Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 1
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 25
الأعضاء: 0
المجموع: 25

Who is Online
يوجد حاليا, 25 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة


[ ]


تم استعراض
51243143
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
ثورة 23 يوليو .. هل كانت ضرورة ؟
Contributed by زائر on 27-4-1429 هـ
Topic: ثورة يوليو


 ثورة 23 يوليو .. هل كانت ضرورة ؟


أثارت ثورة يوليو جدلاً واسعاً ما زال يتجدد، بل ويتعزز، رغم مرور أكثر من نصف قرن على انبلاجها في الثالث والعشرين من يوليو سنة 1952، وما تلا هذا التاريخ من أحداث هزت العالم وغيرت خريطته السياسية أكثر من مرة. فثورة يوليو، التي تعتبر الثورة العربية الأم في العصر الحديث، غيرت مجرى الحياة السياسية في مصر والمنطقة العربية، وأثرت بشكل ملحوظ في الحراك السياسي الدولي بشكل عام وفي التحولات السياسية على مستوى العالم الثالث بشكل خاص، مثلما تأثرت هي ذاتها بهذه الأحداث والتحولات، بغض النظر عما إذا كان دورها في كل ذلك سلبياً أو ايجابياً.

ولعل هذا ما يفسر تعدد الأعداء والمناصرين على السواء، وبالتالي اختلاف الرؤى والتصورات حول هذه الثورة ودورها ومنطلقاتها وما أحدثته من تغييرات، سلبية أو ايجابية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي. فهي ليست مجرد حدث من الماضي مر وانقضى، وإنما هي فعل تاريخي بامتياز له آثاره وتداعياته وانعكاساته التي ما زالت مؤثرة في الحاضر وفي ما ينبني أو يتأسس عليه من أحداث وتطورات مستقبلية.

وما بين المؤيدين والرافضين لثورة يوليو، يخيم الضباب على الرؤى الموضوعية لمسارها. ومع اعتلال الأوضاع العربية التي أدت لمزيد من الاحتلال للأرض العربية، بدت شعارات الثورة عن الاستقلال الوطني، والقومية العربية، والوحدة العربية، كطيور تغرد خارج السرب، فهل كانت الثورة حدثاً تاريخياً خاطئاً؟ وبما أنه قد وقع فماذا نتمنى أن يبقى منه؟

سؤالان توجهت بهما «البيان» إلى نخبة واسعة من السياسيين والمفكرين العرب، بغية الوصول إلى رؤية أكثر موضوعية ووضوحاً لهذا الحدث التاريخي الممتد، لعلنا بذلك ننير بعض جوانب الواقع الراهن ونستكشف آفاق وملامح المستقبل. فكيف ردوا وبماذا أجابوا؟..

* بداية يقول الدكتور مصطفى علوي، رئيس هيئة قصور الثقافة في مصر:

بالتأكيد، المنحى التاريخي يذهب إلى أن وقوع ثورة 23 يوليو 1952 حدث تاريخي كان لا بد منه، ولولاها لما وصلت مصر إلى ما هي عليه الآن، ولولاها ما تغيرت خريطة العالم السياسية بحصول أغلب دول العالم الثالث على استقلالها. فالثورة هي التي اعتمدت مبدأ تصفية الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني، وشكلت مع الهند ويوغوسلافيا حركة عدم الانحياز، ودفعت مصر ثمناً غالياً لهذا الموقف.

أحدثت الثورة تغييراً جذرياً في الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية، ولولاها لظلت أغلبية الشعب المصري محاصرة في الريف بالجهل والمرض والفقر، وتميزت ثورة يوليو بأنها الثورة البيضاء بالمقارنة بينها وبين الثورتين الفرنسية 1789 والبلشفية 1917 في روسيا، والثورات الثلاث شكلت أهم الثورات في التاريخ الحديث. فثورة يوليو بعد مرور أكثر من نصف قرن على اندلاعها تبدو إيجابية المحصلة، رغم الأخطاء التي وقعت فيها مثل انخفاض مستوى الديمقراطية عنها قبل الثورة رغم عيوب التجربة الديمقراطية قبلها، وكذلك إنهاك الثورة لنفسها بدخول خمسة حروب خلال ربع قرن مما أدى إلى إنهاك الاقتصاد المصري بشكل كبير..

أشياء كثيرة باقية من ثورة 23 يوليو 1952، يضيف د. علوي، أهمها تغيير نظام الحكم وحكم الشعب المصري لنفسه لأول مرة، بعد قرون حكم مصر فيها الأجانب وآخرهم أسرة محمد علي التي خلعتها الثورة. كما بقي منها البعد الاجتماعي في الحياة السياسية المصرية في مجالات عدة مثل التعليم والصحة والإسكان، رغم التحول الى الرأسمالية ونظام السوق المفتوح والاعتماد بشكل أكبر على دور القطاع الخاص.

لكن كل ذلك مرتبط بالبعد الاجتماعي الذي يأتي في مراعاة الدولة حتى الآن للفئات محدودة الدخل، وهو أمر باق من موروثات ثورة يوليو، ويبقى منها أيضا قرارها الاجتماعي الأخطر على الإطلاق وهو مجانية التعليم والذي لولاه ما حدثت هذه الثورة الاجتماعية الكبيرة في مصر، فمجانية التعليم أتاحت لما يقارب ال90% من خريجي الجامعات حالياً التعليم بالمجان، وما كان ذلك ليحدث لولا الثورة.

صحيح أن مجانية التعليم تحتاج الآن الى اعادة مراجعة وترشيد، والغريب أن الكثير ممن يهاجمون الثورة وإنجازاتها ما كان لهم أن يحصلوا على قسط من التعليم لولا الثورة التي تبقى منها قراراتها السياسية والاقتصادية المهمة، مثل تأميم قناة السويس 1956، وبناء المرافق والبنية التحتية الأساسية، وبناء السد العالي، وكذلك الاهتمام ببناء جيش وطني كقوة ردع.

* تحصيل حاصل

* د. عبد المنعم سعيد، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية:

تحفظ على السؤال.. وأضاف: هل كنت أفضل وقوع أو عدم وقوع ثورة يوليو؟ فبوصفي باحثاً، أتعامل مع الحقائق والمعطيات الواقعية ولا أتعامل مع افتراضات.وتأسيسا على ذلك أقول: إن الثورة أدخلت قطاعات واسعة من المواطنين الى ساحة المجتمع والسياسة والتفاعلات الاقتصادية في مصر، بعد أن كانت مثل هذه التفاعلات حكراً على نخبة ضيقة لا تزيد على 5% من الشعب المصري، عبر مجانية التعليم والتصنيع الثقيل، لكنها بالمقابل جمدت فاعلية هذه الكتلة العريضة من المواطنين.

فبعد أن حسنت أحوالهم المعيشية استبدت بالحكم واحتكرت السياسة، بحيث لم يعد ما أضافته ذا قيمة. فلقد كرست الثورة حالة من الاعتمادية على الدولة بحيث أصبحت البيروقراطية بديلاً للسوق وقوى المجتمع المدني الحية.وهنا يمكن القول إن يوليو أطلقت طاقات كبيرة كان من الجائز أن تنطلق دون مجيئها. فالمؤكد أن الحركة الوطنية المصرية حازت من القدرة والفاعلية ما كان بمقدوره أن يسمح لها باطلاق طاقات الشعب المصري في ظل آلية سياسية أكثر ديمقراطية ورشاداً ربما.

أما القيمة الأساسية التي أفضل بقاءها من إرث يوليو فهي استقلال القرار الوطني، لكن على أسس صحيحة وليس على الطريقة الإذاعية والتلفزيونية «الزاعقة».نحن نريد استقلالاً وطنياً قائماً على بناء حقيقي لعناصر القوة داخل مصر دون شعارات، نريد استقلالاً مستنداً الى مستويات فائقة من التعليم والممارسة الديمقراطية الحقيقية والشرعية الداخلية والتفوق والتكنولوجيا. فالمؤكد أن استقلالية القرار الوطني إبان ثورة يوليو اعتراها شيء من الخلل تمثل في الهوة الكبيرة بين الواقع والشعار، ولذلك عندما جاء الاختبار الحقيقي لعناصر القوة المصرية اتضح أننا نستند الى شعارات جوفاء، كما ��دث في هزيمة 67 وقبلها في 56 إبان العدوان الثلاثي.

أما ما يتعلق بالإرث الذي أطالب وألح في إنهائه والتخلص منه نهائياً، فهو مركزية الدولة المفرطة والبيروقراطية المتوحشة والفرعونية السياسية والتركيز المبالغ فيه على السياسة الخارجية. وإذا جادلني البعض بأن مثل هذا التركيز أعطى لمصر قيمة ووزنا على الساحتين الإقليمية والدولية، فسأقول له بكل رباطة جأش إنه أعطاها قيمة دعائية لكنها سلبية بالأساس، فالمؤكد أن 75% من مساحة فلسطين التاريخية ضاعت وانتقلت الى العصابات الصهيونية بسبب الفجوة بين الشعار المرفوع والواقع المعاش، كما أن تمدد إسرائيل إقليمياً واحتلالها موقع القوة الإقليمية الهائلة كان واحدا من تجليات هذه ال��جوة.

لدينا عناصر قوة طبيعية تتمثل في الموقع الجغرافي والمكانة التاريخية وسط أشقائنا، علاوة على القوة البشرية الهائلة وكل مقومات الأمة الرائدة، لكن ليس علينا ـ مع ذلك ـ أن نبالغ في تقديرنا لوزن هذه العناصر. فمحمد علي باشا باني نهضة مصر الحديثة مضى في توسعاته الإقليمية وحروبه أكثر مما تحتمل طاقات مصر الداخلية فانتهت نهضته بهزيمة ثقيلة وانكفاء على الذات، والخديوي إسماعيل أيضا تحرك من موقع الطموح الزائد على الامكانات الذاتية فانتهت تجربته بالديون الثقيلة ثم الاحتلال، وعبد الناصر فعل نفس الشيء فانتهى الأمر بكارثة.

* تطور شكلي

* محمد فائق، الوزير الأسبق وأمين عام المنظمة العربية لحقوق الانسان:

بالطبع لم أكن أفضل ألا تقوم ثورة يوليو، فالثورة بكل تأكيد غيرت الكثير جدا. كانت ثورة ككل الثورات الكبرى، لم يقتصر أثرها على مصر وإنما امتد للمنطقة العربية والساحة الأفريقية والعالم. كان تأثيرها كبيرا جدا من الناحية التحريرية، وبالتالي لا أحد يعرف لو لم تقم ثورة يوليو الى أين كانت تتجه الأحداث، ويصعب الحديث عن كيفية التطور إذا لم تقم الثورة.

هناك من يرى أن ثورة يوليو أعاقت التطور الديمقراطي الذي كان في مصر، وأنا أرى أنه لم تكن هناك ديمقراطية. كانت هناك حريات، بعض الحريات، ولكن كان هناك غياب كامل للحريات الاقتصادية، وتهميش كامل لحرية الإنسان من الناحية الاقتصادية. كان هناك مشروع لمحاربة «الحفاء» في مصر، وكان هناك اعتداء على كرامة الإنسان.

ومصر لم تكن في طريق التطور حتى نقول إذا لم تقم الثورة ماذا كان سيحدث! لأن الذي كان سيحدث هو في علم الغيب. وإذا أخذنا الموضوع بعد قيام الثورة في ناحية المعنى الليبرالي وأن الثورة انتقلت بمصر للتخطيط المركزي الذي يحد من الحريات، فأنا أرى أن الحريات بالمعنى الشامل زادت ولم تقل، وأن ما كان من حريات بالمعنى الليبرالي قبل الثورة كان شكلياً، فكلنا كنا نعرف الحبس والاعتقال بدون مبرر، ومصر كانت تعرف ما سمى بالعسكري الأسود والاعتداءات الخطيرة على الانسان، والممارسات الديمقراطية مع وجود الاستعمار كانت ممارسات مشوهة.

التطور الديمقراطي لمصر في هذا الوقت كان مشوهاً، ولذلك إذا حسبنا الفترة التي كان فيها حزب الأغلبية وهو حزب الوفد في السلطة، من عام 1923 الى عام 1952، سنجدها لا تزيد على ست سنوات. ولذلك لا أستطيع القول إن الثورة جاءت لتقطع طريق التطور الديمقراطي.. الثورة جاءت لأن مصر لم تكن تتطور وإنما كانت في طريق مسدود، وكان لابد من كسر هذا الطريق المسدود وهذا ما فعلته ثورة يوليو.

أما ما أتمنى أن يبقي من ثورة يوليو فهو ثوابت يوليو نفسها، كما رأيناها في البعد الاجتماعي للتنمية وتمثل في قضية العدالة الاجتماعية. هناك الكثير من يوليو مازال ملحا، فمازالت العدالة مطلباً، ومازالت استراتيجية التوجه الى الدائرة العربية والأفريقية والإسلامية مطلباً، ومازال خروجنا من مأزقنا في كل المشاكل التي تواجهنا الآن يتأتى بثوابت يوليو التي مازالت قائمة، والانتكاسات الخطيرة التي نعيش فيها الآن تستدعي ثوابت يوليو.

وأقول: إن الثورة الفرنسية مثلا قامت على أساس مبادئ ثلاثة، هي الحرية والإخاء والمساواة، وانتكست الثورة الفرنسية بعد فترة ولكن الثوابت بقيت ومازالت موجودة. ففكرة العدالة موجودة، حتى فكرة الوحدة التي جاءت بها يوليو موجودة، طبعا ليس على شكل وحدة مصر وسوريا، وإنما نقول الآن أن الوحدة ضرورة بعد أن كنا نقول من قبل أن الوحدة قوة، ونقول الآن أننا لن نكون شيئا في هذا العالم إلا إذا كنا كيانا كبيرا، وقضية الاستقلال وعدم التبعية لم تغب الآن، وبالعكس فإن انتكاساتنا هي في عدم تنفيذ ثوابت يوليو في الاستقلال.

وأرى أن التنمية التي بدأت ببعدها الاجتماعي لو استمرت لكنا الآن في وضع مختلف. الثورة قامت لكسر احتكار رأس المال، وحدثت انتكاسة بعد ذلك إلا أن الثوابت موجودة، خسرنا معركة 1967 ولكن لم نخسر الحرب بدليل انتصار 1973. والخلاصة أنه حدثت انتكاسات، ولكن ثوابت يوليو هي الآن تستدعي لمواجهة هذه الانتكاسات.

* الفراغ السياسي

* د. أحمد يوسف أحمد، مدير معهد البحوث والدراسات العربية:

الظروف الموضوعية التي مرت بها مصر في الفترة السابقة على ثورة يوليو هي التي جعلت من قيام ثورة يوليو 1952 ضرورة حتمية، وليس صحيحاً أنها قطعت الطريق على التطور الليبرالي المصري، لأنه ليس هناك ما يثبت وجود مثل هذا المشروع الليبرالي. فالمعادلة قبل الثورة تمثلت في أن هناك نظاماً غير ليبرالي، بالرغم من كون دستور 1923 كان ليبرالياً، إلا أن ممارسات النظام كانت غير ليبرالية!!.

فالملك كان يملك سلطات مطلقة ويتحالف ويخضع للاستعمار الإنجليزي وفقاً لحساباته الخاصة، الأمر الذي يؤكد على انعدام أي أفق للتعبير الحقيقي عن القوى الشعبية الوطنية، مما أدى الى تردي الأوضاع حيث غياب الأمن وعدم الاستقرار السياسي، ولا سيما اعتباراً من حريق القاهرة في يناير 1952، مما جعل قيام ثورة يوليو حدثاً حتمياً انتظرته الجماهير والتفت حوله وأعطته مشروعيته.

ومن الثابت علمياً إفلاس ما يسمى بالنظام الليبرالي في مصر قبل ثورة يوليو بسنوات بعيدة، ومن ثم قامت الثورة لملء الفراغ في الحياة السياسية المصرية، إذ لم تعبر السلطة عن الشعب المصري ولا عن أهدافه في الاستقلال والتنمية والعدل الاجتماعي، وهذا ما أكد شرعية الثورة. لكن هزيمة يونيو 1967 هي التي قطعت الطريق على التطور الليبرالي الذي كان يمكن أن يفضي إليه مشروع الثورة.

وما بقي من الثورة أو ما اتمنى أن يبقي، أقول إنه على الصعيد الشعبي بقيت قيمة الاستقلال الوطني، وكذلك بقي الانتماء العربي لمصر، وهما أثمن ما يمكن الاحتفاظ به وتدعيمه وتطويره، بالإضافة إلى بعض المكتسبات الاجتماعية الأخرى كمجانية التعليم مثلاً.


* .. وبقيت الأغاني

* د. عاصم الدسوقي، مؤرخ وأستاذ التاريخ في جامعة حلوان:

قامت ثورة يوليو على خلفية نضالية ممتدة، إذ كانت مصر محتلة من بريطانيا العظمى منذ 1882، ومن ثم اندلعت الحركة الوطنية مطالبة بالاستقلال بدءاً من ثورة عرابي، بوقفته الشهيرة أمام قصر عابدين ليصرخ في وجه الخديوي توفيق خديوي مصر آنذاك «بأننا لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم».

وجاء من بعده الزعماء مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول والنحاس، إلى أن جاءت ثورة يوليو وعبد الناصر كضرورة حتمية لما تعانيه مصر من ظروف بالغة الصعوبة، جراء نظام ملكي فاسد وظالم ومتواطئ ومحتل غاشم وباطش وحياة سياسية متردية، على عكس ما يزعم أنصار النظام القديم.

ولم تعق الثورة الطريق أمام التيار الليبرالي المصري، فدستور 1923 لم يكن دستوراً ليبرالياً ويبدو ذلك في باب الحريات، إذ أن كل النصوص الخاصة بممارسة الحريات مقيدة بالقوانين. ومن ثم فإن الثورة جاءت في موعدها المنتظر، ولو لم تقم لاشتعلت الحركة الوطنية التي كانت قد بدأت منذ عام 1946 تطالب بالغاء معاهدة 1936، والتي استمرت حتى ألغاها الزعيم مصطفى النحاس عام 1951، مما أعطى الحركة الفدائية دفعة قوية في منطقة القاهرة ضد القوات البريطانية حتى جاء حريق القاهرة ليعجل بقيام الثورة.

وفي تقديري أن الثورة تآكلت منذ 15 مايو 1971، وهو التاريخ الذي انقلب فيه الرئيس السادات ضد القيادات التي عملت مع عبد الناصر، وأطلق عليها تسمية «مراكز القوى». لم يبق من الثورة سوى بعض الشكليات، بعد تفريغ كل إنجازاتها من الجوهر فيما يتمثل في مجانية التعليم الهزيلة ودعم زائف لرغيف الخبز إذ لا يصل لمستحقيه! وما عدا ذلك لا شيء، بعد أن رفعت الدولة يدها تماماً عن عملية التخطيط الاقتصادي، وتوقفت كذلك عن تعيين الخريجين وعن دعم السلع الاستهلاكية فضلاً عن دعم مستلزمات السلع الزراعية، مما أدى الى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية. لم يبق من ثورة يوليو سوى أغاني عبد الحليم وأم ��لثوم وعبد الوهاب الوطنية، كرمز لعصر مضى وتلاشت ملامحه.


* طريق الثورة

* نبيل عبد الفتاح، الخبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام:

هناك ضرورات موضوعية هي التي أفضت الى وقوع العمل الانقلابي ليلة 23 يوليو عام 1952، والذي تطور فيما بعد الى ثورة حين أطلق جمال عبد الناصر برنامجه الاجتماعي ومن ثم تحرك طليعة من ضباط الجيش لاسقاط النظام الملكي، ولاسيما أن هناك مؤشرات قد كشفت آنذاك عن وجود أعطاب هيكلية أساسية في النظام المصري، سواء سياسياً أو اجتماعياً.

ولهذه الأعطاب كانت مؤشرات عديدة كبيرة أهمها تلك الفجوات الكبرى بين أثرياء مصر من شبه الإقطاعيين والرأسماليين، وبين غالبية الشعب المصري عمالاً وفلاحين وطبقة وسطى، ذلك فضلاً عن مؤشرات رقمية خطيرة تؤكد هذا الخلل الاجتماعي الهائل.

ومن ناحية أخرى فإن الاحتلال البريطاني في مصر كان قد أحكم قبضته على الملك والأحزاب، فتلاعب بهما وجعلهما رهينة لمخططاته الأمر الذي شكل ضغطاً رهيباً على الحركة الوطنية المصرية.

بالإضافة إلى ما شهدته مصر من حالة احتقانية بين المسلمين والأقباط في نهاية الأربعينات. كل هذه المؤشرات أكدت مدى الوهن الهيكلي الذي اتسم به المجتمع المصري والنظام السياسي، ولولا هذا الضعف العميق في بنية النظام السياسي وهياكل النظام الاجتماعي ما كان يمكن أن تقوم ثورة 1952.

ورغم كل هذا أرفض النهج الإيديولوجي والتربوي والتعليمي الذي ساد بعد الثورة لهجاء تاريخ مصر وكل ما تم قبل الثورة، فهذا كان نوعا من «الرعونة السياسية» تجاه تاريخ مصر ونماذج أجيال من السياسيين والمثقفين والتكنوقراط الذين لعبوا أدورا مهمة في تحديث مصر، وقدموا للثورة إرثا سياسيا اعتمدت عليه واستمدت منه نفوذها وحيويتها السياسية التي تبددت الآن.

لو لم تقم ثورة يوليو 1952 ربما كان الطريق ممهدا لثورة شعبية تمس الثروة والسلطة وطبيعة النظام السياسي على نحو يجعله ديمقراطيا، والذي يمثل أحد أكبر نقائص ثورة يوليو تمثل في غياب الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية. انتهى المشروع الاجتماعي للثورة، وشرعيتها أيضا انتهت بهزيمة يونيو 1967. وعما بقي من الثورة، هناك هدفان من أهدافها الستة لم يتحققا، هما الحياة الديمقراطية السليمة، والعدالة الاجتماعية. هناك شعار ما زال يمتلك ألقه ووهجه أطلقه الرئيس عبد الناصر وهو «ارفع رأسك يا أخي لقد مضى عهد الاستبداد».

هذا الشعار ما زال صالحا لتعبئة الجماهير في معركة من أهم وأشرس معارك الشعب المصري، ضد الفساد والجهل اللذين أحكما قبضتهما على البلاد منذ منتصف السبعينات، إذ تم استبعاد العلم والعلماء وساد احتقار للمعرفة وللثقافة ولكل ما هو جاد.وأعيد كلمة عبد الناصر.. «ارفع رأسك يا أخي» في وجه اللوبيات التي تتربص بنا داخليا وخارجيا، وأعلن أنا عن ثقتي في قدرة هذا الشعب على رفع رأسه رغم وطأة ما يعانيه وضراوة ما يحدق بنا.

* طموحات شعبية

* د. محمد السعيد إدريس، رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية في مركز الدراسات السياسية بالأهرام:

كان قيام ثورة يوليو حتميا بفعل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها مصر قبلها، والتي شهدت ازدياد عنفوان الحركة الوطنية المصرية المطالبة بالاستقلال وجلاء الاحتلال البريطاني الجاثم على أرض وقلب مصر منذ عام 1882. ومع تصاعد وتيرة الأحداث واشتعال الحركة الوطنية، سواء الأوضاع السياسية ولاسيما بعد نكبة 1948، تفجرت قضية التغيير وحتميته الأمر الذي عجزت عن إنجازه الأحزاب والقوى السياسية حينها، ومن ثم قامت به طليعة من طلائع الجيش من بعض ضباطه الذين دخلوا الكلية الحربية في خلسة من التاريخ، من أبناء مصر الفقراء ومن أبناء الطبقة الوسطى.

كانت مصر وقتها في حاجة إلى هذه الثورة التي جاءت في البداية كعمل انقلابي، ولكن سرعان ما أعلنت برنامجها الاجتماعي ورؤيتها السياسية، مما جعلها ثورة حقيقية جاءت لتعبر عن طموحات وطنية نحو الاستقلال والحرية والعدل الاجتماعي. وقد استطاعت على مدى سنوات قليلة أن تبلور أهدافها الستة في ثلاثة مبادئ هي: الحرية والاشتراكية والوحدة، حتى جاءت هزيمة يونيو 1967 بمثابة الضربة الأولى لهزيمة المشروع المصري الثوري.

وإن كنت أرى أن هزيمة مشروع الوحدة مع سوريا والانفصال عام 1961 هو المقدمة الحقيقية لهزيمة يونيو، إلا أن ثمة ضربة أخرى قاصمة تعرضت لها الثورة، وهي تعرضها لثورة مضادة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات بدءا بأحداث مايو 1971 أو ما عرف وقتها «بثورة التصحيح» التي قادها الرئيس السادات في مسار مختلف تماماً عن مسار ثورة يوليو، وما نتج عن ذلك من تحديات جسام لمشروع الثورة.

ورغم تعرض المشروع الناصري لهجوم وتدمير، إلا انه ما زال يجد نفسه في أحزاب مصرية وعربية مازالت تسعى للوحدة والاستقلال الوطني.مشروع ثورة يوليو لم ينته ولم يهزم، بل ما زالت الفرصة قائمة لتحديث وتفعيل هذا المشروع الثوري المصري، مشروع ثورة يوليو النهضوي الديمقراطي، سواء على المستوى المصري أو العربي.


* إساءة الفهم

* المفكر محمود أمين العالم:

كانت الثورة رد فعل له بعد تطويري اجتماعي أحدث تغييراً أدى إلى ارتفاع مستوى المعيشة وتنمية اقتصادية عميقة الجذور في إطار خطة، وكان لهذا الفعل توجه عام وطني معاد للاستعمار، وتوجه عام اجتماعي معاد للاستغلال، وتوجه شعبي حريص على المصالح الشعبية، وتوجه عربي صحي في البداية وفي التطبيق أخذ شكلا فوقيا، وتوجه عالمي ضد الإمبريالية العالمية ومساند للعالم الثالث، وتحالف عمليا مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية من أجل المصلحة ومن أجل التنمية ومواجهة الخصم الأكبر، رغم اختلاف الايديولوجيا.

واستمرت الثورة رغم أنها بدأت بالمظهر العسكري، إلا أنها كانت رد فعل للحركة الشعبية التي كانت موجودة في مصر منذ أواخر الأربعينات، حيث كانت السلطة في مصر تتأرجح وتنتظر من يتلقفها. كانت توجد في مصر حركات قوية، ولكن لم يوجد بينها ما يحقق التوازن والتوحد، فكانت ثورة يوليو ـ رغم مظهرها العسكري ـ حركة شعبية تعبر عن إرادة الشعب المصري، ثم تحولت بعد ذلك الى مركزية عسكرية في عام 1954.

هذه المركزية العسكرية عزلت الإخوان وعزلت اليسار، رغم نقدي الذاتي لليسار. أما الإخوان فإنهم حاولوا أن يفرضوا على الضباط الرجوع اليهم في كل إجراء يتخذونه فتم عزلهم، أما اليسار فقد فشل ـ وهنا النقد الذاتي ـ في فهم بعض إجراءات عبد الناصر وحكم عليها حكما سلبيا أدان الثورة كلها، وأنا أرى ذلك الآن خطأ.

ولدي ثلاثة أمثلة على هذا الفهم الخاطئ لإجراءات عبد الناصر، الأول تصور اليسار أن وجود نص في اتفاقية الجلاء على عودة الإنجليز الى قناة السويس إذا تعرضت تركيا لهجوم سوفييتي سيكون تكأة لعودة الاحتلال، وذلك رغم جلاء 80 ألف جندي بريطاني في القناة، إلا أن اليسار يومها فهم خطأ أن هذا النص تكأة لعودة الاحتلال، وأنا أراه الآن حفظا لماء وجه بريطانيا فقط. والمثال الثاني عندما ظهر السفير الأميركي مع محمد نجيب في الاسكندرية أثناء وداع الملك فاروق، اعتبر اليسار هذا الظهور تحالفا جزئياً بين الثورة والأميركان ومحاولة لاستبدال الأميركان بالإنجليز، وهذا كله خطأ.

والمثال الثالث هو أن الثورة العمالية الكبيرة التي حدثت في كفر الدوار ضد رئيس الشركة الذي كان أبوه حافظ عفيفي مستشار الملك، صورت هذه الثورة العمالية على أنها ضد ثورة يوليو وتم إعدام اثنين من قيادات العمال، وأنا الآن أتهم نفسي أنني لم أر الأمور جيدا، رغم وجود خالد محيي الدين ويوسف صديق في صفوف الضباط، إلا أننا كنا قلقين وفهمنا خطأ، فعزلت الثورة اليسار كما عزلت الإخوان.

ثم عدنا إلى رشدنا مع باندونغ ومع العدوان الثلاثي على مصر، وحدث التلاقي الكبير مع عبد الناصر، ثم عادت الثورة وأخذت مظهرها العسكري، وظهر ذلك حتى في التناقض بين الضباط أنفسهم.ما يبقى من ثورة يوليو الآن هو المبادئ الستة التي قامت عليها، والتوجهات العامة التي آمنت بها الثورة والتي يستدعيها الواقع الآن. التوجهات العامة في جوهرها صحيحة، ولكن الجوهر دائما ليس كافيا.. هذه التوجهات العامة يستدعيها الواقع الآن، ولا يستدعي أسلوب التنفيذ العلوي لها وأسلوب الانفراد وعزل القوى الوطنية والديمقراطية وجعل الأمور تتحرك جبهويا، وعدم مراعاة الاختلافات الفئوية والثقافية، وإ��ما تبقى التوجهات ذات الطابع الوطني والتنموي والوحدوي والديمقراطي الاجتماعي.

وأقول لـ «البيان»: أن عطر مرحلة عبد الناصر ما زال سارياً في ضمير هذا الشعب، فعندما استقل سيارة أجرة الآن لا أجد سائقا واحدا لا يحدثني عن عبد الناصر.. هذا الذي ما زال باقياً في ضمير هذا الشعب، ما زالت ديمقراطيته الشعبية الاجتماعية باقية، ما زالت الرغبة في تعليم وطني يواجه الاستعمار باقية، ما زال التوجه بإدخال العمال لمجلس الإدارة باقياً، ما زلنا في حاجة إلى كل هذا. فالتعليم في مصر تحول الى تعليم طبقي وغير وطني، تعليم غني وفقير، ونحن في حاجة الآن الى حماية التعليم.

الوطنية الآن تتمزق.. فرنسا مثلا لم يكن فيها إلا تعليم واحد وطني لا طبقي، وعبد الناصر كان حريصا على خلق وطنيين حقيقيين معه أو ضده. هذا كله ما زال باقياً، أما الجرح النازف من غياب الديمقراطية السياسية فقد ساهم في ضرب النظام كله، ولم تكن 1967 هزيمة جيش وإنما كانت هزيمة سلطة عسكرية متناقضة.


* تصالح مع التاريخ

* د. رفعت لقوشة، مفكر سياسي وأستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية:

الثورة عبارة عن فعل لفتح طريق مسدود أمام التغيير بعد أن عجزت الآليات الشرعية عن فتحه، والطريق في مصر كان يبدو مسدوداً تماماً. إذا قبلنا بهذا التعريف الذي يبدو أنه تعريف يقبله التاريخ، سنجد أن ثورة يوليو كانت حل لمعادلة صعبة. فقد كانت الثورة أو ما قام به الضباط الأحرار أنهم أصبحوا بديلاً لنخبة وطنية غير قادرة على فتح الطريق المسدود أمام التغيير، كما أن ثورة يوليو أعادت ترتيب الموقف بحيث جعلت القوات المسلحة في صف الشعب بعد أن كانت على الجانب الآخر في مواجهة الشعب.

فقد كان الموقف عبارة عن تناقض كامل بين ملك وشعب، هذا الموقف يملك الملك فيه استدعاء القوات المسلحة في مواجهة الشعب.. إذن كانت يوليو بديلاً لنخبة غير مرئية وغير موجودة، وبديلاً لوضع يملك الملك فيه مواجهة الشعب بالقوات المسلحة، والضباط الأحرار أعادوا ترتيب الموقف، وعليه فأنا أقبل بوجود ثورة يوليو، ولا أقبل عكس ذلك. فهي البديل المدني لفتح طريق مسدود أمام التغيير.

وحول القول إن ثورة يوليو أعاقت الطريق الديمقراطي في مصر أقول: عبد الناصر لم يكن ديمقراطياً، وكل من كانوا قبله لم يكونوا ديمقراطيين، وكل من جاؤوا بعده ليسوا ديمقراطيين، والدولة الحديثة في مصر ليست دولة ديمقراطية، وإنما دولة قامت على التوكيل وليس التفويض، وقصة الخلاف بين محمد علي وعمر مكرم هي قصة التوكيل والتفويض. محمد علي كان يرى أنه حصل على توكيل من الشعب وليس للشعب الذي منح التوكيل حق المساءلة، وعمر مكرم كان يرى أن الشعب فوض محمد علي وله بهذا التفويض حق المساءلة، وحسم محمد علي الخلاف بأن نفى عمر مكرم وقضى على مبدأ التفويض وساد مبدأ التوكيل.

وقبل عبد الناصر وبعده لا يوجد نص واحد في الدستور يسائل رأس الدولة، لأن فكرة المساءلة انتهت بعد نفي عمر مكرم ونفي مبدأ التفويض معه، وفي مصر كانت هناك ـ قبل ثورة يوليو ـ بذور حياة ديمقراطية غير مكتملة، وهذه الحياة الديمقراطية لم يحكم فيها حزب الأغلبية وهو الوفد إلا عدداً محدوداً في السنوات منذ دستور 23 وحتى عام 1952، وأحزاب الأقلية حكمت سنوات أكثر من الوفد، فكيف أسمي هذه الحياة ديمقراطية مكتملة الأبعاد وطبيعة الدولة في مصر ذاتها لم تكن تسمح بانفتاح البعد الديمقراطي؟!

في رأيي الشخصي أن عبد الناصر كان ديمقراطياً اجتماعياً، وأنه أوقف التفعيل الديمقراطي في عام 1965، وذلك على عكس ما يردد كثيرون. وتجربته الاجتماعية كانت تسعى لتوسيع رقعة الطبقة الوسطي وفتح كل البوابات والروافد أمامها. جعل حلم العامل والفلاح أن يكون له ابن ينتمي لهذه الطبقة، كانت رؤية عبد الناصر التاريخية هي تحديد وتوسيع هذه الطبقة، في الفن والإنتاج الثقافي كان يعلي من قيم هذه الطبقة، والكثير من شواهد الخمسينات والستينات كانت تؤكد ذلك.

وأغلب الظن أن عبد الناصر كان يسعى لإيجاد ثنائية حزبية: يمين ويسار، ولكنه بدلاً من أن يفعل هذه الثنائية في عام 1965 ـ وهذه كانت فرصته ـ أخطأ وتردد. وأقصد بعام 1965 أنه العام الذي أنهى فيه الخطة الخمسية الأولى بنجاح كامل ولم يبن عليه، وكان عليه أن يضع نوعاً من التكنوقراط على إدارات كل المؤسسات الاقتصادية القادرة على زيادة الإنتاجية والبناء فوق النجاح الذي حققته الخطة الخمسية، لكن عبد الناصر تردد ووضع نسبة محسوسة من أهل الثقة.

والخطأ الثاني هو أن عام 1965 كان العام الذي يجب على عبد الناصر فيه أن يقيل عبد الحكيم عامر، لأن كل الشواهد كانت تقول أن مصر ستدخل في صدام مع إسرائيل، وللمرة الثانية أخطأ عبد الناصر ولم يقل عامر. والخطأ الثالث أنه في عام 1965 بدأت بوادر يمين ويسار تتفاعل في الحياة الثقافية، وكان على عبد الناصر أن يتركها تتفاعل في الحياة السياسية أو على الأقل يفتح تنظيمه السياسي لتفاعلات يمين ويسار، ولكنه لم يفعل.

أي ثورة يبقى منها ابتداء قيم غرستها ثم قوى اجتماعية خلقتها، ولا أحد يستطيع أن يتجاهل ما بنته ثورة يوليو أيا كان الحكم عليها. ثورة كرومويل في بريطانيا استبقت قيماً وقوى رغم أن الملك الذي جاء بعد كرومويل أخرج جثته من القبر وعلقها على المشنقة، إلا أن ثورته استبقت قيماً وقوى لم يستطع الملك أن يقبرها أو يشنقها، وهذا ما حدث مع ثورة يوليو التي استبقت قيماً وقوى، والسبب واحد هو أنها كانت ثورة متصالحة مع التاريخ.

فالثورة وعبد الناصر كانا متصالحين مع التاريخ، ولهذا لديهما ما يبقى، خاصة إذا أثبتنا أن عبد الناصر وثورة يوليو متصالحان أيضا مع المستقبل. فيوم أن فتحت يوليو الطريق أمام قوى اجتماعية كانت تستبقي أن الديمقراطية قابلة للتحقق في المستقبل، قيم الديمقراطية الاجتماعية أصبحت الآن جزءاً من المرجعية الذهنية للكثير من أبناء الشعب المصري. وفي المستقبل لن يكون هناك مشروع مصري حقيقي يتجاهل الطبقة الوسطى التي عمل عبد الناصر على تمددها وتوسعها، ويوم يكون لهذه الطبقة مشروع مصري حقيقي تتبناه بأفكار وروح عصرها، في هذه اللحظة ستتم إعادة اكتشاف عبد الناصر.

بقي من ثورة يوليو حدث في الظل وهو بيان 30 مارس، وأراه أقوى وثائق ثورة يوليو وفيه إرهاصات الدولة العصرية وبدايات نسيج أفكارها، فيه إشارات الديمقراطية الرئاسية، وفي رأيي أن بناء الدولة الجديدة في مصر لا بد أن يعتمد على ديمقراطية رئاسية، وأعتقد أن بيان 30 مارس هو أقوى من الميثاق لأنه جاء استجابة لمظاهرات الطلبة، وكان يعني أن عبد الناصر بالفعل لديه حيوية سياسية، كما أن باقي خيارات ثورة يوليو أثبتت صحتها الآن، وهذا هو ما يبقي منها..

ثبتت صحة أن تكلفة الوجود في العالم العربي ـ مثلاً ـ أقل بكثير من تكلفة الانسحاب منه، ثبتت صحة أن هناك نظاماً جمهورياً في مصر لا يقبل بالتوريث، ثبتت صحة أن الشعب الذي منح عبد الناصر شرعية جديدة في 9 و10 يونيو يستحق صندوق انتخابات حرة وأن تتكرس الشرعية بإرادته، الشرعية صنعها الناس في 9 و10 يونيو، وعبد الناصر قبل رحيله كرس شرعية الجماهير وأصبح الحق الديمقراطي للشعب المصري ليس مطلباً نظرياً، وإنما مربوطاً بشرعية صنعها الشعب في 9 و10 يونيو، وهذا ما بقي أيضا.


* إفلاس كامل

* نبيل زكي، رئيس تحرير جريدة «الأهالي» لسان حال حزب التجمع المعارض:

الثورة ضرورة بشكل عام، وهي تندلع في أي بلد عندما يعجز النظام الحاكم، نتيجة أزماته الداخلية وعدم قدرته على التحكم في الجماهير، عن السيطرة على البلاد. ولذلك نلاحظ أن ثورة يوليو جاءت عقب الإفلاس الكامل للنظام الملكي في حل مشكلات الوطن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكن المشكلة أن ثوار يوليو تصوروا أن نظامهم أشبه بمرحلة قطيعة مع «تاريخ مصر» السابق على توليهم السلطة، فأنكروا كل ما هو إيجابي قبلها، بل حتى قاموا بتسفيه نضال الشعب قبل يوليو.

ثم إنه كما كان مفترضاً لم يصححوا الأوضاع على النحو الذي يطلق المزيد من الحريات السياسية والنقابية للشعب المصري، ويضع أساسا لجمهورية ديمقراطية برلمانية، بحيث تتلافى سلبيات دستور 23، ويشعر المواطنون بأن الخلاص من النظام الملكي فتح أمامهم الباب لديمقراطية حقيقية، وبقي المبدأ السادس من مبادئ 23 يوليو الخاص بإقامة حياة ديمقراطية سليمة مجمداً لأحقاب طويلة.

كنت أتمنى أن تبقى المواقف التي تتحدى الاستعمار الأجنبي والقوى الخارجية وتراعي كبرياء مصر الوطني، رغم إدراكي الخاص لاختلاف الظروف، حيث لم يعد هناك اتحاد سوفييتي ولا معسكر مضاد للغرب، ورغم ذلك ففي تقديري أن أي نظام حكم وطني يمكن أن يقول لا للقوى الخارجية عند الضرورة، وبلا استفزاز، وبلا تهور طائش.


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول ثورة يوليو
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن ثورة يوليو:
لائحة أسماء الضباط الأحرارمن مذكرات قائد الجناح عبداللطيف البغدادي-د. يحي الشاعر


تقييم المقال
المعدل: 4.8
تصويتات: 5


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية