء هذه النظرية الوحدوية الجامعة التي قدمت قواعدها الأساسية في كتاب من التجزئة.. إلى الوحدة وفي القسم الأول من كتاب النظرية الاقتصادية والطريق إلى الوحدة العربية، خلصت إلى القول إلى إن العمل الوحدوي السياسي الفعال يرتبط بظهور وضعية تتوفر فيها القوانين الأساسية كما حددتها، وأنه دون هذه الوضعية لا يمكن ممارسة عمل كهذا، وأن هذا العمل سيدور في حلقة مفرغة عاجزا عن تحقيق أية خطوة وحدوية صحيحة إلى إن تتوفر له هذه الوضعية. في كتاب ((المثقفون والثورة)) الذي صدر عن ((المجلس القومي للثقافة العربية)) دللت إن غياب هذه الوضعية حالياً يفرض علينا، فيما يفرضه، التركيز على العمل الوحدوي الفكري في أوساط المثقفين الوحدويين وذوي الاستعداد الوحدوي والاتجاه إلى تجمعهم في قوة فكرية ضاربة تتصدى للتجزئة وتعمل على تجميد الانزلاق في الإقليمية إلى إن تقوم تلك الوضعية. هذا يعني إن العنف الوحدوي الذي أشير إليه كضرورة تفرض ذاتها وتقترن بالعمل الوحدوي السياسي يرتبط بوضع معين هو توفر وضعية وحدوية يصبح فيها هذا العنف ضرورياً وفعالاً وشرعياً. هذا يعني، بكلمة أخرى، أنني لا أقول بهذا العنف في الأوضاع الحالية التي يسودها جزر وحدوي شديد، يكون دون فعالية وحدوية، هذا العنف ليس إذن عملاً اعتباطياً أو مستقلاً في ذاته، بل هو ثانوي يرتبط بدوره بوضع يقدم عليه، وهو لا يستطيع إن يكون خلاقاً في ذاته، بل يعتمد في ذلك على شيء آخر يعلو عليه ويبرره.

من ناحية أخرى، إن دولة –الوحدة تعني ثورة جذرية والثورة تعني، كما تكشف التجارب الثورية التاريخية، تبريراً لكل الوسائل التي تخدمها ومنها، بشكل خاص، العنف، لأن التناقضات التي تدور عليها الثورة هي تناقضات أساسية لا يمكن حلها، كما تدل هذه التجارب، عن طريق التسوية والمساومة والحوار العقلاني والأخلاقي. لهذا فإن ما يظهر ((كحلقة ضعيفة أو قل عنيفة))… ((غاية الوحدة تبرز كل الوسائل)) هو في الواقع ((حلقة)) طبيعية وقوية لأنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من العمل الثوري الجذري، أي عمل ثوري تكاملت جوانبه، وهي حلقة تزداد –كما نرى في الثورات التاريخية- شدةً واتساعاً مع ازدياد جذرية هذا العمل وتكامله الإيديولوجي، مع ازدياد التناقضات والتحديات التي يواجهها ويعمل على التغلب عليها. هذه الحلقة تشير إذن إلى قانون ثوري موضوعي كان يرافق جميع التجارب الثورية، جميع التحولات الإيديولوجية الكبرى، إنه قانون يفرض نفسه في شكل ما شئنا أم أبينا، ومهما نفرت أنفسنا أو مثلنا الأخلاقية والإنسانية منه، إن نحن أردنا عملاً وحدوياً فعالاً، أي عمل ثوري فعال، يجب علينا إن ندفع الثمن، وهذا الثمن يفرض، فيما يفرضه، ممارسة العنف الفعال ضد القوى والاتجاهات التي تقاومه. (وهذا يعني أنني أمجد العنف أو أوفر له شرعية أخلاقية، بل أنني أدرسه وأحلله كظاهرة ثورية تقترن بالعمل الثوري، وتتميز بشرعية نسبية، ولكنني، من ناحية أخرى، لا أقف عند هذه الواقعية بل أتجاوزها إلى القول بأن إدراكها بعمق، أدرك أبعادها وأسبابها وأوضاعها، هو الذي يمكن إن يوفر لنا القدرة على الحد منها وتطويقها إلى درجة ما.)

الثورات الجذرية كانت تعني دائماً غائية ثورية تجد إن القيم الأخلاقية المجردة تكون، في أحسن الحالات، دون أهمية، وفي أسوأها، مضرة بالضبط لأنها يمكن إن تكون فعّالة فتعثر عمل الثورة في تحقيق مقاصدها، هذه الغائية الثورية كانت تزدري كل أخلاقية، كل مذهب أخلاقي يحاول إن يحد ما يمكن صنعه أو يعين ما لا يجب صنعه من ناحية أخلاقية صرفة. في السعي وراء مقاصدها، الغائية الثورية كانت دائماً غائية مطلقة أو غير محدودة. الغاية التي تدعو إليها تبرر الواسطة والوسائل التي تلجأ إليها مذاهب أو تصورات أخلاقية صرفة تدين، مثلاً، الكذب، السرقة، المخادعة، الإرغام، القمع، العنف، تجريد الفرد من الحقوق الإنسانية، والقانونية، التضحية بالكرامة الشخصية، إلخ. وتشكيل دليل عمل يمكن إن يكون مضاداً للثورة لأنها تمنع الناس من عمل ما يسهم في وضع معين، بتحقيق المقاصد الثورية أو تعجيلها هناك فقط، في ضوء هذه الغائية، كما تعبر عن ذاتها في تجاربها التاريخية، ضرورة أمريه واحدة وهي تحقيق القصد الثوري، إنها غائية لا تنفر من استخدام أية وسيلة متوفرة لها إن كانت تستطيع خدمة المقاصد الثورية التي تسعى وراءها.

المواقف والمذاهب والمفاهيم الأخلاقية التي تتنكر لهذه الغائية وتدعو إلى وسائل تنسجم مع المقاصد، تتجه عادةً إلى الفرد وتدعوه إلى إصلاح سلوكه وممارسة حياة فاضلة، لأنها ترى إن التحول الاجتماعي يحدث عندما يغير الأفراد سلوكهم وحياتهم. إنها أخلاقية تتجاهل، بكلمة أخرى، الوضع الاجتماعي التاريخي الذي تبرز فيه الغائية الثورية ولا ترى إن هذا الوضع يتميز بديالكتيك خاص يفرض أخلاقية جماعية، ويكرسها على الأقل إلى إن يقوم النظام الجديد وتستقر قواعده. إنها أخلاقية تصح في وضع استثنائي، وليس في وضع ثوري، وهي شاملة غير مقيدة تتجاهل النسبية الأخلاقية التي تقول إن القيم تتغير –ويجب إن تتغير- بتغير الأوضاع الاجتماعية التاريخية التي تعمل فيها أو تتجه إليها. الغائية الثورية تفترض أخلاقية تتناقض معها تماماً، تعمل على إحداث تحول اجتماعي إيديولوجي جذري يجعل من الممكن تغيير الفرد. لهذا لا يمكن لتلك الاعتبارات الأخلاقية إن تجد مكاناً لها فيها. فالأفراد لا يستطيعون تغيير البنى الاجتماعية –السياسية- الإيديولوجية دون إن يتركوا دنياهم الخاصة وينظموا جهودهم مع آخرين في شكل جماعي موحد. العمل المنفصل الغير منظم لا يحقق، مهما كان نقياً ونبيلاً القصد، أي تغير صحيح في تلك البنى.

ما تجدر ملاحظته في هذا الصدد هو إن الذين يرفضون هذه الغائية الثورية وما يترتب عليها من استخدام كل الوسائل الممكنة في خدمة القصد الثوري، يضطرون هنا وهناك إلى الاعتراف بضرورتها. هنا اقتصر فقط، في سبيل التمثيل العابر، على آخر ما قرأته، وكان لمفكرين من أكبر المفكرين الماركسيين اليوغسلافيين.

إن ستوجانوفيش يتنكر لهذه الغائية الثورية ويحاول دفعها وتنفيذها ولكنه يضطر بأن يعترف بأن نقده لها لا يعني بأنه يرفض كل عنف. ((فالعنف ضد العنف يجد، كما يقول، في بعض الأحيان، ((ما يبرره كشر أخف من الابتعاد عن العنف في وضع يتحمل الشر الذي يستخدم العنف)).وماركوفيش الذي ينكر أيضاً تلك الغائية الثورية يضطر هو الآخر إلى الاعتراف ((بأننا غالبا ما نجد إن الخيار الأخلاقي الجيد والوحيد للعمل هو استخدام القوة ضد الذين يستخدمونها ضد الضعيف والعاجز)). ولكن العنف الثوري هو بالضبط هذا النوع من العنف الذي يقاوم عنفا آخر يخدم شراً كبيراً، هو هذا النوع من العنف الذي لا يجد أي خيار أخلاقي سوى استخدام القوة ضد الذين يستخدمونها ضد الضعيف والعاجز.

ليس هناك بين المفكرين والفلاسفة من دافع عن الحرية الفردية أكثر من جون ستيوارت ميل، ولكن بما أنه انطلق من هذه الحرية كالحقيقة الأساسية، فإنه يقيس كل شيء بها.ولهذا يخلص إلى القول، مثلاًً بأن الحرب أحسن من الخضوع إلى الظلم، وأن الثورة تقتل جميع الذين يتجاوز دخلهم 500 ليرة استرلينية في العام يمكن إن تحسن الأمر كثيراً. إن ميل آمن، من ناحية أخرى، بأن التمسك عميقاً بفكرة ما يعني تركيز مشاعرنا عليها، ولهذا نراه يعلن بأننا عندما نرغب أو نهتم عميقاً بشيء، يجب إن نكره الذين يعبرون عن آراء معارضة. الغائية الثورية التي تستخدم كل الوسائل الممكنة تعبر بالضبط عن هذا الاهتمام، عن هذه الرغبة العميقة بشيء معين وهو تحقيق مقاصد معينة تؤمن بأنها ضرورية في تحرير المجتمع والإنسان.

وروسو، وهو نبي آخر للحرية، اعتبر إن الإرادة العامة تمثل المقياس الأخلاقي الأعلى، ((فالجسم السياسي))، كما يكتب أيضا يشكل كائنا أخلاقياً يملك الإرادة. وهذه الإرادة، التي تميل دائما إلى وقاية ومصلحة ((الكل))، وكذلك كل جزء فيه، وتكون مصدر القوانين، تشكل بالنسبة لجميع أفراد الدولة في علاقتهم معها ومع بعضهم البعض الآخر، مقياس ما هو عادل أو ظالم. هذه الإرادة العامة تلغي كل تجمع خاص، كل إرادة خاصة، وترغم الناس على الحرية.

هذا المفهوم قاد إلى اليعقوبية الفرنسية، إلى روبسبيير، وسان جوست، وهذا الواقع يعيد ذاته في كل ثورة، القسم الذي أشرت إليه في كتاب "الإيديولوجية الانقلابية" يكشف عن ذلك بشكل مستفيض ومفصل، ولهذا أقف هنا، لأن القارئ الذي يرغب في تحليل إضافي لهذه الظاهرة يستطيع الرجوع إليه.

الوضعية الوحدوية التي تقود إلى عمل وحدوي ثوري فعال تعني، ككل وضعية ثورية، تناقضات أساسية كثيرة متنافرة. ولكن عند حدوث تناقضات كهذه يصبح من الضروري الاتجاه إلى مبدأ أولي يتجاوزها ويعلو عليها إن نحن أردنا حلاً لهذه التناقضات، ولكن هذا يعني ضرورة الاعتقاد بأن هذا المبدأ يمثل الجواب أو الحل الحقيقي الوحيد لهذه التناقضات، وللمشاكل والقضايا والضغوط التي يواجهها الإنسان في مراحل كهذه. هذا يعني بدوره ديالكتيكاً موضوعياً يقود إلى استخدام كل الوسائل الممكنة ومنها العنف الذي يلغي الحريات أو يضيق عليها.

في مناسبات أخرى عديدة ذكرت إن المهمة الأساسية التي يجب علينا القيام بها كمثقفين وحدويين في المرحلة الحالية التي يسودها مد إقليمي ورجعي كبير هي الأعداد المتعدد الجوانب لظهور وضعية وحدوية جديدة، فلا نتركها تضيع علينا كما ضاعت سابقتها في المرحلة الناصرية، بل نفيد منها في الانتقال إلى دولة-الوحدة، أو في تحقيق قفزة كبيرة نحوها. هذا الإعداد يجب، فيما يجب عليه، إن يعد العمل الوحدوي لهذا القياس الذي أشرت إليه، القياس الذي يخضع كل شيء في خدمة هذه الدولة. دون هذه الدولة ليس لنا أي مستقبل، فإما هذه الدولة وإما البربرية. قياس كهذا يفرض ذاته لأنه يستطيع، إن نجح بتحقيق دولة-الوحدة، إن يحرر الأجيال العربية المقبلة من هذه البربرية.

بالرغم من توجهك الماركسي في مجمل أبحاثك ومؤلفاتك، قد يلاحظ عليك البعض أنك تقوم بما يشبه التنكرات لماركس، وذلك مثلاًً عندما تؤكد، حتى في مؤلفك النظرية الاقتصادية والطريق إلى الوحدة العربية، على إن العنصر الحاسم في جدلية الثورة ليس هو قوى الإنتاج، بل علاقات الإنتاج، أي الإيديولوجيا والعمل السياسي. فهل ترى أنه من اليسير معاكسة المادية التاريخية أو نسيان مواقف ماركس وإنجليز السلبية من الإيديولوجيا؟

ن.بـ : جوابي على النقاط التي وردت في هذا السؤال هي:

1) إنني لا أعتبر بأنني اتجه في وجهة ماركسية أو من موقع ماركسي في مجمل أبحاثي أو في بعضها أو في أي منها، وذلك لأن هذا القول يعني أو بالأحرى يجب إن يعني، في قناعتي على الأقل، تركيباً فكرياً معيناً، لا يمكن لفكر إن يكون ماركسياً دون الانطلاق منه والرجوع إليه. فالماركسية تجد معناها وقوتها وشرعيتها كتركيب ينسق وينظم في هوية خاصة مفاهيم معينة حول التاريخ، المجتمع، والنظام الرأسمالي: بنية تحتية وبنية فوقية، قوى وعلاقات الإنتاج، الصراع الطبقي، البروليتاريا ودورها التاريخي الخاص المميز لها، الوعي الطبقي، وتطورية تاريخية جامعة تنتقل عبر أطوار تاريخية مختلفة تنتهي في الطور الشيوعي الذي يمهد له طور اشتراكي يحدث في أعقاب طور رأسمالي تدمره قوانين موضوعية أو تناقضات تنتج عن حركته ذاتها، هذه التطورية التاريخية تعطي الماركسية طابعاً عاماً يميزها كتفسير لحركة التاريخ في ضوء جدلية خاصة بها تنقلها عبر هذه الأطوار. الماركسية تفترض، من ناحية أخرى، تلازماً في حركة وتغير هذه العناصر المختلفة، ترابطاً بين تطور قوى الإنتاج، تحول علاقات الإنتاج، اتساع الصراع الطبقي، تزايد حدة تناقضات معينة يكشف عنها النظام الرأسمالي، وتسارع سيره نحو الانهيار والثورة،إلخ..

2) استخدام أحد أو بعض هذه المفاهيم أو العناصر في أوضاع معينة أو في معالجة وتحليل مشكلة معينة لا يحول أي مفكر إلى مفكر ماركسي، ولا يعني اتجاهه في وجهة ماركسية، لأن الماركسية لا تعني فقط كل هذه المفاهيم، بل هذه المفاهيم وقد نسقت في تركيب خاص يشكل نظرة خاصة إلى التاريخ، إلى المجتمع، وإلى النظام الرأسمالي. جميع العناصر التي تتشكل منها النظرية الماركسية، كبيرة كانت أو صغيرة، رئيسية كانت أو ثانوية، تجد جذورها في مفكرين آخرين وسابقين كتبوا ما كتبوه قبل ماركس، ولكن هذا لا يجعل من هؤلاء ماركسيين. خط كهذا ينزع عن الماركسية خاصتها المميزة لها، ويزيل كل فاصل بينها وبين مدارس واتجاهات فكرية أخرى عديدة، بينها وبين عدد لا يحصى من المفكرين. في ضوء خط كهذا يمكن القول آنذاك بأن توما الأكويني أو توماس مور، مثلاًً، كان ماركسياً أو حتى مؤسساً للماركسية. الماركسية تنحسر بالتالي هويتها، فتصبح تجميعاً فكرياً كمياً للأفكار.

كل مفكر يستطيع الانطلاق من أحد هذه العناصر أو من بعضها في دراسة أو تحليل أي مجتمع أو نظام اجتماعي ولكن دون إن يكون ماركسياً أو متعاطفاً معها. إنه يستطيع ذلك حتى وإن كان معادياً لها. يجب إن نذكر إن الكثير من هذه العناصر، رئيسية أو ثانوية، التي تتشكل منها الماركسية كان موجوداً في إنتاج مفكرين محافظين. القول بأحد هذه العناصر أو بعضها لا يجعل بالتالي أي فكر فكراً ماركسياً، لأن الماركسية تعني قبل كل شيء علاقات محددة معينة بين هذه العناصر المختلفة، بين مختلف مستويات الكل الاجتماعي، فكي يمكن لمفكر إن ينتقل من هذا إلى الماركسية أو كي يكون تحليله الاجتماعي تحليلاً ماركسياً أو ذا وجهة ماركسية يجب إن يعمل في ضوء هذه العلاقات المتلازمة المترابطة وبالانطلاق منها.

2)-إنني لا أقول "إن العنصر الحاسم في جدلية الثورة ليس قوى الإنتاج، بل علاقات الإنتاج، أي الإيديولوجيا والعمل السياسي"، ما أقوله هو بكلمة مختصرة:

أ-أن العلاقة بين العامل السياسي أو الإيديولوجي والعامل الاقتصادي هي علاقة جدلية. الهدف من النقد(السياسي، الإيديولوجي، السوسيولوجي التاريخي، والشيوعي-الماركسي) الذي قدمته في كتاب " النظرية الاقتصادية والطريق إلى الوحدة العربية" كان يرمي بالضبط إلى التدليل على هذه العلاقة، وإلى نقد ماركسي بالمفهوم الاقتصادي أو المادية التاريخية في شكلها المبتدل التي تعيد كل شيء إلى العنصر الاقتصادي بصرف النظر عن المكان والزمان.

ب- إنه لا يصح التصميم وتقديم سببية اجتماعية مطلقة تتفرع سواءًاً من العامل السياسي، الإيديولوجي، الاقتصادي أو أي عامل آخر، هذا ما أشرت إليه بوضوح في مقدمة الكتاب حيث كتبت " إن منهج النقد التاريخي الذي نعتمده سيكشف أنه لا يمكن بأي شكل تبسيط التاريخ وتفسيره في ضوء إيديولوجية، وسياسية، واجتماعية، تقوم بأدوار أساسية قد تزيد-في كثير من الأحيان- على دور العنصر الاقتصادي".

ج-إن دور العامل الاقتصادي أو العامل السياسي يختلف من وضع اجتماعي أو تاريخي إلى آخر، وأن العامل الثاني يتقدم على العامل الأول في عمليات التوحيد السياسي فهذا العامل هو الذي يحدد ويتحكم أولاً وبشكل رئيسي أساسي في هذه العمليات.

د-أما من حيث القول بأن ما قلته حول دور العامل السياسي أو الإيديولوجي يعني "معاكسة المادية التاريخية" فإن الجواب على ذلك موجود في الكتاب نفسه، في فصل " التجربة الشيوعية كنقض للماركسية الاقتصادية التطورية"، وفصل "الماركسية كإرادية ثورية"، ولهذا ليس هناك ضرورة-أو أي مجال- للوقوف عند هذه النقطة. ولكن هنا تجدر الإشارة انه إن كان إعطاء العامل السياسي أو الإيديولوجي الأهمية النسبية في أوضاع معينة، فإن ذلك يعني معاكستها من قبل أهم مفكريها في القرن العشرين، من أمثال لوكاش، غرامشين كارل كورش، إلى الكثيرين من أهم المفكرين الماركسيين في أوروبا الشرقية وخصوصاًً يوغسلافيا وبولندا، إلى الكثير من أشكال الماركسية المحدثة أو الحديثة.

وأخيراًً، ليس آخراً، يجب إن أشير بأنني لا أرتبط، ولا أستطيع الارتباط، بأية إيديولوجية، بأية نظرية اجتماعية سياسية معينة، لأنني وحدوي انطلق من موقع وحدوي يقيس كل بمقياس وحدوي، وأرجع في تحديد هذا القياس واستخدامه إلى نظرية وحدوية جامعة قدمتها في دراساتي الوحدوية، هذه النظرية كشفت عن قوانين أساسية لا يمكن دونها تحقيق عملية توحيد سياسي ناجحة، وأهم القوانين (القانون الذي يكشف عن الطاقات الوحدوية في القوانين الأخرى ويحفزها) هو قانون ما أسميته بالإقليم-القاعدة، أي ضرورة توفر إقليم تتمحور عليه عملية التوحيد السياسي وترتبط به الحركة الوحدوية عبر المجتمع المجزأ المدعو إلى الاتحاد. مصر هي الإقليم العربي المرشح لهذا الدور، الساداتية أخرجت مصر من هذا الدور وتنكرت له، ولكن الساداتية تشكل انحرافاً تاريخياً، ولهذا أتوقع رجوع مصر إلى دورها كإقليم- قاعدة، الدور الذي مارسته مؤخراً في المرحلة الناصرية. إن الإيديولوجية أو النظرية التي أعلن عن ارتباطي بها هي الإيديولوجية التي يقول بها آنذاك الإقليم-القاعدة.

إنني بكلمة أخرى، على استعداد بأن ارتبط بأي موقف إيديولوجي، بأية إيديولوجية، بأية نظرية اجتماعية سياسية، بأية سياسية إن كان في ذلك ما يدفع إلى دولة-الوحدة أو يستطيع تحقيق قفزات سياسية نحوها. بما إن هذا الدفع السياسي الفعال الناجح لا يتحقق دون إقليم-قاعدة، فإن المواقف الإيديولوجية التي تقترن به تكون المواقف التي يجب الارتباط بها. بما انه يمكن، بأي شكل تحقيق أي مقصد من مقاصدنا المستقبلية، من تحرير فلسطين إلى التغلب على أبعاد وجانب التخلف المختلفة، دون دولة-الوحدة أو قفزة كبيرة جداً نحوها، فإنه يستحيل موضوعياً إن يكون أحدنا ثورياً دون إن يكون وحدوياً، ولكن كي يكون وحدوياً فعالاً يجب عليه الارتباط بطريق يمكن لها إن تقود إلى هذه الدولة. كل طريق لا تعتمد إقليماً- قاعدة تكون فاشلة، فلو كنت، مثلاًً، ماركسياً مؤمناً تماماً وكلياً بالماركسية،وبكل عنصر من عناصرها، بضرورتها، وصحتها العلمية الكاملة المتكاملة من ناحية نظرية صرفة، فإنني أتركها بسهولة، وشكل عفوي، إن كان الإقليم-القاعدة يمارس دوره الوحدوي بالانطلاق من إيديولوجية أو موقف إيديولوجي ثوري آخر. كل مقاومة للارتباط بالإقليم- القاعدة آنذاك تخرج صاحبها من التاريخ كما يصنع نفسه، من الاتجاه الثوري المرحلية الذي يفرض ويجب إن يفرض نفسه، كل مقاومة كهذه تعني إن صاحبها يلتقي، رغم نواياه ومقاصده الثورية، التي قد تكون نقية كل النقاء، مع الاحتلال الصهيوني- الأميركي الفلسطيني، ومع القوى الرجعية والمحافظة والانتهازية التي تقاوم مقاصدنا الوحدوية والثورية من الداخل والخارج.

إن مشكل الوحدة العربية ليس في قبول مبدئها، بل في صيغ تطبيقها تطبيقاً يراعي الحساسيات القطرية والاستقلالات المكتسبة، فكيف ترى مثلاًً حل صراع الزعامات والقيادات؟ وكيف الحيلولة دون ظهور ثنائية المراكز والضواحي أو الأطراف وثنائية سلطات التصور والقرار وجهات التلقي والاتباع، وغير ذلك من الثنائيات التي هي سرطان كل مشروع وحدوي؟

ن.ب: هذه المشاكل التي يشير إليها هذا السؤال تواجه الوحدة على صعيدين، في مجرد تحقيقها، وبعد قيامها وهي تكون خطرة جداً تهدد المشروع الوحدوي باستمرار في الوضع الأول، أي أثناء التحقيق. التغلب عليها يكون ممكناً فقط في قيام الوضعية الوحدوية التي أشرت إليها سابقاًً، إذ دون هذه الوضيعة لا يمكن المباشرة بعمل وحدوي سياسي فعال يستطيع تجاوز التجزئة نحو دولة-الوحدة، إنها تستطيع إن تجعل ذلك ممكناً لأنها تعني في نفس الوقت وضعية ثورية، أي وضعية تعني، فيما تعنيه، ظهور اتجاه موضوعي يدفع نحو الوحدة، وأن القوى والطبقات الثورية عبر الوطن العربي تنشغل أساسياً وكلياً آنذاك بالتناقض الأساسي بين التجزئة والوحدة، وأن الجماهير تدخل، وقد أصبحت ثورية أو كشفت عن استعداداتها الوحدوية الثورية، معركة الوحدة من بابها العريض، وبالارتباط بالأقاليم-القاعدة.

هذا يعني إن الحد الوحدوي الكبير الذي يقترن بوضعية كهذه يستطيع آنذاك إن يواجه بفاعلية هذه "الزعامات والقيادات" المحلية الغير وحدوية، وذلك بنفس الطريقة التي كانت تقترن بعمليات التوحيد السياسي الناجعة عبر التاريخ، أولاً، بقيادة الإقليم-القاعدة التي تستطيع إن تغمرها، وأن تقلص نفوذها وتخرجها سياسياًً من ساحة العمل الوحدوي، وذلك نتيجة استقطابها للحركة الوحدوية ولولاء الجماهير والمثقفين الوحدويين عبر الوطن العربي، وثانياً، بممارسة سياسة القمع والعنف، وهي سياسة كل تحول ثوري-ضد التي تحول بينهما مقاومة هذا المد الوحدوي. هنا نجد أحد التناقضات التي أشرت إليها سابقاًً والتي كان حلها يفرض هذه السياسة على التجارب الثورية عبر التاريخ.

قيام أية خطوة وحدوية ناجحة بين الإقليم-القاعدة وبين قطر عربي آخر يعني، ويجب إن يعني، سحق هذه " الزعامات والقيادات" هذه "الثنائيات" داخل الدولة الجديدة، فنجاح هذه الخطوة يفرض هذا "السحق"، وهو لا يستطيع إن يستقر نهائياً دونه، ولهذا يجب على الدولة الجديدة المباشرة به دون تردد رأساً عند قيامها. فهذه الدولة يجب إن تستخدم المد الوحدوي الكبير الذي دفع إليها في الإسراع بعملية هذا السحق كي تثبت وعدها ومؤسساتها الجديدة، وتؤمن لها الاستقرار. هنا أود الإشارة بأن عدم القيام بذلك كان في طليعة الأسباب التي أدت إلى كارثة 1961 أي الانفصال الذي لم يقتل فقط أول تجربة وحدوية ناجحة لنا في العصر الحديث، بل قتل أيضاً طريق امتدادها المفتوحة آنذاك إلى أقطار أخرى. لو إن قيادة الدولة الجديدة سحقت عند قيامها- إعداماً ونفياً وسجناً- أربعة أو خمسة آلاف رجل يمثلون هذه " الزعامات والقيادات"، وأعلنت في نفس الوقت القرارات الاشتراكية ومارست سياسة تشل وتجمد وتجرد الطبقات الإقطاعية والبورجوازية الكبيرة من امتيازاتها، وتقمع كل نشاط لها قمعاً فعالاً، لما حدث الانفصال. إنني أذكر هذا ليس كمثل، بل كي نتعلم من أخطائنا فلا نكرر نفس الأخطاء عندما تتحقق لنا خطوة وحدوية جديدة مماثلة.

هنا أود إن أشير إلى ما ذكرته في مناسبات سابقة وهو إن رجوع مصر إلى دورها كإقليم-قاعدة لا يعني فقط أنها تمارس هذا الدور عملياً، بل إن عليها إن تمارسه بنجاح، بما إن دولة-الوحدة تعني السير إليه خطوة خطوة، أي عن طريق اتحاد الأقطار الأخرى، قطراً بعد آخر، في دولة جديدة مع الإقليم- القاعدة، فإن الخطوة الأولى تكون الخطوة الأكثر أهمية، الخطوة التي يجب إن تنجح وأن تفرض نفسها كي يستمر المد الوحدوي ويزداد فاعلية مع الوقت.

العدو الأمريكي-الصهيوني سيعمل بشراسة أولاً على منع مصر من الرجوع إلى دورها كإقليم-قاعدة والتحرر من الساداتية- وهذا ما نجح به حتى الآن، وهو إن فشل في ذلك فإنه سيعمل بشراسة أكبر على ضرب خطوة كهذه عند قيامها، وذلك بالتعاون مع تلك " الزعامات والقيادات" والاعتماد على تلك "الثنائيات" التي يشير إليها السؤال. هذا ما صنعه في سوريا، وهذا ما يحاول مرة أخرى صنعه ضد أية خطوة وحدوية مماثلة، لهذا يجب تحقيق هذه الخطوة الأولى في أحسن الأوضاع التي يمكن إن نوفرها لها.

هذا يعني إن هذه الخطوة الأولى يجب إن لا تتم مع سوريا، أولاً، لأن التجاور الجغرافي مفقود، وهو تجاور كان ضرورياً في تجارب التاريخ الوحدوية الناجحة. ولهذا فإن هذه الخطوة يجب إن تتم مع قطر آخر مجاور لمصر، وثانياً، لأن هناك هذه الخطوة الأولى من داخلها. ثم إن تجاور سوريا مع لبنان الذي يضم عملاء كثيرين وجماعات عديدة لهذا العدو، فيسهل جداً على هذا الأخير التسرب إلى هذه الخطوة وضربها بالانطلاق من لبنان. أما السودان فيتحقق فيه التجاور الجغرافي ولكنه بلد يعج بالتناقضات القبائلية والدينية والاجتماعية التي تسهل جداً على العدو استخدامها في ضرب هذه الخطوة الأولى إن حدثت معه، فهو يستطيع، مثلاًً، بسهولة كبيرة خلق ثورات-مضادة تجر الإقليم- القاعدة إلى استنزاف إمكاناته أو تجميد دوره فيه، ثم إن الفقر الذي يسود السودان يساعده كثيراً في ذلك.

هذا يعني إن ليبيا هي القطر العربي الأول الذي يجب إن تتم معه الخطوة الأولى، إن نحن أردنا تحقيق هذه الخطوة في أحسن الأوضاع الممكنة، وذلك لأنها تتجاور جغرافياً مع الإقليم- القاعدة ولا تعرف التناقضات التي أشرنا إليها. علاوة على ذلك، إنها لا تضيف إلى أعباء الإقليم- القاعدة المالية، وهي أعباء تفرض نفسها إن كانت هذه الخطوة الأولى مع سوريا، وخصوصاًً مع السودان، على العكس إنها تستطيع التخفيف منها والمساعدة على القيام بها. لهذا دعوت ابتداءاً من كتاب من التجزئة .. إلى الوحدة إلى ما أسميته"بالقاعدة-الحركية"، أي إلى وحدة مصر وليبيا في دولة تقوم بدور الإقليم-القاعدة. قاعدة كهذه قد رافقت بعض تجارب التاريخ الوحدوية الناجحة.

ما أشرنا إليه يعني إن قيام خطوة وحدوية ناجحة مع الإقليم-القاعدة، أو بالأحرى إن كل قفزة ناجحة توسع نطاق دولة-الوحدة الجديدة، تستطيع حل تلك الثنائيات، أولاً، عن طريق السياسة القمعية التي أشرنا إليها، وثانياً عن طريق عملية تثقيف يومية جامعة تستطيع مع الوقت تحرير الدولة-الجديدة من تلك السياسة ومن الترسبات النفسية والعقلية التي تترتب عليها. هنا أود الإشارة، من ناحية أخرى، إن دولة-الوحدة لا تستطيع إن تكون عند تحققها، ويجب إن لا تكون، وحدة اندماجية، وذلك لأسباب عديدة، منها بشكل خاص كاتسّاع رقعة الوطن العربي، وهذا يعني أنها ستكون دولة اتحادية مما يعني أنها تترك للأقطار العربية درجة من الاستقلال المحلي في الكثير من القضايا التي يمكن إن تبقى محلية.

وأخيراًً يجب إن أشير بأن أداة التوحيد السياسي لا تحتاج إن تكون حالياً القوة العسكرية التي يستخدمها الإقليم- القاعدة كما كان يحدث سابقاًً في تجارب التاريخ الوحدوية الناجحة. فالمناخ الدولي أصبح ينفر منها ويعترض عليها لأنها تقترن "بالحرب"، فالثورة أصبحت الآن أداة التوحيد، مما يعني إن القوى الوحدوية تعمل على إسقاط الدولة القطرية أو الإقليمية في القطر الذي تعمل فيه، وعند نجاحها تسرع بضم هذا القطر مع الإقليم-القاعدة في دولة جديدة تقوم بدور الإقليم- القاعدة. قوة الإقليم-القاعدة العسكرية تتدخل –إن كان من حاجة إلى ذلك- بعد انتصار الثورة التي تستطيع عندئذ إن تطلب هذا التدخل إن دعت الضرورة إليه.

ملاحظة أخيرة حول المشاكل التي يطرحها هذا السؤال، إنها من النوع الذي لا يمكن معالجته على حدة وبإجابة محدودة كهذه، خارج استراتيجيا وحدوية جامعة ترتبط بنظرية علمية جامعة، لأنها ترتبط بمشاكل وتناقضات وجوانب أخرى عديدة جداً يفترض بهذه الاستراتيجيا إن تواجهها ككل، ولهذا فإن الملاحظات السابقة تدل فقط على خط عام أساسي لهذه الاستراتيجيا.

الوضع العربي لهذا العهد، إما أنه وضع ثوري، وبالتالي يكون من اللائق، استحياء اللينينية على صعيد التحليل والرؤيا، وإما أنه غير ثوري، أي أنه قائم على فتور التناقضات وفجاجتها وعلى منطق الانسدادات والتنازلات، وبالتالي كل "إيديولوجية انقلابية" إنما تظهر كصرخة في الصحراء، أو كبلانكية تخفي اسمها. ماذا عن ذلك الوضع من حيث حاضره ومستقبله المنظور، وكيف، تبعد فكرك عن مناطق النزاعات الانقلابية العدمية؟

ن.ب: الوضع العربي الذي يشير إليه هذا السؤال هو حالياً وضع غير ثوري، ولكنه في نفس الوقت وضع يزخر، في قناعتي، بالإمكانات الثورية. هذه الإمكانات تحتاج، كي تتحول إلى وضع ثوري، إلى الوضعية الوحدوية التي أشرت إليها سابقاًً. الدليل الواضح على ذلك هو المد الرجعي والإقليمي الذي يجتاح الوطن العربي، وتقلص-هذا إن لم نقل سقوط- المقاومة العربية للعدو الصهيوني-الأمريكي، ليس من حيث وجودها0 في سوريا وليبيا، مثلاًً) بل من حيث فاعليتها. مقارنة ذلك بالمرحلة الناصرية التي كانت تعمل بالانطلاق من وضعية كهذه يبرز ما أقوله بوضوح.

لهذا كانت إشارة السؤال إلى وضع غير ثوري " قائم على فتور التناقضات …" " إشارة صحيحة، ولكن دون قيام هذه الوضعية الوحدوية لا يمكن تصحيح الوضع واتخاذ المبادرة من القوى الرجعية والتصدي بفاعلية للعدو الصهيوني-الأمريكي، إنني على قناعة بأن رجوع مصر إلى دورها كإقليم-قاعدة، خصوصاًً تحقيق وحدتها مع ليبيا وقيام "القاعدة-الحركية" سيغير جذرياًً وتماماً الوضع القائم، ويفرز مداً وحدوياً جديداً يفجر تلك الإمكانات والتناقضات الثورية في مد ثوري يجعل الأنظمة القطرية تتساقط كأوراق الشجر في الخريف. تغيير الوضع القائم من وضع غير ثوري إلى وضع ثوري يجب إن يكون وحدوياً، وإما إن لا يكون. المعركة الوحدوية هي المعركة التي تستطيع وحدها إن تقلب هذا الوضع رأساً على عقب، ودون هذا المد تبقى، فعلاً، كل "إيديولوجيا انقلابية كصرخة في الصحراء أو كبلانكية تخفي اسمها".

هنا أود الإشارة بأن "استيحاء اللينينية" الذي يشير إليه السؤال يمكن إن يكون صحيحاً وبالتالي فعالاً إن أدرك ذلك. فعلى الماركسيين عبر الوطن العربي إن يدركوا إن هذا "الاستيحاء" يجب إن ينطلق من موقع وحدوي، وأن المشاكل والقضايا والتحديات التي تواجهنا لايمكن إن تجد حلاً، أي حل جدي، إن لم تكن في إطار دولة-الوحدة أو على الأقل قفزة كبيرة نحوها، إنها تستحيل في الإطار القطري، وإن هذه الدولة هي الوعاء المادي لها. معظم الماركسيين- وهذا أقل ما يقال-كانوا ولا يزالون يتكلمون وكأن من الممكن تحقيق ذلك دون هذا الموقع، دون هذه الدولة، حتى عندما يقولون بضرورة الوحدة، إنني على سبيل التمثيل العابر أشير إلى آخر ما قرأته حول ذلك، وكان الأسبوع الماضي، وهو مقابلة أجرتها "الشراع" البيروتية مع د. رفعت السيد الماركسي، أمين اللجنة المركزية في حزب التجمع الوحدوي في مصر. فبعد إن يقرر بأن طابع الحزب طابع ماركسي يقول: " نحن حزب وحدوي بمعنى الإيمان بوحدة مصير الشعوب العربية ووحدة موقفها من أعدائها ضد ثالوث الأعداء: الاستعمار الأمريكي، الصهيونية، الرجعية العربية، ونحن إن كنا نعتقد إن الأساس هو وحدة وتآخي الشعوب العربية في معركتها، فإننا لا نرفض أي شكل من أشكال الوحدة العربية بشرط إن تتم على أساس ديمقراطية سليمة وباتجاه صحيح. لكن نعتقد إن وحدة عربية شاملة حقيقية ستكون ممكنة فقط، عندما تستطيع الشعوب العربية إن تهزم ثالوث الأعداء".

منطق كهذا هو منطق إقليمي يمثل الإقليمية الجديدة التي وصفت مقوماتها في كتاب حدود الإقليمية الجديدة والتي تشكل خطراً أكبر من الإقليمية السابقة السافرة الوجه، إنه منطق يشكل خطراً ليس فقط على العمل الوحدوي، ويتنكر موضوعياً لدولة-الوحدة، بل أيضاً على الماركسية-اللينينية نفسها التي لايمكن إن تكون فعالة وقادرة على إن تعمل مع التاريخ كما يمكن إن يصنع نفسه في الوطن العربي دون الانطلاق من موقع وحدوي والرجوع إلى هذا الموقع كقاعدة للعمل الثوري. فمواجهة "ثالوث الأعداء"-الذي يتكلم عنه- بأية قدرة تكفل الانتصار عليه ليست ممكنة دون دولة-الوحدة أو قفزة كبيرة نحوها. إن كان يمكن "للشعوب" العربية(أنا كوحدوي، أقول الشعب العربي) إن تهزم هذا الثالوث دون هذه الدولة، لماذا إذن نحتاج إلى الوحدة؟.. إن كان بالإمكان تحقيق الثورة الاجتماعية الجذرية، اشتراكية صحيحة، أو ديمقراطية سليمة في إطار قطري، فلماذا إذن نحتاج إلى هذه الدولة؟.. هذا منطق يلغي دول-الوحدة لأنه يلغي ضرورتها. نحن الوحدويين نقول بأن دولة-الوحدة أو قفزة كبيرة نحوها تشكل الشرط الأساسي في تحقيق هذه المقاصد.

لقد عرف تاريخ الثورة الفرنسية لحظة روبسيبر اليعقوبي الذي سعى إلى تحويل الثورة إلى فضيلة عليا مطلقة، فلم يسعه لتحقيق ذلك إلا إن يسن سياسة الاستبداد والإرهاب. والحال إن تلك الفضيلة كانت، كما سجل هيجل، تمارس قوتها دون إن تستعمل الأشكال القانونية. و" أما العقاب الذي تفرضه فهو كذلك بسيط: الموت" فعلى ضوء هذه السابقة من بين سوابق أخرى عديدة، كيف، لك، إن توفق بين التنظير للإيديولوجيا الانقلابية كفضيلة مطلقة وبين العمل على الحيلولة دون سقوطها في العسف والإرهاب؟

ن.ب: لقد أجبت تقريباً على هذا السؤال في إجابتي على السؤال الثالث حيث أشرت إلى ديالكتيك العنف الذي تفرضه الثورة، وكيف إن درجة هذا العنف تزداد بازدياد حدة التناقضات والتحديات والضغوط التي تواجهها، بازدياد درجة التكامل الإيديولوجي الانقلابي الذي يعبر عنها. لهذا فإن لحظة "روبسيبر اليعقوبي" هي لحظة طبيعية في جميع الثورات الكبرى المتكاملة إيديولوجياً.

هذا يعني أنني لا أحتاج بأن أوفق بين "التنظير للإيديولوجية الإنقلابية كفضيلة مطلقة وبين العمل على الحيلولة دون سقوطها في العسف والإرهاب.."، وذلك لأن السؤال يعني شيئاً لم أقله، وهو تحديد فضيلة الإيديولوجية الانقلابية المطلقة كشيء مجرد، أو يمكن فصله عن العسف والإرهاب. ما صنعته هو مقارنة تحليلية للإيديولوجيات الميتافيزيقية والعلمانية، كشفت فيها عن قانون يعيد ذاته فيها، وهو إن هذه الإيديولوجيات كذلك تجد، من زوايا خاصة بها، إن ما تقول به وتدعو إليه يمثل الفضيلة المطلقة، لأنه يمثل الحقيقة المطلقة أو الوحيدة التي تعلو غيرها، ولأن التفسير أو الحل الذي تدعو إليه يكون بالتالي التفسير أو الحل الوحيد لخلاص الإنسان. هذا كان يعني، بالنسبة لها، أنها تملك القياس الصحيح الأعلى للتمييز بين الفضيلة والرذيلة، بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، هذا كان يعني إن مقاومتها تمثل الشر، والشر المطلق، الذي يجب استئصال جذوره، هذا كان يقود في دوره إلى ممارسة العنف "المطلق" الذي كان يقترن بها.

لقد ذكرت إن الإيديولوجيا الانقلابية تكشف في بدايتها، في لحظة تمردها التاريخية وفي مرحلتها الديناميكية عن طاقات الإنسان تماماً وتدفع به إلى تجاوز ذاته، وإلى مستويات عليا من الخلق والإبداع، ومن الالتزام الأخلاقي بقيم معينة، ولكن هذا لم يكن طبعاً تحديداً يستنزف إمكاناتها أو يتجاهل الجوانب السلبية الأخرى، كالعنف الجماعي الذي يترتب عليها. ولكن ذكرت من ناحية أخرى، إن من الضروري العمل على الحد من درجة هذا العنف، وأن أحسن طريقة في ذلك هي إدراك طبيعته، الديالكتيك الموضوعي الذي يقود إليه، لأن هذا الإدراك يستطيع إن يساعد في تطويعه أو تطويقه بقدر ما على الأقل. المسألة الأساسية التي يجب إن لا تغيب عن ذهننا هي إن هذا العنف لم يكن عنفاً اعتباطياً ، لم يكن نتيجة انحرافات شخصية أو قيادات مرضية. بل كان أساسياً نتيجة ضرورات موضوعية لا يمكن للثورة، للإيديولوجية الانقلابية إن تتجنبها إن أرادت أن تكون ما هي عليه. ثورة وإيديولوجية انقلابية.

روبسبيير اليعقوبي استقال من عمله كقاضي لأنه رأى أنه لا يستطيع إصدار أحكام قاسية جداً وخصوصاً الحكم بالإعدام، إنه مع قادة اليعقوبية الآخرين، أو بالأحرى معظمهم، الذين كانوا في حياتهم السابقة للثورة قدوة في المشاعر الإنسانية الطيبة. حياة القادة الذين كانت قيادتهم تقترن بهذا العنف "المطلق" لا تكشف عن أية استعدادت لهذا النوع من العنف، الوضعية الثورية التي كانوا يعملون فيها، يعبرون عنها وعن الديالكتيك الذي تنطوي عليه، هي التي كانت تدعو وتدفع أساسياً إلى هذا العنف. ما ينطبق على اليعقوبية ينطبق، مثلاًً، على الستالينية التي كانت مؤخرا هدف هذا النقد المجرد.

الستالينية لا تعود إلى "انحرافات" ذاتية في شخصية ستالين، قد يكون من الممكن إعادة قدر ما من العنف الجماعي الذي اقترن بها إلى ذلك، ولكن لا يمكن بأي شكل علمي تفسيره بهذه "الانحرافات". فالستالينية تجدْ تفسيرها الأساسي في المرحلة الانتقالية الجذرية التي كانت تعبر عنها وتريد معالجتها والانتقال منها بسرعة إلى إقامة النظام الجديد وترسيخ قواعده.من الغريب حقا، مثلاً، إن نجد بأن التفسير الماركسي المهيمن للظاهرة الستالينية كان يعيدها، ابتداءاً من خروتشوف، إلى شخصية ستالين وانحرافاتها. ليس هناك من شيء أبعد عن الماركسية وعلميتها من هذا التفسير.

ولكن إن كان السؤال يعني تساؤلاً حول ما يمكن صنعه في الحيلولة دون سقوط الإيديولوجية الانقلابية كفضيلة مطلقة في العسف والإرهاب، فليس لدي من جواب سوى ما أشرت إليه من إدراك لديالكتيك المرحلة الانتقالية أو الوضعية الثورية الذي يدفع إلى ذلك، وهو طبعاً لا يشكل حلا للمشكلة، ثم القول إننا نواجه هنا أيضاً أحد تناقضات الوضع الإنساني والتاريخي الأساسية التي لا يمكن إن نجد حلا نهائياً لها، وهو التناقض بين الفضيلة المطلقة التي تدعو إليها الإيديولوجية الانقلابية وبين عنف جماعي تكون مضطرة إلى ممارسته في تحقيق هذه الفضيلة، أي إن نجد حلاً لوسيلة تتناقض مع دعوة صادقة إلى خلاص الإنسان وتحريره.

· "أنا انقلابي، فإذن أنا موجود" مقولتك الإيديولوجية هذه التي رفعتها إلى صفاء المعادلة أو العقيدة الفلسفية، ويتمحور حولها فكرك وينبني، هذه المقولة، كيف للمثقف العربي اليوم، سواءً انتمى إلى حزبي البعث أو إلى أي حزب آخر، إن يجهر بها ويرددها من دون إن يستعدي عليه سلطات كثيرة يتصدرها الدين والسياسة. ألا تضاهي خطورتها خطورة القول بقدم القرآن تحت خلافة المأمون أو القول بخلق القرآن في عهد المتوكل؟

· ن. ب: قبل كل شيء يجب إن أقول بأنني لم أطرح هذه المقولة بشكل مجرد، بل ربطت بينها وبين الأوضاع الاجتماعية التاريخية التي تعمل فيها، والتي تحدد بالتالي أشكالها، دورها وقدرتها على تحديد الذات والواقع. هذا يعني، من ناحية أخرى، إن فاعلية هذه المقولة أو الأشكال التي تتخذها ترتبط بحركة الواقع الاجتماعي التاريخي، والإمكانات والاتجاهات التي يمكن إن تفرزها في اتجاه هذا الواقع إلى تجاوز ذاته، وأن أكثر هذه الأشكال تكاملاً –أي عندما تعبر عن ذاتها في إيديولوجية انقلابية متكاملة الأبعاد- تظهر في مراحل انتقالية جذرية من وجود تقليدي سابق إلى وجود جديد ينفيه. هذا يعني بدوره أنها تجد نفسها تعمل مع التاريخ، وأن التاريخ يقف إلى جانبها، وهذا لا يضفي عليها فقط الشرعية التاريخية بل الفاعلية التي تستطيع بها التغلب، عاجلاً أو آجلاً، على التحديات التي تعترضها، ومنها التي يشير إليها السؤال.

المرحلة الانتقالية التي نمر بها والتي تزداد اتساعاً وعمقاً مع الوقت –رغم الجزر الثوري الذي نعانيه حالياً- يقلص تدريجياً من امتداد وقوة هذه التحديات. من ناحية أخرى، يجب إن لا ننسى إن هذه المقولة تحتاج ليس فقط إلى مرحلة انتقالية، وإلى العمل مع التاريخ كي يمكن لها إن تكون فعالة، بل تحتاج أيضا إلى طليعة صلبة تكرس جهودها ونفسها لها، وتقود عملها في الواقع. ولهذا فهي تحتاج إلى هذه التحديات، والتحديات الكبيرة، كي تدل على وجودها، تمتحن هذا الوجود، وتفرز عن طريق الصراع هذه الطليعة التي تحتاج إليها، لهذا فإن المثقف العربي مدعو إلى هذا النوع من التمرد، إلى هذا النوع من الالتزام، مهما كان الثمن.

عند مناقشة موضوع كهذا يجب إن لا ننسى أيضا إن ظهور إيديولوجية انقلابية متكاملة الأبعاد، تعبر عن الشكل أو النموذج العام الذي وصفته وحللت عناصره في كتاب الإيديولوجية الانقلابية، يشكل ظاهرة قليلة الحدوث. فالتاريخ شحيح جداً، كما يبدو، في إفراز العناصر المعقدة والعديدة التي يجب إن تتوفر لظهورها. إننا نجد في العصر الحديث كله ثلاث تجارب فقط تمثل هذا النوع من الإيديولوجية المتكاملة الأبعاد، الثورة الفرنسية والعقلانية الفلسفية التي تقف من ورائها، الثورات الشيوعية والماركسية كمرجع لها، الثورات الليبرالية والفلسفة الليبرالية التي تقترن بها. ممكن إضافة النازية كمثل آخر، ولكن الهزيمة كانت مقدوره عليها لأن الإيديولوجية التي قدمتها كانت –رغم الجذرية التي تميزها من حيث رفضها للتراث الغربي الفلسفي والثوري، عقلانية عصر التنوير، مثلاً، والمذاهب الثورية المتعددة التي ترتبط بها من ليبرالية، وماركسية، الخ.- تتناقض مع حركة التاريخ. إن أكثر التجارب الثورية كانت تجد صياغة إيديولوجية لها في تصورات إيديولوجية ثورية، أي مفاهيم أو مواقف إيديولوجية جزئية قد تدعو إلى تغير جذري ولكن دون فلسفة حياة جديدة متكاملة الأبعاد.

هذه المقولة الجذرية التي أخلص إليها في تحديد الإنسان لا تعني، من ناحية أخرى، إن على الإنسان إن يكون انقلابياً في الشكل الذي حددته في كتاب الإيديولوجية الانقلابية وإما إن لا يكون. ما تعنيه هو فقط إن قمة إنسانية الإنسان تبلغ ذروة ممارستها لذاتها في هذا الشكل، وأن هناك بالتالي مستويات عديدة من التمرد التي تعبر عن هذه الحقيقة الإنسانية فيه.

وأخيراً وليس آخرا، إنني كوحدوي عربي أرى، كما أشرت سابقاً، إن الإيديولوجية أو أي تصور أيديولوجي نقول به يحتاج كي يكون ثوريا بأن يكون وحدويا، ومن ذلك يمكن إعادة صياغة تلك المقولة في ضوء هذا المنطلق الوحدوي والقول أنا وحدوي، فإذن أنا "انقلابي" أنا انقلابي فإذن أنا موجود. هذا يعني إن الذين يثورون ويتمردون باسم هذا الالتزام الوحدوي يجدون صدى إيجابياًًً قويا بين الجماهير والمثقفين يدعم تمردهم، يعززه ويرعاه ويضفي عليه قوة فعالة في الواقع. مما يعني إن من الممكن اتخاذ المبادرة من يد هذه السلطات السياسية والدينية التي تحافظ على الأنظمة القطرية وتتنكر لدولة الوحدة. في أي حل، المثقف الوحدوي مدعو، حتى وإن كان الوضع غير ملائم أبدا، بأن يتمرد تماما على الأنظمة القطرية، وأن يعمل فكريا أو سياسياً على سحق جميع السلطات التي ترعى أنظمتها، من أي نوع كانت. المثقف الوحدوي يجب إن يدخل هذه المعركة بكل ما أمكنه من إمكانات فكرية، بكل ما يملك من طاقات، ومهما كان الثمن، وبأي شكل جاء هذا الثمن.

· ترى إن العرب طوال تاريخهم إلى اليوم لم يعرفوا إلا انقلاباً متكاملا واحداً، هو الإسلام. وألاحظ على هذا القول، أولا، إن الانقلابية الإسلامية لم تنطبع بالإطلاقية ولا بالجذرية الشاملة، وذلك لكون الإسلام نجح بالذات وتوفق في مسعاه، وقد توفق لأنه أحسن إدارة التغيير، بالهدم تارة وبالإصلاح المستصحب لبعض الطقوس والعادات السابقة عليه طوراً. ثانياً، وقد يكون هذا مفارقة عجيبة، على افتراض إن قولك حق ألا ترى أنك تلتقي فيه مع ألد خصومك في الصراع الأيديولوجي، وأقصد بهم السلفيين؟

· ن. ب: قولي بأن العرب طوال تاريخهم إلى اليوم لم يعرفوا إلا انقلاباً متكاملاً واحداً هو الإسلام قول يجب إن يفصل عن الفلسفة الاجتماعية التي قدمتها أو بالأحرى التي بدأت بتقديمها في كتاب الأيديولوجية الانقلابية، والتي حددت بها التاريخ كدورات أيديولوجية، أي دورات تنتقل فيها الأيديولوجية من طور ديناميكي ثوري إلى طور ستاتيكي تخسر فيه قدرتها السابقة في الطور الأول على تحريك التاريخ، صنعه وسيادته، أما كيف يحدث هذا، وما هي القوى والتحولات والتناقضات، الخ. التي تقود إلى هذه النتيجة فمسألة أعالجها بشكل جامع في الكتاب الثاني من السلسة التي أشرت إليها سابقاً، والتي بدأتها بالكتاب المذكور. إنه كتاب في حجم هذا الكتاب الأخير أحلل فيه السياق العام الذي يفسر تلك الدورات الأيديولوجية، ويحمل الأيديولوجية سواءًا كانت ميتافيزيقية أو علمانية من الولادة إلى "الزوال" أي من طور ديناميكي إلى طور سكوني، ومنه إلى طور سكوني، ومنه إلى طور نهائي تنهار وتخرج فيه من التاريخ. الطور الستاتيكي يعني إن الأيديولوجية تفرز فيه عقلية تتطلع إلى "الوراء" وتحدد سلوكها وعلاقتها مع التاريخ بما حدث وتحقق، أي عقلية عاجزة عن التطلع إلى "الأمام" وتحديد سلوكها بما يمكن إن يحدث أو يجب إن يحدث في ضوء التاريخ المتحرك، التاريخ الذي يصنع نفسه.

هنا أود الإشارة العابرة إلى جانب واحد من هذا السياق وهو إن الأيديولوجية تخلق في المؤمن نفسه النقيض الذي يقتلها، أي فرد ينزع عنها حيويتها، وديناميكيتها وثوريتها الأولى، فيجمدها ويشل طاقتها الخلاقة، وبالتالي يجعلها عاجزة ليس فقط عن سيادة التاريخ كما صنعت في طورها الأول، بل عن مجاراته. ليس هناك، مثلاً، من دين يتميز بالعقلانية التي ميزت الإسلام، وبما نجده فيه من توجيه للعقل في وجهة موضوعية، أو نحو الواقع الاجتماعي التاريخي الموضوعي، يحثه مباشرة أو غير مباشرة على الارتباط به، إدراكه والتفاعل معه، هذا يعني بدوره إن الإسلام هو، بين الأديان الأخرى، الدين الوحيد الذي يمكن بدوره إن يعد المؤمنين للانفتاح لعقلانية العلمية الحديثة التي تقف وراء منجزات العصر الحديث وتحيط بنا من كل جانب، لكن ما نجد هو إن لا فرق هنا بين هؤلاء وبين المؤمنين بأديان أخرى لأن نفسية "المؤمن" واحدة تتمركز على طقوس وشعائر جامدة بسيطة وعلى عقلية تقليدية (سلفية)، ومفاهيم رتيبة تتموقع وتتحجر فيها، وبالتالي تعجز عن مجاراة حركة التاريخ، وتمثل بذلك نقيضاً لروح الأيديولوجية التي تفرعت عنها. هذا تناقض لا يمكن في قناعتي حله أو تجاوزه.

إنني أعطي في الجامعة التي أدرس فيها "سمينار" في تاريخ الفكر الاجتماعي، يدور على أحد أعلامه الكبار. عندما أختار ابن خلدون أقول للطلاب في تقديمه لهم، لو إن ابن خلدون لم يكن مسلما لما كان على الأرجح ابن خلدون الذي نعرفه وأفسر لهم ذلك بالرجوع إلى القرآن أدلل فيه على الميزتين اللتين أشرت إليهما، ولكن رغم هذا التوجيه الذي نجده في القرآن، الذي "يخلق" مناخاً فكرياً يساعد على الانفتاح على الواقع الموضوعي والتفاعل معه في ضوء العقل العلمي الحدث، لا نجد هناك أي فرق بين "المؤمن" المسلم من ناحية عامة وبين المؤمن الهندوسي، المسيحي، البوذي، الكونفشي، الخ..

هنا تجب الإشارة بأن الفكر الذي يعالج علاقة الدين بالعصر الحديث، سواءً كان سلفياً أم لا، كان يتوقف عادة، منذ القرن التاسع عشر حتى الآن، عند ضرورة إحياء القيم الدينية ويدور أساسا حول ذلك في أشكال وصيغ مختلفة، عاجزاً عن طرح السؤال الصحيح والعمل على الإجابة عليه، وهو: هل يمكن إحياء هذه القيم، وبشكل يجعلها قادرة على التفاعل مع التاريخ الحديث، مجاراته أو توجيه حركته؟.. هل يمكن لفلسفة حياة دينية إن تجد مكاناً لها في هذا العصر وما يمثله من عقل علمي، مكاناً يعني قدرة على العمل معه والانطلاق منه، قدرة على تجديد المجتمع التقليدي الذي يفرضه التاريخ في إطار فلسفة كهذه؟

هذا الفكر نسبي، بكلمة أخرى، إن أحكام وتعاليم الدين هي ما هي عليه، إن ما يتغير هي علاقة المؤمن بها، وأن هذه العلاقة تتغير مع تغير الأوضاع الاجتماعية والمراحل التاريخية، ولهذا كان من الضروري الوقوف عند هذه العلاقة وديالكتيكها الخاص. هذا ما كان غربيا عن هذا الفكر الذي كان يتكلم عن إحياء القيم الدينية، وكأن هذه الأحكام دون أية بهذه الأوضاع والمراحل، أو إن تغير هذه الأخيرة جذرياً كما نجد في العصر الحديث لا يجعل من غير الممكن تصحيح علاقة المؤمن بأحكام وتعاليم الدين بشكل يعيد إلى هذه الأحكام والتعاليم القدرة الديناميكية التي مارستها في طور تاريخي سابق.







 
روابط ذات صلة
· زيادة حول نديم البيطار
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن نديم البيطار:
عبد الناصر والوحدة العربية - نديم البيطار


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

Re: الإيديولوجيا وقضايا الوحدة - نديم البيطار (التقييم: 1)
بواسطة mavo1 في 27-5-1433 هـ
(معلومات المستخدم | أرسل رسالة)
<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_7337.html" title="اسعارالذهب<اسعارالدهب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_7826.html" title=">تحميل فيلم بنات العم">تنزيل فيلم بنات العم<فيلم بنات العم</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_7826.html" title=حظك اليوم">حظك اليوم</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_14.html" title="شات للبنات فقط<شات مصري">شات مصريه<شات حب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/chnel-4.html" title="قناه الرحمه<قناه نسائم الرحمه">قناه الرحمه اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/mbc3-chmel3.html" title="قناه ام بي سى 3">قناه سبايس تون<قناهMBC3</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/chnel-2-3.html" title="قناه مودريم اسبورت اون لاين">قناه الاهلي اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسايل حب">رسايل حب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسائل رومانسية">رسائل رومانسية</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسائل عتاب">رسائل عتاب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسائل حب  2012"">رسائل حب  2012</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_08.html" title="نتيجه الشهاده الابتدائيه ">نتيجه الشهاده الابتدائيه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_08.html" title="نتيجه الشهاده الاعداديه">نتيجه الشهاده الاعدادايه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/2012-zoma2012.html" title="تحميل لعبه زوما">تحميل لعبه زوما</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_1418.html" title="لعبه سوبر ماريو القديه">تحميل لعبه سوبر ماريو القديمه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/zp.html" title="شحنzp">شحن زد بي</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/photo-shop-online.html" title="فوتو شوب اون لاين">فوتو شوب اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/blog-post_8360.html" title="شفرات لعبه المزرعه السعيده ">جميع شفرات لعبه المزرعه السعيده</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/blog-post_1631.html" title="برنامج تعريب قوالب بلوجر">برنامج تعريب قوالب بلوجر</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/blog-post_258.html" title="لعبه الطيارات القديمه">لعبه الطيارات القديمه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/chnel.html" title="قناه الجزيره الرياضيه">قناه الجزيره الرياضيه اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/search/label/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%88%D9%86%20%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%86%20%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%B4?&max-results=9" title="العاب فلاش اون لاين">العاب فلاش</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_18.html" title="شات مصر">شات مصر</a>">


[ الرد على هذا التعليق ]







إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية