Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 30
الأعضاء: 0
المجموع: 30

Who is Online
يوجد حاليا, 30 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

القومية العربية
[ القومية العربية ]

·الناصريه الولادة والنشأة - خليل سامي ايوب
·حتمية التطبيع ، في أزمنة (التركيع) !! - محمد فخري جلبي
·في معنى العروبة - زياد حافظ
·الفكر القومى والحركة العربية - د . أحمد زكريا الشلق
·أمين الريحاني والتجدّد العربي بعد مائة عام
·الإنسان بين الماهية والهوية - صادق جواد سليمان
·العروبة وفلسطين -حوار مع قسطنطين زريق
·رثاء نديم البيطار - فياض قازان
·العروبة في عين العاصفة - شوكت اشتي

تم استعراض
51330714
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
اطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر 1 - جمال الأتاسي
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: جمال الأتاسي





اطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر
وعلى فكره الاستراتيجي والتاريخي


جمال الاتاسي



1- مع الثورة في مسارها التاريخي العام- الثورة المستمرة وحضور عبد الناصر

قال عبد الناصر عام 1953 في " فلسفة الثورة " : " إنني كنت بنفسي داخل الدوامة العنيفة للثورة. والذين يعيشون في أعماق الدوامة قد تخفى عليهم بعض التفاصيل البعيدة عنها... وكذلك كنت بإيماني وعقلي وراء كل ما حدث وبنفس الطريقة التي حدث بها، وإذن فهل أستطيع أن أتجرد من نفسي حين أتكلم عنه، وحين أتكلم عن المعاني المستترة وراءه؟
أنا من المؤمنين بأن لا شيء يمكن أن يعيش في فراغ . حتى الحقيقة لا يمكن أن تعيش في فراغ... والحقيقة الكامنة في أعماقنا هي : ما نتصوره أنه الحقيقة، أو بمعنى أصح : هو الحقيقة مضافاً إليها نفوسنا... نفوسنا هي الوعاء الذي يعيش فيه كل ما فينا . وعلى شكل هذا الوعاء سوف يتشكل كل ما يدخل فيه ، حتى الحقائق . وأنا أحاول - بقدر ما تستطيع طاقتي البشرية - أن أمنع نفسي من أن تغيّر كثيراً من شكل الحقيقة . ولكن إلى أي حد سوف يلازمني التوفيق ؟ .
هذا سؤال ... وبعده أريد أن أكون منصفاً لنفسي ، ومنصفاً لفلسفة الثورة ، فأتركها للتاريخ يجمع شكلها في نفسي، وشكلها في نفوس غيري ، وشكلها في الحوادث جميعاً ، ويخرج من هذا كله بالحقيقة كاملة... " .
وهذا الذي قاله عبد الناصر في بدايات ثورته ، لم يأت في سياق تقديم فلسفة للثورة التي يريدها، أو تقديم تحليل أيديولوجي لمسارها ، بل جاء في سياق النفي لذلك ، ولأن يكون كتابه فلسفياً أو يحمل فلسفة للثورة ولو أنه صدر وهو يحمل هذا الاسم . فذلك الكتاب الأول والصغير جاء ليعطي صورة أولية عن مخاض الثورة في حياة عبدالناصر وحياة وطنه وشعبه ، وليسجل المقدمات الأولى لحركة هذه الثورة واستراتيجيتها ولآفاقها العامة وأبعادها وتطلعاتها وأهدافها ، وليؤكد أصالة هذه الثورة وجذريتها ، فهي ليست انقلاباً ، وهي ليست لمرحلة تتوقف عندها ، بل هي ثورة وطنية تتطلع للمستقبل وتتطلع للشمول ، شمول الأمة وشمول تاريخها وحضارتها ، وشمول التحرر الإنساني والتقدم والنهوض بالأمة إلى مستوى العصر.
ولكن هذه الفقرة التي اقتطعناها من سياقها في كتاب " فلسفة الثورة " ، أتينا بها في هذا التقديم للبحث عن " الفكر التاريخي لعبد الناصر " ، ما جئنا بها إلا لأنها تكاد تكون تعبيراً عن سياق نضج الوعي الثوري في حياة عبدالناصر وسياق تجربته ، وليس في تلك البدايات فقط ، بل وفي استمراريتها حتى النهاية. كما وأنها التعبير ومنذ تلك البدايات ، عن الحس التاريخي عند عبد الناصر، من قبل أن يقرأ فلسفة التاريخ، ومن قبل أن يأخذ بالاشتراكية العلمية ، أي بالجدلية التاريخية، التي صاغ على أساس من مبادئها ومقولاتها العامة ، دليل عمله الاستراتيجي " الميثاق الوطني "، بعد عشر سنوات من تلك البدايات . وهو من خلال هذا الحس التاريخي، جاء ليقول ، إن الحقيقة ليست جاهزة ولا منزلة ، بل هي صيرورة تتكامل وتتجدد في مسار التاريخ ، وهي تتشكل أيضاً في نفس الإنسان، أي في تقدم حركة وعيه الذاتي واستيعابه.
وهي صيرورة من خلال تلك الجدلية بين وعي الإنسان وقوانين التاريخ الإنساني الناظمة لحركته، هذا من غير أن يقف عند تأكيد المقولة الثانية في الفكر التاريخي وهي " أن الإنسان يصنع التاريخ "، وعبدالناصر من خلال ثوريته، ومن خلال تفاعله مع تاريخ أمته وجماهير شعبه وفعله فيهما ، كان ممن صنعوا ذلك التاريخ .
ولكن عبدالناصر لم يكن فيلسوفآ للثورة ، ثورة الأمة العربية في هذا العصر، بل كان يعيش هذه الفلسفة إحساساً ومعاناة ، ويطبقها ممارسة ونضالاً . وعبدالناصر لم يقدم أيديولوجية أو " نظرية متكاملة " ومنهجاً في البحث والتفكير يدل الثورة في كل مراحلها ، إلى طريقها وأهدا فها ، ويبني الوحدة الفكرية لطلائعها وأداتها ، ولكنه كان أيديولوجية ثورية في مخاض التشكل ، من خلال التجربة الثورية الخاصة والتعلم من تجارب الآخرين ، لتأتي مطابقة للواقع الثوري الذي يتقدم به نضال شعبنا وحركة نهوض أمتنا. وكان يتحرى الكلمة التي تعبر عن حس الجماهير وعن المرحلة التي نهض إليها وعيها السياسي والاجتماعي . وكان يطالب بالفكر الموحد الذي يؤلف بين قوى الثورة العربية ويدفع على طريق وحدة برنامجها الثوري ووحدة أداتها ، ولو أنه لم يصل إلى صياغة أيديولوجبة لهذا الفكر ولم يتوصل إلى تحقيق تلك المرامي .
ومن خلال هذا المنظور، وبالتطلع إلى ذلك الهدف ، الذي تطلع إليه عبدالناصر وأراده و لم يصل بنا إليه، نعيد اليوم قراءة عبدالناصر، ونخوض في حوار مع تجربته وممارساته وأفكاره، في محاولة لاستكشاف حقيقة تلك التجربة الثورية وحقيقة تشكلها " في نفسه " وفي حركة الجماهير التي أعطاها الكثير وأعطته أكثر، وعن شكلها أو انعكاسها " في الحوادث " التي تعاقبت في حياته وبحضوره ثم من بعده وفي غيابه.
إن التقييم الذي يجري اليوم من قبل البعض، للدور التاريخي الذي قام به عبدالناصر ولفكره المتقدم في مرحلته، من خلال الفراغ الذي خلفه بغيابه عن مسرح الأحداث ، ومن خلال النكسات التي توالت من بعده ، على أرض مصر وفي أرجاء الوطن العربي ، شيء هام وجدير بالتأمل ، ولكن الأهم من ذلك، هو تقييمه وتثمينه عبر تحليل ونقد تجربته الثورية في مساره كله . فهي تجربة أمسكت بمسار الأمة العربية كلها وشدتها إليها كما لم تشدها في يوم من أيام تاريخها منذ قرون ، وشدت الجماهير، كما شدت بشكل أو بآخر، سلباً أو إيجاباً ، جميع فئاتها وقواها ، ولذا لا بد أن يكون نقدنا لها بالضرورة ، نقداً أعم وأشمل يتناول تيارات الثورة العربية ككل من خلال تجربة عبدالناصر، ثم إن قضية الثورة الناصرية ما زالت قضيتنا ، وأهدافها ما زالت أهداف جماهير أمتنا في مختلف أرجائها ، إلا أنها ثورة تعثرت وانقطعت ، ولا بد أن نعي بعمق عوامل التعثر والانقطاع ، ليكون هذا الوعي النقدي سبيلنا إلى تدارك هذا التعثر الكبير بل هذا الانحطاط الذي تردت إليه أوضاع النظم السياسية وتردت إليه الحياة الاجتماعية والثقافية لشعوب أمتنا، وتردت إليه حركة تحررنا ونضا! لنا، وليظل هذا الوعي النقدي متواصلاً ومتقدماً ، يضع جدلية الثورة ويدفع بحركة التاريخ . ولعل الخطأ الكبير الذي وقع به نظام عبدالناصر والأدوات التنفيذية لسلطته الثورية ، كما وقعت به ثورات ونظم ثورية أخرى ، هو أنها لم تساعد على تفتيح هذا الوعي النقدي ، أي تقدم الوعي الثوري عن طريق النقد المتواصل للتجربة الثورية في مساراتها كلها، ولم تعمل على خلق أدوات مثل هذا الوعي الجماعي ، الذي يصنع حيوية الثورة وتجددها المستمر، فضلاً عن أنها في عدد من مراحل هذه الثورة ، عملت ضد تفتح هذا الوعي النقدي وأدواته بحيث لم يمارس مثل هذا الطراز من النقد ( أي نقد الثورة لذاتها وتجربتها) إلا عبدالناصر ذاته . وكان هذا يأتي أحيانأ وبحكم الواقع والضرورات ، بعد أن تحل الكوارث والمصائب ، كما جاء النقد الذاتي لتجربة الوحدة ، بعد كارثة الانفصال، وكما جاء النقد لبنيان النظام وتكوين أجهزته وقياداته والأمور التي كانت من عوامل الهزيمة ، بعد أن وقعت الهزيمة في حزيران ( يونيه) . وإذا كان من الحق القول إن عبدالناصر قبل الهزيمة ، كان يعيش بنفسه ، استمرارية الثورة ( وكما قال في البداية عن نفسه في كلماته التي قدمنا به! ا مقالتنا) ، " داخل الدوامة العنيفة للثورة " يقود صراعاتها ويدفع بحركت ها إلى الأمام ويصارع أعداءها الكثر في الداخل والخارج ، فلقد كان يعيش أيضاً في إطار النظام البيروقراطي الذي يبسط مصالحه وهيمنته من حوله . وإذا كانت دوامة الثورة وحرارتها تشد الإنسان في كليته " لتخفي عنه بعض التفاصيل البعيدة عنها "، فلقد كان من طبيعة النظام البيروقراطي واللاديمقراطي الذي شيّد في ظل قيادة عبدالناصر، أن يغيّب عن عين " قيادة الثورة "، لا التفاصيل البعيدة، بل والكثير من الوقائع والكثير من القصورات والثغرات ومن المصالح اللاثورية والانحرافات، التي راهن عليها التآمر على الثورة والقوى المضادة للثورة والتي دخلت منها القوى المعادية ودخلت الهزيمة.
***
ونعود مرة ثانية إلى التاريخ ومنطق التاريخ، حيث تأخذ الحقيقة الإنسانية صيرورتها، وحيث تتسلسل الأ حداث وتتوالى، آخذة إيجابيتها معناها ، وحيث تفعل قوانين التطور والصراع لتدفع بمراحله وتحدد منحاها، وحيث يأخذ رجال الفكر ورجال السياسة التاريخيون دورهم في تحريك الوعي والدفع بحركة الأحداث وتحريض النقلة النوعية واختصار الزمن ، وحيث تأخذ الثورات الإنسانية للشعوب دورها في التغييرات التاريخية وتخطي المراحل ، ولكن التاريخ يبقى في تسلسله الزمني ماضياً وحاضراً ومستقبلا.
وإذا كان من منطق الفكر التاريخي ، أن يفسر الحاضر بالماضي ، وأن يجد الحدث الذي يمر الآن تعليله في توالي الأحداث التي جاءت قبله وما فعلت، كذلك فإن الماضي لا ينفصل عن حكم الحاضر عليه . والحدث التاريخي العظيم الذي تعيشه الأمة في مرحلة ، لا بد وأن يفقد الكثير من عظمته إذا ما توالت الإخفاقات من بعده وبسبب تلك الإخفاقات . وهكذا ينال كثيراً من شموخ المرحلة التي عاشتها أمتنا نضالاً وثورة وتقدماً في أيام عبد الناصر، وفي ظل قيادته وفي حضوره القومي والفاعل ، وينال كثيراً من عظمة تلك المرحلة، ما كان بعدها من انتكاس ، وما كان بعدها من ردات ومن تشتت وضياع . وذلك منطق الأمور في مراحل التقهقر الثوري ، وعندما تتوقف حركة الدفع نحوالمستقبل .
ولكن الظاهرة التي عاشتها أمتنا في مرحلة عبدالناصر وبحضوره القوي المتحرك على مسرح الأحداث ، هي أن المستقبل وآمال المستقبل أخذت تقتحم الحاضر وتفعل فعلها في حياتنا وترسم ملامحها عليها، وتؤجج حيوية الجماهير ونضالها اندفاعاً على طريق التغيير ودفعاً على طريق أهداف المستقبل ، أي أن تاريخنا بعد الركود الطويل ، أصبح تاريخاً هادفاً وأخذ يسير. ولكننا، وبعد غياب عبدالناصر عن مسرح الأحداث ، وبهذا الغياب لدوره الذي كان ، وبتدخل عدد من العوامل والقوى السلبية المضادة للثورة ولحركة تاريخ الأمة التي وجدت فرصتها في هذا الغياب ، تجمدت حركة تاريخنا وانغلق المستقبل وتاهت الأبصار دون الهدف وعادت رواسب الماضي تلقي بأثقالها على الحاضر، وتدور به في دوامة التأزم والتشتت والعجز.
إن عبد الناصر ما جاء، ومنذ البداية، نداء بالثورة وتاكيداً على ضرورتها ، لتغيير مجرى حياتنا وتاريخنا فحسب ، بل جاء وكأنه بدوره القيادي والمحرك فيها ، ضرورة من ضرورات تلك الثورة. جاء ليستشكف أمام جماهير أمته، مقدار ضياع حريتنا وقدراتنا ومقدار تأخرنا عن الركب الإنساني الصاعد، وليحرض في نفوسنا وحياتنا حافز الثورة لتدارك هذا التأخر وتحرير إرادتنا وإطلاق طاقات أمتنا ومبادراتها الإنسانية المبدعة.
والثورة التي قادنا عبدالناصر على طريقها ، لتحرير أوطاننا وإرادة جماهير أمتنا، ولتدارك تأخرنا واللحاق بركب التقدم والنهوض إلى مستوى العصر، لم تكن ثورة واحدة ومحددة ، لم تكن ثورة التحرر الوطني فحسب (حسب التحديد الأيديولوجي وحسب التحديد التاريخي والاجتماعي للثورات التي توالت في تاريخ الإنسانية) بل هي حركة تغيير ثوري ، تعددت وتداخلت مهماتها ومراحلها . وهي إذا ما انطبقت عليها تلك التسمية العامة التي تطلق على الثورات الوطنية لأقطار ( العالم النامي) ، أي الثورة الوطنية الديمقراطية المتعددة المراحل والمهمات التاريخية ، فإنها قد صاغت بذاتها ومن خلال مسارها، لحمتها الثورية الواحدة ، لتصبح ثورة الأمة العربية، لتحرير أوطانها وشعوبها، ولبناء اندماجها الوطني ووحدتها القومية، ولصنع تقدمها وبناء حياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جديد على طريق الحرية والاشتراكية .
فمن أين بدأ عبدالناصر ثورته ، أو بالأحرى ثورة الأمة العربية في مرحلة القيادة الناصرية لها ، وأين وقفت هذه الثورة وإلى أين تنتهي؟
نستطيع أن نحدد بالتأكيد أين ومن أين بدأت : إنها بدأت ثورة وطنية مصرية تخلع الملك وتسقط النظام الملكي ومعه حلفه الطبقي ، أي تسقطه كنظام اجتماعي وسياسي ، وتطرد الاستعمار وأعوانه . ولقد حققت ثورة عبدالناصر ، أول ماحققت ، ذلك الاستقلال الوطني الكامل للقطر المصري وحكم أبناء شعبه كما لم يتحقق منذ عشرات القرون .
إنها ثورة التحرر الوطني وهي تواصل مسارها، ولكنها، ولوجود عبدالناصر على رأسها وما جسده هذا الوجود لعبدالناصر، رجل التاريخ والمتعامل مع حركة التاريخ ، عبدالناصر المنفتح بكليته على الشعب وأحاسيسه وتطلعاته، والفاعل في حركة الجماهير والمتفاعل معها ، يصنع معها وبنضالها وبتقدم وعيها، حركة التاريخ ، فإن هذه الثورة أخذت صيغة الثورة المستمرة ، محددة أبعادها الأولى في أنها ثورة سياسية واجتماعية معاً ، صاعدة بهذه الثورة مراحل وأطواراً ، آخذة شيئاً فشيئاً بعدها القومي العربي دفعاً على طريق وحدة نضال الأمة ووحدة أهدافها ، وعلى طريق اندماجها ووحدتها، متطلعة إلى أن تكون ثورة شمولية تقدم تجربتها الإنسانية ومعانيها الحضارية .
تلك بداية وذلك مسار، أما أين انتهت وأين يمكن أن تنتهي مثل هذه الثورة، فقد قال عبدالناصر بعد عشر سنوات من البداية : يسألون أين نقف بثورتنا " لا أعرف أين نقف ، إننا لن نقف إلا عندما ينتهي استغلال الإنسان للانسان ... ". وهذه النهاية جدلية مثل جدلية الصراعات الاجتماعية والاقتصادية وجدلية التاريخ الإنساني ، وتظل مفتوحة على المستقبل .
إنها ثورة بدأت من استيعاب تاريخ النضال الوطني التحرري لمصر، ومن استيعاب مراحله السابقة وانتفاضاته الثورية، واستيعاب قصورات ذلك النضال وعثراته ، لتنتقل إلى استيعاب معطيات الحاضر. وهي إذا ما أعطت المقدمات الأولية لهذا الاستيعاب في كتاب " فلسفة الثورة " ، مؤكدة على الأبعاد الزمنية والأطر " المكانية " التي تتحرك فيها هذه الثورة فلقد جاء عبد الناصر ليوضح بعد ذلك هذا الاستيعاب ، في مقدمة " الميثاق الوطني " ، من خلال استعراض قصورات الثورة الوطنية المصرية لعام 1919 وعوامل انتكاسها وفشلها، وقد حدد ثلاثة جوانب من تلك القصورات :
" أولاً - إن القيادات الثورية ( في تلك المرحلة) أغفلت إغفالاً يكاد أن يكون تاماً مطالب التغيير الاجتماعي ، على أن تبرير ذلك واضح في طبيعة المرحلة التاريخية التي جعلت من طبقة ملاك الأراضي أساساً للأحزاب السياسية التي تصدت لقيادة الثورة ...
ثانياً - إن القيادات الثورية في ذلك الوقت لم تستطع أن تمد بصرها عبر سيناء وعجزت عن تحديد الشخصية المصرية، ولم تستطع أن تستشف من خلال التاريخ أنه ليس هناك من صدام على الإطلاق بين الوطنية المصرية وبين القومية العربية . لقد فشلت هذه القيادات في أن تتعلم من التاريخ ، وفشلت أيضاً في أن تتعلم من عدوها الذي تحاربه ، والذي كان يعامل الأمة العربية كلها على اختلاف شعوبها طبقاً لمخطط واحد...
ثالثاً- إن القيادات الثورية ( تلك) لم تستطع أن تلائم بين أساليب نضالها وبين الأساليب التي واجه الاستعمار بها ثورات الشعوب في ذلك الوقت..." .
وهكذا فعلى محور الصراع الاجتماعي والطبقي ، وعلى محور النضال الوطني والقومي العربي وعلى محور النضال ضد الاستعمار بأشكاله التقليدية والامبريالية الجديدة ، على هذه المحاور الثلاثة صاغت الثورة الناصرية حركتها التاريخية. ولكن عبدالناصر، وفي إطار الواقع التاريخي والجغرافي والسكاني لمصر، وفي إطار معطيات الواقع العربي وفواصل التجزئة القائمة بين أقطاره واختلاف أطوارها في التقدم والتحرر واختلاف نظمها، ثم وفي مواجهة ذلك الواقع المتجسد بقيام الكيان الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني التوسعي المدعم بالحلف الإمبريالي- الصهيوني العالمي ، أراد أن يجعل من مصر، القطر العربي الأكبر والأكثر تقدماً في اندماجه الوطني وتطوره الاجتماعي والثقافي وكذلك في موقعه الاستراتيجي الدولي، ذلك المرتكز الذي لا بد منه لبناء تلك الثورة بكل أبعادها الاستراتيجية والاجتماعية والوطنية والقومية والدولية ، وأن يجعل من تجربته في مصر النموذج والقدوة ، وأن يحمل مصر العبء الأكبر، وأن يجعل منها المرتكز الاستراتيجي لثورة الأمة ، تمشي في مقدمتها، وتدفع بحركتها وتقود تلك الحركة.
لقد قامت ثورات وحركات متعددة في أرجاء مختلفة من الوطن العربي ، بعضها جاء من قبل عبدالناصر، وبعضها في حضوره وبمساندته، وبعضها قام في منافسة ومن خلال ادعاء التقدم عليه... بعضها كان شامخاً شموخاً كبيراً وله رصيده العربي والدولي الكبير كثورة الجزائر حين مشت بنضالها الرائع إلى النصر، ولكن أياً منها لم تأخذ بعدها القومي وبعدها الشمولي مثل ثورة عبد الناصر، لعاملين اثنين هما : دور مصر وشعب مصر ومكانة مصر في الوطن العربي ، والدور التاريخي لشخصية عبدالناصر، ثم هناك علاقة قيادة عبدالناصر بجماهير الأمة ، تلك العلاقة التي لم تقم لقيادة غيرها .
وأذكر بهذا الصدد كلمة للرجل الذي كان رمزاً كبيراً من رموز الثورة الجزائرية والرئيس الأول لدولتها الوطنية المستقلة أحمد بن بلا . كان ذلك في شهر أيار (مايو) عام 1963 عند زيارة وفد رسمي وشعبي من " حركة 8 آذار (مارس) في سورية " للجزائر، وانفردت للحظة في إحدى مناسبات تلك الزيارة بالرئيس بن بلا ومعنا رجل ثالث ، وكان الحديث عن الوحدة الثنائية (مصر وسورية) أو الثلاثية (مصر- سورية - العراق) وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه قيادة ثورة الجزائر في التأثير على الجانبين الصديقين لها، دفعأ بمسيرة الوحدة إلى الأمام . وشاء الرجل أن يتحدث عن النقلة النوعية التي يمكن أن تحدثها الجزائر إذا ما دخلت في المسيرة الوحدوية، وعن إمكانية أن تحل الإشكالات بأن تأخذ القيادة الثورية الجزائرية دورها القيادي في تلك الوحدة . وجاء جواب أحمد بن بلا بما يعني على وجه التحديد: " قضيتكم اليوم أن تقوم وحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق ولا بد من التركيز على إنجازها، وهناك وجهة نظر هي أن تكون البداية بإعادة الوحدة بين مصر وسورية أولاً ، وهي وجهة نظر محقة لما تعنيه من إسقاط فعلي للانفصال وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي ! . أما موضوع الجزائر فإنني مؤمن بالوحدة وضرورتها ولكننا ما زلنا في بداية استقلالنا الوطني ولدينا مهمات كثيرة وعويصة لا بد من إنجازها لنضع أنفسنا على هذا الطريق . ولكن لتكن الأمور واضحة أمامكم ، لا وحدة إلا بمصر أولأ ولا وحدة إلا بعبد الناصر رئيساً لدولتها . فهناك مصر وحجم مصر أو دورها، وهناك أيضاً دور عبد الناصر كرئيس لمصر وشعبيته العربية . فلو افترضنا أننا انضممنا بالجزائر لوحدة من هذا القبيل ، فإنه سيكون من السهل علينا في مثل هذه الحال إقناع شعب الجزائر بالتصويت للرئيس عبدالناصر رئيساً له ولدولة الوحدة . ولكنني لا أتصور مطلقاً أن بالإمكان إقناع شعب مصر، بل ولا شعب سورية ولا أي شعب عربي آخر يدخل الوحدة ودولة الوحدة ، أن يكون رئيساً له غير رئيس مصر وغير الرئيس جمال عبدالناصر " .
فمصر والدور القومي الكبير لمصر، ومصر بعبدالناصر والحيز الذي شغلته قيادة عبدالناصر، عاملان استراتيجيان كبيران في إرساء معالم ثورة الأمة تلك ، وعبدالناصر، ومنذ حرب السويس عام 1956، جاء يحتضن قضية الأمة العربية كلها، ونضال الأمة على جميع ساحاتها، وعاش لهذه القضية ولذلك النضال بكليته وقضى على طريقهما وفي سبيلهما.
ولكن ثورة عبد الناصر التي كانت الثورة المستمرة والمتعددة المراحل والمتجددة صعوداً إلى الأمام، هذه الثورة أين كان توقفها، وما هو سر توقفها عند غيابه. ولماذا جاء هدا الانتكاس وصعود قوى الثورة المضادة من بعده، وصعودها في مصر أولاً لترتد بها عن طريق الثورة، ولتخرج بها عن طريقها الوطني والقومي الثوري ، وليسهل على قوى الثورة المضادة أن تمتد بعد ذلك إلى العديد من الساحات العربية. ذلك أن تلك الثورة ، ولو أنها احتضنت قضية الأمة العربية كلها، وكانت التعبير عنها في مرحلة أساسية من مراحل التحرر العربي والنهوض ، ومن مراحل تاريخها، فإنها كانت ثورة بمصر وبعبدالناصر، كحلقتين قويتين من حلقات تركيبها وتكوينها. وبعد أن ذهبت قيادة عبد الناصر دون أن تخلف بديلاً لها وفي مستوى دورها وفعلها، تحركت الثورة المضادة من داخل مصر وخارجها، بل ومن داخل النظام الناصري نفسه، لتضرب الحلقة الثانية ، ولتجهض مشروع عبدالناصر في الثورة العربية الشاملة.
إنها قوى الثورة المضادة من أعداء التقدم وأعداء تحرر الأمة ووحدتها، كانت دا ئماً موجودة وأمام كل عثرة من عثرات الثورة وأمام كل مأزق من المآزق التي مرت بها. كانت تتهيأ للانقضاض، ولكن وجود عبد الناصر والتحام حركة الجماهير به كانت تقف سداً في وجهها . لقد تهيأت للأنقضاض عند حرب السويس، وكذلك عند انفصال وحدة مصر وسورية . ولكن ذلك ما كان ليعطي إلا دفعاً جديداً للثورة ، ونقلة نوعية جديدة ، إلا أن قوى الثورة المضادة استطاعت أن تجد رصيداً لها داخل نظام حكمه أيضاً ، ومن خلال ثغرات في تكوينه وفي تركيبه الاجتماعي ومن قصورات ديمقراطية فيه. ومحاولة الانقضاض من داخل النظام لم تأت بعد غياب عبد الناصر فقط ، بل وجاءت عندما اهتز النظام واهتزت ثورة عبد الناصر، بل وثورة الأمة العربية كلها وما بيتت عند هـزيمة حزيران (يونيه)، وعبّرت عن نفسها في تلك المؤامرة العسكرية التي استجر إليها المشير عبد الحكيم عامر على رأس زمرة من قيادات الجيش المهزوم والأجهزة المتواطئة ، والتي تحركت في 11 حزيران (يونيه) للاستيلاء على الحكم ووقف في وجهها عبد الناصر بلا جيش، وإنما بحضوره وبحركة الجماهير العظيمة التي رفعته من ! جديد في 9 و 10 حزيران (يونيه) .
إن الكثيرين ممن كتبوا وبحثوا وأعطوا تقييمات لمرحلة عبد الناصر ولتجربته الثورية وقفوا عند الهزيمة ، هزيمة حزيران (يونيه) ، وأوقفوا ثورة عبد الناصر عندها، واعتبروها هزيمة لها، وإن اختيار الحرب لم يكن كاشفاً لثغرات فيها وثغرات نظامها فحسب ، بل وهزيمة لبرنامجها ونهاية وقفت عندها تلك الثورة .
والواقع أن تلك الهزيمة واختيار الحرب ، بالشكل الذي جاءا عليه، كانا اختباراً قاسياً وخطيراً لعبد الناصر وثورته، كاد يسقطه ويسقط نظامه، ولكن الجماهير التي تحركت في 9 حزيران ، في مصر أولأ ثم في أرجاء الوطن العربي الكبير، وقفت حائلاً دون هزيمة عبد الناصر وهزيمة ثورته ، وأحبطت حركة الثورة المضادة ، وأعادت عبدالناصر إلى موقع القيادة . لقد ذهل الكثيرون ، ولكن من غير العرب، في أن يروا جماهير أمة بأكملها تقف مثل هذه الوقفة وتسير وراء قائد خسر الحرب ، ذلك أنهم لم يدركوا طبيعة الرابطة والعلاقة الثورية التي قامت وتوطدت بين جماهير الأمة وعبدالناصر، وأن حضوره في تلك المرحلة أصبح وكأنه من مستلزمات استمرار ثورتها بل ومن مستلزمات تاريخها.
إنها واحدة من المواقف القليلة التي وجد فيها عبد الناصر الجماهير أمامه لا وراءه ، بل وعندما كانت الجماهير تطالبه بالعودة لقيادة ثورتها، كانت أمامه. وهذا ما استوعبه عبد الناصر كلية، واستجابته لإرادة الجماهير في العدول عن استقالته، أخذ بها كإرادة للجماهير في التغيير، وفي تجديد حيوية الثورة وتصحيح مسارها.
إننا نعيش اليوم، وبعد أربعة عشر عاماً من " حرب الأيام الستة " مرارة الهزيمة بكل أبعادها ليسود هذا الجو من التمزق الرهيب الذي تعيشه أمتنا ضياعاً عن أهدافها، وعجزاً عن التصدي لآثار تلك الهزيمة ذاتها. فتلك الهزيمة كشفت ، حتى العظم، عن ضعف ما بناه التقدم العربي ، بل عن ضعف بنيان نظام عبد الناصر الذي كان متقدماً على كل ما عداه من النظم العربية. ولكننا نظلم ثورة عبد الناصر ونظلم تاريخ أمتنا إذا ما وقفنا بتلك الثورة عند تلك الهزيمة أو عند هذا التردي الذي آلت إليه أوضاعنا العربية اليوم وأغفلنا تلك المرحلة التي جاءت في أعقاب الهزيمة مباشرة ، ورداً عليها، وإذا أغفلنا النهج الذي سار فيه عبدالناصر تصدياً للهزيمة ونتائجها، وحفاظاً على مكتسبات الثورة وأهدافها . وحري بنا أن نقول عن عبد الناصر بهذا الصدد ما قاله في كلمته التي ألقاها بمناسبة ذكرى الثورة في 23 تموز في أعقاب الهزيمة مباشرة : " إنني أثق أن أجيالاً قادمة سوف تلتفت إلى هذه الفترة وتقول : كانت تلك من أقسى فترات نضالهم، لكنهم كانوا على مستوى المسؤولية وكانوا الأوفياء بأمانتها... " .
ولكن الهزيمة، ثم عودة عبدالناصر إلى قيادة الأمة من جديد تحت شعار " إزالة آثار العدوان " الذي رفعه عبد الناصر شعاراً مرحلياً لمعركة " لا بديل عن النصر فيها " أدخل الثورة الناصرية في طور جديد، ووضعها أمام تلك المهمة المرحلية التي أصبحت متقدمة على كل ما عداها من المهمات ، وكأنها رهنت تلك الثورة لها ، وأوقفتها عند إنجازها، لتقوى على تثبيت استمراريتها من بعدها . ولكنها أيضاً، ومن خلال ذلك الهدف المحدد الذي حصر عبدالناصر مهمته التاريخية في تلك المرحلة بإنجازه ، فقد كان مطالباً بمراجعة مساره الاستراتيجي كله .
إن الجيوش قد هزمت في الحرب ، ولكن إرادة الأمة لم تهزم ... هذا هو المؤشر الذي استمده عبد الناصر من حركة الجماهير عندما عاد إلى موقع القيادة ، وراح يجدد المسار واعتبر أن تلك الهزيمة مسؤوليته من خلال موقعه القيادي الذي كان يحتله في نضال الأمة ، وأن إزالة آثار تلك الهزيمة أصبحت مهمته الأولى التي لا بد له أن يحمل أعباءها كلها، ثم يكون بعد ذلك، حكم الأمة عليه وعلى ثورته، وحكم التاريخ .
وموقفه منذ العاشر من حزيران (يونيه) لعام 1967 يمكن أن يتلخص بكلمات : لقد قاد الأمة وهزمت في معركة حربية، وأعادته الأمة إلى قيادتها فلا بد أن ينتصر. وصب كل جهده وبكل ما يطيق انسان وبكل ما يفكر ويعمل ويقوى ، على أن يجعل الهزيمة معركة في حرب لم تتوقف ولم تنته ، والانتصار في تلك الحرب أصبح الضرورة التاريخية التي لا بديل عنها، وليس لاسترجاع الارض المحتلة واجلاء العدو عنها فحسب، بل تاكيداً لقضية ثورة الأمة ولاستمراريتها وقدرتها على انجاز مهماتها وتحقيق أهدافها.
لقد ظل عبدالناصر هو نفسه من حيث توجهه العام الفكري والسياسي ، الوطني والقومي والاشتراكي، ومن حيث مبادئه ومنطلقاته، ولكنه انتقل نقلة نوعية الى طور جديد، وأضاف وأصبح شيئاً جديداً وتسلح بخبرات جديدة . لقد ظل الثورة ، ولكنه أصبح عقلنة الثورة وعقلانيتها التي تضع كل شيء على محك الواقع الملموس وعلى محك الجدوى .
كان مسار عبدالناصر، كما قال في كثير وكثير من المرات، التعلم من التجربة والخطأ. ولكن بعد الهزيمة لم يعد هناك أمامه من هامش كبير للخطأ ولا من مجال للتجربة ، فالممارسة لا بد أن تخضع لمنهجية واضحة كل الوضوح وأن تكون حساباتها دقيقة سواء في التخطيط أو في التطبيق والعمل .
وتقدم عبدالناصر بعد الهزيمة، وبجهد خارق لا يقبل التردد والكلل، تقدم على طريق بناء قوة مصر وصمودها، جدد بناء جيشها وتسليحه وتدريبه وترسيخ قوته ، وزج في صفوفه بكل خريجي الجامعات وكل الكفاءات المتاحة، ونقله أيضاً نقلة نوعية . وجدد بناء الدولة والنظام وأسقط ما قوي على اسقاطه من داخله، من ترهل ومواقع قوى وأجهزة مخابراتية ومعوقات . وصمد بالاقتصاد رغم الخسائر الكبرى ، وعزز حركة الا نتاج وأعطى لحركة الجماهير حيزاً أوسع من الرقابة على الدولة ومن الدفع بها. ولو أن وعد " الديمقراطية السليمة " ظل وعداً مؤجلاً في جوانب عديدة منه، والى أن ينكسر العدوان . لقد أحدث تغييرات في إطار التنظيم السياسي والتنظيمات الشعبية والحكومية والمجالس وأبقى المجالس واللجان بحالة انعقاد الى أن تنتهي المعركة ثم يأتي التقييم والحساب والتغيير الثوري .
بل وعندما تحركت مظاهرات العمال والطلاب في وجه النظام في أواخر شباط ( فبراير) لعام 68 ، احتجاجاً على ضعف الأحكام التي صدرت بحق العسكريين الذين تسببوا بهزيمة حزيران (يونيه)، واصطدمت مع قوات الأمن ، لم يقف ليندد بتلك التحركات الشعبية ، بل اعتبرها دليل صحة وعافية ولو أنه كشف عن طبيعة بعض القوى المضادة للثورة التي تحاول ان تستغل هذه الاجواء في ظروف الحرب ونادى " لا يجوز أن تقع الثورة في تناقض مع الجماهير صاحبة الحق في الثورة وصاحبة المصلحة الحقيقية في الثورة أو أن تقع في تناقض مع العمال أو الطلبة أو مع جماهير الشعب العامل ... " بل وجد في ذلك التحرك الشعبي دليلاً على أن جماهير 9 و 10 حزيران ( يونيه) ما زالت يقظة وتطالب بالتغيير وتطالب بالحساب ومضى على طريق التغيير وعلى طريق المعركة، وقدم ترجمة عملية لذلك في بيان 30 آذار (مارس) ، الذي جاء برنامجاً مرحلياً لانجاز المهمات الضرورية واللازمة لتحقيق الهدف المرحلي، هدف إزالة آثار العدوان .
ولكن بيان 30 مارس كما جاء محدداً بذلك الهدف المرحلي الذي وضعته الهزيمة على طريق الثورة، ظل منهاجاً مرتبطاً كل الارتباط بالبرنامج الاستراتيجي الأساسي للثورة ، وهو البرنامج الذي نص على منطلقاته ومقوماته وأهدافه " ميثاق العمل الوطني " .
لقد أصبح منهاج " ازالة آثار العدوان " في تلك المرحلة معياراً للثورة يحكم مسارها ويراجع ويعدّل في عدد من مواقفها وانجازاتها، ولكنه ظل منهاجاً في الخط الأساسي للثورة ، يرصد بعدها التاريخي العام والتزامها بأهداف الأمة. وكما قال عبدالناصر في خطبته التي افتتح بها " مجلس الأمة الجديد " في 30 كانون الثاني (يناير) عام 1969، نعمل سياسياً ونناضل عسكرياً لدحر العدوان ونظل دائماً تحت نفس الأعلام التي وقف تحتها نضالنا الوطني والقومي... مهما حاولت قوى الاستعمار... ومهما حاولت قوى الاستغلال... ومهما حاولت اسرائيل أداة هذه القوى كلها ... سوف نظل دائماً تحت علم التحرير. وسوف نظل دائماً تحت علم الاستقلال الوطني . وسوف نظل دائماً تحت علم الوحدة العربية. وسوف نظل دائمأ تحت علم الاشتراكية. وسوف نظل دائماً تحت علم عدم الانحياز..." .
ولقد وقف بعد ذلك بأيام ، ليقول في 29 كانون الثاني (يناير) عام 69، في افتتاح المؤتمر الرابع للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب : " إن الأرضية الأصلية وراء الصراع العربي الاسرائيلي هي في الواقع وعلى وجه الدقة أرضية التناقض بين الأمة العربية... وبين الاستعمار... وفيما مضى كان سلاح الاستعمار ضد الأمة العربية هو سلاح التمزيق . وبعد حربين عالميتين تعاظم الإيمان بالوحدة العربية فقد لجأ الاستعمار الى اضافة سلاح التخويف الى سلاح التمزيق ... وسلم وطناً من أوطان الأمة العربية غنيمة مستباحة للعنصرية الصهيونية المدججة بالسلاح لكي يتم تكريس التمزيق للأمة العربية ولتحقيق تخويفها باستمرار... فضلاً عن استنزاف كل امكانيات القوة العربية ... ولقد زاد من حدة التناقض بين الأمة العربية والاستعمار ظهور الحركة التقدمية العربية بقيادة الفلاحين والعمال العرب ، الأمر الذي دفع الاستعمار الى مغامرات عنيفة ومخيفة ، عبرت عن نفسها... بحرب السويس ، ثم عبرت عن نفسها مرة ثانية سنة 1967 في ماعرف فيما بعد بحرب الأيام الستة والتي هي في الحقيقة حرب لم تنته حتى الآن".
وفي هذا المجال بالذات فقد استطاع عبدالناصر أن يقف في وجه الهزيمة ويصمد لها وأن يحولها الى اندحار في معركة لحرب ما زالت متواصلة . ولقد تواصلت فعلاً ، بدءاً من حرب المدافع على السويس وهجمات الكوماندوس المصري ، وصولاً الى حرب الا ستنزاف ، وإعداداً للانتقال الى حرب التحرير. وكان في تقديرات عبدالناصر أن ينتقل الى تلك الحرب التحريرية وعبور القنال قبل نهاية عام 1970. واذا ما أشهر البعض هنا في وجهنا اعتراضاً ، حول قبول عبدالناصر بمبادرة روجرز في تموز (يوليو) من ذلك العام، واذا ما استغل ذلك القبول في حينه، كما استخدم من بعد وفاة عبدالناصر من قبل القوى المعادية لثورته للتشكيك بتصميمه القاطع على التحرير، فان ذلك القبول وفي السياق العام الذي جاء فيه، وفي إطار ممارسات عبدالناصر كلها في تلك المرحلة، الداخلية والعربية والدولية، يأخذ مكانه الواقعي كتكتيك بين جملة التكتيكات التي سار فيها عبدالناصر، وبدءاً من القبول بقرار مجلس الأمن رقم 242، لاعطاء آفاق للعمل السياسي وللتعامل مع القوى الدولية والفعل فيها، ثم كان ذلك القبول فرصة لالتقاط الأنفاس العسكرية في مهلة ايقاف إطلاق النار المحددة ، لاست! كمال الاستعداد للعبور وتقديم سلاح الصواريخ الى جبهة القتال ...
وأذكر بهذا الصدد كلاماً سمعته من عبدالناصرفي لقاء كان لي معه في الاسكندرية في آب (أغسطس) عام 1969. كان موضوع ذلك اللقاء تعاون سورية مع مصر في معركتها المصيرية هذه أي " معركة ازالة آثار العدوان " وما هو مطلوب من القوى الوحدوية في سورية من مواقف ايجابية لتعزيز هذا التعاون لصالح المعركة والانتصار فيها. وما كنت بحاجة لطرح بداية السؤال : أين أصبحنا على طريق المعركة... لأرى كل شيء صريحاً وواضحاً أمامي ، فلقد كان عبدالناصر مأخوذاً بكليته للاعداد لها فكرياً ونفسياً ، وسياسياً وعسكرياً ، وبخاصة عسكرياً . والشعارات التي كنا نسمعها تتردد على لسانه في كل خطاب وتصريح ومناسبة " لا بديل لنا عن النصر في هذه المعركة... وما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة... " كانت مترجمة الى وقائع وانجازات وخطط ، وكان حينها يستعد لمباشرة حرب الاستنزاف وقال : " لقد نفد صبر شعبنا ، إنني أعيش مع الشعب إحساسه هذا. لقد بذلنا جهداً كبيراً لكي يصبر علينا شعبنا، اذ لا بد أن يكون إعدادنا كبيراً وكاملاً ... إن لدينا اليوم نصف مليون جندي ونيّف تحت السلاح، ولقد تدربوا وبسرعة مذهلة ووصلوا الى كفاءة ممتازة ، وسنصل بهذا الج! يش المؤهل الى مليون جندي . لقد كنت اليوم في اجتماع عسكري مشترك على مستوى القيادة العليا، إن تقدير قيادة أركان جيشنا، وكذلك تقدير الخبراء السوفيات الذين يشاركوننا ، أن جيشنا قادر اليوم على خوض معركة ناجحة ضد اسرائيل واجتياز القنال إلى الضفة الشرقية، ولكن المسألة لا يمكن ان تتوقف عند معركة محدودة ( كما كانت تتحدث بعض الصحف ذلك الحين) ولا عند اجتياز القنال . ان معنويات جنودنا وضباطنا رائعة ويريدون القتال ، والشعب يدفع بقوة ويريد، ولكن المعركة لا بد ان تمضي في طريقها كحرب تحرير، وأن تواجه مختلف الاحتمالات السياسية والعسكرية لعدونا الاسرائيلي ومن وراءه. إنني ما زلت بحاجة ، وفي المسار الذي نحن عليه الى سنة أو سنة ونصف تقريباً لاستكمال مستلزمات هذه الحرب، وكذلك للاستفادة من دعم أصدقائنا السوفيات والسير بهم الى التزام أقوى بمعركتنا هذه في مواجهة التزام أميركا باسرائيل ، ووجودها العدواني على أرضنا... ولكن هذه المدة من الاستكمال لن تكون مجرد إعداد وانتظار، بل سنشن فيها حرب الاستنزاف ، إن هذه الحرب الأولية ستؤهل جنودنا اكثر وتحافظ على جاهزيتهم القتالية، كما ستشد جماهير شعبنا من الداخل! ، وجماهير الأمة العربية دفعاً على طريق المعركة واستمراريتها الى أن نح قق هدفنا كاملاً ... " .
وفي ذلك الحديث، كما في كل المواقف والأحاديث ، كان تصميم عبدالناصر قاطعاً . وكان تطلعه المستقبلي وتطلعه لاستمرارية الثورة ولأهداف الأمة، من خلال إنجاز تلك المهمة، مهمة الانتصار في حرب " إزالة آثار العدوان " .
كذلك كان موقفه في تلك المرحلة، عندما يطرح عليه الكثير من المسائل والقضايا الكبرى ، كمسائل الوحدة مثلا ، أو مسألة الثورة الفلسطينية وفصائلها، أو مسائل وحدة قوى الثورة على المستوى القومي، ووحدة أداة تلك الثورة.
ولكن عبدالناصر، ومن خلال موقعه القيادي ومسؤولياته، اذا ما ظل محاصراً في تلك المرحلة بذلك الهدف المحدد، واذا ما حصر همه بإعادة بناء جيش مصر المقاتل ، وببناء صمود المجتمع المصري من ورائه ، وبالفعل في السياسة العربية والدولية لصالح ذلك الهدف ، فانه لم يضع قيداًً بذلك على حركة القوى الثورية العربية الأخرى في أن تعمل لما هو أكثر من ذلك الهدف أو لما سيكون بعده. فعبدالناصر ولو أنه أراد تحديد دوره في تلك المرحلة بازالة آثار العدوان ، فان الدور التاريخي الذي أعطته له جماهير الأمة ظل يحاصره ويطالبه بما هو أكثر، وموقفه من المقاومة الفلسطينية واضح وصريح في هذا المجال . فمنذ البداية وفي مرارة الهزيمة، وجد في صعود النضال الفلسطيني المقاوم، وبخاصة في عمليات حركة فتح ، ومضة رائعة من ومضات الأمل ومن التأكيد على الحيوية الثورية للأمة وعلى استمرارية الكفاح من أجل القضية... ولقد وجد أن من الطبيعي بل ومن الضروري أن ترفض المقاومة ويرفض الفلسطينيون ما قبلته مصر من قرارات مجلس الأمن ، وأن لا يوضع أي قيد على حركة المقاومة ونضالاتها ، وما كان يريد لها الا ان تصمد وتستمر وأن تكون بحق طليعة متقدمة من ط! لائع الثورة العربية، وليس دفعاً على طريق " إزالة آثار العدوان " ، فمهمتها لا تتحدد بهذا الهدف، بل ولما بعد ذلك ولما هو أبعد من ذلك بكثير. ولقد ظل ثابتاً عند هذا الموقف من المقاومة، رغم الكثير من الانتقادات والتجريحات التي نالته من بعض عناصرها وفصائلها، ورغم تحريضات تلك العناصر العنيفة ضده والتشكيك بمساره . وبخاصة عند قبوله مبادرة روجرز، وهو لم يسكت صوتها الاذاعي في القاهرة لفترة الا بعد أن أصبحت تحريضاً ضده داخل مصر ذاتها ، وعندما وقعت الواقعة مباشرة بعد ذلك وحل أيلول الأسود، كانت له وقفته المشهودة في الانتصار لها ، وكان إرهاقه من تلك الأحداث الدامية وعذابها ، الطعنة الأخيرة التي وجهت لقلبه فقضى .
ومثال آخر: موضوع الوحدة العربية والدفع على طريق خطوات وحدوية . فلقد كان شاغله الوصول في تلك المرحلة الى أقصر ما يمكن الوصول إليه من التماسك العربي في وجه مخططات أعداء الأمة، وتوظيف كل ما يمكن توظيفه من طاقات الأمة الجاهزة لصالح المعركة واسكات كل ما يمكن اسكاته من تناقضات أمام ذلك التناقض الخطير بين مصلحة الأمة ككل ، وبين عدوها الاسرائيلي المحتل لأرضها والحلف الصهيوني- الامبريالي المساند له. وكثيراً ما كان قادة النظام السوري ذلك الحين يطرحون عليه في لقاءات التنسيق معه تمنيات تتعلق بموضوع الوحدة والقيام بخطوات وحدوية بين مصر وسورية. وكان يجيب : " دعونا الان نعمل للمعركة وللتنسيق من أجلها ولوحدة القوة فيها، وأخشى أن يؤدي فتح ملف الوحدة الى إثارة تناقضات نحن بغنى عنها الآن " . ولكن هدف الوحدة، وقوة الوحدة لم يغيبا عن فكره واستراتيجيته الشاملة يوماً ، بل وعندما جاءت ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول) في ليبيا كومضة ضياء جديدة في أيام النكسة، ورافداً جديداً للنضال العربي ، أصبح من اهتماماته الكبرى أن ينجح نظام تلك الثورة ويثبت ويقوى . ولقد جاءت الثورة الليبية منذ بدايتها تطرح عليه قضية! الوحدة ، وكان في ذلك بعض الارباك لعبدالناصر ولخط سيره في مواجهة ضرورات المعركة، وأراد لتلك الثورة أن تصلّب عودها في البداية بنفسها . ولكنه عندما جاء لزيارة ليبيا في حزيران ( يونيه) عام 1970 بمناسبة احتفالها بجلاء القوات الأميركية عن قاعدة " عقبة بن نافع "، وتعرف عن قرب الى ما تواجهه القيادة الثورية الفتية من مصاعب ، فان تخوفه على تلك الثورة فرض عليه أن يفكر بالحل الوحدوي . لقد كان رئيس الجمهورية السورية ذلك الحين ( الدكتور نور الدين الأتاسي) موجوداً معه بتلك المناسبة في ليبيا ، وأرسل عبدالناصر يوقظه من نومه قبيل الفجر ( وبعد اجتماع طويل لعبدالناصر مع قيادة الثورة الليبية حتى ذلك الوقت) ليطرح عليه موضوع الوحدة واقامة اتحاد ثلاثي بين مصر وسورية وليبيا . لم يرد عبدالناصر أن ينفرد بوحدة مع ليبيا، لما يمكن أن تعطيه تلك الوحدة من انطباعات في بسط الهيمنة المصرية عليها. وأخذت الحماسة ليلتها مأخذها بالجميع، وذهبت الاستعدادات الفورية لتنقل في طائرة واحدة الرؤساء الثلاثة صباح اليوم التالي ( وكان يوم جمعة) ليصلوا صلاة الجمعة في المسجد الأموي ، وشكلت لجنة متابعة. وسافر بعدها عبدالناصر ! مباشرة الى الاتحاد السوفياتي . وكان من أخطر الموضوعات التي طرحها على ا لزعماء السوفيات في لقائه الأخيرمعهم، فضلاً عن مواضيع التسليح وشبكة الصواريخ والمواقف الدولية ، موضوع الوحدة، فلقد كان يهم عبدالناصر، أن يكون هذا الأمر وضروراته واضحاً أمام السوفيات وأن يكون موقفهم ايجابياً منه، وأن لا يعطي أي انعكاس سلبي على مساندتهم لعبدالناصر وللأمة العربية في معركتها ضد العدوان، ولقد كان التفهم السوفياتي جيداً والاستجابة معقولة . وعاد عبدالناصر، وظل للمعركة أولاً، وأعلن في 23 تموز (يوليو) قبول مبادرة روجرز وقبول وقف اطلاق النار ثلاثة أشهر. وذهب عبد الناصر، وأخذت المطامح والمطامع فرصتها، وتقدمت في الساحة ولكن على طريق غير طريق عبدالناصر، ووضعت نفسها في تعارض مع حركة الجماهير بل وفي تصادم معها غالباً ، وليس في تفاعل معها ومع طموحاتها.
***
هذا تاريخ أمتنا وقيادة عبدالناصر كانت قمة فيه، ومن بعدها كان الانحدار الذي لم يتوقف . ومن قبل عبدالناصر كانت هناك مقدمات وانجازات على طريق النضال القومي، وأمسك عبدالناصر بتلك المقدمات والانجازات كلها ، وصاغها فكراً وممارسة وعملاً ، صياغة نهضت بالأمة وتقدمت بثورتها مراحل وخطوات . وكانت هزيمة حزيران (يونيه) الامتحان الرهيب الذي كاد يسقط تلك القيادة ويسقط تجربتها الثورية . شيء واحد بقي وقتها في الساحة هو القوة العفوية لحركة الجماهير، تلك القوة الثورية التي وقفت في وجه السقوط ووجه الهزيمة وأعادت عبدالناصر ليتابع مهمته التاريخية، وقد حدد مهمته المرحلية بعدها بازالة آثار العدوان ، وقضى قبل إنجاز هذه المهمة . والجماهير الهائلة التي رفعته من السقوط هي نفسها التي مشت تشيع جثمانه منادية بتصميم واحد " حنكمل المشوار " ... ولكن المشوار انقطع فالجماهبر تفرقت ولم تجد أمامها من يحشدها من جديد على طريق أهدافها ، ولم تجد من يواصل بها المسار. ذلك أن طريق عبدالناصر كان قد انقطع أيضاً بغيابه ، لأن حضوره كان مقوماً أساسياً من مقومات ذلك الطريق، ووجوده كان يشد ثورية الجماهير الى الأمام . وذلك أن ع! بد الناصر هو الذي صاغ تلك العلاقة الحية بينه وبين جماهير الشعب، وكان يندمج بأحاسيسها ومطالبها بحيث يكاد يتوحد معها، وبهذا التعامل معها كان يحس نبض حياة الأمة وتاريخها، ويتعامل مع حركة التاريخ . وفي وجه من ينادون المعلم والقائد كان يقول دائماً : الشعب هو المعلم والشعب هو القائد، ما كان يقول لقد فعلت وأنا حققت ، بل كان يقول ارادة الشعب حققت والشعب هو الذي طور المبادىء و" لقن طلائعه أسرار آماله الكبرى ... وأقام من وعيه حافظاً لها ... ".
ما أراد عبدالناصر أن يمارس ذلك الدور الأبوي الذي تتسم به وتفرضه على جماهير شعبها الدكتاتوريات الشرقية السائدة في الأقطار المتخلفة ، بل كان ينادي " إرفع رأسك يا أخي... " وما كان يخاطب جماهير الشعب بيا أبنائي ... بل كان خطابه دائماً أيها الأخوة المواطنون ... ". وفي وقفته الأخيرة مع الشعب ، وفي آخر كلمة خاطب بها جماهير الأمة ، عبر منصة المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي في 26 تموز (يوليو) عام 1970، تلك الكلمة التي وصفت بأنها كانت ما يشبه " الوصية " أعطى شهادة للتاريخ عن محصلة النضال الثوري لشعبه ، بل عن محصلة نضاله هو بالشعب ومع الشعب ومن أجل قضية الأمة، وعن محصلة تجربته الثورية حيث قال :
"... ويضاعف من قيمة المكتسبات الهائلة في ضمير الشعب المصري ، أن تجربته التاريخية كانت على مر العصور أوسع من مصلحته الذاتية ، وأكبر من حدوده السياسية وذلك بحكم انتمائه العضوي إلى أمة عربية تعيش في قلب العالم جغرافياً وحضارياً . ولست أريد ان أعود الى الماضي وصفحاته المشرقة، وانما يكفينا استعراض ما لا يزال حياً في أذهاننا منذ اليوم الذي ارتفعت فيه أعلام ثورة 23 يوليو... إن الشعب المصري تحت أعلام هذه الثورة رفض السلامة عن طريق الانعزال ، ورفض الأنانية برفض كل مغرياتها الوقتية ، لقد جعل قضية أمته قضيته ، وعاش النضال من أجلها بحياته، وكان في ذلك يصدر عن وعي بمسار التاريخ لم يساوره فيه شك أو تردد، أثبت أبناء هذا الشعب دائماً أنهم الأمناء ... الأمناء بالكلمة... والأمناء بالفعل ... لم تكن الحرية والاشتراكية والوحدة بالنسبة له كلمات وانما كانت الحرية والاشتراكية والوحدة بالنسبة له أعمالاً ، بل كانت كلها بالنسبة له قتالاً . وليس هناك علم شريف يرفرف على الأرض العربية الا وكانت يد الشعب المصري أول الأيدي التي امتدت لتساعد على اقامته . وليست تعنينا في ذلك شهادة أي فرد وانما تعنينا في ذلك! شهادة التاريخ مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان " ...
تلك كانت محصلة مرحلة عبدالناصر، وكان شعب مصر بعبدالناصر، وكان عبدالناصر بشعب مصر بل بشعوب الأمة العربية المتطلعة الى وحدتها كلها. ولكن عبدالناصر، وكما قال أحد الكتاب اليساريين العرب " وصل بجماهير مصر وجماهير الأمة العربية الى منتصف الطريق ثم قطعها... وصل بها الى مستوى جديد من الوعي السياسي الوطني والقومي بل والتقدمي الاشتراكي ، ولكنه لم يصل بها الى انضاج تجربتها الديمقراطية في بناء تنظيمها وعلاقاتها ولم يصل الى إكمال الأيديولوجية التي تطابق واقعها وثورتها، وترسم بوضوح مسيرتها الى أهدافها. والقطيعة أو الانقطاع جاءا من حيث أنه لم يبن الضمانة ولم يبن البديل الذي يواصل المسار بوجوده ومن بعده . لم تكن تلك ارادته، أي أن يكون في موقع البديل دائماً ، وفي موقع الأبوية والاتكال عليه ولكن هكذا جرت الأمور، ولمجريات الأمور أسبابها وقوانينها، ولكن الوقائع استقرت على أن تظل ايجابيات عبدالناصر في مسار تجربته هي ايجابيات تقدم الأمة، وعلى أن تكون الثغرات التي خلفها من حوله ومن بعده ، هي الثغرات التي نفذت منها قوى الثورة المضادة ، ومنها دخل الارتداد والتحول عن طريق عبد الناصر وطريق ثورة الأم! ة الواحدة .
لقد أشار عبدالناصر أكثر من مرة الى واحدة من تلك الثغرات في تجربته ونص على ذلك في الميثاق بقوله "... إن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة، كذلك فان هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري " ... ولكن ما لم يقله عبدالناصر هو أنه بحضوره ، وبحركة فعله وحركة فكره ، كان يسد حيزاً من هذا الفراغ في حياة الجماهير وفي تقدم حركة الثورة . واذا ما كان لهذا الدور ايجابياته فلقد كانت له سلبياته أيضاً ، فمثل ذلك الاكتفاء بقيادة عبدالناصر وترله الأمور لمبادراتها ، كان حائلاً دون الدفع على طريق سد تلك الثغرة ، وبذلك أضعف جانبآ من جوانب بناء أداة الثورة وتنظيمها ، ليفقدها بالتالي ضمانة استمراريتها من بعده .
ولكن هل كانت تلك مسؤولية عبدالناصر وحده؟ أم أن مثل تلك القصورات والثغرات مرتبطة بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية العامة لأمتنا التي تحرك من خلالها نضالنا الوطني والقومي وتحرك من خلالها عبدالناصر، مرتبطة بمستوى تطور الوعي السياسي والأيديولوجي للطلائع المثقفة من أمتنا وللقيادات التي تقدمت على رأس حركات النضال العربي بمختلف فصائلها وأحزابها وتنظيماتها ، وإلا فلماذا لم يأت من يسد ذلك الفراغ من بعده ، أو لماذا لم يقم البديل بوجوده؟ ذلك أن هذه القصورات كانت مرتبطة بقصورات الجانب الديمقراطي في التجربة .
وهذه مسألة أساسية تستحق أن نقف عندها ، لأن الاجابة عليها هي التي تضعنا على طريق تكملة ذلك " المشوار " الذي انقطع ، " مشوار" الثورة العربية الذي مضت فيه قيادة عبدالناصر بنهج معين ، عبر مراحل وأطوار متعددة ، وكانت له مقدماته ثم كانت له انجازاته وانتصاراته كما كانت له قصوراته وانكساراته. أي هي التي تضعنا في النهاية أمام ما تتطلبه المرحلة الراهنة - مع هذا التمزق والانتكاس
الذي تمر به أمتنا- من صياغة جديدة لحركة الثورة ولمنظورها وبرنامجها وقواها . ثم إن وقوفنا على تجربة عبدالناصر بكل معطيـاتها ، لا يردنا الى مرحلة مضت وفات زمانها ، بل هو يضعنا في صميم المسائل التي نواجهها اليوم في حاضرنا وفي تطلعنا للمستقبل . والواقع أيضاً أن العديدين منّا، فى أيام عبدالناصر وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته ، كانوا يتساءلون ويسألون أنفسهم ، ماذا سيحل بقضية أمتنا ووقفتنا النضالية اذا انتهى أو غاب عبد الناصر. أي أننا كنا ندرك ، لا ما يجسده حضور عبدالناصر وقيادته للأمة من ايجابيات فحسب ، بل ولما يغطي عليه هذا الحضور، بل ويموهه أحياناً من ثغرات و من سلبيات ، وما تؤدي إليه هذه التغطية في النهاية من قصورات في إنضاج الوعي الثوري والتجربة الثورية لحركة الجماهير وتنظيمها . ولكن وعي القصور لا يعني بالضرورة تداركه، لأن القصور لا يبقى محصوراً في اطار تجربة عبد الناصر وما قوي عليه ، بل هو قصور في حركة نهوض الأمة وفي تطور الوعي التقدمي لطلائعها الثقافية والسياسية : والا فلماذا بقينا قاصرين عن ملء ذلك الفراغ وتدارك ذلك التقصير بحضور عبدالناصر وبخاصة بعد غيابه؟
فعبدالناصرلم يكن نسيج ذاته أو قائماً بذاته ، بل هو نسيج مرحلة في تاريخ أمتنا، وأياً ما كانت ثغراتها فلقد كانت مرحلة نهوض وتقدم . وعبدالناصر اذا ما جسد صورة نموذجية للرجل التاريخي، كما هو الأمر بالنسبة للرجال التاريخيين العظام الذين برزوا في حياة الأمم وكان لهم دورهم التاريخي ، فانه لم يأت استثناء بل تجاوباً مع ظروف أمة وتلبية لحاجتها وتعبيراً عنها ، وكما قال عبدالناصر ذاته " ما أنا الا تعبير عن القومية العربية في مرحلة من حياة الأمة... " .
إن المسائل الديمقراطية كانت مطروحة في وجه النظام الذي كان يرأسه عبدالناصر في مختلف مراحل تطوره وانتقالاته الوطنية والقومية والتقدمية والاشتراكية . كانت مطروحة من اليسار ومن اليمين أيضاً بصيغ مختلفة. واذا ما غطت الشخصية التاريخية لعبدالناصر وجماهيريته وانجازاته وخطواته المتقدمة على من سواه ، واذا ما غطت في قليل أو في كثير، على القصورات الديمقراطية في نظامه وممارسات ذلك النظام ، فانها اليوم وبعد ذلك الارتداد الكبير من بعده وهذا الانكسار المتواصل لحركة الجماهير وللعمل الثوري ، تعود لتحتل مكان الصدارة كمسألة مركزية في النضال الوطني والقومي . لقد جاء عبدالناصر إلى الحكم في مصر وراء " ست رايات أو مبادىء " ، كان من بينها " اقامة ديمقراطية سليمة... " ولقد حاول عبدالناصر في مختلف مراحل تجربته أن يجد صياغة في " الدساتير المؤقتة " وفي الميثاق وفي التنظيمات الشعبية والرسمية ، لذلك المبدأ الهدف ، ولكنها كلها لم تستطع في النهاية ان تلبي الوعد الديمقراطي في تحقيق المواطنية الديمقراطية الكاملة وحرية المواطن والمساواة الفعلية بين المواطنين بعد ان أنجزت الكثير من تحقيق حرية الوطن ، هذا التحقي! ق الذي عادت وارتدت عليه هزيمة حزيران (يونيه).
ولكن هل كانت مثل هذه التوجهات الديمقراطية التي نتوجه بها اليوم ، وبعد معاناة الهزيمة، ومعاناة حركة الردة من بعد عبدالناصر وصعود قوى الثورة المضادة ونظم الاستبداد المشرقي ، هل كانت توجهات أساسية وقفت عندها قوى التقدم واليسار العربي قبل مرحلة الانكسار هذه وما كشفت عنه من ضعف البنيان العربي في لحمة الوطنية الديمقراطية الأساسية؟
واقع الأمر أن هذا التأكيد على الديمقراطية السياسية، كموقف أساسي ومبدئي، هو موقف جديد، ومن خلال استيعاب موضوعي لحركة تطورنا ومن خلال وعي ثوري جديد، بحيث أصبحنا نتلمس تلك الثغرات التي خلفتها وراءها حركة تقدمنا، وكانت تعبيراً عن تأخر وعينا الثوري من حيث استيعابه للمسار التاريخي لتشكل الدول القومية الحديثة، و من حيث مطابقته مع واقعنا وحاجات نهوضنا الأساسية، وما تتطلبه من تركيز ديمقراطي لبنياننا السياسي والا جتماعي قبل أي شيء آخر.
إن الكثير من الثورويين كانوا يحسبون أن تلك " الليبرالية السياسية والثقافية " ترتبط بمرحلة تاريخية لنظم اجتماعية أخرى ، تخطاها نضالهم الثوري الى مرحلة تاريخية متقدمة عليها. ولكن الفكر التاريخي، أو بالأحرى المفهوم الجدلي للتاريخ وفقاً للاشتراكية العلمية ، يضعنا أمام حقيقة، وهي أنه ليس بمقدور مجتمع من المجتمعات أو شعب من الشعوب أن يتخطى مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الانسانية، ما لم يتمثل قيمها وانجازاتها وبذلك يقوى على تجاوزها والتقدم عليها، أي بعد توظيفها في بناء حركة تقدمه.
ان هذه المسألة، وعلى المستوى الثقافي بخاصة، كانت من المسائل التي شغلت المفكر العربي المغربي عبدالله العروي في مؤلفاته وبخاصة في كتابه " الأيديولوجية العربية المعاصرة " و" العرب والفكر التاريخي " التي لخصها في مقدمة كتابه الثاني بقوله : " بدأت أحس أن المشكل الأساسي الذي أحوم حوله منذ سنين هو الآتي : كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل ( أو بدون) ان يعيش مرحلة ليبرالية؟ . وهذه المسألة التي يطرحها العروي في بعدها الثقافي والتاريخي والحضاري ننقلها الى مستواها السياسي والا جتماعي فنقول اليوم : ما هو السبيل لأن تتقدم ثورتنا العربية كثورة " وطنية ديمقراطية "، وان تبني اندماجها الوطني ووحدتها القومية ودولتها العصرية وتمضي في هذا الاطار لتأخذ بعدها الاجتماعي الجذري كثورة اشتراكية ، أي كيف لها أن تأخذ أولاً بمنجزات الثورة البورجوازية، في ليبراليتها السياسية والثقافية ، من غير أن تعيش مرحلة التطور البورجوازية وحكم الطبقة البورجوازية، ثم من غير ان تأخذ بالمنهج الرأسمالي في بناء قاعدتها في الإنتاج والتنمية؟
ولقد قدمت التجربة الناصرية في مسارها جواباً على هذه المسألة ، بل لقد أعطت التجربة الثورية العربية في تلك المرحلة جوابها من خلال ممارسة عبدالناصر. وكان الجواب ، وكما كشفت حركة الردة، مقصراً عن الوفاء بالحاجة، ليعود اليوم ويطرح نفسه من خلال التقصير، لا في الدور التاريخي الذي أداه عبدالناصر، بل في بناء حركة الثورة العربية ككل .
واذا وقفنا هنا عند جانب من جوانب القصور الديمقراطي في تلك المرحلة، كما ألمحنا قبل ذلك الى مسألة الأيديولوجية ونظرية العمل السياسي والثوري والوقوف دون صياغتها صياغة ملائمة، والى مسألة الحزب الثوري أي التنظيم السياسي الملتزم بالأيديولوجية الثورية والذي " يواجه مشاكل المعركة " ويدفع بحركة التغيير ويحمي من الا نتكاسة والردة ... فانها كانت قصورات وثغرات موضوعية في مسار التجربة، بل في مسار المرحلة اذ لم تقم أمامها تجربة بديلة. ولقد كانت لعبدالناصر محاولاته وأساليب قيادته في معالجة هذه المسائل، أو في سد هذه الثغرات بحضوره في قمة السلطة، وبشعبيته التي كان يشد بها الجماهير. وبقناعتنا أن مراجعة تجربة عبدالناصر في إطارها التاريخي ، ومتابعة حركة تطوره الفكري والاستراتيجي، يقدمان لنا معطيات هامة للاستدلال بها في مواجهة هذه المسائل اليوم، وعلى ضوء ما تغير في الساحة بعد ذهاب عبدالناصر.
وما تغير شيء كثير، واذا كانت سلبيات قوى الثورة المضادة المتحركة بحرية في الساحة هي البادية على السطح، فثمة ايجابيات أمامها تعطي المؤشر للمستقبل ، منها هذا التوجه الديمقراطي الأساسي الذي تتوجه به القوى التقدمية العربية في حركة نضالها وفي فكرها وارادة التغيير وارادة تجديد نهوضها الثوري . ولكن منها أيضاً ، التقاء اليسار العربي بما يشبه الاجماع ، على الأهداف الاستراتيجية الكبرى لحركة الثورة العربية والتي تجد رموزها في كلمات " الحرية والاشتراكية والوحدة "، وهي بذاتها الأهداف التي وضعتنا على طريقها بالممارسة تجربة عبدالناصر، أيا ما كانت ثغراتها، و أياً ما كانت التشويهات التي نالت منها والانحرافات والردات التي جاءت بعدها.
ولكن تجربة عبدالناصر ومرحلته، أياً كانت حركة المراجعة وأياً كانت الانتقادات التي توجه إليها، تبقى تجربة غنية جداً ومرحلة نهوض . وإذا كانت ثورتنا العربية تمضي مراحل وأطواراً ، فيها النهوض وفيها الانتكاس ، فاننا حين نأخذ بفكرة استمرارية الثورة وضرورتها ، لا بد أن نأخذ أيضاً من تلك التجربة انجازاتها كمكتسبات لنا ونقاط استناد . فالبناء الثوري يأتي في سياقه التاريخي ، ولا يعود لنقطة البداية أو يبدأ من الفراغ . ثم إن تجربة عبدالناصر هي التي أبرزت أكثر من غيرها ماهناك من خصوصية في حركة الثورة العربية ، وشدّت الآخرين للتطابق معها .
واذا ما بلور عبدالناصر مهمات الثورة العربية وأهدافها في صياغة استراتيجية مرحلية معينة قوامها بداية " الوطنية " فلقد طالب أن تكون نظريتها في النهاية ابداعاً لا اتباعأ، وطالب بثورة ثقافية لتكمل الثورة السياسية والاجتماعية ولتخلق المناخ المواتي للابداع الفلسفي والنظري ، ولتضع الثورة في سياق فكرها التاريخي ونهوضها الحضاري .
والمطالبة اذا لم تكن انجازاً فانها تبقى تعبيراً عن وعي وحاجة... واذا كان الجو السائد اليوم في حياتنا ومن حولنا هو التشتت والضياع لا جو التوحد والابداع ، فلا آقل من أن نعود لتثبيت المرتكزات التي تجمع من حولها شتاتنا وهي مرتكزات تظل تقدمها لنا تجربة عبدالناصر أكثر من سواها.


يتبع

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال الأتاسي
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن جمال الأتاسي:
محطات قومية مع الدكتور جمال الأتاسي - أحمد مظهر سعدو


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.10 ثانية