Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 27
الأعضاء: 0
المجموع: 27

Who is Online
يوجد حاليا, 27 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

محمد سيف الدولة
[ محمد سيف الدولة ]

·لا للتخوين ... لا للتمويل - محمد سيف الدولة
·عروبة فلسطين - محمد سيف الددولة
·من خاف سلم ! ............... محمد سيف الدولة
· لماذا أعادوهم بعد أن أخرجوهم ؟ - محمد سيف الدولة
· نكتة بائسة - محمد سيف الدولة
· من فضلكم ، إلاَّ الأمريكان !! - بقلم : محمد سيف الدولة
·بإمكانهم فك حصارهم ولكن .. محمد سيف الدولة
·حق الزيارة - محمد سيف الدولة
· هكذا يتغير العالم ........... محمد سيف الدولة

تم استعراض
50312947
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
ثورة يوليو 1952 - محمد حسنين هيكل
Contributed by زائر on 4-7-1429 هـ
Topic: ثورة يوليو




 
 


 
ثورة يوليو 1952: خمسون عاماً
 
محمد حسنين هيكل  
 
جريدة السفير (لبنان)
 
 
الخميس، 4 نيسان / أبريل 2002
 
 
 


 
 

     لقد رجح عندي أن أبتعد لبعض الوقت عما يجري لنا، ويجري حولنا، وهي مهمة سهلة، وصعبة، في آن واحد!

سهلة لأن ما يجري يغري بفراقه دون أسف عليه فهو واقع بارد، مجرد من دفء حلم، أو كرامة مشروع، أو إلهام فكرة!

وصعبة لأن ما يجري يحض على البقاء قريبا منه فهو صراع مصائر، ومطالب مستقبل، وأزمة أمة تحاول أن تستجمع بقايا طموح وإرادة، وبقايا آمال ورؤى تذكرها بأن لها حقا ودورا وموقعا في زمن عالمي جديد!

ولقد رجح عندي ما رجح لأن العاطفة تدخلت في حركة الميزان وأنهت التردد بين “السهل” و”الصعب” فبعد ثلاثة شهور وثلاثة أسابيع تحل الذكرى الخمسون لثورة يوليو 1952، وذلك يوم بالغ الخطر في التاريخ العربي الحديث، لا يكاد يختلف أحد على أن حياة الأمة في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى مطالع القرن الحادي والعشرين كانت وظلت موصولة به على نحو أو آخر!

وكان في خطة عملي منذ أكثر من سنة أن أعود إلى يوم 23 يوليو سنة 1952 قارئا للتاريخ مرة أخرى، وليس كاتبا له، فتلك كما أشرت مرات، مهمة أتركها لغيري ممن هم أقرب اختصاصا، أو أبعد جرأة وربما أوسع خيالا!

ومن الأكيد أن هناك دراسات جادة وموضوعية عن ثورة 23 يوليو 1952 (خصوصا في إنكلترا وفرنسا حيث توافر كثيرون على دراسة السقوط الإمبراطوري البريطاني والفرنسي في حرب السويس سنة 1956) لكن الأكيد في الوقت نفسه أن العالم العربي شهد ويشهد خلطا تتنوع أسبابه ما بين مقصود لأهواء وأغراض إقليمية ودولية محلية وذاتية، وما بين غير مقصود أدى إليه السهو والخطأ، خصوصا في ظروف ترضى عن السهو وتكافئ على الخطأ!

والحقيقة أنني اطلعت على ما كتبه بعضهم واستغربت، وتابعت على الشاشات (فضائيات عربية في كل مكان) ما يرويه بعضهم واستعجبت، وبدا لي الكثير مما يلقى على الناس مجافيا لما رأيته بعيني وسمعته بأذني في زمانه وفي مكانه عندما شاءت مصادفات أن أكون في الموقع الأقرب من بؤرة القرار، مراقبا ومتابعا بل ومشاركا في بعض الأحيان، ومهتما بها جميعا.

وبالإضافة إلى ما رأيته بنفسي وسمعته في زمانه ومكانه فقد كنت تعلمت درسا أساسيا يؤكد قيمة تسجيل الدقيقة والثانية في وقتها وموقعها، وينهى عن اعتبار الذاكرة الإنسانية خزانة مأمونة للمعلومات، والسبب أن هذه الذاكرة ليست صندوقا من حديد وصلب، دونه سلاح وعليه أقفال، وإنما هي وعاء مفتوح تصب فيه وتتسرب إليه ليل نهار صور ومشاهد ونزعات ومطامح وإيحاءات وكله يتفاعل مع بعضه في عملية شبه كيميائية وتكون النتيجة خلقا آخر يذوب فيه الأصل.

وأظن أنني مدين بالفضل في تقليل الاعتماد على الذاكرة لنصيحة أول رئيس تحرير عملت معه، وهو “هارولد أيرل” رئيس تحرير جريدة “الإجيبشيان غازيت”، وكان ملخص نصيحته لي، ولثلاثة زملاء مصريين التحقنا دفعة واحدة للتدريب في جريدته قوله لنا: “أنتم سوف تذهبون إلى مهام متواصلة تغطون فيها مسارات الحوادث في وطنكم وأوطان غيره، وعندما تأخذكم المهام التي تكلفون بها إلى أي مكان، خصوصا خارج البلاد، فلا تحاولوا أن ترسلوا بمواد إخبارية عاجلة؛ لأن وكالات الأنباء سوف تسبقكم، وأما ما تستطيعون التفوق به على غيركم فهو التركيز على خلفية الوقائع والحوادث وحركتها الداخلية، مستندين إلى المشاركين فيها وشهودها، راسمين باللون والظل وبالصوت والهمس صورا حية للأجواء والظروف والملابسات، وعليكم تسجيل ذلك وتثبيته أولا بأول حتى تستطيعوا في ما بعد عندما تكتبون تقاريركم، أن تستعيدوه على نحو دقيق وأمين. وإذا اعتمدتم على الذاكرة وحدها ومر يوم ثم يوم، فأخشى أن النتيجة تكون أقرب إلى فن القصص منها إلى عرض الخبر!

وعندما جلست لأكتب كان واضحا لي بيني وبين نفسي أن هدفي من الكتابة الآن، ليس أن أقر حقا أو أمحو باطلا، فذلك دور قديسين وليس دور صحافيين، كما أن هدفي ليس أن أدافع عن أحد أو أدين غيره؛ لأن ذلك مطلب تأخر وقته سياسيا وإن لم ينته حقه تاريخيا: من ناحية لأن الرجال الذين كان يمكن إنصافهم أو إدانتهم لم يعودوا على قيد الحياة بحيث يلحق بأيهم ثواب أو عقاب ومن ناحية أخرى لأن الحقيقة عليها الانتظار حتى تنجلي الغُمة عن ذاكرة الأمة، فالقوى التي تهيمن على الأرض ومواردها، وعلى الاقتصاد وآلياته، وعلى القرار وسلطته، كان لا بد من أن تمد سيطرتها في نفس الوقت إلى الذاكرة؛ لأنها مجمع الحكمة ومستودع الضمير، وهناك تكمن إرادة الأمة.

وعليه فإن هذه القراءة في التاريخ تطلب استثارة اهتمام الباحثين عن الحقيقة في شؤون أمتهم وأحوالها، وأوضاع أوطانهم وآمالها، وفي اليوم وغدا وبعد غد. وقد لا أجد بأسا من أن أعترف بأن هذه القراءة للتاريخ موجهة بالدرجة الأولى إلى الشباب: شباب العمر وشباب العقل وشباب الوعي وشباب الشوق إلى الحق!

وأريد أن أزيد (ولعل الزيادة لا تكون تزيدا)، أنني أتمنى أن يقرأ من يعنيهم الأمر هذا الفصل وغيره وفي ذهنهم أن التاريخ يصنعه بشر، وأن البشر خلق من لحم ودم، وليسوا مهما تسامت أدوارهم في صناعة خوارق ومعجزات. بمعنى أن الطبائع الإنسانية لها أوجه ضعفها وأوجه قوتها، مواضع لينها ومواضع صلابتها. والخطر عند قراءة التاريخ أحيانا أن صناعته تضفي على أبطاله أشكالا من القداسة دخيلة على الطبع الإنساني، وفي التاريخ الإسلامي فإن ذلك الخلط بين ولي الأمر في سلطة الدنيا، والقوامة على الدين بسلطة الولاية يزداد في العادة، وهذا التباس تجاوزه كثيرون ممن كتبوا في التاريخ العربي وعنه، وفيهم “ابن إسحاق” و”المقريزي” و”ابن أياس” و”الطبري” و”ابن تغري بردي”، و”عبد الرحمن الجبرتي”. والشاهد أن هؤلاء الرجال سجلوا ما سجلوا وفي اعتبارهم أن الحق لا يجافي الطبع، وإنما يأخذه في حسابه، وأن العصمة المطلقة لذات الله وحدها، وأما خلقه فإن الميزان الحقيقي لهم ما يستطيعون تقديمه من النفع لأوطانهم، حتى وإن لم تكن تصرفاتهم معصومة أو مقدسة (لأنها نسبية). والواقع أن التاريخ لا يحتمل فكرة البطولة المطلقة لأن التاريخ إنساني وليس إلهىا!
ومن المفارقات أن شعوب العالم المتقدم تعرف التفرقة بين الواقع والأسطورة، وبالتالي فإن المثال الكامل لم يخلق قط ولا في حالة الأنبياء، فمنذ خروج آدم من الجنة خرج وراءه بنو البشر جميعهم، وعاشوا دنياهم بكل مواطئها، وحسابهم آخرها ليس على ما هوت إليه نفوسهم، وإنما على ما ارتقت إليه هممهم.


4 فبراير 1942 المسرح الخلفي ل23 يوليو

مرة أخرى في قراءة التاريخ يتأكد لأي قارئ أن الصراعات الكبرى حضانة للتحولات الإنسانية الأهم، وأن الحروب باعتبارها الذروة الخطرة للصراعات هي الولادة الطبيعية للتحولات المؤثرة على حياة ومستقبل الشعوب والأمم.

وعليه فإن أي قارئ للتاريخ الحديث سوف يتأكد أن الحرب العالمية الثانية كانت حضانة حركة الثورة الوطنية في العالم الثالث على اتساعه عبر ثلاث قارات (آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية).

ثم إن أي قارئ للتاريخ المصري في سياق العصر الحديث سوف يلحظ أن يوما بالتحديد في مسار هذه الحرب العالمية الثانية وهو يوم 4 فبراير 1942 كان ولادة قيصرية بالجراحة فتحت الباب يوم 23 يوليو 1952 لولادة قيصرية أخرى من نفس النوع، والاختلاف بين الولادتين هوية السلاح. ففي الولادة الأولى كان المشرط إنكليزيا وفي الولادة الثانية كان المشرط مصريا!


***********

ولمجرد التذكرة فإن 4 فبراير 1942 هو اليوم الذي وجَّه فيه السفير البريطاني في مصر السير “مايلز لامبسون” (والذي أصبح اسمه اللورد “كيلرن” في ما بعد عندما منح اللقب مكافأة على خدماته للإمبراطورية، واختار أن ينتسب إلى المقاطعة الإسكتلندية التي جاءت منها عائلته) وكان نص إنذار السفير البريطاني إلى الملك “فاروق” بالنص: “إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة من مساء اليوم أن “مصطفى النحاس” باشا دُعي إلى تأليف الوزارة، فإن الملك “فاروق” يتحمل تبعات ما يحدث”.

والوقائع الكاملة لأحداث تلك الليلة كما كتبها السير “مايلز لامبسون” بخط يده في دفتر يومياته المودع ضمن مجموعة أوراقه في كلية “سان أنتوني” المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط والتابعة لجامعة أوكسفورد تنشر الآن بنصوصها (لأول مرة كما أحسب) في وثيقة تالية لهذا الحديث مباشرة.


***********

وإذا كان ذلك فإن يوم 4 فبراير 1942 يستحق أن يوضع في سياقه وفي إطاره، وبفهم متسع ورحب لحركة التاريخ وعناصرها، لأن الأمم كثيرا ما تجد نفسها في خضم صراعات لم تفكر فيها، ولم تطلبها، لكن الظروف المحيطة وبدون تخطيط أو مسؤولية على أحد تضعها وسط المعمعان راضية أو كارهة والغالب أن وقائع يوم 4 فبراير والطريق إليها كان تجربة من هذا النوع لبلد وجد نفسه وسط الصراع العالمي رغم أنفه، وحاول أن يبحث عن أمان فيه، على عجل من أمره!

وكما هو بيِّن الآن فإن السير “مايلز لامبسون” بإنذاره للملك فاروق (رغم ما في الإنذار من إهانة) لم يكن يمارس كراهية شخصية، كما قالت وتقول به روايات ملكية، شاعت بعدها ولا تزال لها أصداء.

ولم يكن “مصطفى النحاس” باشا للدقة والإنصاف خائنا بالتواطؤ مع الإنكليز حين قَبِلَ رئاسة الوزارة مساء يوم 4 فبراير على أسنة الحراب البريطانية (على حد التعبير الذي استعمله أحمد ماهر (باشا) رئيس السعديين ليلتها).

ولم يكن الملك “فاروق” شابا فقد عقله دون مقدمات، فَحَقَّ للسفير البريطاني أن يعيده إلى صوابه ولو بالدبابات!

لكن البيِّن الآن أن الحقيقة أعقد من تلك الروايات، وأبسط أيضا؛ لأن ما وقع مساء 4 فبراير 1942 كان في إطار حركة تاريخ حكمها تدافع عنيف بين القوى، وتداعيات أثرت بالوعي أو باللاوعي على مسار الحوادث. وكان التعقيد والبساطة في نفس الوقت هما الدرس المفيد الذي تكشفه قراءة التاريخ وتكشف معه أن الحقيقة لها أكثر من وجه، بمعنى أن ما جرى في 4 فبراير 1942 كانت له وجوه عديدة:

- وجه بريطاني حقيقي له منطقه الذي يمكن فهمه.

- ووجه مصري ملكي حقيقي له هو الآخر منطقه الذي يمكن تقديره.

- ووجه مصري وفدي حقيقي له بدوره منطقه الذي يمكن قبوله.

وعليه فإن ما جرى في ذلك اليوم كان أكبر كثيرا من “زهو” السير “مايلز لامبسون” بقوته، وأكبر من “حرص” الملك “فاروق” على عرشه، وأكبر من “تلقف” “مصطفى النحاس” (باشا) لرئاسة الوزارة من وسط عاصفة، وفي الحقيقة فإن الحادث من أوله إلى آخره كان إشارة تختزل وتختصر صراع مقادير أكبر من إرادة الأفراد، وظرف عالمي أوسع بكثير من موقع قصر عابدين، ولعله كان مشهدا “مصريا” في “حرب عالمية”.

ومؤدّى ذلك أن استكشاف أبعاد وحدود عملية 4 فبراير 1942 وما تداعى بعدها يتطلب استعادة واسترجاع صورة الصراع الدولي كما تجلى وقتها.

كانت بداية الحرب العالمية الثانية يوم 3 سبتمبر 1939، وقد نشبت بين “ألمانيا النازية” من ناحية و”بريطانيا” و”فرنسا” من الناحية الأخرى، وسببها المباشر رغبة “هتلر” (زعيم ألمانيا النازية) في استعادة منطقة “دانزيغ” في بولندا كي تعود إلى ألمانيا بعد أن سلخت منها نتيجة للحرب العالمية الأولى (ومعاهدة فرساي التي رتبت نتائجها).

وتمكنت القوات الألمانية من احتلال “بولندا” كلها في سبعة عشر يوما ثم توقف القتال، وبدا أن الحرب نامت، لأن “ألمانيا” خطت الخطوة الأولى ونفذت بالسلاح ما أرادته في “بولندا”، ثم عجزت بريطانيا وفرنسا عن نجدة “بولندا” في الشرق، وتلى ذلك أن الجبهة الغربية (الفرنسية) مع ألمانيا بقيت خنادق متقابلة وساكنة، ومع أن السكون يتحول إلى صخب في بعض الأوقات حين تتبادل الجبهات وراء الخنادق ضربات المدافع، إلا أن ذلك بدا قصدا سياسيا قصاراه تذكير العالم بأن الحرب على الجبهة الغربية ما زالت دائرة!

ومع أوائل سنة 1940 أي بعد أربعة شهور من نشوب القتال، وثلاثة شهور من سقوط “بولندا” كان صوت الحرب خافتا لدرجة دعت إلى وصف هذه المرحلة ب: “الحرب الفارغة” (the phony war) لأن جيوش بريطانيا وفرنسا وقفت على ناحية من جبهة القتال، ووقفت القوات الألمانية على الناحية الأخرى. ثم إن الجيوش البريطانية التي عبرت بحر الشمال إلى الشواطئ الفرنسية ظلت هناك، لأن القيادة العليا الإمبراطورية رأت إبقاء قواتها في مقاطعة نورماندي شمال فرنسا حتى تظل مواصلاتها على البحر مفتوحة قريبة وسالكة إلى قواعدها البريطانية وفي كل ذلك فإن الحرب ليست وقوفا في الخطوط الدفاعية سواء خط “ماجينو” الفرنسي أو خط “سيغفريد” الألماني ولا انتظارا على الشاطئ الآخر من بحر الشمال!

وفي الوقت نفسه فإن بقية القوى المهتمة بالحرب ظلت على مسافة تتابع وتراقب:

- الولايات المتحدة تتابع وتراقب من وراء الأطلنطي ومصالحها الطبيعية وراء حلفاء الغرب الرأسماليين واعتقادها (الولايات المتحدة) أنها تجسيد الرأسمالية في عنفوانها وليست مجرد احتياطي أميركي للرأسمالية الأوروبية المتهالكة.

- وإيطاليا تتابع وتراقب من وراء جبال الألب ومطامعها الملهوفة مع الألمان وشغلها الشاغل أن تتشارك معهم في الإرث الإمبراطوري لبريطانيا وفرنسا عندما يُعاد توزيعه، وقد بدت هذه العملية حتمية، سواء بالقتال أو بالاتفاق.

- والاتحاد السوفياتي يتابع ويراقب من العمق الشرقي الأوربي ويرى الحرب صراعا بين الاستعمار القديم (البريطاني والفرنسي) المتخوم، وبين استعمار جديد يتضور جوعا في ألمانيا ووراءها إيطاليا وقد تفتحت شهيته من جديد.

- وأخيرا لاحت اليابان مطلة من وراء بحر الصين، ترسم لنفسها مجالا حيويا في شرق آسيا تحسبه في متناول اليد عندما تسقط الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا) بالهزيمة أو تنكسر شوكتها بالضعف.

كل ذلك وجبهات القتال غرب أوروبا ساكنة.

كان منطق الحركة يفترض أن يكون الدور على بريطانيا وفرنسا؛ لأن ألمانيا بدأت بالخطوة الأولى ونالت ما طلبت، والآن جاء دور الغير بمسؤولية الرد، وهذا الغير قابع في خطوطه لا يرد. لكن “هتلر” ليس قادرا على انتظار خصومه، فقد تجلت أوروبا الغربية أمام عينيه أفقا مفتوحا بلا عائق وفضلا عن ذلك فهو لا يستطيع الاستمرار في حالة “السكون” دون حسم، خصوصا إذا كانت الفرصة أمامه سانحة لبسط السيطرة الألمانية على غرب أوروبا والاستدارة بعدها إلى الشرق حيث معاقل الخطر الشيوعي، وحسابه أنه إذا جاءت لحظة المواجهة بينه وبين الاتحاد السوفياتي، فإن بريطانيا سوف تقبل شروطه للصلح، وفي أعقابه فإن الولايات المتحدة سوف تسارع إلى صفقة عالمية معه!

وعندما جاء ربيع سنة 1941 كانت الجيوش الألمانية تنفذ من شمال أوروبا الغربية، وتقطع بلدانها واحدا بعد الآخر بسهولة ما تمشي “السكين في الزبد” على حد تعبير شاع تلك الأيام.

وسقطت دول الشمال الأوروبي واحدة بعد الأخرى في أيام: هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ. والتفت مدرعات ألمانيا تحت قيادة ماريشالات الرايخ الثالث مثل “رونشتد” و”غودريان” و”رومل” تكتسح سهول “الفلاندرز”، وتتدفق منها عبر “المارن” و”الموز” وتحتل باريس، واستسلمت فرنسا، وانسحبت القوات البريطانية من “نورماندي” مهرولة عبر أي وسيلة للنقل البحري من “دنكرك” هاربة من الشاطئ الفرنسي إلى أي مرسى بريطاني مقابل.

وفي يونيو سنة 1940 وقفت بريطانيا في الحرب وحدها، في حين أن ألمانيا لم تعد وحدها لأن إيطاليا انضمت إليها حتى يلحق زعيمها “موسوليني” بحصة من المستعمرات الفرنسية قبل أن تفوت الفرصة، وساد الاعتقاد بأن الدور الآن على بريطانيا، وأن قوات “هتلر” على وشك غزوها، وأن تركيز الطيران الألماني عليها بهذه الكثافة تمهيد لعبور البحر (وفق عملية عُرف في ما بعد اسمها الرمزي: “سبع البحر”).

لكن بريطانيا أظهرت عزمها على المقاومة على الشواطئ والمدن والقرى والشوارع والبيوت على حد تعبير “تشرشل” في خطابه الشهير الذي أعلن فيه أنه ليس عنده ما يقدمه غير “الألم والدم والدموع”، مضيفا “أن مصير العالم الحر سوف يتقرر على حافة الماء من سواحل هذه الجزر البريطانية”.

وفي بداية سنة 1941 كان “هتلر” الراغب في حسم الحرب قد وجد أن غزو بريطانيا يكلفه أكثر مما يستحق، وبالتالي قرر أن ينضم إلى شريكه الإيطالي الذي تعثر وتعطل في شمال أفريقيا عندما أراد أن يستعيد زمن قياصرة روما من كبار الفاتحين بادئا الحرب بهجوم من ليبيا على مصر وقد تصور “هتلر” أنه بانضمامه إلى “موسوليني” يفك القبضة البريطانية عن البحر الأبيض المتوسط كله.

وكذلك اتجه إلى شواطئ ليبيا جيش ألماني الفيلق الأفريقي كما أُُطلق عليه وهدفه دخول مصر واجتيازها إلى قناة السويس والتقدم من سيناء إلى سهول سوريا نحو الشمال والشرق لتكون من ذلك كماشة تطبق على الاتحاد السوفياتي من الجنوب أي من الباب القوقازي، ويتوافق ذلك مع هجوم يجري الإعداد له من أوروبا، من الباب البولندي إلى قلب أوكرانيا، وحتى أسوار “الكرملين” في موسكو.

وكان القائد الألماني المختار لهذه الخطة الجسورة التي تبدأ من جنوب البحر الأبيض وتطوق شرقه، قائداً ألمانياً أصبح أسطورة وهو الماريشال “أروين رومل” الذي وصل بالطائرة إلى طرابلس مساء يوم 21 فبراير 1941.

وكذلك فإنه حين أصبحت كل الطرق تدور حول البحر الأبيض المتوسط، فإن مصر أصبحت الملتقى والتقاطع والموضع الأخطر!

الطريق البريطاني إلى 4 فبراير وبعده

كانت مصر ترقب ما يجري في أوروبا مأخوذة، وقد أدهشها احتلال “بولندا” في سبعة عشر يوما، وعندما سقطت فرنسا ودخل “هتلر” غازيا إلى باريس يرقص تحت قوس النصر الشهير، تحولت الدهشة إلى انبهار. لأن باريس في وعي الطبقة العليا المصرية لم تكن مجرد عاصمة أوروبية، بل إنها “عاصمة النور والحضارة” من عصر نابليون ومحمد علي بعده، وإلى عصر الخديوي إسماعيل وحفيده الأخير على عرش مصر الملك “فاروق”.

وكانت السياسة البريطانية تفهم وتدرك تأثير النفوذ الأوروبي (الفرنسي بالذات)، على الحياة الثقافية والسياسية المصرية، وظنونها أن النخب الوطنية التي تقوم بممارسة السياسة بالقدر المسموح به في وطن محتل فرنسية الهوى في معظمها. وكان ذلك بالإضافة إلى عوامل أخرى نوعا من “العناد الخفي” إزاء بريطانيا خصوصا وهي قوة الاحتلال التي تحجب الاستقلال وتسوّف وتؤجل من وعد إلى آخر، ومن اتفاق إلى معاهدة دون نهاية ترضى بها الوطنية المصرية تحقيقا لآمالها.

وكان “العناد الخفي” محسوسا في القصر الملكي بأكثر مما هو مرئي، ولأن القصر لم يكن على استعداد للمعارضة الصريحة، فإنه راح يماطل حتى لا تمسك به قوة الاحتلال وتضبطه متلبسا بمعارضة المجهود الحربي في ظل وجود بريطاني كثيف، وانتقال في ميادين الحرب من شمال البحر الأبيض إلى جنوبه، وبه أصبحت القاهرة واحدة من القيادات الرئيسية الثلاث!

كانت الإمبراطورية البريطانية تملك من حكمة التجربة ما جعلها تدرك مع حالة حرب أوروبية عامة، فاضت مضاعفاتها على بقية العالم أن ظروف الاتصال والمواصلات (وقتئذ) لا تسمح للعاصمة “لندن” بأن تمارس قيادة صراع الحرب على كل الجبهات في كل القارات، وكذلك جرى تقسيم القيادة الإمبراطورية إلى ثلاث قيادات رئيسية:

1 قيادة عامة في لندن يتولاها رئيس الوزراء مع هيئة أركان الحرب الإمبراطورية وهي مكلفة بوضع الاستراتيجيات العليا للحرب، بالإضافة إلى مسؤوليتها المباشرة عن مسرح العمليات الأوروبي.

2 وقيادة رئيسية في مصر مقرها القاهرة (يقودها وزير دولة بريطاني مقيم ومعه السفير البريطاني في القاهرة والقائد العام لقوات الشرق الأوسط)، وهذه القيادة لها مسؤولية التصرف (في إطار الاستراتيجية العليا) وفق ما تقتضيه الظروف، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن البحر الأبيض والبحر الأحمر والدائرة المحيطة بهما أو الواقعة بينهما، وبدون الرجوع إلى لندن إلا في حالة الضرورة.

3 وقيادة رئيسية في الهند (وهي درة التاج) ومقرها في “دلهي” ويشرف عليها نائب الملك وحكومته في الهند، وهي مسؤولة عن آسيا من بحر العرب إلى بحر الصين.

وحتى بعد نشوب الحرب وسقوط باريس، كانت مصر تحاذر التورط قدر ما هو ممكن، وتبدي استعدادها لتطبيق معاهدة سنة 1936 بالنص، وإن لم يكن بالروح. وكانت فتوى قانونية من فقيه مصر الكبير “عبد الحميد بدوي” (باشا) قد ذهبت إلى أن نصوص معاهدة سنة 1936 لا تنطبق على حرب تنشب في أوروبا (وهذه هي الحال عندما كانت ألمانيا وحدها أمام الحلفاء)، وإنما تنطبق على حرب يكون فيها ما يهدد الأراضي المصرية، (وذلك ينطبق على إيطاليا إذا قررت دخولها).

وكان رأي “بدوي” (باشا) أن مصر في حالة حرب أوربية تشارك فيها بريطانيا غير مطالبة بأكثر من إعلان حالة الطوارئ. وبالفعل فإن السلطة البريطانية أخذت ما هو مقرر لها من مزايا حالة الطوارئ، بما في ذلك فرض الرقابة على كل كلمة مكتوبة أو مطبوعة أو منطوقة في مصر.

(وبمقتضى ذلك تشكلت هيئة رقابة إنكليزية يرأسها وزير الداخلية المصري بالاسم، في حين أن تكوينها لا يدع مجالا لشك عن موضع الأمر فيها:

الليوتنات كولونيل و. ويلسون مساعدا للرقيب العام.

المستر ج. ه. دولامار رقيبا عاما على البريد.

المستر ر. ب. فيرنس رقيبا عاما على المطبوعات.

إلى جانب ذلك تشكلت مكاتب فرعية للرقابة في الموانئ والمطارات المصرية:

في القاهرة المستر س. غولدنغ.

في الإسكندرية المستر ج. ف. موس.

في بورسعيد المستر ج. ث. ماكغوبين.

في السويس المستر ف. شفرويت).

وبصرف النظر عن إعلان حالة الطوارئ وما يترتب عليها، فإن الملك “فاروق” ظل مترددا بسند وتشجيع من رجال أحاطوا بالقصر وقتها، وأولهم “علي ماهر” (باشا) الذي كان رئيسا للوزراء عندما قامت الحرب.

وضمن هذا التردد الملكي فإن وزارة “علي ماهر” (باشا) أعلنت ما سُمي وقتها، سياسة “تجنيب مصر ويلات الحرب”، ومؤدى هذه السياسة أن مصر تنفذ المطلوب منها بنصوص معاهدة سنة 1936 (وذلك تحقق بإعلان حالة الطوارئ) لكنها تحتفظ لنفسها بمسافة من ميادين القتال.

وكان الشيخ “محمد مصطفى المراغي” (شيخ الأزهر) قد عزز ذلك بشعار أطلقه يقول بأن ذلك الصراع في أوروبا “حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل”.

ومع أن تلك بدت تعبيرات عن سياسة “تعاند الإنكليز” ولا تعارضهم، فإن لندن سكتت عليها؛ لأن هذه السياسة ساعتها كانت أكثر تحقيقا لمصالحها، فهي تتيح استعمال مرافق مصر لصالح المجهود الحربي (وفق معاهدة سنة 1936). وفي نفس الوقت فإن عدم المشاركة في ميادين القتال بمنطق “تجنيب مصر ويلات الحرب”، يفرض على الطليان والألمان نوعا من الحذر في نشاطهم الحربي ضد الأراضي المصرية حتى لا تتحول المشاعر والمواقف من نصف تبعية إلى تبعية بالكامل للاستراتيجية البريطانية!

وفي هذه الأجواء بقيت الأمور في مصر هادئة طوال السنة الأولى من الحرب العالمية إلى درجة أن القائد العام للقوات البريطانية وهو الجنرال (الماريشال) “أرشيبالد ويفل” كان يخرج من بيته وسط حدائق الزهرية في الزمالك بملابس مدنية كل صباح، ويتمشى إلى نادي الجزيرة قاصدا حمام السباحة فيه (الليدو)، ويعوم نصف ساعة ثم يعود فيدخل غرفة الملابس حيث يكون الجاويش المكلف بخدمته الشخصية قد أعد له بذلته العسكرية فيرتديها، ويتجه إلى مائدة على حافة حمام السباحة يتناول إفطاره في نظام لا ينقطع إلا إذا نزل الوحي عليه وكتب شعرا.


***********

وكان الماريشال الذي فقد إحدى عينيه في الحرب العالمية الأولى، واستعاض عنها ببديل من زجاج شاعرا، وكان أيضا عاشقا، وقد كتب نصف ديوان من الشعر على شكل رسائل غرام لزوجة وزير مصري له شأن في ذلك الوقت. وكانت السيدة جميلة بالفعل، ومع أن في مجموعة أوراقي نصوص قصيدتين مما كتب الماريشال، فلست واثقا من أن السيدة المذكورة بادلته غرامه، والظن أنها تظاهرت بقبول قصائده باعتبار ذلك نوعا من “الواجب الوطني” في زمن الحرب.

وبرغم أن الحكومة البريطانية تقبلت المعاندة التي لقيتها من السلطات في مصر (القصر والحكومة) وفيها “تجنيب مصر ويلات الحرب” وأنها “حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل” بهدوء أعصاب، فإن أجهزة الإمبراطورية وفيها الأمن والمخابرات العسكرية كانت تشك في بعض رجال القصر، وكذلك في عدد من الوزراء، لكن مثل هذا الشك لزم الحذر حتى لا يثير أزمات لا داعي لها.

وفي ذلك الوقت فإن الشك حاول أن يتحفظ وأن يعبر بهدوء عن هواجسه، ومن ذلك مثلا أن السفارة البريطانية طلبت إخراج “فيروتشي” بك وهو إيطالي كان يعمل مديرا ل”الكاراجات الملكية” على عهد الملك “فؤاد”، ثم جاء الملك “فاروق” وعينه كبيرا لمهندسي القصر، وأبدى السير “مايلز لامبسون” السفير البريطاني، ملاحظة عنه في إحدى مقابلاته مع الملك قائلا: “إن فيروتشي ليس فقط مهندسا فاشلا، وإيطالياً مشكوكاً في ولائه، بل إنه رجل سيئ الخلق، إلى درجة أن اختصاصه الحقيقي في القصر، كان “متعهد تقديم إيطاليات جميلات يبعن الهوى بثمن وليس أكثر”. وسأله الملك “فاروق”: لمن كان يقدم “جميلاته”؟ وابتسم السفير البريطاني ابتسامة لها معنى وسأل الملك: “هل تريدني أن أقول بصراحة؟ من جانبي أفضل أن لا أقول”! لكن “فاروق” لم يسكت وإنما أضاف: “تقصد أن تقول إنه كان يقدم بغايا إيطاليات لوالدي أليس كذلك؟”. وأضاف الملك بهدوء أعصاب أو كذلك بدا: “إن هذا غير صحيح و”سعادتك” تعرف كيف تنتشر الشائعات؟!”.

وفي دفتر يومياته يسجل السير “مايلز لامبسون” أنه بعد هذا الحوار، طلب كبير الأمناء في البلاط المصري “سعيد ذو الفقار” (باشا) مقابلته ليبلغه “أن الملك يشعر بإهانة من الطريقة التي تحدث بها السفير بالأمس و”بالتصريح” عن “فيروتشي” (بك)، و”بالتلميح” عن الملك “فؤاد”، وكان رد السير “مايلز لامبسون” على كبير الأمناء، نصيحة منه إلى “فاروق” بأن يكبر على هذا المستوى من “لعب العيال”!

وكان السير “مايلز لامبسون” يراقب ويتابع، وتكشف الوثائق أن واحدا من مصادره في ذلك الوقت كان الأمير “محمد علي” ولي العهد.

ويكتب “مايلز لامبسون” في أحد تقاريره: ذكر لي الأمير “محمد علي” أن “علي ماهر” (رئيس الوزارة) طلب من “محمد محمود خليل” (رئيس مجلس الشيوخ) إبلاغ السفير الإيطالي الكونت “ماتزوليني”، “أن مصر لن تعلن الحرب على ألمانيا رغم أن ذلك مفروض عليها بالمعاهدة”!

وفي مرة ثانية نقل “مايلز لامبسون” عن ولي العهد: “أنه ذهب إلى القصر “ينذرهم” بأن عدم دخول الحرب ضد ألمانيا قصر نظر سياسي منهم” وأضاف الأمير: “قلت لهم إن أخي (عباس حلمي) فقد عرشه لأنه تردد في موقف مماثل، ثم إنني كنت الخلف الطبيعي له على العرش، ولولا أن الجنرال “ماكسويل” (القائد العام للقوات البريطانية في مصر) فهم خطأ كلمة قلتها له، وظن أنني أتردد، لكنت أنا الآن سيد قصر عابدين وليس فاروق” أضاف “محمد علي”: “قلت لهم ذلك في وجههم ولم يفهموا لأن فاروق لا يريد أن يتعلم شيئا”!

ثم بدأ الشك البريطاني يتخلى عن تحفظه عندما وصلت “معركة المصائر” إلى جنوب البحر الأبيض وإلى مصر، وفي المرحلة التي كانت بريطانيا تقف فيها وحدها في ميدان القتال ضد “هتلر”.

وهنا جاء الطلب البريطاني بخروج “علي ماهر” (باشا) من رئاسة الوزارة في مصر بصيغة الأمر؛ لأن الأوضاع لم تعد تحتمل، وكان خروج “علي ماهر” إثر برقية بتوقيع وزير الخارجية البريطانية “أنتوني إيدن” إلى السفير البريطاني في القاهرة السير “مايلز لامبسون”، نصها أربع كلمات “علي ماهر يجب أن يذهب” (Aly Maher must go).

وقد طار السير “مايلز لامبسون” من القاهرة إلى الإسكندرية يوم 31 يونيو 1940 ليقابل الملك “فاروق” وينقل إليه الأمر بنفسه موضحا (حسب نص تقريره) “أن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تصبر على وجود رئيس وزراء مصري لا تثق به، ولا يثق به الشعب المصري نفسه لأنه لا يمثله”، وعندما حاول الملك “فاروق” أن يتذرع باستقلال مصر، رد عليه “لامبسون” بقوله: “أرجوك لا تلعب بالنار، وأن تحاول بدلا من ذلك إجراء مشاورات تجيء بحكومة تمثل الأغلبية في مصر وربما “رأيت” جلالتك أن يكون “النحاس” (باشا) ضمن من تتشاور معهم”!

وكتب السير “مايلز لامبسون” تلك الليلة إلى وزارة الخارجية في لندن ليقول: “إنني لم أطلب ما هو أكثر ولم أحاول أن أصر مثلا على أن تدخل مصر الحرب رسميا، لأني لا أرى من ذلك كسبا يتحقق لنا”.

ولم يقاوم الملك “فاروق” كثيرا في إخراج “علي ماهر” بل إنه بناءً على نصيحة رئيس ديوانه “أحمد حسنين” (باشا) جاء إلى رئاسة الوزراء بصديق للإنكليز هو “حسن صبري” (باشا)، لكن الرجل لم يقض في رئاسة الوزارة غير بضعة أشهر، ثم فاجأته نوبة قلبية قضت عليه واقفا أمام الملك “فاروق” يلقي خطاب العرش في قاعة مجلس النواب في البرلمان المصري، ومرة أخرى اختار الملك لرئاسة الوزارة صديقا آخر للإنكليز هو “حسين سري” (باشا).


***********

ولم يكن هؤلاء الرجال من أمثال “حسن صبري” و”حسين سري” عملاء للإنكليز، وإنما ساسة يعتقدون بضرورة التفاهم مع بريطانيا لبلوغ المطالب المصرية لأن ذلك أسلم من مواجهة غير متكافئة معها، في زمن حرب لا تستطيع مصر أن تؤثر في مجراها، وعلى فرض أنها كانت تستطيع، فقد كان رأي هؤلاء الساسة أن “الشيطان البريطاني” الذي يعرفونه أفضل من “الشيطان الإيطالي أو الألماني” الذي يدخل بلدهم بقوة السلاح في حرب عالمية.

وفي بداية 1941 (يوم 20 فبراير) وقع حادث لافت للنظر، فقد تم التحفظ في فلسطين على دبلوماسي روماني بدرجة وزير مفوض اسمه “أولغار ناناسيسكو”، وكان قادما من تركيا عبر سوريا يحمل ثلاث حقائب، والظاهر أنه كانت لدى السلطات البريطانية معلومات دعتها إلى مخالفة الأعراف الدولية، فأمرت بتوقيف الدبلوماسي الروماني وفتح حقائبه للتفتيش، وإذا هي تحتوي على أجهزة استقبال وإرسال لاسلكية برسم التسليم إلى قنصلية رومانيا في الإسكندرية. وكانت ضمن المضبوطات أوراق تحتوي على تعليمات بموجات اتصال يومي منظم على ترددات لاسلكية محددة، كما كان هناك كشف بعدد من الأسئلة تطلب معلومات تفصيلية عن أوضاع الأسطول البريطاني في ميناء الإسكندرية. والأهم أن تلك المضبوطات من الأوراق كانت فيها نسخة من الخطة العسكرية للقوات البريطانية في الشرق الأوسط.

وكان ذلك نذير خطر مضاعف، فقد تبدى لهذه العملية معنى يتجاوز الواقعة وتفاصيلها، مؤداه أن الخطر على الأمن في مصر لم يعد “ألمانيا” أو “إيطاليا” ولم يعد طرفا معينا يمكن تحديده وترصده، وإنما الخطر اتسع نطاقه بسيطرة “هتلر” على أوروبا وبما نتيجته أن أي أوروبي هو جاسوس محتمل متنكر والدليل أنه في هذه الواقعة دبلوماسي روماني.

وتلقى السفير البريطاني في القاهرة (وزارة الخارجية البريطانية 371/ تحت رقم 149) تعليمات بأن يتصل برئيس الوزراء “حسين سري” (باشا)، ويطلب منه إغلاق القنصلية الرومانية في الإسكندرية، وترحيل العاملين فيها، “مع امتنان الحكومة البريطانية إذا شمل الإجراء أيضا إبلاغ الوزير المفوض الروماني في القاهرة “أنه شخص غير مرغوب فيه”.

وكتب السفير البريطاني في القاهرة بتاريخ 5 مارس (ملف وزارة الخارجية البريطانية 371/ تحت رقم 552) يقول: “تأخرت في مقابلة رئيس الوزراء لأنه كان في جولة يطوف خلالها ببعض المحافظات. وعندما لقيته اليوم سلمته مذكرة بطلباتكم. ونظر إليَّ “سري” (باشا) باستغراب وسألني: “هل أنتم في حرب مع رومانيا؟”، وعندما أجبته بالنفي قال لى: “إذن فأنا غير مستعد لإجابة طلباتكم”، ثم أضاف “إن مصر ليست مستعمرة وهي على غير استعداد لأن تطيع السياسة البريطانية طاعة عمياء”، وقمت بلفت نظره إلى أن لندن “لن تكون مسرورة بما سوف أنقله لها مما أسمعه منه”، ولم يغير “سري” (باشا) موقفه وإن حاول تلطيفه بقوله: “إنه لو كان الدبلوماسي الروماني قبض عليه في مصر لاختلف الأمر، لكن القبض عليه وقع في فلسطين، “وإضافة إلى ذلك فإن الرجل ليس مستشارا للسفارة الرومانية في القاهرة”، وفهمت أن “سري” (باشا) كان يعرف أن “ناناسيسكو” بدأ سفره إلى مصر من تركيا، وأنه هناك قابل السفير الألماني “فون بابن”، ومع ذلك فإن معرفته تلك لم تغير رأيه. واقتراحي إليكم أن تفوضوني إبلاغه بخيبة أملكم في تعاونه معنا لأن دراستي لشخصية “حسين سري” أكدت لي أنه لا يتحرك إلا بالضغط الشديد عليه”.

ولم تمض أيام قليلة حتى أبرقت وزارة الحربية في لندن إلى الملحق العسكري البريطاني (وثيقة 45/ 418/ 16) تلفت نظره إلى أن القنصلية اليابانية في الإسكندرية تقوم بنشاط مشبوه في متابعة دخول وخروج وحدات الأسطول البريطاني من ميناء الإسكندرية.

ثم كتبت وزارة الحربية (المخابرات العسكرية) (وثيقة ج.ه 517) إلى وزارة الخارجية تقول لها: “يبدو أنه سوف يكون عليكم اتخاذ إجراءات قوية مع الحكومة المصرية حتى تفعل شيئا حاسما لوقف نشاط معاد تقوم به بعض القنصليات الأجنبية في مصر. إننا سمعنا علاوة على ذلك من مصادرنا في أوروبا أن عددا من الممثلين المصريين يرون أن الظرف مناسب لكي تمارس بلادهم نوعا من الاستقلال “المزعوم” يجعلها نائية بمسافة معقولة عنا، وذهب بعضهم أكثر ليوحي لحكومته “بأنهم الآن يستطيعون استغلال الظرف الحرج بالنسبة لنا، حتى يحصلوا على تنازلات منا، وتقديرهم أن مأزقنا الراهن فرصتهم المتاحة”.

وتظهر في وثائق كسر الشفرات الشهيرة التي كان مقرها قصر “بلتشلي”، في ريف “ووريكشير”، والتي كانت تستعمل جهاز “أولترا” الأسطوري لفتح أسرار “الأعداء”، حتى إن “ونستون تشرشل” رئيس وزراء بريطانيا كان يسميها (magic السحر) مجموعة من الإشارات تومئ إلى ما يبدو أنها “قنوات اتصال” بين القصر الملكي في القاهرة وبين دول المحور (ألمانيا إيطاليا)، ثم إن بعض هذه القنوات كان “فاعلا” وبعضها الآخر خاملا.

ويظهر في الإشارات أنه كانت هناك مبكرا قناة اتصال في روما قام عليها الوزير المصري المفوض “مراد سيد أحمد” (باشا)، بتوجيه من القصر كلفه ب”أن يجس نوايا “إيطاليا” عن “تصوراتهم” في شأن “التعامل” مع مصر”. وكان الرد مقتضبا ومنسوبا إلى الكونت “شيانو” وزير الخارجية (وهو في نفس الوقت متزوج من “إيدا” الابنة الكبرى لزعيم إيطاليا بنيتو موسولينى) مفهومه “أن مصر يصح لها أن تتوقع منا معاملة أفضل مما تلقاه حاليا من الإنكليز”.

كانت إيطاليا على وشك دخول الحرب مع ألمانيا، وكان الإحساس العام أن مصر في خريطة ما بعد الحرب، وفي حالة انتصار دول المحور داخل منطقة النفوذ الإيطالي، وهكذا فإن القصر الملكي في مصر لم يكن مطمئنا إلى عبارة عامة من الكونت “تشيانو” عن مستقبل مصر من المنظور الإيطالي، وهكذا طلب من الوزير المفوض “مراد سيد أحمد” (باشا) أن يحصل على معلومات أكثر تفصيلا. ويبدو أن مسؤولا في وزارة الخارجية ألمح أمامه “لماذا تصرون على تعهدات منا بمعاملة أفضل، دون أن تفعلوا شيئا يثبت استحقاقكم لذلك؟!”.

وفي ما يبدو فإن هذه الرسالة من روما هي ما جعل بعض “الإيطاليين” في القصر يوحون إلى الملك “فاروق” ب: “أن أذكى ما يستطيع أن يفعله لمستقبل بلاده أن يهرب بطائرة إلى إيطاليا فور دخولها الحرب، ثم يعود بعد ذلك إلى القاهرة مع قواتها المنتصرة الزاحفة من ليبيا”.


***********

وظهرت احتمالات هروب الملك في الشهادات المروية المصرية، وفي الوثائق البريطانية قصة مثيرة.

ففي رواية “حسن يوسف” (باشا) أن “فيروتشي” كبير مهندسي القصر (وهو إيطالي)، كان الوسيط الذي نقل للملك “فاروق” اقتراح الهرب بطائرة عبر البحر إلى إيطاليا (مطار برنديزي العسكري) أو إلى ليبيا (مطار طبرق العسكري) و(ليبيا وقتها مستعمرة إيطالية).

وعاش الملك “فاروق” مع الفكرة أياما يبحث فيها ويقلب، فقد رأى أمامه ملوك الدانمرك والنروج وهولندا ينتظرون جامدين (محسوبين على الحلفاء وإن لم يريدوا) حتى أطبقت عليهم القوات الألمانية وحولتهم إلى أسرى في قصورهم، أو لاجئين خارج أوطانهم. وخطر له كما زين فيروتشي وآخرون أنه إذا هجر معسكر المهزومين وهم على كل حال أعداؤه باحتلالهم لوطنه ثم قصد إلى معسكر المنتصرين، وهم في هذه الظروف قبل الحسم العسكري سوف يقدرون جميله إذن ففي مقدوره تأمين مستقبل البلد ومستقبل العرش باتفاق مبكر يجعله شريكا في النصر.

لكن الملك لم يكن يريد أن يهرب وحده، وإنما كان يفكر في أسرته أيضا. ويرجح “حسن يوسف” (باشا) أن الملك لم يتشاور في شاغله الكبير مع أحد غير والدته وهمسا. ولم تكن الملكة “نازلي” متحمسة بمشاعرها، لكنها بعد ساعات عادت متحدثة بعقلها، ولديها عدد من الحجج، (يظن “حسن يوسف” (باشا) أن مصدرها كان “أحمد محمد حسنين” (باشا) الأمين الأول للملك، الذي انتقل أيامها إلى رئاسة الديوان). وكانت حجج الملكة “نازلي” أمام ابنها بما مؤداه أن الأفضل أن يظل “بقيمته” في بلده وينتظر التطورات ويتعامل معها من موقعه، وكما يتبدى له في ظروف جديدة. ورأيها أيضا أنه إذا دخل الطليان والألمان إلى مصر فإنهم سوف يكونون في حاجة إلى تعاونه معهم أكثر من حاجته هو إلى تعاونهم معه. ثم إنه إذا خرج الآن فقد يقدم الإنكليز على إعلان خلو العرش ويجدون من أسرته، (خصوصا ولي عهده الأمير “محمد علي توفيق”) من يقبل الجلوس مكانه، وهو أول من يعرف “أنهم” مازالوا حتى الآن يعتقدون أن فرع الملك “فؤاد” اغتصب التاج من فرع “عباس حلمي”. وإذا حدث وهرب “فاروق” ثم دخل الطليان والألمان إلى البلد، فليس هناك من يضمن أنهم لن يتعاملوا مع الرجل الذي يجلس على العرش، بدلا من الرجل الذي هرب إليهم، مع ملاحظة أن علاقته بهم سوف تسوء لأنهم لن يعطوه مسبقا أو لاحقا شيئا مما يطلبه للبلد، وبالتالي “لن ينوبه غير الكسوف”. وكان واضحا أن هذه الحجج تتخطى الإدراك السياسي للملكة الأم، ولذلك تبدى كلامها درسا مستجدا لقنها إياه “كاردينال” القصر، وصاحب النفوذ الرمادي فيه “أحمد محمد حسنين” (باشا) وقد أضافت الملكة “نازلي” بعد ذلك وهي تشرح لابنها ملاحظة من عندها على الأرجح هي قولها “إنها لا تريد للعائلة المالكة في مصر أن تفعل ما تفعله أي فلاحة في الريف ترفع جلبابها كي تغطي رأسها، وهي حين تفعل ذلك تكشف ساقيها وربما أكثر”!

(وقد سمعت بنفسي هذا التعبير بدون مساحيق! ومن الملكة “نازلي” وبصوتها على التليفون في مكالمة من فندق “هاسلر” في روما حيث كنت إلى فندق “فيرمون” في سان فرانسيسكو حيث كانت الملكة “نازلي” في شهر مايو 1950 وتلك قصة طويلة أخرى لها دورها في مكانها!).

تلك هي الناحية المصرية من حكاية هروب الملك “فاروق” وسط الحرب إلى إيطاليا.


***********

وأما على الناحية الأخرى فإن الوثائق البريطانية (الدبلوماسية والعسكرية) تحتوي على تفاصيل محددة عن قصة هروب الملك إلى إيطاليا أو إلى ليبيا. وفي اجتماع لجنة الحرب في القاهرة (وفق تقرير لامبسون بتاريخ 25 يونية 1940)، فإن المسألة نوقشت وحدثت أثناء المناقشة شبه مشادة بين القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط الماريشال “أرشيبالد ويفل” وبين السفير البريطاني في مصر “مايلز لامبسون”، وبدأت المناقشة وفقا لمحضر لجنة الحرب، حين طلب السير “مايلز لامبسون” تشديد كل إجراءات الرقابة على المطارات المصرية وفي الأجواء لمنع طائرة الملك من الخروج. وتَدَخَّل الجنرال “ويفل” بقوله: “لماذا لا تتركه يهرب”، واستطرد: “أنتم لا تثقون به، وهو يبادلكم المشاعر، وأنتم لا تستطيعون عزله الآن على الأقل وكذلك فإن هروبه قد يكون حلا مرضيا لكل الأطراف”. ورد السفير: ان “تلك تعليمات لندن!”.

وواصل “ويفل”: “لماذا لا تراجعهم في لندن برأينا، فقد يغيرون تعليماتهم؟”. ورد “لامبسون”: “إنني على استعداد لأن أبعث إلى الخارجية بوجهة نظرك مقابل وجهة نظري لاقتناعي بتعليماتهم كما تلقيتها، بأنه لا ينبغي السماح لفاروق بالهروب، وإلا أعطينا المحور فرصة دعائية ضدنا وسط العرب والمسلمين، وتراجع “ويفل” قائلا إنه “لا داعي لأن نحتكم إلى لندن، لقد عرضت وجهة نظري في المناقشة، وإذا كانت تعليمات الخارجية ووجهة نظر السفارة هنا على خلاف مع وجهة نظري، فإن الموضوع منتهٍ بالنسبة لي لأنه بالدرجة الأولى سياسي”.

ويظهر في الإشارات بعد ذلك ما يدل على أن الوزير المفوض المصري في “برن” (سويسرا) عبد الفتاح عسل (بك) طُلب منه القيام باتصال مع السفارة الألمانية هناك، وكانت هذه السفارة مركزا متقدما في عاصمة الحياد العالمي (سويسرا) تشرف على شبكات واسعة من العلاقات. وقد رأى “عبد الفتاح عسل” أن يجس النبض أولا، فاتصل بالسفير الهنغاري في “برن” الكونت “فون ويتين” وكان صديقا حميما للسفير الألماني في العاصمة السويسرية لكن هذه الاتصالات لم تصل إلى نتيجة تعكسها الوثائق.

وتظهر الإشارات بعد ذلك أن هناك قناة اتصال فتحت عن طريق أحد معارف الملك من أمراء آل عثمان السابقين واسمه في هذه الإشارات الأمير “عمر”، وكانت هذه الاتصالات مباشرة في اسطنبول مع السفير الألماني في تركيا “فون بابن”.

وترد في الوثائق برقية من السير “هيوكنتشبول” سفير بريطانيا في تركيا، وفيها يقول: “انه علم أن الأمير “عمر” سأل “فون بابن” (باسم ملك مصر) عن نوايا دول المحور تجاه مصر في حالة تقدم جيوش هذه الدول في أراضيها واحتلالها. كما أنه عرض استعداد الملك “فاروق” لأنواع من التعاون إذا حصل على وعد بضمان استقلال مصر بعد الحرب!”

ثم اتضح أن هذه القناة توقفت بناءً على نصيحة من “فون بابن” السفير الألماني، وتكشف في ما بعد أن “الألمان” حصلوا على كل أسرار السفير البريطاني من قبل أن يتوصل لها خبراء كسر الشفرة في أنقرة، بواسطة رئيس خدم السفارة الذي كان يقدم لسيده مخدرا في شرابه كل ليلة، ويسرق مفاتيح خزانته ويصور وثائقه، وكانت نصيحة “فون بابن” بإيحاء من برلين أن تنتقل الاتصالات إلى طهران. فعيون بريطانيا “مفتوحة أكثر من اللازم” هنا وأما هناك فإن نشاط الإنكليز مقيد لأن “رضا خان” شاه إيران وقتها يكره الإنكليز ويشك في نواياهم. ثم إن طهران مكان مناسب أكثر لاتصالات يجريها ملك مصر لأن صهره (والد “محمد” زوج فوزية أخت فاروق) يستطيع أن يصون ويحمي.

وهنا أصبحت طهران مورد ومصدر إشارات حساسة، خصوصا وقد رتب لها الملك “فاروق” وبعث “يوسف ذو الفقار” (باشا) والد زوجته الملكة “فريدة” وزيرا مفوضا في العاصمة الإيرانية.

وكان أشد ما أثار قلق المخابرات البريطانية أن “الألمان” طلبوا معلومات من ملك مصر إثباتا لحسن نيته، وضمنها سؤال عن الخطط البريطانية للدفاع عن دلتا النيل، بما في ذلك احتمال نسف القناطر الخيرية لإغراق شمال مصر وعرقلة تقدم المدرعات وجرارات المدافع الثقيلة الألمانية وعبورها من الصحراء الغربية إلى قناة السويس.

ولم يكن هذا الطلب بالذات موجودا في أي “إشارة” لأن “يوسف ذو الفقار” (باشا) انتهز فرصة زيارة أحد أقاربه لطهران (السيد سمير ذو الفقار وقرينته السيدة زينات ذو الفقار)، وسلمه رسالة شفوية أملى عليه نقاطها الرئيسية، وفي طريق عودة هذا “القريب” من طهران إلى القاهرة مرورا بالقدس، تمكنت المخابرات البريطانية من تفتيش أوراقه.

وكانت تلك كلها “قرائن” لا تستطيع الحكومة البريطانية أن تتجاهلها، وعلق السير “ويليام سترانغ” الوكيل الدائم لوزارة الخارجية على تقرير من طهران بما نصه: “هذه أوضاع لابد أن نتصدى لها بقوة في القاهرة”.

وفجأة طرأت مضاعفات، ذلك أن القوات البريطانية التي تحارب في الصحراء الغربية (في أراضي مصر وأراضي ليبيا) تمكنت من أسر ضابط إيطالي كبير يتولى قيادة فرقة ميكانيكية تقدمت داخل الحدود المصرية، واسمه الجنرال “بيسكا توري”، وروى رئيس البعثة العسكرية البريطانية في مصر الجنرال “ستون” في تقرير له أنه عندما حكى للملك “فاروق” أن الجنرال “بيسكا توري” حين وقع في الأسر، كانت وراءه قافلة سيارات تحمل إحداها أربع جميلات إيطاليات فإن تعليق ملك مصر لم يزد على اقتراح قاله وهو يضحك: “إن العدل بين مصر (التي تجري المعارك على أرضها)، وبين القوات البريطانية (التي تقاتل في هذه المعارك) يفرض تقسيم الغنيمة، “الجنرال لكم والبنات لنا”. ولم يكن الملك مدركا للجانب الأخطر في أسر الجنرال الإيطالي، ذلك أن تفتيش سيارة “بيسكا توري” أدى للعثور فيها على وثائق لها حساسية خاصة؛ ضمنها صورة بالنص لخطة بريطانية وضعت للدفاع عن منطقة “سيوة”، والقوس الواصل بينها وبين “طبرق”، وتلك هي النقطة الأضعف في الدفاعات البريطانية؛ لأنها النقطة التي يمكن منها تطويق الجبهة الشمالية الساحلية، كما أنها النقطة التي يمكن منها الوصول إلى عمق الصعيد المصري، وفصل الشمال وفيه دلتا النيل عن الجنوب من أسوان إلى بعيد في السودان.

وكان وضع هذه الخطة البريطانية قد اقتضى تعاونا مع “وزارة الدفاع الوطني” المصرية بحكم استعدادات مطلوبة بين سيوة والصعيد يحتاج تنفيذها إلى تعاون السلطات المصرية المختصة. وفي ذلك الوقت كان “علي ماهر” (باشا) ما زال في رئاسة الوزارة، ووزير الدفاع الوطني معه “صالح حرب” (باشا)، ورئيس الأركان “عزيز علي المصري” (باشا)، والإنذار الأحمر بالخطر أن الثلاثة من المصنفين رجالا للقصر الملكي.

وبعد تحقيق في القضية تولاه الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” تبين للسلطات البريطانية أن أوراق الخطة التي عثر عليها في سيارة الجنرال “بيسكا توري” هي صورة تسلمها وزير الدفاع الوطني المصري بيده من القائد العام للقوات البريطانية في مصر أثناء التنسيق بين الطرفين لتأكيد خطة الدفاع عن قوس سيوة طبرق. وقد تعهد الوزير “صالح حرب” (باشا) بأن هذه الخطة سوف تحفظ في خزينته ريثما يتم تنفيذ ما يلزمها من مهام وإجراءات، لكنه تبين من تحقيق الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” أن “صالح حرب” (باشا) أمر بنسخ مجموعة صور للخطة: نسخة أرسلها إلى رئيس الوزراء (علي ماهر)، ونسخة لرئيس الأركان (عزيز المصري)، ثم إن نسخة رئيس الوزراء (علي ماهر) أرسلت صورة منها إلى القصر الملكي لعلم الملك “فاروق” (وكان ذلك طبيعيا وضروريا).

وكتب الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” تقريره السري عن نتيجة التحقيق، وأشار إلى أنه لم يستطع التوصل إلى نتيجة قاطعة؛ لأن المسؤولين المصريين الذين سألهم عمدوا إلى توجيه الاتهام نحو موظف محفوظات في وزارة الحربية المصرية (قُبض عليه فعلا)، ثم عادت السلطات المصرية للتلميح باحتمال أن تكون نسخة من الخطة قد سُرقت من جهة بريطانية وصلت إليها الأوراق بحكم اختصاصها”.

ولم تكن القيادة البريطانية مستعدة لقبول هذه التفسيرات وسندها اعتباران:

أولهما: أن الخطة عليها تعديل تم بناءً على طلب “عزيز المصري” (باشا)، وذلك التعديل مرصود على الخريطة التي عثر عليها ضمن أوراق الجنرال “بيسكا توري”.

وثانيهما: أن وزير الدفاع الوطني المصري “صالح حرب” (باشا) ذكر للجنرال “ميتلاند ويلسون” في البداية أنه لم يرسل نسخة من الخطة إلى أي جهة خارج وزارته، لكنه عاد بعد ذلك وغير أقواله فإذا النسخ التي جرى توزيعها كثيرة ومتناثرة.

ويلفت النظر خلال التحقيق الذي أجراه الجنرال السير “ميتلاند ويلسون” أن السؤال المضمر وراء كل علامة استفهام كان: “هل للملك فاروق دور في الموضوع؟”، وكان أشد ما ضايق السلطات البريطانية في تطور التحقيق أنه عندما طرح السؤال الحرج على استحياء أن القصر الملكي رد بطلب إجراء تحقيق قانوني عن “تسرب خطة الدفاع عن سيوة”، عُهد به إلى النائب العام المصري “عبد الرحمن الطوير” (باشا).

وكان ذلك آخر ما تريده السلطات البريطانية التي هالها أن يكون هناك تحقيق يجريه النائب العام المصري وتكون تلك أسرع وسيلة لإذاعة أسرارها (مع ملاحظة أن الخطة الأصلية تم تغييرها قبل نشوب القتال).

وزادت في تلك الأوقات واقعة أكثر إزعاجا، ذلك أن “عزيز المصري” (باشا) الذي خرج من منصبه مع إخراج وزارة “علي ماهر” (باشا) قام بمغامرة بالغة الغرابة، ذلك أنه بمساعدة اثنين من الطيارين (منهم حسين ذو الفقار صبري) خطفوا طائرة عسكرية مصرية، وانطلقوا بها فجرا من مطار ألماظة، لكن الطائرة سقطت بعد قليل من إقلاعها، ووجهت إلى الخاطفين الثلاثة تهمة الخيانة. وعندما بدأ التحقيق مع “عزيز المصري” (باشا) كان دفاعه أنه “قام بما قام به بتكليف من المخابرات البريطانية، حمله إليه ضابط برتبة بريغادير (لا يتذكر اسمه بالكامل) أبلغه وأثبت له أنه مكلف من القيادة العسكرية البريطانية” برسالة مقتضاها أن يطير “عزيز” سرًا إلى بغداد ويقنع رئيس الحكومة الانقلابية التي قامت بها وهو “رشيد عالي الكيلاني” بأن الأفضل له ولضباطه أن يحتفظوا بولاء العراق التقليدي لبريطانيا، وأن لا يلتفتوا إلى محاولات ألمانية تشدهم ناحية المحور”.

وحين نقل رئيس الوزراء “حسين سري” (باشا) هذه الرواية من تفاصيل التحقيق مع “عزيز المصري” إلى السفير البريطاني “مايلز لامبسون”، فقد السفير أعصابه وخبط على المكتب يقول: “إن ذلك كلام لا يصدقه عقل، وإن صاحبه إما مجنون أو أنه يعتقد أن الآخرين مجانين”!

ومرة ثانية تساءل “مايلز لامبسون” موجها كلامه لرئيس الوزراء: “أليس من حقي الشك في أن هذه القصة الملفقة ستار لآخرين وراءها، وأنكم تحاولون تغطية “شيء ما” بتمويه التحقيق مع “عزيز المصري”؟!”.

ويمكن القول إن شبح الدبابات البريطانية المتجهة لحصار قصر عابدين “وردع الملك فاروق” بدا في الواقع كرد فعل على رسالة “تأنيب” تلقاها السفير البريطاني السير “مايلز لامبسون” من السير “ألكسندر كادوغان” الوكيل الأول بوزارة الخارجية، وهو القائم على التنسيق بين الدبلوماسية والسياسة، أي بين وزارة الخارجية ورئاسة الوزارة، وفي هذه الرسالة يقول السير “ألكسندر كادوغان” موجها كلامه للسير “مايلز لامبسون” بما نصه: “إنني مندهش أنك مسؤول عن مصر من سبع سنوات، ومع ذلك نرى في مصر ما نراه الآن، وهو ما يعني أن قبضة بريطانيا غير محكمة في أمر يتصل بمصالحها الحيوية وأمنها في الشرق الأوسط ومجهودها الحربي جنوب البحر الأبيض”.

ثم يضيف “كادوغان” “إن بعض ما يجري في مصر بلغ درجة الخيانة، ومع ذلك فإن حزمنا يبدو رخوا”.

ومعنى ذلك أنه حين قدم السير “مايلز لامبسون” إنذاره إلى الملك “فاروق” يوم 4 فبراير، فإن الرجل إلى جانب أسباب موضوعية كان يدافع عن كرامته وسمعته ومستقبله.

وقد اقتنع “لامبسون” وشاركته لندن بأن هذه “الألعاب الملكية” زادت خطورتها، وأن عودة حكومة وفدية إلى السلطة زادت أهميتها كضرورة لضبط الأمور عن طريق “حزب” يمثل “شرعية الأغلبية” في مصر على الأقل، ويكون جاهزا لحفظ المصالح البريطانية: العسكرية والسياسية.

وكان ذلك هو الطريق البريطاني إلى قصر عابدين مساء يوم 4 فبراير وبالدبابات!


الطريق الملكي إلى 4 فبراير وبعده

كان الملك “فاروق” حين اعتلى عرش مصر سنة 1937، صبيا جميلا، مشرقا كالصباح الندي. وبعد غياب الملك “فؤاد” بملامحه العابسة، وشاربه المعقوف، وإصراره العنيد على فرض إرادته فوق الشعب وضد الدستور فإن ابنه ظهر أمام الشعب المصري شابا مهيأ لملاقاة تغييرات ضرورية جاء وقتها وطال انتظارها.

وبدا الأفق أمام الملك الجديد واسعا غير محدود:

أولا: لأن العلاقات المصرية البريطانية (وهي مفتاح الاستقرار في مصر أيامها)، أمكن ترتيبها على نحو معقول بمعاهدة سنة 1936، التي وقعها “مصطفى النحاس” (باشا) زعيم الوفد، وممثل الأغلبية وقتها بغير جدال. وبمقتضي هذه المعاهدة فإن القوات العسكرية البريطانية سوف تنسحب من المدن الرئيسية وتبتعد بالذات عن العاصمة! إلى قواعد في منطقة قناة السويس، وذلك يعطي للبلد “شكل دولة مستقلة”. وكان هناك تصور عام بأن استمرار الوجود الإنكليزي في العاصمة المصرية إهانة يومية، لأن الثكنات العسكرية البريطانية وعليها ساريات الأعلام العالية قائمة وسط القاهرة في (ميدان الإسماعيلية (التحرير) وميدان محطة السكك الحديدية) وعلى أطرافها (من ضاحية حلوان إلى العباسية وحتى المرج)، كما أنه في الإسكندرية كانت قوات الاحتلال البريطاني معسكرات متصلة (من رأس التين إلى مصطفى باشا إلى المعمورة).

ويبدو أن التشوق إلى الاستقلال هيأ لكثيرين أن تخبئة الوجود العسكري البريطاني في منطقة القناة تكفي للتظاهر والادعاء بالتحرر.

(وفي ما بعد عندما نشبت الحرب العالمية قبل أن يتم إعداد منطقة القناة وطرق المعاهدة إليها، فإن الانسحاب البريطاني في المدن الكبرى في مصر تعطل، بل وأصبح الوجود العسكري الأجنبي أثقل عما كان في أي وقت).

وثانيا: لأن علاقة القصر بالسفارة البريطانية (وهي معقل القوة الحقيقية) أصبحت قابلة للاستقرار، لأن بريطانيا بعد توقيع معاهدة سنة 1936 أصبحت مستعدة لفتح صفحة جديدة من التعاون انتظارا لجو دولي مضطرب، (أخطر ما فيه أن إيطاليا تحت زعامة “موسوليني” تفتحت شهيتها لحيازة المستعمرات، فقامت بغزو الحبشة الملاصقة للسودان (جنوب مصر)، كما عززت قبضتها على ليبيا (غرب مصر)، وكأنه بعث جديد للإمبراطورية الرومانية، وعلا صوت الدعوة إلى هذا البعث الجديد عندما راح “موسوليني” يتحدث عن “بحرنا” (يقصد البحر الأبيض المتوسط).

ومع أن السياسة البريطانية لعبت باستمرار واستفادت طوال الوقت من التنافس بين قوة الوفد في الشارع، وقوة القصر فوق الهرم الرسمي للسلطة، فإن السفارة البريطانية لم تكن متلهفة في الأوضاع الجديدة إلى لعبة “فرّقْ تَسُدْ” التقليدية، بسبب الصعود السريع ل”هتلر” في أوروبا وعلاقته الوثيقة مع الدوتشي (الزعيم الإيطالي) “بنيتو موسوليني” وهو ما جعل هذه اللعبة خطرة في ظرف مضطرب!

والواقع أن السفارة ذلك الوقت كانت على استعداد لأن تتقبل من القصر أكثر مما تتقبل من الوفد، وتقديرها، (كما هو واضح في الوثائق) أن الوفد “أدى مهمته” ووقع معاهدة سنة 1936 واختفى. وفي القصر الآن ملك جديد له حصانته الدستورية، في حين أن الوفد قوة (شعبية!) يمكن إبعادها بسطور يوقعها الملك، الذي يظل قوة (حاضرة) لا يزيحها غير السلاح، إذا كانت بريطانيا على استعداد لاستعماله في مصر.

ومن ناحية أخرى، فقد بدا أن الميزان في الشارع يميل لصالح الملك الشاب الذي أسر عواطف شعبه، فيما بدا “النحاس” (باشا) في مواجهته رجلا ينتمي إلى زمن مضى!

وثالثا: لأن النخب المثقفة في مصر تحلقت ملتفة حول القصر، وكانت هذه النخب منذ لحظة طلب الاستقلال الأولى ضمن صفوف الوفد لكنها هاجرت منه موجة بعد موجة إزاء ما اعتبرته ديكتاتورية تهييج تعمدها الوفد لتحويل جماهير الشعب “إلى عبادة فرد بدعوى الوطنية”.

فالنخب التي قادها رجال من أمثال “عدلي يكن” و”عبد الخالق ثروت” جرى وصفهم على ألسنة زعماء الوفد بأنهم “برادع الإنكليز”. وعندما حاول هؤلاء أن يفاوضوا للحصول على الاستقلال لاحقهم شعار أن “جورج الخامس يفاوض جورج الخامس”، وتبعه شعار أنه “لو رشح الوفد حجرا لانتخبناه” ثم بلغت “عبادة الفرد” ذروتها حين انطلق شعار “إن الاحتلال على يد سعد، خير من الاستقلال على يد عدلي”. ولم تكن تلك “عبادة الفرد” فقط وإنما كانت حملات تخوين سافرة دخلت إلى الميدان السياسي المصري، وهنا فإن النخب المثقفة (هكذا رأت وتصرفت) راحت تهاجر من الوفد موجة بعد موجة، ومن هذه الموجات المهاجرة نشأ حزب الأحرار الدستوريين (بقيادة محمد محمود باشا)، ونشأ حزب السعديين (بقيادة أحمد ماهر باشا)، كما ظهرت تجمعات مختلفة من المستقلين الذي آثروا أن يمارسوا السياسة من خارج الالتزام الحزبي.

لكن مشكلة كل هؤلاء الخارجين من الوفد أن سندهم في الشارع (إزاء شعبية الوفد) كان ضئيلا، وبالتالي فإن اعتمادهم على القصر (أو على الإنكليز أحيانا!) كان كبيرا. وذلك وضعهم بين المطرقة والسندان، والمستجد في الظروف الطارئة أن هؤلاء جميعا راحوا يتنفسون بارتياح، لأن القصر أصبح بوجود الملك “فاروق” صورة جذابة ومحبوبة، كما أن الإنكليز تحولوا بمعاهدة سنة 1936 من “قوة احتلال” إلى “صديق وحليف”.

ورابعا: فقد وجد الملك “فاروق” حول عرشه مجموعة من الرجال الأقوياء، أهمهم في ذلك الوقت “علي ماهر” (باشا) رئيس الديوان الملكي، ثم رئيس الوزراء تحيط به مجموعة من أنصاره بينهم شخصيات لها وزنها في مصر وخارجها مثل “عزيز المصري” (باشا)، و”صالح حرب” (باشا)، و”محمد علي علوبة” (باشا).

وكان الأزهر بالتقليد ملكيا، وزاد النفوذ الملكي فيه بشخصية رجل على رأسه مثل الشيخ “محمد مصطفى المراغي”، ومعنى ذلك أن المؤسسة الدينية الرسمية، وهي في تلك الأيام صاحبة مرجعية رفيعة في العالم الإسلامي أعطت للملك شهادة “صلاح” استحقها في ما بدا من ذهابه إلى صلاة الجمعة كل أسبوع مؤديا فرضه وراء الإمام الأكبر العتيد.

وفي نفس الوقت فإن الرجل الأهم في المؤسسة العلمية المصرية كان رجلا نادرا في قيمته الثقافية، حتى لقد اعتبر المعلم الأول في مصر وهو “لطفي السيد” (باشا)، وكان “لطفي السيد” واحدا من قادة النخب المهاجرة من الوفد، لكن قيمة الرجل علميا تجاوزت به نطاق الحزبية (مع الأحرار الدستوريين)، ووضعته على رأس الجامعة، وعلى المقدمة من تيار تنويري متميز.

ومعنى ذلك أنه كان على القمة في علوم الدين والدنيا في ذلك الوقت من مطلع عصر الملك “فاروق”، رجلان أحدهما وهو الشيخ “المراغي” نافذ على القصر، والثاني وهو “لطفي السيد” نافر من الوفد.

على أنه برغم الآفاق المفتوحة فإن الفتنة كانت على وشك أن تتحرك، ولم تكن تلك خطيئة أحد، وإنما حكم حقائق تبحث لنفسها عن صيغة مختلفة في واقع متغير أو يبدو متغيرا.

كانت مصر كعادتها في كل “لحظة وعد” تبحث عن نفسها وهويتها ومستقبلها.

في لحظة حلم سابقة كان “محمد علي” قد أخذ مصر إلى الشام (ضمن مشروع عثماني يجدد شباب الخلافة في اسطنبول بواحد من رجالها جاء مأمورا منها إلى مصر، وهو الآن يريد العودة إليها آمرا ووراءه مصر) وضاعت “لحظة الوعد” بالنسبة لمحمد علي، لأن الحلم كان أكبر من طاقة مصر التي اعتمد عليها طموحه.

وفي لحظة خيال لاحقة كان إسماعيل (حفيد محمد علي) قد أخذ مصر إلى أوروبا معتبرا أنها قطعة طارت منها عبر البحر لكن “أوربة مصر” كانت وهما مستحيلا بسبب الحقائق الجغرافية والتاريخية، ولم يكن كافيا للتغطية على هذه الحقائق استقدام مهندس فرنسي مثل “هوسمان” يفتح شارعا وسط القاهرة مثل شارع “محمد علي” يكون بناؤه على طراز شارع “ريفولي” في باريس أو أن تقوم في قلب العاصمة المصرية دار للأوبرا يفتتحها موسيقار إيطالي مثل “فيردي” بأوبرا كتبها خصيصا لحفل الافتتاح مثل أوبرا عايدة!

وكان الملك “فؤاد” (ابن إسماعيل) قد شهد لحظة “وعد ثالثة” بعد الحرب العالمية الأولى والداعي أن الحرب العالمية الأولى انتهت بسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في اسطنبول، ودفعت إلى خيال الملك “فؤاد” بحلمين لبسا بعضهما: شعبه يطلب الاستقلال، وهو (الملك) يطمح للخلافة (وظنه أنه أجدر بها من رجلين غيره خرجا إلى طلب إرثها هما: “الشريف حسين” أمير مكة، والسلطان “عبد العزيز آل سعود” أمير نجد).

لكن “لحظة الوعد” في أحلام “فؤاد” ضاعت بدورها لأن قيادة الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال كانت أقرب إلى “باريس” منها إلى “اسطنبول”، كما أن الجيش الذي اعتمد عليه حلم “محمد علي” لبلوغ قصور البوسفور لم يكن جاهزا ليحمل حلم حفيده مترا واحدا وراء سيناء!

والآن ومع شباب ملك ويقظة شعب يبحث عن نفسه وهويته ومستقبله عاد طيف الخلافة يطرح نفسه أمام مجموعة الرجال الأقوياء المحيطين بالقصر وهم الأقدر على الرؤية الأبعد والأوسع.

وكانت البدايات مبهمة تحس بالضرورة التاريخية ولا تجد طرحا سياسيا يعبر عنها.

فالشيخ “محمد مصطفى المراغي” شيخ الأزهر اقترح أن يكون تتويج الملك الشاب ببيعة إسلامية في الأزهر.

لكن “مصطفى النحاس” (باشا) رئيس الوزراء رفض وأصر على الرفض (وله كامل الحق)، لأن بيعة ملك في الأزهر تأخذ الدولة من الحاضر إلى الماضي، كما أنها تهدر فكرة الدستور والقانون، بادعاء يضفي على الملك سلطة أنه ظل الله على الأرض (وذلك خطأ وخطر!).

و”علي ماهر” (باشا) راح في نفس الاتجاه ولكن على طريقة عائلة “هابسبورغ” المالكة في “فيينا” (والتي قيل إنها وسعت رقعة ملكها داخل غرف نوم الأمراء والأميرات أي بالمصاهرة بأكثر مما وسعت هذه الرقعة بفتوح جيوشها في ساحات الحرب). وكذلك سعى “علي ماهر” (باشا) إلى مصاهرة ملكية بين أقوى بلدين في الشرق: مصر وإيران، وكان أن خُطبت الأميرة “فوزية” أخت “فاروق” إلى “محمد رضا بهلوي” ابن رضا خان شاه إيران.

وكانت تلك محاولات تأخذ السياسة المصرية بأسلوبين مختلفين إلى ذات الاتجاه:

“علي ماهر” يأخذ السياسة المصرية “بالزواج” إلى الشرق (عبر سيناء).

و”مصطفى المراغي” يأخذ السياسة المصرية “بالبيعة” إلى الشرق (ديار الإسلام).

والشاهد أن تلك كانت أشواقا مبكرة تعبر عن دواع تشد مصر خارج حدودها نحو محيطها الإنساني والثقافي والأمني. وفي حين أن تلك الأشواق المبكرة لم تكن محددة، فإن الدواعي المحركة لها كانت حقيقية!

ولم يكن الإنكليز سعداء بمسألة الخلافة، سواء كان التعبير عنها بتتويج ملكي إسلامي في الأزهر، أو بأميرة مصرية على عرش الطاووس في طهران.

وكذلك لم يكن “النحاس” (باشا) سعيدا بها، لكن أمر “النحاس” (باشا) في تلك الفترة كان مما يمكن مواجهته، وبالفعل فإن الملك “فاروق” لم يلبث أن أقال وزارته (آخر ديسمبر 1937)، بناءً على نصيحة رئيس ديوانه “علي ماهر” (باشا)، وبرغم نصيحة أمه الملكة “نازلي” وهي أيامها صاحبة تأثير طاغٍ عليه (كما قالت لي بنفسها، وكررت أنها حذرت ابنها من “تقليد أبيه” في عداء الوفد، لأن ذلك سوف يضعه عاجلا أو آجلا ضد شعور الناس!).

على أن الإنكليز وجدوا وسيلة أخرى لمقاومة فكرة الخلافة، وذلك بأن تظهر المعارضة للفكرة من داخل أسرة “محمد علي” ذاتها!

وتحفل الوثائق البريطانية في تلك الفترة بمسألة الخلافة، وعلى سبيل المثال فإن الوثيقة (رقم 459 ملف 58/6/338) وهي تقرير من السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزير الخارجية البريطاني يقول متوجها بالخطاب إلى اللورد “هاليفاكس” وزير الخارجية:

“سيدي اللورد

بالإشارة إلى رسالة فخامتكم بشأن مسألة الخلافة أتشرف بأن أضع أمامكم هذه النقط:

لا ننصح بتوجيه “لفت نظر” إلى الحكومة المصرية في شأن هذا الموضوع.

لا نحتاج إلى تأكيد صعوبة تحقيق هذا الحلم الذي يراود الملك “فاروق” والمحيطين به.

سوف تقوم في العالم الإسلامي ومن أطراف متعددة معارضة للمطلب المصري والأفضل لنا أن ننتظر.

في هذه المرحلة يمكن تنبيه بغداد وجدة واسطنبول إلى الأصوات الداعية للخلافة في القاهرة”.


***********

ولم تمض أيام حتى كان السفير البريطاني في القاهرة ينبه لندن إلى حديث مهم أدلى به الأمير “محمد علي” وهو أكبر أمراء أسرة “محمد علي” سنا وكان رئيسا لمجلس الوصاية على الملك “فاروق” قبل بلوغه سن الرشد ثم أصبح وليا للعهد بالأمر الواقع (وبمرسوم ملكي في ما بعد).

وفي هذا الحديث أبدى الأمير “محمد علي” رأيا صريحا في موضوع الخلافة ضمن حديث مع مراسل الأهرام في لندن، قال فيه:

“إن خلافة المسلمين عبء ضخم لا تستطيع مصر تحمله، فتلك مسؤولية تكلفها ما لا تطيق، ذلك أن دولة الخلافة لابد أن تكون قادرة وجاهزة للدفاع عن ديار الإسلام على اتساع العالم الإسلامي من الصين إلى المغرب. وذلك يتخطى طاقة مصر ومواردها، ويفوق قدرتها على تحمل المسؤولية. وفي نفس الوقت فإن قعودها عن هذه المسؤولية بمحدودية طاقتها ومواردها يسيء إلى فكرة الخلافة ويسيء إلى مصر في ظرف يحتاج فيه البلد إلى كل طاقته وموارده لحل مشكلاته الكبيرة والمتراكمة”.

وفي كل الأحوال فإن مسألة الخلافة لم تلبث أن توارت لأن الحرب العالمية الثانية دهمت الجميع!

كان الملك “فاروق” “وطنيا مصريا” لا شك في ذلك، وحتى عندما غرق لاحقا في مستنقع من الفساد زاد وفاض على ما حوله فإن “وطنية الملك” على عكس معظم حاشيته ظلت سليمة في تعبيرها عن نفسها حتى بتلقائية العاطفة.

وطبقا لرواية “حسن يوسف” (باشا) فإن الملك “فاروق” كان مهتما بأكثر مما يتصور الناس بمتابعة تطورات الحرب، وقد وضع في مكتبه خريطة كبيرة لأوروبا وراح يدرس معاركها ومواقعها بمساعدة قائد الحرس الملكي “عمر فتحي” (باشا)، وقد بهره سقوط بولندا السريع، وافتتن بقادة الجيش الألماني إلى درجة أنه كان يحفظ أسماءهم، ويراقب التحركات على جبهاتهم يوما بعد يوم، وفي اهتمام الملك بشؤون الحرب فإنه قدر في عز حماسته أن النصر فيها من نصيب الألمان، وقد تضايق الجنرال “ستون” رئيس البعثة العسكرية البريطانية في مصر؛ لأن “فاروق” امتدح أمامه سرعة حركة الجنرال “فون بيك” الذي قاد المدرعات الألمانية في عملية بولندا. وسجل الجنرال “ستون” في أوراقه “أنه نصح الملك بالتروي في أحكامه لأن الحرب ما زالت في مشاهدها الأولى، وأن إعجابه بأداء “فون بيك” سابق لأوانه، لأن نتيجة الحرب لن تتقرر على مستوى العمليات في ميدان قتال بالذات، وإنما تتقرر على مستوى الحرب واستراتيجياتها الكبرى” وأضاف الجنرال “ستون” أن “ملك مصر” يعتبر نفسه خبيرا عسكريا لأنه قضى أقل من عامين في مدرسة عسكرية بريطانية (وولويتش) لم يتعلم فيها شيئا وتكرر سقوطه حتى تقرر فصله، ثم سُمح له مراعاة لمكانته بأن يحضر الدروس مستمعا مرتين في الأسبوع فترة بعد الظهر، والحاصل أن إعجاب “فاروق” بالقادة العسكريين الألمان ساقه إلى توقع انتصار جيوشهم، وبالنسبة لملك مصر فقد كانت تلك مقدمة ترتب بعدها عليه مسؤوليات إزاء عرشه وتجاه بلده!

ويقول “حسن يوسف” (باشا) إنه لم ير في أوراق القصر ولم يسمع من الملك ما يؤكد وجود اتصالات بينه وبين الزعماء الألمان أو الطليان لكنه سمع أن “فاروق” ألمح أكثر من مرة بأننا “لا بد أن نشوف مستقبلنا” ومع ذلك فإن الوثائق الألمانية التي قدمها مدير المخابرات الألماني الجنرال “كاناريس” إلى قيادة الحلفاء عندما اتصل بهم ولجأ إليهم أواخر الحرب كان فيها ما يشير إلى اتصالات قام بها الملك عن طريق “كونت برتغالي له مصالح في البرازيل”، وكانت الإشارات إليه في الأوراق بوصف “البرتغالي” دون زيادة في التفصيل، وفي هذه الإشارات وردت تفاصيل عن اتصالات قام بها “مندوبون عن ملك مصر” في أنقرة وفي طهران وفي جنيف، والواضح في الإشارات أن الملك كان لديه ما يريد توصيله إلى الألمان بالذات وفيه:

أن حكومته الحالية تتعاون مع الإنكليز في حدود الأمر الواقع المتمثل في توقيع مصر على معاهدة سنة 1936، وهي لا تملك خيارا آخر مع وجود قوات بريطانية كبيرة على الأرض المصرية.

أن الملك يأمل أن تقدر القيادة الألمانية أن مصر ليست طرفا في هذه الحرب حتى مع كون أراضيها وتسهيلاتها مسخرة للجهد الحربي البريطاني ومع أنه شخصيا لا يحب ذلك إلا أنه مضطر إليه.

وأن حكومته عندما أقرت سياسة “تجنيب مصر ويلات الحرب”، كانت في الواقع تقصد نوعا من إعلان حياد مصر، لتأسيس حقها في الاستقلال عندما تنتهي الحرب (بانتصار المحور).

وفي الأسابيع الأخيرة من سنة 1941، بدأ القصر يحس أن هناك تغييرا في توجهات السياسة البريطانية في مصر، ويتضح أنه كان هناك سببان رئيسيان قادا إلى ذلك التغيير:

السبب الأول: أن السياسة البريطانية أصبحت واثقة من النتيجة النهائية للحرب بعد أن تورط “هتلر” في غزو الاتحاد السوفياتي و”غرز” في ثلوج الشتاء الروسي المخيف (كما حدث ل”نابليون” قبل “هتلر”) وزاد أن الولايات المتحدة دخلت الحرب (بعد الهجوم الياباني على قواعدها البحرية في بيرل هاربور) ومعني ذلك أن النتيجة النهائية للحرب لم تعد موضع شك بسبب تحول واضح في موازين القوى بين المتحاربين، ومفهوم ذلك أن الحكومة البريطانية تصبح قادرة وواثقة من تحمل تبعات تغيير كبير في القاهرة.

والسبب الثاني: أن الفيلق الألماني الذي عبر البحر إلى مصر تحت قيادة “رومل” سوف يحاول شن هجوم حاسم وأخير على مصر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الشرق، ومع أن ذلك في التقدير البريطاني لن يغير شيئا في النتيجة النهائية للحرب فإن أهمية قناة السويس تفرض على بريطانيا خوض معركة مصر بكل طاقتها وأن لا تفرط في القناة ومنشآتها حتى لو كانت متأكدة من استردادها في يوم قادم على مسار الحرب!

وإذا كان ذلك فإن تأديب الملك “فاروق” ممكن ومطلوب، سواء بإزاحته بعيدا عن العرش أو تركه مكانه بعد تكسير أجنحته وتحويله شبه أسير في قصره.

ويروي “حسن يوسف” (باشا) أن الملك “فاروق” استشعر بعد تورط الألمان في روسيا، وبناءً على إلحاح من رئيس الديوان “أحمد محمد حسنين” (باشا)، أن الانتصار الألماني في الحرب لم يعد مضمونا كما كان، وأن الأسلم والأفضل له إعادة حساباته، لأن الإنكليز في حالة الضرورة سوف يعترضون طريقه، ويفرضون عليه ما لا يريد، والأسلم أن يسبقهم ويحصن موقفه إزاءهم بحكومة أغلبية وفدية يرأسها “مصطفى النحاس” (باشا). كذلك أضافت الملكة “نازلي” على طريقتها نصيحة إلى ابنها مؤداها طبقا لرواية “حسن يوسف” (باشا) أن “الإنكليز أولاد ...”، وسوف “يوقعون الدنيا في بعضها”، ويفوزون في النهاية، والأحسن تصليح العلاقة معهم”.

وسواء كان الملك “فاروق” أقنعه ما أبداه رئيس ديوانه أو ما علقت به والدته، أو أنه أدرك بحسه أن مسار الحرب يتذبذب على الأقل فإنه وافق على إيفاد “عبد الوهاب طلعت” (باشا) وكيل الديوان الملكي وقتها إلى مقابلة سرية مع “النحاس” (باشا) الذي كان يقيم مع أسرته في الريف بعيدا عن الغارات الجوية التي تعرضت لها القاهرة والإسكندرية من الطيران الألماني والإيطالي. وكانت تعليمات “فاروق” إلى “عبد الوهاب طلعت” (باشا) قبل ذهابه لمقابلة “النحاس” (باشا) في “كفر عشما” قرب سمنود مختصرة في عبارة “شوف عنده إيه؟!”.

ويروي “حسن يوسف” (باشا) أن “أحمد حسنين” (باشا) كان لديه مشروع لتشكيل وزارة ائتلافية تحت رئاسة “النحاس” (باشا)، وكان متأكدا من أن في وسعه إقناع الملك “فاروق” بالمشروع على أساس أن أفضل وضع لمواجهة احتمال غزو (لن تتغير به نتيجة الحرب على الأرجح، لكنه سوف يكلف مصر غاليا) أن يكون “البلد متماسكا”. وكانت أقوى الحجج التي توصل بها “حسنين” (باشا) إلى إقناع الملك هي أنه “لو دخل الألمان والطليان، فإن الجيش الإنكليزي سوف يحمل ملك مصر معه قبل أن يرحل باعتباره ممثل الشرعية المصرية (كما حدث لملوك آخرين في أوروبا مثل ملوك النروج والدانمارك وهولندا) ثم إنه إذا بقي الملك وحده في البلد مع دخول الألمان والطليان، فقد يصبح رهينة في أيديهم في حرب لم تحسم نتائجها بعد ولذلك فالحل الأمثل الآن أن تكون هناك حكومة يرأسها “النحاس&

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول ثورة يوليو
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن ثورة يوليو:
لائحة أسماء الضباط الأحرارمن مذكرات قائد الجناح عبداللطيف البغدادي-د. يحي الشاعر


تقييم المقال
المعدل: 4
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.08 ثانية