Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: Aspire education group
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 1
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 36
الأعضاء: 0
المجموع: 36

Who is Online
يوجد حاليا, 36 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

نديم البيطار
[ نديم البيطار ]

·الإنسان كائن يتجاسر على الحلم المستحيل - نديم البيطار
·دور الإقليم القاعدة في تجارب التاريخ الوحدوية - نديم البيطار
·دور الدولة القطرية في ترسيخ التاريخ القطري - د. نديم البيطار
·خطوط عامة لمشروع فكري وحدوي يُدعى (مراكز التوعية الوحدوية)- د.نديم البيطــار
·نديم البيطار جوانب من فكره وحياته
·الإقليم القاعدة - حوار مع نديم البيطار
·اليسار الوحدوي : تحديد أساسي عام - نديم البيطار
·الإيديولوجيا وقضايا الوحدة - نديم البيطار
·دور الدولة القطرية في ترسيخ التاريخ القطري - د. نديم البيطار

تم استعراض
50353115
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 3 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل





 
وفي العالم العربي كان ذلك زمن الصراع والتنازع الفكرى . فقد كان العرب يحاولون التماس هدى السبيل لكنهم كانوا ممزقين موزعين سبلا واتجاهات مختلفة .

 
فقد كان هنالك - أولا- سبيل الإسلام الذى كان مؤيدوه يدفعون بأن الإسلام هو السبيل الوحيد وأن على الأقطار الإسلامية أن تتضافر معاً ، وأن تتحرك معاً . وكانت تلك حجة نورى السعيد فى الانضمام إلى حلف بغداد. وكان يقول إن وسع العرب حمل الاتراك والباكستانيين على القتال من أجلهم .

 
وكانت ثمة سوابق تاريخية لهذه الحجة .

 
فبعد مائة عام من إقامة نابليون القصيرة في مصر، وهى الإقامة الى فتحت عيون مصر على العالم، أخذ مصطفى كامل يناضل ضـد المحتلين البريطانيين لكنه لم يكن في ذلك يناضل من أجل استقلال مصر فقط بل أنه كان يتصور إمكانية العودة إلى رباط الإمبراطورية العثمانية باعتبارها إمبراطورية اسلامية..

 
كان يشد مناصرى هذا السبيل شعور قوى بالانتماء إلى أمة إسلامية عظمى واحدة . وكان يناقشهم في هذا الاتجاه المؤمنون بالقومية العربية الذين كانوا يدفعون بأنه إذا شملت الأمة الإسلامية كل الشعوب الإسلامية فإنها ستضم شعوباً متنائية من أفريقيا وآسيا تمتد بلادها حتى الفيليبين.

 
وكان هؤلاء يصرون على القول، بأن الروابط الحقيقية لوحدتهم القومية ولتطورهم لا يمكن أن تأتى من المؤمنين بالإسلام ، المنتشرين فى أرجاء العالم ، إنما يجب أن تنبثق من القومية العربية.

 
وقد وجدت أفكار القوميين العرب هؤلاء تعبيرها الأول فى لبنان ومصر.

 
وفي لبنان كان رأى المفكرين والمثقفين هو أن التطور المستند كلياً إلى الإسلام من شأنه أن يستبعد عدداً كبيراً من الناس الذين يؤلفون أجزاء حيوية من العالم العربي ، ذلك أنه لن يكون في وسع أقباط مصر ونصارى لبنان - مثلا- أن يندمجوا كلياً في منهج إسلامي للحياة . ولذا نادى المفكرون والمثقفون بدلا من ذلك بوحدة عربية قوامها الجغرافيا والتاريخ والحضارة واللغة لتكون الإطار الذى ينفذ من خلاله العرب نحو المستقبل..

 
وهكذا فإن التناقض الأول كان في الأساس بين فكرة الوحدة الإسلامية وفكرة الوحدة المستندة على روابط القومية العربية.

 
وظهر التناقض الثانى عندما بدأت عدة أقطار عربية تحصل على استقلالها. فقد ناضلت هذه البلاد في سبيل حريتها في أجواء مختلفة ضد دول استعمارية مختلفة. فقد كافح المصريون البريطانيين في إطار أسلوب معين . وناهض السوريون الفرنسيين بأسلوب آخر. وكانت المواجهات متباينة. فقد كان البريطانيون أكثر مرونة من الفرنسيين . فمثلا لم يقصف البريطانيون القاهرة - هذا إذا استثنينا السويس، لأن هذه حكاية أخرى- بينما قصف الفرنسيون دمشق . فالواقع أن الأمزجة والاهتمامات تختلف، حتى على صعيد الاستعمار! 

 
وقد أدى هذا الوضع إلى اكتساب الدول المختلفة استقلالها بوسائل مختلفة ، ومن هذه الفوارق، قام تناقض آخر " بين أولئك الذين يطالبون بالاستقلال الوطنى الكامل والذين يستشعرون الانتماء إلى القومية العربية ككل .

 
وازداد هذا النزاع حدة بسبب الاتجاهات المتباينة التى انتهجتها تلك البلاد المختلفة بعد أن حققت استقلالها.

 
فقد قر رأى اللبنانيين على أن الاقتصاد الحر هو الأفضل لهم بينما تبنت مصر نوعا من الاشتراكية وبقيت المملكة العربية السعودية مجتمعا ملكياً تقليدياً .

 
وثمة تياران  آخران عظيمان كان لهما نفوذ بالغ على العالم العربى فى هذه الفترة :

 
كان أولهما: هجمة القومية اليهودية عليهم ممثلة فى الصهيونية .

 
وكان ثانيهما : الأثر الذى أحدثه في المجتمع العربي تطوير حقول النفط والثروة الهائلة التى أخذت تتدفق في هذه الحقول . فقد أدى هذا الثراء إلى انتفاضة في العالم العربى .

 
وكان بذخ أثرياء البترول الشيوخ مخيفاً في سوقيته وتبذله. واتسامه بانعدام المسئولية. فقد كان بينهم من يشاهدون وهم يقودون سيارات الكاديلاك بينما تجلس الماعز إلى جوارهم فيها، وكان هناك شيخ هوايته أن يلعب بعقد من اللؤلؤ بين أصابع قدمه . وكان آخر يخيط فى طيات ثيابه ملايبن الجنيهات بل إنه كان يحتفظ بمحتويات خزينة بلاده تحت سريره .

 
واغتنى بعض الأفراد القلائل بشكل فاحش خارق ، لكن الأغلبية بقيت من الفقراء المدقعين الذين كان أكثرهم يعيش على حافة الوجود.

 
ورفعت الثروة الجديدة ، والطريقة التى كانت تستخدم بها، حواجز جديدة فى العالم العربي بدلا من أن تزيل الحواجز وتحقق الوحدة . كذلك أقامت هذه الثروات الحواجز الطبقية التى ثبت أنها قوة يجب أن يحسب حسابها ، لأن الأثرياء حاولوا أن يشتروا النفوذ والسلطة وغالباً ما نجحوا في ذلك .
 
----------------------------

 
وبعثت هذه الصراعات والتناقضات الغليان فى العالم العربى . وأشد ما كان هذا الغليان اضطراماً في مصر.

 
فقد نشبت تلك القرون- من الاستغلال على يد الأجانب . والقهر على يد الإقطاعيين وحملة الأسهم الغائبين عن الأرض، والاضطهاد على يد صغار الموظفين - نشبت أنيابها عميقاً فى الروح المصرية.

 
كان ثمة توق وحنين إلى الحرية وإلى الكرامة وإلى حق الفرد فى أن يكون فخوراً بنفسه وببلاده . لكن الأمل فى تحقيق ذلك كان يبدو ضئيلا .

 
فعندما كان الملك فاروق يحكم مصر فى قصره كان نصف في المائة من سكان مصر يستأثر بنصف الدخل القومى كله . وكان الفساد قد استشرى  وترعرع في ظل الحرب العالمية الثانية وتضخم إلى أبعاد خيالية.

 
وهوت الأحزاب السياسية وانهارت وراحت تهيم بلا هدف ولا غاية. ولم يكن ثمة ما يدعو إلى الفخر ولم تكن هناك كرامة.

 
أما الدرك الذى انحدرت إليه مصر فيتمثل فى أن ثلاث سيدات بتن يحكمن مصر فى الأعوام الأخيرة من الحرب وفي الفترة الى تلتها مباشرة .

 
كن : الليدى كيلرن الزوجة الشابة (الإيطالية المولد) للسفير البريطاني . والسيدة زينب الوكيل الزوجة الشابة لمصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد الذى وقع عليه اختيار اللورد كيلرن رئيساً للوزراء . والملكة نازلى أم الملك فاروق .

 
أما القوى الحاكمة في مصر في ذلك الحين فكانت : السفارة البريطانية ، والقصر الملكى، وحزب الوفد. وكان في كل من المواقع الثلاثة سيدة نافذة مهيمنة .

 
على أن شيئاً لم يمس الكرامة المصرية ولم يسئ إليها أكثر من أحداث 4 فبراير (شباط)1942 حين وجه اللورد كيلرن إنذارأ إلى الملك فاروق يطالبه بأن يعين مصطفى النحاس رئيسأ للوزراء .

 
ولما رفض الملك استدعى اللورد كيلرن قوة مصفحة بريطانية ووجه الدبابات إلى قصر عابدين لتقتحم بواباته.. واضطر الملك إلى الخضوع تحت تهديد مدافع الدبابات .

 
كان تأثير هذا الحدث في المصريين ساحقاً ومدمراً . فمرة أخرى أجبر حاكم مصرى على أن يخضع لمشيئة أجنبى . ومرة أخرى أجبر المصريون على أن يهيلوا التراب على رؤوسهم ، غير أن هذا الحدث كان له تأثير الكهرباء فى الضباط الشبان فى الجيش حيث قرر أحدهم - جمال عبد الناصر- ألا تجترع مصر قط كأس الذل مرة أخرى بهذه الطريقة.

 
إن بداية حركة الضباط الأحرار كحركة متكاملة ومتماسكة يمكن أن ترد إلى اللحظة الى سددت فيها أول دبابة بريطانية مدفعها إلى قصر الملك فاروق .

 
فلم يعد للضباط الأحرار من حديث سوى الحرية واسترداد كرامة بلادهم المطعونة وبدأ عبد الناصر يخطط لثورته..

 
وفى الوقت ذاته كانت ثمة قوة ثورية أخرى تكتسب الدعم والتأييد فى مصر وأعنى بها جماعة الإخوان المسلمين .

 
وفي إحدى المراحل انجذب عبد الناصر إلى الإخوان المسلمين ، كما فعل من قبل مع الشيوعيين ، غير أن أسلوب جماعة الإخوان فى تفجير القنابل أوالاغتيال لم يكن يلائم ميوله . وكانت محاولة الاغتيال الوحيدة الى تورط فيها محاولة فاشلة . ومن ثم فإن ولولة زوجة الضحية المقصود بالمحاولة- التى تصاعدت إذ دوت الطلقات- ولدت فيه مقتا للإرهاب حرمه النوم . وقد تنفس الصعداء وارتاح بالغ الارتياح عندما علم أن الرصاصات كلها أخطأت الضحية، وأقسم أن لا يعود إلى ذلك مطلقاً .

 
كان ذلك المقت للإرهاب هو الذى أنقذ حياة الملك فاروق ليلة خلعه عن العرش . ذلك أن كثيرين من الضباط الأحرار كانوا يرغبون فى قتله ، وكانت حجتهم وهم يطالبون بذلك هى : " فلنحاكمه ونشنقه ".

 
إلا أن عبد الناصر رد عليهم : " إذا كنتم تنوون، شنقه فلماذا تزعجون أنفسكم بمحاكمته؟ " وظل يرافع تسع ساعات للحفاظ على حياة فاروق ، ليس من أجل شخص فاروق وحده وإنما من  أجل سائر أولئك الذين كانوا سيموتون حتما نتيجة إعدام فاروق .

 
وقال لرفاقه : " إن كل مطالعاتى للتاريخ علمتنى درساً واحداً يتكرر دائماً مرة بعد أخرى ، وهو أن الدم يستسقى الدم وأن إراقة الدماء سوف تؤدى إلى مزيد من إراقة الدماء " .

 
وانتصر رأيه في النهاية وجنبت مصر الإرهاب . غير أن الإخوان المسلمين لم يكونوا من أنصار هذا الرأى ، فقد استخدموا الاغتيال سلاحاً سياسياً .وراحوا ينسفون عدداً من دور السينما والنوادى الليلية بالقنابل . وأصبحت الجريمة عملة رائجة . وأصبحت مصر بركاناً من المشاعر المكبوته المتفجرة بالعنف.

 
تلك كانت طبيعة العالم الذى اقتحمه عبد الناصر في ليلة الثاني والعشرين من يوليو (تموز) 1952 عندما استولى الضباط الأحرار على الحكم .

 
فقد كان الشرق الأوسط يمر بتغيير ثورى يرافقه انهيار الإمبراطوريات القديمة ودخول قوى ودول عالمية جديدة إليه . وكانت الدول العربية تحاول التماس طريقها إلى الاستقلال وما بعده ، وكانت مصر كالثمرة التى نضجت وأصبحت على أتم استعداد للثورة .

 
تلك كانت الأوضاع التاريخية الى صاغت قدره وحولته إلى رمز للكرامة المفقودة والآمال التى لم تتحقق.

 
لقد حملت هذه الأوضاع كاهله حملا أثقل من أن يطيقه أى إنسان وصاغت حياته وهيأت الأسباب التى أدت إلى مماته.

 
وعندما اندفع الناس يركضون في الشوارع ليلة وفاته صارخين : " السبع مات " تجاوبت مصر كلها بصيحة الحزن والرثاء هذه . ذلك أن رب العائلة وحاميها يعرف عند العرب عادة باسم " السبع " وكان أولئك الناس يرثون الرجل الذى أصبح في الواقع التعبير الروحى للعرب ، وحامى شرفهم وأحلامهم.

 
مرت حياة السبع بثلاث مراحل : مرحلة السبع طليقاً . ومرحلة السبع مغلولا مصفداً . ومرحلة السبع جريحاً .

 
استمرت مرحلة الحرية الأولى حتى غزو السويس سنة 1956 حيث جعلته الحملة الثلاثية الرعناء، البريطانية- الفرنسية- الإسرائيلية دون قصد منهم ، شخصية عالمية. ذلك أن حماقة إيدن أمدت عبد الناصر بمركز وهيبة دوليين وأطلقته إلى خارج حدود مصر بدلا من أن تدمره . ومنذ ذلك الحين لم يعد اهتمامه مقصوراً على شئون مصر وحدها .

 
كان متمرداً على الدوام وكانت ثورته سمة تنبع على وجه التأكيد من رد فعله حيال الآراء والسنن التقليدية المتزمتة التى كان يحملها أبوه الذى كان- ككاتب في مصلحة البريد- فرداً صغيراً في البيروقراطية المصرية.

 
وكان شغوفاً بأمه السكندرية ذات المزاج المختلف كلياً عن مزاج أبيه.

 
وعندما كان طفلا يافعاً بعث به أهله إلى إحدى مدارس القاهرة حيث أقام فى منزل عمه وأخذ يبعث برسائل طويلة يبث فيها أمه حبه ولم يستطع أن يفهم لماذا لم تكن ترد عليه.

 
وعندما عاد إلى الإسكندرية وجد أنها توفيت وأن والده تزوج من جديد . كان لم يزل في الثامنة عندما انهار عالمه وتقوض . ومنذ ذلك الحين أصبح ثائراً عنيداً .

 
وأرسل عبد الناصر إلى عائلة أمه فى الإسكندرية ليستكمل دراسته، وهناك تورط للمرة الأولى فى السياسة، فقد شاهد مظاهرة تفرقها الشرطة فى الشارع ودون أن يعرف حتى دافع المظاهرة ، انضم يقاتل في صفوف المتظاهرين . كان يكفيه أن تكون المظاهرة ضد النظام القائم .

 
واعتقلته سلطات الشرطة وأمضى ليلته في السجن ، حيث عرف أن رفاق المظاهرة من أعضاء حزب " مصر الفتاة " فانضم إلى الحزب مباشرة ، وخدمه بالمشاركة في توزيع مجلته.

 
لم يحسن اعتقاله من العلاقات بينه وبين والده . فقد كان بينهما احتكاك دائم . وعندما تخرج من المدرسة انطلق يبحث عن مهنة تبقيه بعيداً عن البيت الأبوى .

 
وحاول الالتحاق بالشرطة واجتاز كل الامتحانات اللازمة إلى أن واجه لجنة برئاسة لواء يحمل لقب باشا. وكانت مهمة هذه اللجنة أن تحقق فى مستواه الاجتماعى . وسأله اللواء : " ماذا يعمل أبوك؟ " وعندما أجابه : " كاتب فى مصلحة البريد " قال له اللواء : " يا بنى إنك لاتصلح هنا... ".

 
لم يكن من شىء يمكن أن يزيد- عمداً- من كراهية المتمرد اليافع للنظام القائم قدر لهجة كهذه .

 
وبعد خيبة أمله تلك عكف على دراسة الحقوق لمدة ستة أشهر وكان ناجحاً في دراسته، ولما كان ذلك يعنى استمرار بقائه فى البيت فقد ترك الدراسة ودخل الكلية الحربية حيث وجد فى إطار الانضباط العسكرى : الحرية لتنمية تفكيره ، والقراءة والتخطيط للمستقبل .

 
ولعل من المفارقات اللافتة للنظر في حياة عبد الناصر أنه ظل - برغم كونه ثائراً حياته الثورة - إنساناً محافظاً في معيشته الشخصية. فقد رسخت في روحه ونفسه بعض التربية التقليدية التى ثار عليها.

 
 
كان قد تعلم أن جهنم هى بئس المصير وأن كل الأطفال يدخلون الجنة تلقائياً . وكانت فكرة جهنم تخيفه إلى حد أنه- وهو في السابعة- قرر مع صبى آخر أن لايخاطر بالذهاب إلى هناك فقررا أن يقدما على الانتحار. وهكذا ذهبا إلى مكتب البريد وسرقا شيئاً من الشمع الأحمر الذي كان والده يحذره دوماً من كونه ساماً . وأكلأ الشمع ورقدا فى انتظار الموت . على أن آقرب مكان إلى الجنة وصلا إليه، كان مغصاً فى المعدة و " علقة " من والده .

 
لقد صاحبته هذه البساطة الأصيلة طول حياته.. فلم يهتم إطلاقاً بالنساء أو المال أو الطعام . وبعد أن تربع على كرسى الحكم حاول السياسيون القدامى إفساده ، لكنهم فشلوا فشلا ذريعاً .

 
كانت حياته العائلية نقية نقاء خالصاً .

 
وكان دائماً يحاول أن يتناول طعام الغداء مع زوجته وأبنائهما الثلاثة وبنتيهما الإثنتين . وكانوا غالباً ما يلتقون حول المائدة ليأكلوا طبقه المفضل- الجبنة المصرية البيضاء - وهم يشاهدون الأفلام السينمائية، متعته الوحيدة .

 
أما بالنسبة إلى المال فقد أرسلت إلية ملايين الجنيهات من التبرعات ليوجهها في أى ناحية من نواحى الخير يراها وكانت موضوعة فى الحساب الرسمى رقم (1) فاستخدمها لمصلحة مصر . وعندما مات كان في هذا الحساب مليونان ونصف مليون من الجنيهات تحولت كلها إلى حساب رئيس الجمهورية الذى تولى بعده فلم تكن مالا شخصياً وإنما كانت مرقومة ومسجلة كحساب عام ، وفى نفس الوقت فإن عبد الناصر لم يترك في حسابه الشخصى سوى 610 جنيهات.

 
ومن حيث الطعام فقد كان يهوى الأطباق المصرية التقليدية المؤلفة من اللحم والخضر والأرز. وكان طعامه من البساطة بحيث كان يشكل أحياناً عبئاً على رفاق سفره .

 
ففي ذات مرة كان يسافر على رأس أحد الوفود إلى يوغوسلافيا- على متن اليخت السابق للملك فاروق- عندما اكتشف زملاؤه المقربون أنهم يأكلون الطعام المعتاد البسيط بيما كان أعضاء الوفد الأقل شأنا والذين لا يتناولون طعامهم مع عبد الناصر يتناولون الأصناف والأطباق الشهية المعدة إعداداً بديعاً. فرتبوا الأمر مع كبير الطباخين ليقدم إليهم على المائدة شيئاً خاصاً .

 
وعندما وصلت الوجبة الخاصة فى زينتها المبتكرة تطلع إليها الرئيس عبد الناصر وقال : " إنها تعج بالألوان كالإعلانات في المجلات الأمريكية " .

 
وبدأ يتذوق بعض الكافيار. لكنه ما لبث أن تباطأ بينما كان رفاقه يستمتعون بما لذ وطاب . وفي تلك اللحظة وصل النادل يحمل صينية من أكلته العادية البسيطة ، ذلك أن كبير الطباخين كان يعرف أن عبد الناصر سوف يفضل أكلته المعتادة ..

 
وفي مناسبة أخرى ، أثناء مرحلة التقشف التى تلت معركة السويس ، كان وزراؤه يجدون مشقة وهم يحاولون حذف بعض الكماليات من لائحة المواد المستوردة . وطلب عبد الناصر أن يرى اللائحة وشطب فوراً " الاسبرج " والشمبانيا وكبد الأوز وعشرات من الكماليات الأخرى قائلا : " إن الأشياء التى لا أعرف عنها شيئاً لايعرف عنها المصرى العادى كذلك أى شيء ".

 
------------------------------

 
ولكن ذلك كله جاء فيما بعد، عندما غلت الأحداث يديه . أما ماكان يهمه ويعنيه عندما كان فى الكلية الحربية وبعد ذلك كضابط ناشىء يخدم في السودان ، فهو أن يطالع وأن يقرأ بقدر ما يستطيع . وكان مفتتنا بالتاريخ وبوحدة ألمانيا وبالثورة الفرنسية بصفة خاصة . وكان للروايات التى قرأها عن الثورة الفرنسية تأثيرها البين في مسلكه بعد ذلك . لقد تأثر بالغ التأثر برواية " قصة مدينتين " وبسردها لأحداث الإرهاب الذى سيطر على باريس ، وربما كان تأثره هذا هو الذى أنقذ الشعب المصرى من الكثير من إراقة الدماء بعد نجاح ثورته، ذلك أنه جعله بالغ التيقظ إلى أن الإرهاب يمكن أن يلي كل الثورات.

 
وقد فتن كذلك بشخصية بطل رواية " الزهرة القرمزية ". و هي شخصية الزعيم الخفي الذى كان يقود المقاومة دون أن يظهر إلى العلن . وكتب قصته عن المقاومة الشعبية التى جابهت أول غزو بريطاني لمصر في مدينة رشيد فى 1807 وكان بطلها شخصية مصرية تشبه " الزهرة القرمزية " .


وفى وسع المرء أن يتبين أثر ذلك في إجراءاته ومسلكه عندما خلع فاروق . فقد ظل فترة وراء الكواليس وفى خلفية الأحداث . وكان هو الزعيم الخفي الذى وضع اللواء محمد نجيب كواجهة شعبية.

 
عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عكف الضباط الشبان فى الجيش المصرى على البحث عن سبيل تحقيق حرية مصر. وقد اعتقد عدد قليل منهم أن أفضل ما يفعلونه من أجل ذلك هو التعاون مع الألمان على أساس مبدأ " عدو عدوى هو صديقى " إلا أن عبد الناصر لم يوافق قط على هذا المنطق . وقد خدم في كتيبة مشاة ساعدت على حماية المؤخرة البريطانية أثناء معركة العلمين ولكن عندما وقع إذلال اللورد كيلرن للملك فاروق . وطد جمال عبد الناصر، - المتمرد دوماً - قدمه بقوة على طريق الثورة .

 
وظل كالزهرة القرمزية، متخفياً على الدوام ، مجهولا إلا لدى زملائه في حركة الضباط الأحرار. وإنها حقأ لمأثرة باهرة لقدراته أن بقى على تنظيم الضباط الأحرار خفياً لايعلم بأمره ولم يكتشفه أحد. والواقع أنه إن يتمكن أى فرد في مثل ذلك الوقت الذي يسود فيه الشك عموماً من أن يجمع حوله فرد آخر- من مختلف المناقب والأخلاق والأمزجة وأن يبث فيهم الثقة التى تمكنهم من تحقيق المهمة التى نذرهم لها- لهو أقرب شىء إلى المعجزات .

 
وجاء ثمة عامل مؤثر آخر أثر تأثيراً عميقاً في حياته سنة 1948 عندما شاءت له أقداره أن يكون أحد اللذين حاصرهم الإسرائيليون في الفالوجة والذين قاتلوا برغم ذلك ببسالة وواصلوا القتال رافضين الاستسلام . وكان خلال ذلك يتحدث عبر خطوط الجبهة مع الإسرائيليين المحاصرين في للفالوجة، وكان الحديث يدور حول الكيفية التى أجبر بها اليهود بريطانيا على التخلى عن انتدابها على فلسطين .

من هذه التجربة كذلك اكتسب إحساساً جديداً تجاه الأمة العربية، وعاد من الفالوجة مقتنعاً بأن الدول العربية المختلفة تؤلف شعباً واحداً  له حضارة واحدة ولغة واحدة .

 
وتجاوز تفكيره حدود مصر ولم يعد محصوراً في القومية المصرية فحسب إنما تعداه كذلك إلى التفكيرفي حالة العالم العربى أجمع .

 
وقد تضافرت كل هذه المؤثرات- المطالعة والتجارب والخبرة ووقائع الإذلال (القومية والفردية)- في ليلة الثاني والعشرين من يوليو (تموز) 1952عندما ارتدى البكباشى جمال عبد الناصر بذلته وقبل زوجته وأودع أخاه كل ماكان لديه من مال (30 جنيها) ليعني بأمر عاثلته إذا ساءت الأمور ، ومضى ليقلب فاروق ويغير مجرى التاريخ العالمى .

 
 
لم يتوغل تلك الليلة فى كثير من التفاصيل الدقيقة ، إنما برهن فيها على قيمة طريقته الخالية من أى تعقيد و التفكير والتنفيذ. ذلك أن كثيرين من زملائه أرادوا أن يقوموا بانقلاب كلاسيكى فيحتلوا القصر الملكى وبقية الدوائر الحكومية لكن عبد الناصر قال لهم : " سيطروا على الجيش ننجح " . وهكذا ركزوا على احتلال قيادات الجيش ومحطة الإذاعة .

 
وعندما تم لهم ذلك كانت الثورة قد تمت عمليا . وقال عبد الناصر: " إننا بسيطرتنا على الجيش : إنتزعنا العصا التى كان الملك  يهدد بها الشعب " .

 
ولو أن الثوار حاولوا احتلال القصر لكان حرس القصر قد اضطروا إلى إطلاق النار وأريقت الدماء . 

 
وقد اضطر الضباط الأحرار إلى القيام بانقلابهم قبل موعده الذى كان متوقعاً لأن أحدهم كان  قد انتهك اتفاقية الصمت التى دامت طويلا وبشكل فعال ، وتحدث فى الأمر إلى أخيه الذى كان في سلاح الطيران والذى قام بتحذير رجال الملك .

 
ومرة أخرى واجه عبد الناصر الخطر بأسلوب غير معقد فقد جادل بأن وقت التراجع  قد فات وبأنهم إذا أخفقوا فإن الذين سيتبعون خطاهم سيعرفون على الأقل  أنهم فعلوا خير مافي طاقتهم من أجل مصر .

 
وهكذا اندفع رجال عبد الناصر يعتقلون قادة الجيش لدى وصولهم إلى مفترق الطرق خارج ثكنات العباسية حيث دعوا إلى عقد اجتماع في مقر القيادة العليا للتخطيط لسحق الثورة .

 
ومرت إحدى اللحظات الخطيرة بالنسبة لعبد الناصر بالذات إذ إعتقله بعض رجاله بناء على أوامر أصدرها هو .

 
ذلك أنه لما كان معظم الضباط الشبان من أصحاب الرتب الصغيرة ، فقد أصدر أوامره باعقال جميع الضباط من رتبة عقيد ( بكباشى ) فما فوق . وفى تلك الليلة تأخر وصول الكتيبة 13 إلى القاهرة فركب عبد الناصر سيارته منطلقاً خارج القاهرة - بملابس البكباشى- ليتبين ما حدث لأفراد هذه الكتيبة. والتقى بهم في مشارف هليوبوليس لكنهم ما أن شاهدوا رتبته على كتفه حتى سارعوا باعتقاله. ولحسن الحظ فقد سمع بعد قليل صوت أحد أصدقائه فناداه وجاء الصديق فتعرف عليه وأطلق سراحه .

 
وفى هزيع لاحق من تلك الليلة أنقذ عبد الناصرحياة الملك فاروق . ولو أنه قتل فاروق لأصبح على الفور أكثر الناس شعبية في العالم العربي غير أنه كان لم يزل الثائر المؤمن بثوريته وكان يقوم بما يراه صواباً . فأنقذ فاروق وقدم اللواء محمد نجيب إلى الملأ باعتباره زعيم الثورة .

 
حقق محمد نجيب شعبية كبرى واغترف كل المجد بيما ظل عبد الناصر خلف الصفوف فى الظل، يفكر دائماً ويبدو دائماً للناس رجلا عبوساً ، وهكذا أسىء فهمه .

 
إنه لمن الغريب أن الرجل الذى أصبح موضع حب كل إنسان بدأ موضع سوء فهم من الناس . وكان الموضوع الذى يتردد في خطبه فى ذلك الحين : " لن أستجدى تصفيقا... ولن أستجدى هتافا " .

 
فكان في خطبه يجرح الجميع .

 
غير أن نظرة الناس بدأت تتغير عندما رأوا محمد نجيب يغازل السياسيين القدامى . أما التغيير الحقيقى فقد جاء- كما هى العادة فى حياة عبد الناصر- بحادثة درامية واحدة .

 
فقد وجهت إليه ست طلقات نارية بينما كان يخطب في الإسكندرية [ في 26 اكتوبر 1954] . فلم يهتز له روع ، إنما ظل واقفاً في مكانه يتحدى القاتل بينما الرصاصات تدوى وهى تخطئه . وبينما كانت الرصاصات تدوى راح يناشد الناس قائلا:

 
" إخواني المواطنين … فليبق كل منكم في مكانه... إننى حى لم أمت .. ولو مت فإن كلا منكم جمال عبد الناصر... ولن تسقط الراية "..

 
--------------------------

 
كان عملا يدل على شجاعة خارقة. كماكان بلا شك نقطة تحول في حياته. فمذ ذلك الحين بدأ الناس يقابلونه بحرارة. وبهذا التأييد الشعبى الجارف دخل عبد الناصر المرحلة الثانية من حياته. مرحلة السبع الطليق . فبدأ صراعه مع البريطانيين حول الجلاء عن منطقة القناة ، ثم رفضه حلف بغداد، ثم خصومته مع إيدن وحلمه ببناء السد العالى فى أسوان وقراره بتأميم قناة السويس وكانت هذه كلها تعبيراً عن الروح المتمردة الثائرة . فقد كان يشعر بأنه حر فى أن يفعل ما يشاء .

 
ثم وقع غزو السويس وكسب عبد الناصر انتصاراً سياسياً دوليا ساحقاً . فقد دمر آخر قواعد الاستعمار في مصر وأصبح زعيم العرب بلا منازع وواحداً من القادة السياسيين العالميين .

 
لكن ضخامة انتصاره بالإضافة إلى المسئولية الى ألقيت عليه كانت تعنى أن الأيام الخالية لمرحلة السبع الطليق قد ولت إلى غير رجعة . فقد أصبح الآن سبعا مصفداً تغله السلطة الى أودعتها بين يديه أحداث السويس .

 
فقد هب الشعب العربى بأسره يدافع عنه ويناصره فنسفت خطوط النفط وانقطع البترول عن أوروبا الغربية ودخل العالم العربى في مرحلة تحول كان عبد الناصر رمزاً وتجسيداً  له. وبلغت شعبيته مبلغاً زجه عفوياً فى السياسات الداخلية لكل قطر عربي . فقام حزب ناصرى فى كل بلد عربي وكان هذا مما سبب الغيرة وولد الانشقاق .

 
فقد كان بعض تلك الأحزاب ذا قيمة مشبوهة وكان يقول في ذلك بلهجة آسفة : " تعرفون... إنني أستطيع أن أسيطر على من أختار لكننى لا أستطيع أن أسيطر على من يختارنى " .

 
كان هذا هو التفسير الذى دفع به إلى الملك سعود الذى كان بالغ الغيرة منه في ذلك الحين . وفى الواقع كان كل أصدقائه بين الزعماء العرب غيورين منه وكان كل أعدائه من الحانقين الناقمين .

 
تجاوزت " دائرته الانتخابية " حدود تشريع الدولة المصرية وكان يعتمد على تأييد الجماهير العربية الغفيرة خلافاً ونقيضاً لمشيئة طبقاتها الحاكمة ورغبتها . وكان سبيله الوحيد للتأثير فى ثلك الدائرة هو أن يعطيها المثل ، فكان يناضل ، حيثما استطاع سبيلا ، من أجل الحقوق العربية وليس من أجل الحقوق المصرية فحسب .

 
وأدى ذلك به إلى خصومات مع بريطانيا وأمريكا لا بل حتى مع الاتحاد السوفييتى .

 
 
كان قد حقق حلماً استهـوى فؤاد كل عربي ، فقد ضم سوريا إلى مصر ووحدهما  وبدا أنه أرسى بذلك حجر الأساس فى بناء الوحدة العربية الكبرى . لكن الذى بدأ بداية باهرة انتهى نهاية مفجعة حينما نقضت  سوريا الوحدة ، وبعد ذلك استدرج إلى ميدان اليمن الذى بدا في مبدأ الأمر يسيراً هيناً ثم ثبت أنه أمر عسير حقاً .

 
وألقى عليه اللوم فى كل ما وقع في الشرق الأوسط من متاعب واضطرابات ، وكان رده على اللوم هو: " ليس ما يحدث من فعلى، إن كل ما أفعله هو رد فعل فى الواقع ". وقال للمستر سلوين لويد وزير الخارجية البريطانية وقتذاك : " إذا كنت تظن- أن لدى على مكتبى " أزراراً أضغطها فتنشب ثورة فى العراق آو يحدث انقلاب في بلد كذا أو تنفجر قنبلة هنا أو تقوم مظاهرة هناك فإنك بذلك تغدق على قوى خارقة لا أملكها .. فلا تبالغ في أهميتي "..

 
-----------------------

 
كانت تلك فترة السبع مقيداً مصفداً حيث كانت تغله أحداث خارج نطاق سيطرته ولم يعد حرأ فى أن يكون ثائراً متمرداً . كان قد أصبح رمز العالم العربي وبهذه الصفة كان عليه أن يحارب بقية العالم بالنيابة عن القومية العربية . كان دوراً مغلا أدى مباشرة إلى المرحلة الأخيرة من حياته ، مرحلة كان فيها السبع جريحاً .

 
كان جمال عبد الناصر ملتزماً بأفكار الوحدة العربية وكان يشعر بالتزام أدبى وسياسى وأيديولوجى حيال الشعب الفلسطينى . فكان  يحس بأن عليه واجباً  تجاه كل أولئك الذين فقدوا أرضهم وبيوتهم وأجبرهم الإرهاب الصهيوني على مغادرتها .

 
ولكنه كان يكره الحرب . كان يكرهها من وجهة نظر شخصية ووجهة نظر قومية.

 
فمثلا لم يؤلف كتائب الفدائيين إلا بعد الغارة الإسرائيلية على غزة فى 28 فبراير ( شباط) 1955 التى قتل فيها 39 مصرياً . وقد كانت تلك الغارة تعبيراً عن سياسة بن جوريون التى تهدف إلى فرض السلام بالقوة . سياسة محاولة حمل الدول العربية على التفاهـم معه بقوة السلاح .

 
ومرة أخرى اضطر عبد الناصر إلى أن يقوم برد فعل .

 
وفى ذلك الحين لم تكن مصر قد بدأت تتلقى الأسلحة من الكتلة الشيوعية ولم تكن مجهزة لخوض الحرب لكنها اضطرت- في مواجهة سياسة بن جوريون القائمة على الغارات الشاملة- إلى الدفاع عن نفسها، وهكذا جرى تنظيم الفدائيين كإجراء دفاعى وكبديل لايصل إلى حد الحرب .

 
فقد كانت تجربته الشخصية للحرب في العلمين والفالوجة قد علمته أن يكرهها . وكلما كان  يتفقد الجنود الشبان ويرى الضباط الكبار فخورين بأدائهم كان يقول : " نعم إن رؤية هؤلاء الشبان تبعث على السرور لكننى لا أستطيع الاستمتاع بها كسائر الناس لأننى أحس دائماً أننى قد أضطر يوما إلى إصدار الأمر إلى هؤلاء الشبان بالانطلاق إلى الموت ... "

 
وبدأ خصامه مع حزب البعث السورى سنة 1959 عندما بدأ الإسرائيليون يحولون مياه الأردن وعندما أراد منه السوريون القيام بعملية محدودة ضد المشروع الهندسى الإسرائيلى على بعد نحو 6 كيلو مترات عبر الحدود.

 
فعارضهم الرئيس عبد الناصر في مجلس الوزراء ، وكانت حجته الأولى في ذلك أنه ربما كان من السهل أن تبدأ حرباً لكنه ليس من اليسير مطلقاً إنهاؤها " .

 
وكانت حجته الثانية أن فكرة الحرب المحدودة وهم في الواقع . إذ قال : " إننى مستعد للقيام بحرب محدودة إذا جاء أحدكم بضمان من بن جوريون بأنه هو أيضاً سيجعلها حرباً محدودة . فلكى تكون الحرب محدودة فإن ذلك يتوقف أيضاً على الطرف الآخر ".

 
وعلى كل وبرغم كراهيته للحرب فقد كان لايزال السبع المقيد المصفد ، ولايزال رمز الوحدة العربية والمقاومة . وهكذا اضطر عندما نشبت الأزمة سنة 1967 إلى أن يقوم مرة أخرى برد فعل بالنيابة عن الشعب العربي .

 
إلا أن الأحداث التى تلت ذلك تركته سبعاً جريحاً وهى جراح لم يبرأ منها قط .

 
فقد تكهن بأن الإسرائيليين - سيبدأون الحرب بضرب مطارات مصر فكان يحذر السلاح الجوى باستمرار ليكون على أهبة الاستعداد ومتيقظاً لأى هجوم مفاجىء . ومع ذلك فعندما وقع الهجوم ، حدث ما كان يخشاه تماماً ، إذ فوجىء السلاح الجوى بالهجوم وهو على غير استعداد على الإطلاق . وأحس في القيادة العامة صباح اليوم الأول من الحرب بجو الذعر الذى كان سائداً ، ومنذ تلك اللحظة فقد الثقة. وحاول أن يعزز معنويات قادته مهيباً بهم أن يقاتلوا حتى تهب القوى العالمية والنظام الدولى كله- كما حدث في السويس لنجدتهم وتجبر الإسرائيليين على التوقف عن هجومهم .

 
لكن الأحداث كانت تتلاحق بسرعة فائقة، فقررت قيادة الجيش إخلاء سيناء واتخذ هذا القرار دون استشارته. ولما سمع بقرار الانسحاب من سيناء بكى لأول مرة في حياته وتوجه إلى مقر القيادة العامة وحاول أن يوقف الإنسحاب . وكان الأوان قد فات . إذ كان الجيش المصرى قد هزم .

 
ومع الهزيمة أتت المذلة . قرر أن يستقيل وكان مستعداً كل الاستعداد لمواجهة المحاكمة عن مسئوليته. كان مستعداً بل متشوقاً تقريباً لتسليم نفسه للشعب .

 
وقد قال في ذلك : " إذا وجدني الناس مذنباً وشنقونى في ميدان التحرير، فإني سوف أقبل حكمهم بكل رضا ".

 
لكن الناس تحركوا فى اتجاه مضاد كلياً . فعندما ألقى خطابه [ في 9 يونيو 1967] متحملا المسئولية معلناً انسحابه من الحياة السياسية قائلا إنه مستعد لتقبل أى قرار قد يتخذه الشعب : توسل إليه الشعب أن يبقى.

 
دهشه ذلك وأذهله. كان مستعداً لأن يتحمل المسئولية كلها. ولكن بدلا من ذلك هب الشعب العربي كله مرة أخرى يؤيده ويرجوه أن يبقى . فقد شعر العرب بأنه لا يزال يمثل إرادتهم ، وأرادوه أن يقودهم لمحو آثار الهزيمة.

 
سلم بحكمهم . لكنه بدأ يبنى على الأنقاض .

 
واضطر إلى أن يتخذ قرارات خشنة. ففد اضطر إلى إقالة المشير عبد الحكيم عامر برغم أنه كان فى وقت من الأوقات أقرب أصدقائه، وإلى إقالة جميع قادة الجيش السابقين .

 
 
وهكذا بقى وحيداً كل الوحدة . وشعر في وحدته بأن هناك مؤامرة تحاك ضد كل الاتجاه الذى يمثله فى الثورة العربية سواء فى الجانب السياسى أو القومى أو الاجتماعي . وكان يشعر بالألم رغم تأييد الشعب ودعمه له. كانت جراح روحه عميقة .

 
وللمرة الأولى في حياته بدأ يحتاج إلى أقراص منومة بعد أن كان موهوباً بالقدرة على أن ينام نوماً عميقاً . بل انه حتى في أثناء حملة السويس استطاع أن يأوى إلى الفراش وينام حيثما احتاج إلى ذلك. وفي الليلة التى كان أسطول الغزو البريطاني يقترب من السواحل المصرية أوى إلى فراشه تاركاً أوامر تقضى بأن لا يوقظ إلا عندما تبدأ عمليات الإنزال الأولى .

 
غير أنه فقد هذه القدرة بعد 1967. وأصابه الإعتلال وأخذ يتحدث عن الاستقالة. لكنه ظل يشعر بألم الهزيمة ومسئوليته وبعبئه المستمر كتعبير عن الروح العربية.

 
أصبح الآن مغلولا وجريحاً بجراح لا تبرأ. ثم انتقل إلى رحاب الله في 28 سبتمبر (أيلول) 1970 وبكاه شعبه وأمته والعالم كما لم يحدث لزعيم آخر ربما بطول التاريخ كله .

 
مات السبع لكن إنجازاته ظلت حية بعده . لقد ربط مصر ببقية العالم العربي وربط العرب بالعالم المعاصر وأفكاره بالرغم من أنه لم يحقق الوحدة العربية الشاملة التى كان يحلم بها ويعمل من أجلها فقد جسد وبلور الحاجة إليها. وربما ثبت استحالة تحقيق هذه الوحدة في حياته لكنه أصبح من المستحيل ، - بعد عهده- تجاهلها.

 
ولقد غير وجه العالم العربي وغير الألوان على الخريطة فلم تعد الألوان الحمراء البريطانية والخضراء الفرنسية تشير إلى حدود الأقطار العربية. ذلك أن المستعمرين رحلو إلى الأبد . كذلك فقد حطم النمط الإقطاعى للحياة العربية .

 
وفي مصر وطد الاستقرار الذى مكنه من إحداث التغيير وما كان في وسع أي حكومة مصرية- تستند إلى النظام الحزبي القديم والضعيف الواهى- أن توفر الاستقرار اللازم لكى تتصدى لتنفيذ المشاريع الكبرى مثل السد العالى وكهربة وادى النيل . فأمثال تلك الحكومات كانت أضعف وأكثر جبناً من أن  تقوم بالمشاريع الكبرى التى تمس إليها الحاجة إلى تغيير وجه البلاد .

 
وقد وفر عبد الناصر الاستقرار فى الحكم الذى سمح بحدوث التغييرات الجوهرية الماثلة والمجسدة فى برنامجه المتعلق بالإصلاح الزراعى والتصنيع والمشاركة العمالية في الاقتصاد.

 
وبعد أشهر من وفاة جمال عبد الناصر أجمل لى (أندريه مالرو)- المفكر الفرنسى العظيم- رأيه فيه بقوله:

 
" بغض النظر عن كل شيء ... بغض النظر عن النجاح أو الفشل ، والنصر أو الهزيمة، فإن عبد الناصر سيدخل التاريخ كتجسيد لمصر كما دخل نابليون التاريخ تجسيداً لفرنسا ".


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.11 ثانية