Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 41
الأعضاء: 0
المجموع: 41

Who is Online
يوجد حاليا, 41 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

أشعار وطنية
[ أشعار وطنية ]

·في ذكري يوليو جمال عبد الناصر
·الزعيم جمال. الشاعرة بلقيس الجنابي
·شــعــبُ لــبــنــان َالـعــظــيــم ْ..
·كل ما في الامر..
·بروباجندا
·مـُحــرَقــة ُ, فـلـســطـيـن , والعــرب ...
·اغضب
·قصيدة رثاء للبطل العربى / جمال عبد الناصر
·في ذكري مذبحة قانا : قصيدة زينب راحت تنام - للشاعر زين العابدين فؤاد

تم استعراض
51370184
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 7 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل




عبدالناصر وتيتو
نحن ضمير العالم 
 
فى 28 سبتمبر (أيلول) 1961- أى قبل أن ينتقل جمال عبد الناصر إلى رحاب الله بتسعة أعوام بالضبط- أصيبت محاولاته لتحقيق الوحدة العربية بصدمة شديدة عندما انفصل السوريون عن الجمهورية العربية المتحدة .

 
وقد شاركه في أساه مشاركة عميقة صديقاه الماريشال جوزيف بروز تيتو رئيس جمهورية يوجوسلافيا، والبانديت جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند ، اللذان أعجبا فى الوقت نفسه بتصرفه.
 
فقد رفض عبد الناصر أن يتدخل عسكرياً ضد الانفصاليين السوريين لأنه شعر بأن ذلك يعنى أن يحارب العرب العرب. وكان هذا شيئاً كريهاً ومفزعاً فى نظره ، فضلا عن إيمانه بأن الوحدة لا يمكن أن تفرض بقوة السلاح ، إنما يجب أن تنبثق وتنمو طوعاً من أعماق الشعب .
 
وقد أعجب نهرو برفضه استخدام القوة ، ذلك أن إراقة الدماء تتنافر مع كل مبادئه، كما أعجب به تيتو لأنه كان يعتقد بأن استخدام القوة يؤدى إلى تعقيدات دولية .
 
وكان تيتو قد اقترح على نهرو- رغبة منه فى التعبير عن تأييده لصديقه فى ساعة الضيق- أن يزورا جمال عبد الناصر فوافق نهرو على الاقتراح . وهكذا اجتمع الزعماء الثلاثة بعد شهر من ذلك فى قصر " القبة " بالقاهرة ، حيث جلسوا- شأنهم شأن كل الأصدقاء الحميمين- يتذاكرون مشكلاتهم و يناقشونها .
 
وفي ذلك اللقاء روى لهما عبد الناصر أن شكري القوتلي – رئيس الجمهورية السورية حتى قيام الجمهورية العربية المتحدة – كان قد حذره من أن الانضمام الى السوريين في وحدة ، لن يكون بالأمر اليسير . وقال عبد الناصر إن شكري القوتلي ، التفت اليه بعد أن وقع اتفاق الوحدة الذي أقام الجمهورية العربية المتحدة وقال ضاحكاً :
 
" تهنئتي ياسيادة الرئيس ! إنك لا تعرف ماذا أخذت . إنك لا تعرف الشعب السوري . فقد ورثت أمة نصف أفرادها من السياسيين ، وربع آخر من أفرادها يعتبرون أنفسهم من الانبياء ، وثمن الأمة يعتبرون أنفسهم من الآلهة . إن في سوريا أناساً يعبدون الله وأناساً يعبدون الشيطان ( طائفة اليزيديين) بل إن هناك طوائف وفرقاً تعبد عضواً معيناً من أعضاء المرأة لأنها تعتبره ينبوع الحياة" .
 
وروى عبد الناصر لتيتو ونهرو أنه تقبل الممازحة ورد عليها بالمثل سائلاً القوتلي لماذا لم يخبره بذلك قبل توقيع الاتفاق . وكان جواب القوتلي الوحيد أن أغرق في الضحك .
 
وابتسم عبد الناصر ابتسامة شاحبة إذ تذكر ضحكة القوتلي ، ورد عليه نهرو معزياً بأن عنده هو الآخر مشاكله : " إن عندي 400 مليون مواطن هندي  وذلك يعنى أن عندى 400 مليون مشكلة ".
 
ولم يشأ تيتو أن يكون هناك من يستطيع منافسته في هذا المجال فقال : " إننى أعانى سبع مشكلات معقدة . فنحن دولة واحدة لكننا نستخدم أبجديتين اللاتينية والسلافية. ويتكلم شعبنا ثلاث لغات الصربية والكرواتية والسلوفانية - المقدونية. وعندنا أربع ديانات : الإسلام والمسيحية الأرثوذكسية والمسيحية الكاثوليكية واليهودية . وعندنا خمس قوميات : السلوفينية والكرواتية والصربية وقومية الجبل الأسود والمقدونية ، كما أن عندنا ست جمهوريات وتحيط بنا سبع دول مجاورة " !
 
وهكذا جلس الثلاثة فى ساعة الضيق والشدة يضحكون ويتضاحكون، ويستمدون القوة بعضهم من بعض مستمتعين بتضامنهم .
 
في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، كان هؤلاء الرجال كالفرسان الثلالة على المسرح الدولى . وكانوا يختلفون كثيراً بعضهم عن بعض ، فقد كان تيتو ملحداً ، وكان عبد الناصر مسلماً ، وكان نهرو هندوكياً متأثراً بالإسلام .
 
وكان أحدهم ينحدر من أوروبا، والثاني من آسيا، والثالث من الشرق الأوسط .
 
وفى ذلك كان عبد الناصر رجل العقيدة والعمل ، وكان تيتو رجل الحسابات والتوازنات ، وكان نهرو رجل الطلاقة الفكرية والتردد . وبالتالى لم يكونوا صالحين لتقمص أدوار أتوس وبورتوس وآراميس، لكنهم كانوا يتصرفون تصرف الفرسان الثلائة في القصة المشهورة وشعارهم " الجميع للفرد والفرد للجميع " .
 
وكانت هزيمة أحدهم تعنى هزيمتهم جميعاً ، وكان انتصار أحدهم انتصاراً لهم جميعاً . كان كل منهم يبتهج بما يصيبه الآخر من النجاح ويقف إلى جانبه ويشد من عضده في ساعة الخذلان .
 
وكانوا دعاة فكرة عدم الانحياز وساستها، وهى فكرة آمنوا بأنها حيوية للسلام وللتنمية العالمية.
 
كانوا يجدون أنفسهم واقعين بين أكبر دولتين عالميتين : الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة. وكانوا يشعرون بأنهم سيكونون بالتأكيد من ضحايا المواجهة الذرية بين الدولتين، حتى إذا وقعت هذه الحرب بالصدفة ودون تدبير سابق .
 
من هنا فلم يحاول عبد الناصر و تيتو ونهرو تأليف كتلة ثالثة ، إنما بذلوا كل الجهد للبقاء مستقلين ، آملين في تسوية المشكلات الدولية، كلا بما تستحقه وبما تمليه ظروفها ، بغض النظر عن سياسات دول الحرب الباردة . وكان يخيل إليهم أنهم يستطيعون بهذه الطريقة أن يزاولوا ضغطاً مؤثراً على كل من أمريكا وروسيا، دون أى تحيز، مستخدمين في ذلك الأمم المتحدة ، وشريعة القانون الدولى كسلاح.
 
وكان تيتو يقول : " نحن ضمير العالم ولسنا عضلاته ".
 
-------------------------
 
اجتمع عبد الناصر وتيتو للمرة الأولى في فبراير ( شباط ) 1955. وفى ذلك الحين كان الزعيم المصرى يتأهب لمؤتمر باندونج، وكان يومها في نزاع مع البريطانيين بشأن حلف بغداد، كما كان يبحث عن مصدر للسلاح لأنه كان قد أصبح واضحاً أن الأمريكيين لن يفوا بوعودهم بتزويد مصر بالأسلحة التي تحتاج إليها . كانت الأحداث تتحرك، وبدأت رائحة المتاعب تفوح في الهواء .
 
وكان تيتو يقوم بزيارة نهرو، حين اقترح الزعيم الهندى عليه وجوب الاجتماع بعبد الناصر. وهكذا عندما وصل يخت تيتو " جاليب "- طائر النورس البحرى- إلى السويس صعد عبد الناصر إلى ظهر اليخت وأبحرمع تيتو إلى بحيرة التمساح .
 
كان اللقاء ودياً ، لكنه كان يفتقر إلى الحرارة  التى اتسمت بها صداقتهما فيما بعد، ذلك أنهما لم ينسجما تماماً ، وكان كل منهما يسبر غور الآخر. وقد شعر عبد الناصر بخيبة أمل حيال ما اعتبره إفراطاً في مراسم البروتوكول التى تحيط بتيتو. ولما كان لا يزال عنده بعض التصورات فيما يختص بتقشف الشيوعية فقد دهش تقريباً من طريقة حياة تيتو .
 
وفي ذلك اللقاء كان تيتو يرتدى زى المارشال وعبد الناصر زى البكباشى .
 
وكان من الأشياء الى اكتشفها عبد الناصر فى هذه الرحلة شغف تيتو بالحيوانات ، وقد اصطحبه تيتو إلى عنبر السفينة، حيث أراه الأسد الشبل والنسانيس التى أهداها إليه نهرو . وكان نهرو قد أهدى إليه فيلا أيضاً ، واضطر تيتو أن يقول إنه رأى من الأسلم أن لا يحمله في يخته ، وأن تحمله بدلا من ذلك مدمرة كانت في حراسة اليخت .
 
وتحدث الزعيمان فى الشئون العالمية، ولكن لم يتمخض حديثهما عن شيء مهم . فقد كان اللقاء بين الرجلين استطلاعياً بصورة رئيسية .
 
واختلف الأمر تماماً عندما عاد تيتو إلى مصر فى ديسمبر (كانون الأول) من تلك السنة . فقد كان عبد الناصر قد عقد صفقة الأسلحة السوفييتية، وكان داخلا فى صراع عنيف مع البريطانيين بشأن حلف بغداد، الأمر الذى يقيم الدليل على أنه كان مصمماً على البقاء مستقلا. كانت هذه الأشياء جميعاً تحمل تيتو على الإعجاب بعبد الناصر وكان عبد الناصر بدوره معجباً بالطريقة  التى تصدى بها تيتو لستالين . وفي هذه المرة انسجما فوراً وسرعان ما تمخض اجتماعهما عن فكرة عدم الانحياز كقوة فى العالم .
 
وكان عدم الانحياز يعنى- بالنسبة لتيتو- وجود يوجوسلافيا وكيانها كله وقد روى إلى الرئيس عبد الناصر عن مؤتمر يالتا الذى جلس فيه ستالين وتشرشل وروزفلت يقسمون العالم إلى مناطق نفوذ [وهو المؤتمر الذى عقده الحلفاء فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فى بلدة " يالتا " الروسية، المطلة على البحر الأسود فى الفترة من 4- 11 فبراير 1945. ] . وكان الأمريكيون يسمحون للروس بأن يبسطوا نفوذهم مائة فى المائة على بلد ما مقابل أن يسمح الروس لهم بأن يبسطوا نفوذهم مائة  بالمائة على بلد آخر. وكان العالم كقطعة حلوى وزعوها فيما بينهم ، غير أن يوجوسلافيا، كانت القطعة التى اقتسموها بالنصف تماماً .
 
وكان تيتو مقتنعاً بأن هذا التقسيم لمناطق النفوذ في يوجوسلافيا، كان يعنى أن أى تحول فى ميزان القوى فيها من شأنه أن يعود بكارثة عليها. ولم يكن من شأن الروس أن يسمحوا للأمريكيين بالتغلغل في يوجوسلافيا ، كما لم يكن الأمريكيون ليسمحوا للروس بالاستمتاع بحرية التحرك الملاحي فى البحر الأبيض المتوسط عبر الموانئ اليوجوسلافية على الأدرياتيكى .
 
من هنا فقد كان تيتو يؤمن بأن عدم الانحياز ليس فقط سبيل يوجوسلافيا إلى السلم إنما هو الأساس الحقيقى لاستقلالها وسلامتها .
 
أما الموقف المصرى حيال عدم الانحياز فقد انبثق بشكل آخر. فقد كان ثمة كلام كثير عن حياد مصر حتى فى أيام الحزب الوطنى . بل إن بعض أعضاء الحزب الوطنى نادى بتحويل مصر إلى سويسرا " الشرق الأوسط ". وكان منطقهم في ذلك أن الدول الكبرى خليقة بأن تؤيد مثل هذا المسعى لأن من شأنه أن يبعد عن قناة السويس خطر الوقوع في نطاق أى حرب .
 
ومن الشخصيات البارزة التى حاولت إقناع الرئيس عبد الناصر بهذه السياسة الدكتور محمود عزمى ، الكاتب المرموق ، الذي عينه عبد الناصر فيما بعد مندوباً دائمأ لمصر في الأمم المتحدة حيث وافاه الأجل بنوبة قلبية بيما كان يدافع عن حق مصر في إغلاق خليج العقبة.
 
وكان من رأى محمود عزمى أنه إذا أعلنت مصر حيادها المطلق ، فسوف تستطيع الخلاص من البريطانيين الذين كانوا لا يزالون يحتلون منطقة قناة السويس . لكن عبد الناصر اعترض بأن قضية سويسرا تشكل وضعاً خاصاً جداً ومختلفاً جداً . ذلك أن لكل الدول الكبرى مصلحة في الإبقاء على حياد سويسرا بسبب الاستثمارات المالية ومرافق المواصلات والصليب الأحمر وكل الخدمات الأخرى التى يمكن لسويسرا أن تقدمها إلى بلاد تجد نفسها دائماً في حرب مع بعضها البعض . أضف إلى ذلك أن غزو سويسرا لم يكن ليخدم أى غرض مفيد، أما مصر فإنه لا يمكن إبعادها بسهولة عن الحرب، ذلك أن كل دولة كبرى تدرك أهمية مصر الاستراتيجية كمفترق طرق عالمى وبالتالى فليس من شأنها أن تسمح لمصر بأن تكون محايدة على الطراز السويسرى .
 
ومع هذا فقد كان الرئيس يبحث عن مخرج يبعده عن النزاع بين الكتلتين الكبيرتين . كان استقلال مصر هو الشيء الذى يريد أن يضمنه . وفى الوقت الذى عقد اجتماعه مع تيتو برزت فكرة عدم الأنحياز كأفضل سبيل تتبعه مصر للبقاء مستقلة .
 
وقد رفض عبد الناصر كل إغراءات دالاس وضغوطه من أجل الانضمام إلى الأحلاف المعادية للسوفييت، وفى الوقت نفسه أحبط كل المحاولات الشيوعية الرامية إلى أن يكون لها نفوذ في مصر.
 
وهكذا وصل الرجلان إلى عدم الانحياز، ولكن عن طريقين مختلفين :
فقد فرضت يالتا والحرب الباردة على تيتو طريقه فرضاً ، أما عبد الناصر فوصل إلى تبنى عدم الانحياز عن طريق مناقشة الحتميات المنطقية التى أدت إلى استبعاد كل مجريات العمل الأخرى.
 
ومن الغريب فعلا أن تيتو كان يخشى انتهاء الحرب الباردة بنفس الدرجة التى كان يخشى بها استمرار هذه الحرب ، فقد كان خائفاً من الحرب الباردة بسبب أخطار الدمار الذرى الذى من شأنه أن يمس العالم بأسره ، وكان خائفاً من التفاهم بين الروس والأمريكيين ، لأن من شأنه انبثاق تسوية عالمية تفرضها الدولتان العملاقتان، ولا تفيد غيرهما . كان يرى في مثل هذه التسوية " يالتا نووية " .
 
" أما الاجتماع الثالث بين الزعيمين فكان ذلك اللقاء التاريخى فى بريوني ، في يوليو (تموز) 1956 ، عندما اجتمع عبد الناصر وتيتو ونهرو، للمرة الأولى معاً ، مثيرين ريبة الكرملين وهياج جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكى .
 
وكان عبد الناصر قد سبق نهرو إلى بوجوسلافيا حيث أخذه تيتو فى جولة واسعة في أنحاء الولايات اليوجوسلافية ليطلعه على مرافق التنمية الصناعية والزراعية. وعندما وصل نهرو إلى بريوني. وجد الزعيمين- المصرى واليوجوسلافي- في استقباله.
 
وحياهما نهرو بحرارة لكنه كان قلقاً لأنه كان قد اجتمع بفريق من المراسلين الاجانب في مطار بولا ورأى أنهم يبالغون كثيراً فى أهمية الاجتماع . وقال نهرو لهم : " ليس هذا مؤتمراً، إنما هو لقاء بين أصدقاء " . وضحك تيتو قائلا : " و لماذا تحاول التقليل من أهمية اجتماعنا ؟ لماذا تحاول أن تهبط من قدرنا؟ " ، و لكن نهرو كان قلقاً حقاً . إذ راح يقول : " يا لهؤلاء المراسلين الحمقى . انهم يتحدثون عنا كما لو كنا كتلة أخرى بينما نحن ضد كل الكتل " .
 
وتبين في النهاية أن الاجتماع كان أكثر أهمية مما كان يتصور أى إنسان ، وبالتالى فقد كانت الأحداث الى انبثقت منه أكثر أهمية مما تخيله الجميع .
 
ذلك أن عبد الناصر- فى طريق عودته من بريوني - تلقى رسالة بالراديو عن سحب دالاس- بطريقة مهينة- عرض المساعدة الأمريكية لبناء السد العالى . وكانت الأحداث التى تلت تلقيه هذه الرسالة تاريخية فعلا بل لم يكن من الممكن أن تكون أكثر تاريخية من ذلك .
 
وكانت لبريونى كذلك بعض اللحظات الغريبة. وحدثت إحداها فى البداية بينما كان تيتو يتلو على نهرو وعبد الناصر الرساثل الى تلقاها من أرجاء العالم حول اجتماعهم . وكانت كلها تقريباً من رسائل التهنئة والتمنيات الطيبة لكنه توقف عند إحداها قائلا : " لقد تلقيت هذا الخطاب من رجل يرغب في أن يأتي إلى بريوني وينضم إلينا فى مناقشاتنا . بل أنه يعرب حتى عن استعداده لينضم إلينا فى عدم الانحياز. ولا أريد أن أكشف لكم اسمه لأننى أريد أن أرى رد فعل الرئيس عبد الناصر ".
 
قال هذا وأعطى عبد الناصر رسالة من بن جوريون يطلب فيها إلى الماريشال تيتو أن يتوسط في النزاع العربي- الإسرائيلى، ويقول إنه مستعد للطيران إلى بريوني للانضمام إلى جماعة عدم الانحياز. وقرأ عبد الناصر الرسالة وقال : " حسناً، لا شك أن هذه بداية مضحكة جداً ".
 
ومما زاد فى غرابة أمر هذه الرسالة أن بن جوريون كان منهمكاً آنذاك فى الإعداد لهجومه على سيناء بالتواطؤ مع الفرنسيين والإنجليز .
 
واستطاع عبد الناصر أن يثبت بسهولة لصديقيه، بمجرد سرد مقتضب للوضع فى الشرق الأوسط، كيف أنه من المستحيل على بن جوريون قطعاً أن يكون غير منحاز في أى يوم من الأيام .
 
وكان أحد أهم جوانب المحادثات هو المجهود الذى بذله الثلاثة لاستكشاف الطريقة الى سيحكم بها خروشوف الاتحاد السوفييتى، وكيف ستؤثر سياساته على بقية أنحاء العالم .
 
وكان تيتو يزور موسكو فى فبراير (شباط) من تلك السنة، أى أثناء انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتى- وهو المؤتمر الذى عرف فيما بعد باسم مؤتمر التطهير من الستالينية- وهكذا استطاع أن ينقل إلى عبد الناصر ونهرو شيئاً من الخطاب الشهير الذى ألقاه خروشوف فى المؤتمر وهاجم فيه ستالين، كما استطاع أن ينبئهما ببداية الحملة ضد الستالينية.
 
والواقع أن ثاني الموضوعات أهمية- التى نوقشت في مؤتمر بريوني بعد عدم الانحياز رغم أنه لم يعلن عنه فى حينه- فهو الآثار العالمية المحتمل أن تترتب على نزع الصبغة الستالينية.
 
وكان تيتو فعلا على علم بكل ما كان يحدث في الكتلة السوفييتية، وقد أعجب عبد الناصر بالطريقة التى كان اليوجوسلافيون يجمعون بها المعلومات ويحللونها . وكان تيتو كذلك يرسل إلى عبد الناصر ونهرو نسخة من التقارير التى كانت ذات أهمية بالنسبة إليهما وكان يكتب على هذه التقارير كلمة " مطالعة مثيرة للاهتمام " ويوقع بإمضائه.
 
وكان الزعيم اليوجوسلافي يراقب الفاتيكان- دائماً- عن كثب . فقد كان يعتبر الفاتيكان من أهم المواقع الديبلوماسية والسياسية. وكان يعتقد أن فى وسعه أن يستحوذ من الفاتيكان على معلومات عن الغرب تزيد فى أهميتها كثيراً على أية معلومات يستقيها من أى مصدر آخر.
 
على أنه لم يكن من رأى اليوجوسلافيين، أن بيوس الثاني عشر- البابا في ذلك الحين- هو البابا الحقيقى، إنما كانوا يعتقدون أن الكاردينال سبيلمان - الأمريكي- هو رجل السلطة الفعلية في العالم الكاثوليكي .
 
-------------------
 
وكانت محادثات بريونى مهمة من حيث أنه جرى فيها تخطيط مستقبل سياسة عدم الانحياز. وفى هذا المؤتمر توثقت أواصر الصداقة بين الزعماء الثلاثة . ولكن شيئاً واحداً فى بريونى لم يعجب عبد الناصر.
كان ذلك الجانب هو البروتوكول الذي كرهه عبد الناصر فى اجتماعه الأول مع تيتو والذى كان لا يزال يحيط بالرئيس اليوجوسلافى .
 
وبهذه المناسبة تلقى رئيس تشريفات الرئيس عبد الناصر من زميله اليوجوسلافي لائحة بالاحتفالات وبالثياب التى يجب ارتداؤها . فكان يجب لإحداها ارتداء سترة " اسموكنج " للعشاء ، ولأخرى بذلة " فراك "، وكان عبد الناصر لا يطيق ذلك على الإطلاق .
 
وارتدى عبد الناصر سترة العشاء " الإسموكنج " مرة واحدة ، وفي تلك الليلة التى ارتداها توسل إلى تيتو كى لايسمح للمصورين بالتقاط صورته قائلا : " إننى أشعر بالخجل الشديد وأنا أرتديها، وأرى أن منظرى فيها يبدو غريباً للغاية ".
 
وكان من بين أمتعة عبد الناصر رداء القائد الأعلى للقوات المصرية المسلحة لكنه لم يطق أن يلبسه إلا مرة واحدة ، عاد بعدها إلى لبس ردائه كبكباشى في الجيش أو الزى المدني .
 
وكان الفارق بين تيتو وعبد الناصر يكمن في أن تيتو كان على استعداد للقبول بالبروتوكول بينما كان عبد الناصر يتمرد عليه دائمأ .
 
وذات ليلة عندما كان عبد الناصر يستضيف تيتو على العشاء في يوجوسلافيا قال له رئيس التشريفات الذى صمد في منصبه منذ أيام فاروق :
 
يا سيادة الرئيس : عليك أن تنتظر ضيفك تحت الثريا ".
 
ولما سأله عبد الناصر عن السبب أجاب :
 
" لأن مكانك هناك يا سيادة الرئيس " .
 
وسأله عبد الناصر من جديد:
 
" ولماذا تسمرني فى مكان واحد؟ إننى، لا أريد أن أقف في ذلك المكان ".
 
وارتبك رئيس التشريفات وسأل الرئيس :
 
" ولم لا يا سيادة الرئيس ؟ "
 
وضحك عبد الناصر وقال :
 
" لأن الثريا قد تقع على رأسى " .
 
والواقع أن ذلك اليوم كان سيء الطالع بالنسبة إلى رئيس التشريفات المصرى واليوجوسلافي الذين كانا معا في حالة من العصبية البالغة . وبعد أن وصل تيتو وحياه عبد الناصر عند الباب بدأ رئيس التشريفات المصرى ينسحب ماشيا إلى الخلف... وتزحلق على البلاط المرمري ووقع على ظهره.
 
وأثارت هذه السقطة المفاجئة من ذلك الرجل الوقور ضحك عبد الناصر وتيتو بينما كان رئيس التشريفات !اليوجوسلافي يتطلع بدهشة إلى زميله المصرى الممدد على الأرض . وسرعان ما وجد نفسه إلى جانبه ممددا على الأرض . إذ تزحلق هو الآخر ، بجانب زميله المصرى بينما كان رئيسا دولتيهما يضجان بالضحك عليهما.
 
وكانت تلك أيضاً سقطة البروتوكول الكبرى . فبعدها لم يعد البروتوكول يقيد تيتو وعبد الناصر ويزعجهما.
 
فقد كانت لكل منهما مشاغل أكثر أهمية . وكانت المشاغل تستأثر بعبد الناصر بشكل خاص لأن الأحداث التى أدت إلى أزمة السويس بدأت تتكشف قبل مغادرته بريوني . وكان عبد الناصر يناضل من أجل البقاء ذاته.
 
----------------------
 
وثمة اجتماع آخر أثر فى كل منهما تأثيرا عميقا . كان ذلك هو الاجتماع الذى تم في يونيو (حزيران) 1958 قبيل الانقلاب ضد نورى السعيد والملك فيصل في العراق .
 
فقد دعا تيتو عبد الناصر إلى حضور الذكرى السنوية الخامسة عشر لمعركة سوتيسكا ، المعركة التى كان الألمان قد أرادوا منها إبادة جيش الأنصار " البارتيزان " الذى يقوده تيتو . وقد طوق الألمان بست فرق محاربي  تيتو البالغ عددهم 19 ألف رجل ودارت رحى القتال دون هوادة و تجلد فيها الطرفان حتى النهاية لكن الألمان أخفقوا فى تحقيق غرضهم . ومع أن الأنصار تكبدوا خسائر جسيمة فإن الناجين منهم عاشوا ليستأنفوا الكفاح وليحرروا يوجوسلافيا من النازيين .
 
وأصبح ميدان المعركة بعد ذلك مكانا مقدسا وترك كما كان لم يمس فيه شيء . وعندما اجتمع " البارتيزان " بالألوف من جميع أرجاء يوجوسلافيا للاحتفال بذكرى المعركة، أضيء ميدان القتال بنيران المشاعل التى كانت تتوهج على وجوه الأصدقاء القدامى وهم ينشدون الأغاني التى ملأت قلوبهم بالشجاعة فى القتال ضد النازيين قبل 15 عاما .
 
وشاركهم تيتو في الغناء ورأى عبد الناصر جانباً لم يكن يعرفه فى تيتو. فقد شاهده كزعيم لرجال المقاومة وسط رجاله. وما من شيء وطد العلاقات ووثقها بين الزعيمين مثل ذلك الوقت الذي أمضياه على أرض ميدان معركة سوتيسكا.
 
وكانت لحظة تموج بالعواطف. وروى تيتو لعبد الناصر حكاية فتاة من الأنصار جاءت إليه والمعركة في أوجها تحمل إليه وشاحا طرزت عليه اسمه .ولما سألها تيتو : " كيف حصلت عليه؟ "
 
أجابته : " لقد اشتريته لك بكيلو من الزبد ".
 
وتصادف أثناء إعداد مقر مخيم الاحتفالات أن تم العثور على قبر الحارس الشخصى لتيتو الذى قتل أثناء المعركة ودفن فى ميدانها . ولما بلغ النبأ تيتو اصطحب عبد الناصر لزيارة قبر ذلك الرجل الذى هوى صريعا فى القتال من أجل الحرية.
 
واعتذر بوبوفيتش ، وزير الخارجية اليوجوسلافية، من الانفعال العاطفى الذى يحيط بالمناسبة قائلا:
 
" أرجوك يا سيادة الرئيس أن لا تلومنا إذا تصرفنا كالأطفال . ولكن هذا المكان قرر الحد الفاصل بين الحياة والموت بالنسبة إلينا جميعا ".
 
وتحدث تيتو إلى عبد الناصر عن رجال المقاومة وعن المشكلات التى صادفها في توجيههم من الحرب إلى السلام وفي تحويل تكوين محاربيه إلى إطار الدولة الجديدة . وتحدث إليه كذلك عن مشكلاته مع ستالين وروى له كيف أنه لم يكن فى وسع ستالبن أن يدرك أن اليوجوسلافيين كانوا راغبين فى استقلالهم وراغبين فى أن لا ينحازوا إلى أحد، وراغبين فى اتباع سبيلهم الخاص إلى الاشتراكية.
 
وروى لعبد الناصر كيف أنه أمر بإجراء تقدير لموقف السوفييت تجاه يوجوسلافيا بعد الحرب مباشرة . وكانت النتيجة تقييما يفيد أن السياسة السوفييتية تجاه يوجوسلافيا تكون إما انتهازية أو عدائية.
 
واحتج الكسندر رانكوفيتش- نائب الرئيس اليوجوسلافي في ذلك الحين- على هذه النتيجة احتجاجا غاضبا والتفت إلى الخبير الذى قام بالتقدير وسأله:
 
" هل تعرف من يصوغ سياسات الاتحاد السوفييتى ويقررها؟ "
 
أجاب المسئول .
 
" أجل أعرف، إنه ستالين "
 
واضطر تيتو إلى التدخل فى المناقشة وأن يوضح أنه هو شخصيا طلب إجراء الدراسة عن السياسة الروسية " بغض النظرعن الشخص الذى يصوغ تلك السياسة ويقررها " .
 
وبعد ذلك زج رانكوفيتش الستالينى في السجن لتآمره على تيتو. وصعق عبد الناصر عندما أنبأه تيتو بأن أجهزة التسجيل السرية قد دست في زوايا بيته . وأن التجسس عليه كان من الشدة والدقة بحيث أن رجاله اكتشفوا ميكروفونات عدة مخبأة في غرفة نومه.
 
 
وبعد سنوات من ذلك كانت مكالمات عبد الناصر التليفونية الخاصة حتى مع أصدقائه موضع التجسس والاستماع من المتآمرين فى بلده . على أن تلك حكاية أخرى .
 
-------------------
 
رسخت عميقا في التفكير السوفييتى ريبة ستالين في تيتو وافتقاره إلى تفهمه . وكان خروشوف شديد الارتياب في صداقة عبد الناصر مع تيتو . وذات يوم انفرد الرجلان فشاهد الزعيم السوفييتي صورة لعبد الناصر وتيتو يتبادلان قبلات التحية على الوجنتين . وهنا قال لعبد الناصر:
 
" إننى أعرف أنك صديق لتيتو ، لكنني أسألك هـل تصدقه ؟ "
 
وأجابه الرئيس :
 
" نعم إنني أصدقه ، وأثق فيه!  " .
 
ولم يسع خروشوف أن يتقبل شيئا من ذلك فمضى يقول :
 
" إنه منافق . وعندما يقبلك فإنه يعطيك خدا ويعطى الأمريكيين الخد الآخر " .
 
ودافع عبد الناصر عن تيتو ثم التفت يسأل خروشوف : " لماذا تحتمل كوني أومن بعدم الانحياز بيما لا تطيق عدم انحياز تيتو؟ ".
 
أجابه خروشوف بسرعة : " ألا تعرف لماذا ؟ "
 
ولما هز عبد الناصر رأسه بالنفي قال له خروشوف :
 
" لأنه إذا نجح تيتو فإن من شأنه أن يؤثر في كثلتنا لكنك إذا نجحت أنت فإن من شأنك أن تؤثر في الكتلة الأخرى " .
 
وفي ليلة ثانية في ميدان سوتيسكا تحدث تيتو بغضب عن سير الأمور في يوجوسلافيا. ومع أنه لم يقر الطريقة الى أوضح بها مليوفان دجيلاس آراءه في كتابه " الطبقة الجديدة " فقد كان يوافق على كثير من تلك الآراء . فقد قال للرئيس عبد الناصر: " سمعت بقصة موظف حكومي ركب سيارة رسمية مسافة 800 كيلومتر ليشهد مباراة في كرة القدم ". وأعرب تيتو عن قلقه من الأموال التي تنفق على الاحتفالات والحفلات الرسمية ومن الإسراف ومظاهر البذخ .
 
وقال إنه كان ينبيء ستالين شيئا كان يردده باستمرار لمساعديه وهو أنه إذا ما ناقضت نتائج التجربة كارل ماركس فإنه يفضل أن يخضع لدروس التجربة وليس لتعاليم ماركس ، ومضى يقول:
 
" وما زلت أقول لمساعدى إننى أريد مزيدا من الأسمدة والجرارات وقليلا من الشعارات الاشتراكية ".
 
وكانت مناسبة الاحتفال بمعركة " سوتيسكا " مناسبة سعيدة مثمرة بالنسبة إلى العلاقات بين مصر ويوجوسلافيا. وقد انتهت زيارة عبد الناصر لتيتو بتوجه الرئيس على جناح السرعة إلى موسكو بسبب الثورة في العراق وسبب خطر التدخل الأمريكى هناك . وساعدت مأساة أحداث تلك الأيام وأخطارها على توثيق عرى الصداقة بين تيتو وعبد الناصر...
 
ومن الأمثلة التى تجلت فيها تلك الصداقة الرحلة التى قام بها تيتو إلى أفريقيا وآسيا لمدة شهرين عام 1958 حينما مثل- بناء على طلب عبدالناصر- مصر كما مثل يوجوسلافيا في زياراته. كانت رحلة تيتو مهمة تبشير بالسلام وبمبدأ عدم الانحياز. وقد قال عبد الناصر في ذلك الحين :
 
" إن عدم الانحياز ليس حالة، إنما تيار يستطيع كل من يحمل فكرته أن يمثله ".
 
وبدأ تيتو سلسلة زياراته في ديسمبر (كانون الأول) فمر على متن يخته بميناء بورسعيد. وعندما عاد بعد شهرين توجه لمقابلة عبد الناصر ومن ثم ذهب الزعيمان معا إلى سوريا حيث تأثر تيتو تأثرا هائلا بالاستقبال الذى لقياه .
 
وتصادف أثناء زيارتهما- أن كان موكبهما متوجها من دمشق إلى حمص عندما هبت عاصفة ثلجية سدت الطريق وقطعته. ولم تستطع سوى السيارة الى تحمل الرئيسين أن تجتاز العاصفة الثلجية وتصل إلى قرية " الفارق " الصغيرة حيث لجأ الرئيسان إلى أقرب بيت . وكان صاحب الدار غائبا ولكن يمكن أن يتصور القاريء دهشته عندما عاد متعثرا عبر الثلوج ليجد حرس الرئيسين خارج بيته والرئيسين داخله .
 
وسارع الرجل في الحال ونحر شاة تكريما لهما. وعلم الجيران- برغم العاصفة الهوجاء- بأمر ضيفيه فتسارعوا إلى إعلان الحفاوة بهما وفي مدى ربع ساعة فقط كانوا قد نحروا اثنتى عشرة شاة إلى أن ناشد تيتو صديقه عبد الناصر أن يوقف إراقة الدماء .
 
وعلى سبيل المثال لا الحصر التقى عبد الناصر وتيتو أكثر من ثلاثين مرة وأمضيا الساعات الطويلة معا. وكانت جزيرة " فانجا "- التى تقع خلف فيللا تيتو في بريوني- من أبهج الأمكنة التى تعودا على اللقاء فيها. كان تيتو شغوفا بتلك الجزيرة التى أطلق فيها القرود التى أهداها إليه نهرو. والواقع أنه ملأها بالطيور والحيوانات فكانت الديوك البرية والطواويس بأذيالها الملونة الطويلة تتبختر في ممراتها . وعندما علم المزارعون المحليون باهتمام تيتو بتلك الجزيرة سارعوا إليها وزرعوها- بالورود وأشجار الفاكهة من أجله.
 
وكانت لتيتو أقبية خمر خاصة به وكان يستمتع باصطحاب ضيوفه إليها ليشربوا من خمره ونبيذه. وكان في ذلك يتصرف عن خبرة وكانت هذه هى  مملكته الصغيرة .
 
وقد ارتكبت أنا شخصيا- إثر زيارتي الأولى لأقبية فانجا- خطأ وصفه بأنه " أول ملك شيوعي ". فقد يكون ملكا بالقياس إلى أسلوب حياته لكنه شيوعى من قمة رأسه إلى إخمص قدميه. وقد ذكرني مداعبا عند اجتماعنا التالي بشأن هذا الوصف الذى أطلقته عليه.
 
كانت المناقشات التى تدور حول مائدة أقبية " فانجا " طويلة وساحرة . ولم يكن عبد الناصر يمس الخمر إطلاقا أما تيتو فكان يشرب كأسين من الويسكى يوميا ، جسب تعليمات الأطباء، بينما كان النبيذ يقدم إلى بقية المدعوين .
 
 
وكان عبد الناصر متشوقا إلى معرفة المزيد عن التجربة اليوجوسلافية وكانت تدور حول المائدة مناقشات عقائدية وأحاديث عن الماضى، وآمال بالنسبة إلى المستقبل .
 
تلك كانت لقاءات تتسم بالراحة الكاملة بين الأصدقاء .

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.10 ثانية