Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: Aspire education group
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 1
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 36
الأعضاء: 0
المجموع: 36

Who is Online
يوجد حاليا, 36 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

عمرو صابح
[ عمرو صابح ]

·من قتل جمال عبد الناصر؟ - بقلم : عمرو صابح
·نــــــــاصر وعـــــــامر بقلم : عمرو صابح
·قراءة فى مذكرات محمد نجيب. بقلم : عمرو صابح
·الصارم البتار فى قضية إهداء عبد الناصر للأثار - عمرو صابح
·خطة الخلاص من جمال عبد الناصر - عمرو صابح
·لعبة الأمم فى العراق بقلم : عمرو صابح
·جمال عبد الناصر و سيناء ... 1967 - 1970 - عمرو صابح
·حقيقة دور "يوسف صديق" فى فجر يوم 23 يوليو 1952 - عمرو صابح
·حرب السويس 1956 .. من الذى انتصر؟ - بقلم : عــمرو صــابح

تم استعراض
50353111
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 8 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل



وقد آلت اللقاءات والأبحاث والخطط في 1961 إلى عقد أول مؤتمر لدول  عدم الانحياز في بلجراد ( في الفترة من 1- 6 سبتمبر) . وكان كل من تيتو وعبد الناصر حريصا كل الحرص على نجاح المؤتمر، فى وقت كانت الأحداث تتحرك عبر مرحلة من القلق وعدم الاستقرار . فقد كان الرئيس كنيدى لم يزل حديت العهد في منصبه. وكانت مغامرة غزو كوبا قد انتهت إلى فشل وإفلاس ذريعين . وكان ذلك اللقاء الذى تم بين خروشوف وكنيدى فى فيينا قد أضر أكثر مما نفع . ثم كان ذلك التصعيد فى القتال فى لاوس .
 
وباختصار.. لم تكن دلائل الأيام وإشاراتها بمشجعة على الإطلاق .
 
وفي الثالث من أغسطس ( 3 آب) كتب تيتو إلى عبد الناصر يعرب عن خيبة أمله لأن بعضا من رؤساء الدول قرروا " أن يكتفوا بإرسال ممثليهم إلى المؤتمر أو أن يمتنعوا عن المشاركة فيه كليا " .
 
وأضاف يقول بالحرف : " إن الاستعدادات الشاملة والنشطة للمؤتمر تتخذ الآن ، وإن كل شيء سيكون جاهزاً في الموعد المحدد . ولكن يجب أن أعترف بإننى لا أعتقد شخصيا بأن الحاجة ستكون ماسة إلى مثل ذلك الإعداد الهائل .
 
" وكما كان متوقعا، فإن بعض الدول الكبرى لم يبق مكتوف اليدين . فقد بدأوا يزاولون الضغط على كل من رؤساء دول عدم الانحياز من أجل حملهم على عدم حضور المؤتمر أو عدم إرسال ممثليهم إليه. على أن ذلك لا يمكن بالطبع أن يقال بالنسبة إلى معسكر من المعسكرين إنما يمكن أن يقال بالنسبة إليهما معا . هذا ما جرى  في البداية و في رأيي أن هذه الحقيقة هى بالضبط العامل الذى يمنع بعض رؤساء الدول من المجىء شخصيا إلى المؤتمر . وأعتقد أنك تعرف من يخطر اسمه على بالى فى هذا الصدد".
 
والواقع أن السفير السوفييتى سلم- قبل يومين من الموعد المقرر لافتتاح !المؤتمر- كلا من ممثلى دول عدم الانحياز في المؤتمر- وكان عددهم يناهز الخمسمين- رسالة شخصية من خروشوف. وجاء فيها : أن الاتحاد السوفييتى سيستأنف إجراء التجارب على الأسلحة النووية.
 
وأثار هذا النبأ الغليان في المؤتمر والقى به في أتون الصراع  ذلك أن استئناف التجارب النووية كان يناهض كل ما كانت تنادى به دول عدم الانحياز . ولم يسع أى إنسان أن يفهم السبب الذى حدا بخروشوف أن يقرر أولا: استئناف التجارب وثانيا إعلان قراره هذا بحيث يتصادف موعده مع موعد المؤتمر وأن يذيع النبأ بذلك الشكل الشخصى الواضح .
 
وانضم نهرو إلى عبد الناصر وتيتو بينما كانا يبحثان الوضع الجديد فى ضوء سياسة عدم الانحياز. وأصغى الزعيم الهندى إليهما ثم انفجر قائلا :
 
" إن المشكلة لم تعد مشكلة انحياز أو عدم انحياز . إننا نجابه الآن قضية السلام أو الحرب ، أجل إما السلام أو الحرب " .
 
وكان نهرو بالغ الانفعال والاضطراب من الأخطار التى كان يراها منبثقة من استثناف التجارب النووية.
 
وانفرد تيتو وعبد الناصر بمحمود فوزى وبوبوفيتش وبدأ الأربعة يحللون البيان الروسي محاولين العثور على المبرر المنطقى الكامن وراءه .
 
ولم يستطيعوا أن يدركوا السبب الذى يدفع الروس إلى تعمد إثارة استياء دول عدم الانحياز. وفى النهاية تنبه الجميع إلى عبارة فى رسالة خروشوف يقول فيها : " سيبرهن التاريخ فيما بعد أن هذا القرار الذي اتخذه الاتحاد السوفييتى يخدم مصلحة السلام ".
 
ومن ثم خلصوا إلى أن خروشوف كان يحاول أن يقنع المؤتمر بأن عليه أن يعمل الآن وإلا فاته الوقت قطعا. وأن على دول المؤتمر أن تجعل نفوذها محسوسا الآن وإلا فإنها لن تستطيع ذلك بعد ذلك. وكان خروشوف من خلال ذلك يتعمد الضغط على المؤتمر حتى تضغط دول عدم الانحياز بدورها على الولايات المتحدة من أجل إجراء تسوية للقضايا الدولية قبل فوات الأوان .
 
وعمد عبد الناصر- على أساس الأفتراض أنه فهم رسالة خروشوف على وجهها الصحيح- إلى تغيير خطابه الافتتاحى في المؤتمر إذ قال : " ليس أمامنا الآن من بديل فإما الحرب أو المفاوضات ". وقال مخاطبا المؤتمر: " علينا أن نحاول إذابة الجليد بين الدولتين الكبيرتين " . وأقترح على دول عدم الانحياز أن تحاول ترتيب مؤتمر قمة بين كنيدي وخروشوف .
 
" ووافق المؤتمر على تبنى اقتراح عبد الناصر وإيفاد مبعوثين إلى كل من أقوى رجلين فى العالم. تقرر إيفاد سوكارنو رئيس جمهورية إندونيسيا وموديبوكيتا رئيس جمهورية مالى إلى البيت الأبيض، بينما تقرر إيفاد نهرو رئيس وزراء الهند ونكروما رئيس جمهورية غانا إلى الكرملين .
 
وحمل المبعوثون رسالتين أصر نهرو على كتابة مسودتيهما إلى خروشوف وكنيدى تطلبان إليهما أن  يجتمعا ويتفاوضا من أجل السلام العالمى .
 
وقد قال نهرو : " للمرة الأولى في التاريخ تتقدم أقل الدول قوة بمطالب-  ترقى إلى مرتبة الأمر-، إلى أكثر الدول قوة فى العالم ".
 
ولم ينجح المبعوثون الأربعة في مهمتهم وتردت العلاقات بين الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة في الأشهر التالية حتى آلت إلى أزمة  الصواريخ الكوبية . ومع ذلك فإن الموقف العنيد الذى اتخذته دول عدم الانحياز- حيال استئناف التجارب النووية- ساعد على وجه التأكيد، على تحقيق الاتفاق الجزئى على حظر التجارب النووية الذى تم بعد ذلك- بين أمريكا وروسيا.
 
--------------------------
 
وبعد المؤتمر، انغمس عبد الناصر مباشرة في الأزمة السورية ومشكلة انفصام الجمهورية العربية المتحدة وكتب إليه تيتو معزيا متعاطفا ومعجبا في 8 أكتوبر ( تشرين الأول) : " هل لى قبل كل شئ أن أهنئك على القرارات العظيمة التي تنم عن الحكمة السياسية التى اتخذتها في الحالة الخطيرة الناجمة عن الانقلاب العسكرى فى الإقليم السورى من الجمهورية العربية المتحدة؟ إننا جميعا معجبون بالغ الإعجاب بقرارك بعدم التدخل عسكريا ضد العصاة الذين هم- سواء علموا أم لم يعلموا- أدوات الرجعيين المحليين وكذلك أدوات الأجانب من أعداء التضامن العربي . وإننا كذلك معجبون ببيانك القائل إنك لن تعارض فى قبول سوريا في الأمم المتحدة والجامعة العربية.
 
إن هذه في الواقع ، قرارات بعيدة المدى لأنك انتزعت كل الأسلحة من  أيدى الرجعيين السوريين والقوى الامبريالية، التى لا تحاول بدعايتها أن تخدع الشعب السورى والعالم العربى فحسب إنما كذلك الرأى العام العالمى بشأن الطبيعة الحقيقية للانقلاب وبشأن حقيقة نواياه .
 
اسمح لى بأن أنهى إليك عواطفى الخالصة مشفوعة بتمنياتي الصادقة وكذلك بتمنيات شعبنا بأن تحقق النجاح الكامل ليس فقط لنضالك العادل من أجل مستقبل أفضل وأمثل وأسعد لشعبك : إنما كذلك لنضالك ضد كل مكائد الرجعيين والدول الاستعمارية الموجهة ضد بلادكم وضد التضامن العربي عامة ".
 
وبعد أن خط هذه الرسالة توجه تيتو مع نهرو لإظهار التعاطف مع عبد الناصر شخصيا في القاهرة.
 
----------------------------
 
وكان تبادل الرسائل مستمرا بين تيتو وعبد الناصر وقد بحثا فى أزمة الصواريخ الكوبية واليمن والنزاع بين الهند والصين برسائل مطولة ودية وكانا فى العادة على وفاق واتفاق على كل نقطة.
 
فمثلا أيد تيتو- تأييدا كاملا- قيام عبد الناصر بتحمل " العبء الكبير فى مساعدة حكومة اليمن الثورية " . واني لأتساءل عما يمكننا- نحن وغيرنا من الدول- أن نفعله من أجل تخفيف العبء عن كاهلك ، أى من أجل مساعدة حكومة اليمن الثورية ".
 
أما النزاع الهندى- الصينى فقد آلمهما كليهما بشكل خاص . فكتب تيتو إلى عبد الناصر فى تاريخ 22 نوفمبر (تشرين الثانى) ،
 
إن من أهم الأمور: وضح حد فورى للعمل العسكرى والبدء فورا فى المفاوضات وغني عن القول إن الهند يجب أن لاتشعر بالذل، وإن الصين- من جهة أخرى- يجب أن تقبل اقتراحك بالانسحاب إلى المواقع التى كانت تحتلها قوى الجانبين قبل أكتوبر (تشرين الأول) "
 
ومضى تيتو في رسالته يقول :
 
" لقد وجهت إلى رئيس الوزراء الهندى نهرو كتابا أعربت فيه عن اعتقادى بأنه سينجح فى إيجاد سبيل لانفراج الوضع وبأنه لن يسمح باشتباكات جديدة من شأنها أن تؤدى إلى عواقب بالغة الخطورة وإلى المزيد من التعقيد فى العلاقات المتوترة السائدة فى العالم . وبالنظر إلى السمة الخاصة للعلاقات التى تربطنا بأحد فريقي النزاع ، فإن نشاطنا لا يمكن أن يتكشف إلى المدى الذى نرغب فيه. ومع ذلك فقد اعتبرنا أن من واجبنا أن نبلغ ممثل جمهورية الصين الشعبية فى بلجراد وجهات نظرنا فى نزاعها مع الهند وفي العواقب السيئة التي ستترتب حتما على إطالة أمد النزاع ".
 
وبسط عبد الناصر مشكلاته فيما يتعلق بالنزاع بين الهند والصين في كتاب طويل إلى تيتو بتاريخ 12 فبراير (شباط ) 1963 قال فيه :
 
" لقد جابهنا هذا النزاع ، للمرة الأولى، بمشكلة جديدة وأعني بها مشكلة نشوب حرب على نطاق واسع وبشكل فجائي بين بلدين آسيويين هما عضوان في مؤتمر باندونج . لا بل أن هذين البلدين مرتبطان قبل مؤتمر باندونج ببيان الباتاشيلا (المبادئ الخمسة) باعتباره سبيلا للتعايش السلمي .
 
إن موقفنا حيال المشكلة كان من أشق الأمور. فقد شعرنا- بلا أدنى شك- بأن الصين- سواء عن قصد وتصميم أم بغير قصد ولاتصميم- قد ارتكبت خطأ جسيما وإن عناصر دولية مهمة وكذلك عناصرمحلية فى الهند بالذات رغبت فى اقتناص الفرصة لزعزعة إيمان الهند بسياسة عدم الانحياز.
 
فى مثل هذا الجو وبرغم رأينا الصريح الواضح في سياسة الصين حيال المشكلة، تجنبنا إصدار بيان يستنكر العدوان بشدة حتى لا تزيد الحالة تشابكا وحتى لا نسد الطريق تماما قبل بذل كل مجهود لإيجاد مخرج من الأزمة.
 
وقد شعرنا فى بعض الأحيان بأن موقفنا كان موضع الانتقاد فى الهند لأسباب عدة، تتراوح بين الافتقار إلى العمق فى النظر إلى الأمور والرغبة الواضحة فى زعزعة سياسة عدم الانحياز.
 
على أنه من حسن الحظ أن البانديت نهرو- الذى تبادلت معه رسائل عدة في هذه الأيام- ينظر إلى الأمور بصفاء عقلى شديد وبإيمان عميق وبمنطق سليم .
 
أن مجرد استنكار العدوان فى مثل هذه الظروف هو الحل الأسهل لكنه في رأينا موقف سلبى لن يكون له أى أثر على المشكلات .
 
على أننى لم أخف على الصين رأيي فى رسائل عدة تبادلتها في تلك الفترة مع رئيس الوزراء الصينى شوين لاى ".
 
وقد كانت قضية عدم الانحياز تجد تعبيرها الدائم فى المراسلات بين تيتو وعبد الناصر وكانت قضايا فيتنام والأمم المتحدة والكونجو والتجارب النووية مادة الرسائل المتبادلة بينهما إذ كانا يبشران بقيمة عدم الانحياز وضرورته للعالم .
 
----------------------
 
وانعقد المؤتمر الثانى لدول عدم الانحياز فى القاهرة عام 1964 وكان المؤتمر مناسبة حزينة بالنسبة إلى تيتو وعبد الناصر شخصيا لأن ذلك كان لقاؤهما الأول بعد وفاة نهرو.
 
وفي ذلك المؤتمر وصل تشومبى كممثل لكازافوبو رئيس جمهورية الكونجو . وكانت الجهود قد بذلت لإقناع كازافوبو بعدم إيفاد تشومبى إلى المؤتمر لكنه أصر على ذلك . وجرى تقديم جواز تشومبى إلى السفارة المصرية فى ليوبولدفيل لمنحه تأشيرة دخول إلى مصر وبالطبع أعطى التأشيرة. فلم يكن من الممكن رفض إعطاء رئيس وزراء الكونجو تلك التأشيرة . ولكن بينما لم يكن ممكنا رفض إعطاء تشومبى تأشيرة الدخول فقد كان عبد الناصر متشددا في عدم السماح لتشومبى حضور المؤتمر. فقد كانت ذكرى اغتيال لومومبا لاتزال تؤلمه . وكان يعتبر تشومبى قاتلا سفاحا. وهكذا اقتيد تشومبى عندما وصل إلى القاهرة إلى أحد بيوت الضيافة واحتجز هناك .
 
 
وتوجه تيتو بسؤال إلى عبد الناصر عما فعله مع تشومبى فأجابه عبد الناصر بأن تشومبى محتجز فى أحد بيوت الضيافة وأنه لن يحضر المؤتمر. وكان رد فعل تيتو الأول هو أن سأل السؤال التالى:
 
" إننى أتساءل فعلا عما كان يمكن أن يفعله نهرو لو كان معنا " .
 
وكان تيتو يعرف أن نهرو- لو كان حيا- كان سيتشكك فى شرعية احتجاز- تشومبى .
 
وبقيت ذكرى تساؤلات نهرو وتشككه وأصالة ثقافته وصدقه مع نفسه، عالقة فى ذهن كل من زميليه، وطالما تساءلا عما كان يمكن أن يفعله نهرو لو كان معهما.
 
وعندما تلقت إنديرا غاندى مقاليد زعامة الهند بعد وفاة شاسترى عام 1966 تضامن تيتو وعبد الناصر مع ابنة صديقهما القديم وسافرا إلى الهند للتدليل على تضامنهما معها في الشدائد التى واجهتها فور استلامها الحكم.
 
لم يعودوا فرسانا ثلاثة، لكن تيتو وعبد الناصر لم ينسيا لحظة أنه كان هناك ثالث لهما .
 
وقد أقام تيتو الدليل على مدى قربه من عبد الناصر فى أحلك أيامه عام 1967 عندما فقدت مصر كل أسلحتها فى صحراء سيناء ولم يبق من جيشها إلا القليل بينما تعرض طيرانها للدمار الكامل تقريبا.
 
واندفع تيتو يفعل ما فى وسعه من أجل المساعدة على إعادة بناء القوات المصرية فدعا إلى اجتماع لزعماء الأحزاب الشيوعية فى ثمانى دول أوروبية شرقية عقد في موسكو حثهم فيه على إعادة تسليح مصر. وعندما كان الروس يعدون العدة لإرسال طائرات النقل " أنتونوف " الضخمة المحملة بمقاتلات الميج وغيرها من الأسلحة : أرجأوا عملية الشحن قائلين إنهم لا يملكون حق هبوط طائراتهم في الأراضى اليوجوسلافية حيث كان من الضرورى أن تتزود فيها بالوقود في منتصف طريق رحلتها الطويلة.
 
وشرح السفير المصرى في بلجراد هذه المشكلة لتيتو الذى رفع سماعة التليفون قائلا للسفير:
 
" لن تكون ثمة قيود. فإننى لا يمكن أن أظل غير منحاز حينما يتعلق الأمر بمصر".
 
ثم أصدر أوامره بالتليفون بفتح المطارات لطائرات الأنتونوف السوفييتية ومنحها جميع الخدمات والتسهيلات . وما لبثت طائرات النقل الجبارة أن تدفقت على مصرعبر يوجوسلافيا بمعدل 3 طائرات كل ساعة فيما أصبح جسرا جوياً هائلا لخلق جيش جديد وسلاح جوى جديد.
 
وحاول تيتو أن يفعل كل ما يستطيع لمساعدة عبد الناصر. فجاء إلى القاهرة في أغسطس (آب) 1967 ثم توجه إلى دمشق ومنها إلى بغداد لتعضيد مقاومة العرب للاسرائيليين واستثارة تأييدهم لعبد الناصر.
 
-----------------------
 
وفي مستهل 1968 توجه الدكتور ناحوم جولدمان- رئيس المؤتمر اليهودى- إلى بلجراد وطلب إلى تيتو أن يتوسط لدى عبد الناصر فى محاولة للوصول إلى حل لأزمة الشرق الأوسط . فكتب تيتو إلى عبد الناصر عن اجتماعه بجولدمان :
 
" إجتمعت إليه بناء على طلبه فحدثنى عن الوضع فى إسرائيل وعن مجريات تفكير مختلف الناس والفئات هناك، وأظن أن معرفة ذلك قد تجديك " .
 
وقال جولدمان لتيتو: إنه من الجوهري حل المشكلة بالاعتماد على جدول زمنى ولذا فإنه من الضرورى معرفة ما من شأن الجانب العربى أن يقبل أو لا يقبل به . وذكر أنه بات من الممكن ترتيب اجتماع فى نيويورك يمكن أن يمثلك فيه محمد حسنين هيكل بصورة غير رسمية.
 
لكن عبد الناصر ألقى بهذا الاقتراح جانبا وكتب إلى تيتو يبلغه رفضه له.
 
ورد عليه تيتو قائلا: " قلت لنفسى إن على أن أطلعك على ما أخبرنى به " .
 
وكان هناك فى الواقع ، شخصان يحاولان حمل تيتو على الضغط على عبد الناصر في ذلك الحين. أولهما جولدمان وثانيهما الرئيس جونسون . لكن تيتو كان عميق الالتزام بجانب صديقه عبد الناصر.
 
--------------------------
 
وكانت آخر قضية كبرى شغلت تيتو وعبد الناصر- قبل نداء الرحيل- قضية خلع الرئيس التشيكوسلوفاكى دوبتشيك .
 
وكنت قد رافقت الرئيس عبد الناصر فى رحلته إلى موسكو فى صيف 1968. ولما كان من عادة الرئيس أن لا يذهب إلى موسكو دون أن يزور تيتو فقد انتهزت الفرصة لإجراء حديث صحفي مع الماريشال اليوجوسلافى .
 
وكان تيتو قلقا من الأحداث الجارية فى تشيكوسلوفاكيا.
 
سألته : " ما هو رأيك فيما يجرى في تشيكوسلوفاكيا على ضوء تجاربكم ، وهل ترى فيه تكرارا لما حدث فى يوجوسلافيا عام 1948 حين ثار خصامك المشهور مع ستالين وقررتم الاحتفاظ باستقلالكم؟ " .
 
فأجاب تيتو : " إن التطورات الجارية في تشيكوسلوفاكيا ذات طابع يختلف ويجب ألا نبالغ في أمرها أو أن نصورها تصويرا مسرحيا مثيرا. ولا أظن أن فى الاتحاد السوفييتى من يبلغ به قصر النظر إلى حد الالتجاء إلى القوة لحل مشكلة هى في الواقع من صميم الشئون الداخلية التشيكية. لقد جرت مساع وتحركات يمكن الاستنتاج أنها كانت بمثابة ضغط على تشيكوسلوفاكيا، لكننا سمعنا اليوم أن قوات الاتحاد السوفييتى ترتد منسحبة ولا أعتقد أن التدخل من جانب دولة أو مجموعة دول فى شئون دولة أخرى هو مسلك سليم . أضف إلى ذلك أننى أتصور أن الموقف ليس فيه ما يعرض الاشتراكية فى تشيكوسلوفاكيا للخطر. وإذا كان ثمة خطر فإننى أعتقد بأن النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا نفسه على استعداد للدفاع عن نفسه. فعنده جيشه الاشتراكى وحزبه الاشتراكى وطبقته العاملة، وعلى نفس النهج فإن لدينا في يوجوسلافيا كل ذلك ، ومن ثم فإننا لا نحتاج لأحد لكى ينقذ لنا اشتراكيتنا ".
 
جرت هذه المقابلة صباح ذات أحد فى بريوني ثم عدت طائرا إلى القاهرة لأعدها للنشر فى مقالى الأسبوعى " بصراحة ". الذى يظهر صباح الجمعة . لكننى تلقيت صباح الإثنين برقية من رئيس تحرير وكالة " تانيوج " يخبرني فيها أن الماريشال تيتو أمر بنشر الحديث فى يوجوسلافيا فوراً .
 
عند ذلك أبرقت مباشرة إلى الرئيس تيتو مشيرا إلى أننى أحتفظ بالحديث لمقالى الأسبوعى فى (الأهرام) يوم الجمعة وذلك أوسع توزيع في العالم العربي .
 
ورد على تيتو متسائلا: " هل تستطيع نشرالسؤال المتعلق بتشيكوسلوفاكيا؟
 
وبناء عليه فقد اتخذت الترتيبات لنشر ذلك السؤال وحده قبل بقية الحديث.
 
وبعد ذلك بمدة، وفي أسوان، قال الماريشال تيتو إنه كان على علم بمخططات الروس لغزو تشيكوسلوفاكيا فأراد أن ينشر فورا التحذير الذى يتضمنه جوابه عن ذلك السؤال دون أن يضطرإلى مقابلة أى مراسل صحفى لهذا الغرض المحدد وحده .
 
أما عبد الناصر- الذى لم يكن يعتقد بأن الروس سيغزون تشيكوسلوفاكيا- فكان رد فعله معتلا حيال الغزو. فلم يصدر أى استنكار عنيف ولذا لم يكن تيتو مسرورا بموقفه فقد كان يريده أكثر شدة وقسوة. وقال لعبد الناصرفي أسوان :
 
" إننا غير منحازين وعلينا أن نعلن رأينا حيال هذه الأمور " .
 
وأجابه عبد الناصر :
 
" يجب أن تدرك حقائق موقفى . إن جزءا من أرضي محتل ولذا لا يمكن أن أكون غير منحاز كلية. وما من دولة محتلة جزئيا تستطيع أن تكون مستقلة استقلالا تاما ".
 
وسأل عبد الناصر تيتو :
 
- ماذا لو ساءت علاقاتي مع الاتحاد السوفييتى؟ وماذا سيحدث لو هاجمتهم بشأن تشيكوسلوفاكيا؟. أن ذلك يعنى أننى سوف أضيع الشرق الأوسط تماما لأن الاتحاد السوفييتى هو أملى الوحيد في الحصول على الأسلحة التى أحتاج إليها من أجل استعادة أرضي المفقودة . ثم من الذى سوف يستفيد من هذا الوضع إذا حدث ذلك؟.. الأمريكيون، فهل تريد لهم أن يفيدوا من الشرق الأوسط؟.
 
ورد تيتو
 
- كلا
 
كانت تلك مناسبة من المناسبات التى أحسا فيها أن روح عدم الانحياز باتت مغلولة اليد .
 
ومن ثم كتب تيتو إلى عبد الناصر بشأن  الوضع التشيكي وبشأن اجتماع عقده مع الزعماء الروس في 30 أبريل ( نيسان) 1968 وقال فى كتابه :
 
" تطوعت بلفت نظرهم إلى العواقب الوخيمة (المترتبة على التدخل) على أمل أن يثنيهم ذلك عن عزمهم . وكان هذا الشيء ذاته الذى حاولت تحقيقه في حديثى مع هيكل عندما قمتم بزيارتنا ".
 
 
لقد أكد لى الزعماء التشيكيون أثناء زيارتى لهم بأنهم من القوة بحيث يقاومون أية جماعات مناهضة للاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا وأن في وسعهم الدفاع عن الحدود الغربية لبلادهم . ولقد بينوا لى بجلاء أنهم يريدون البقاء داخل حلف وارسو وفى الكوميكون (السوق الشيوعية المشتركة).
 
وأعتقد أن الحزب التشيكوسلوفاكى بحكومته وزعامته يتمتع بثقة الشعب وليس ثمة خطر من غزو تشيكوسلوفاكيا من الغرب كما أنه ليس هناك خطر قيام ثورة مضادة داخل تشيكوسلوفاكيا لأن القوى المضادة للثورة هناك ضعيفة جدا بالقياس إلى قوى الحزب والجيش وأغلبية الشعب التشيكوسلوفاكى التى اختارت الاشتراكية .
 
والواقع أن الاشتراكية لم تكن مهددة بالخطر في تشيكوسلوفاكيا لكن الذى أثار الشبهة في بعض الدوائر : يكمن فى أن الزعامة التشيكية بدأت تعطى لمسة ديموقراطية للتطور السياسى والاجتماعى والاقتصادى . وحدث ذلك فى وقت اتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى في الاتحاد السوفييتي موقفا مخالفا ولذا بدا واضحاً أن السبيل الذى سلكه الحزب الشيوعي التشيكى بعد اجتماع اللجنة المركزية في يناير (كانون الثاني) الماضى لم يكن مقبولا لدى الاتحاد السوفييتى .
 
من هنا فإننى أعتقد أن الذريعة الرسمية التى أعطيت لتبرير التدخل العسكرى واحتلال تشيكوسلوفاكيا- بحجة منع قوى الثورة المضادة من تغيير ميزان القوى فى تشيكوسلوفاكيا- إنما هى في رأيي ذريعة باطلة.
 
إن يوجوسلافيا لم تبلغ مسبقا أمر التدخل العسكرى في تشيكوسلوفاكيا والواقع أن الاتحاد السوفييتى أبلغ حكومة الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات ومنها حكومة جمهورية ألمانيا الاتحادية أنه سوف يتدخل ، لا لأن هنالك شيئا من شأنه أن يمس تلك الحكومات إنما لأن المشكلة داخلية لا تخص الا دول حلف وارسو وحدها. وهكذا أعطى الاتحاد السوفييتى نفسه الحق في استخدام عدم قبوله للتطور الداخلى في بلد شيوعى كذريعة للتدخل .
 
أن هذا مما لم نكن نتصوره إطلاقا مهما بلغت درجة النقد المتبادل بين الدول الشيوعية. وهذه ضربة موجهة لا إلى الحركة العمالية وإلى الاشتراكيين فحسب : " إنما للعلاقات بين الشعوب وإلى أمن العالم وسلامه " .
 
ومضى تيتو يتحدث عن مبدأ بريجينيف :
 
" إنه خطير جدا وبالغ الخطورة ومن العجيب أننا نحاول الآن أن نجعل التدخل مشروعا ، ذلك لأنه تدخل عسكرى، سواء أكان مستندا على أساس عقائدى أم لم يكن .
 
أما فيما يتعلق بيوجوسلافيا فإننا سنناهض هذا المبدأ..
 
لقد وجه إلينا السفير السوفييتى فى يوجوسلافيا إنذارا بسبب موقفنا من قضية تشيكوسلوفاكيا. وذهب في إنذاره إلى حد مقارنة موقف يوجوسلافيا بموقف العسكريين الألمان الساعين إلى الثأر. وقد رفضت رفضا باتا قبول ذلك الإنذار. وطلبت من سفيرنا في موسكو أن يبلغ السيد  بودجورني أننا لن نقبل أى تعامل يخرج عن حدود المنطق والكرامة. لكننا حتى الآن لم نتلق أى جواب " .
 
وكان من النقاط التى أوضحها تيتو وشدد عليها في خطابه هو أن التجربة التشيكية أئبتت شيئا غريبا هو " أنه حتى الانتماء إلى كتلة ما، لايشكل حماية للسلام والسيادة القوميتين " .
 
ومن اللافت للنظر أن تيتو اعتاد في أثناء محادثاته مع عبد الناصر أن يعطى مساعديه فرصة الكلام وكان يقول : " أريد أن أدربهم على التفكير وأنا على قيد الحياة ولا أريد أن أبقى سجينا لأفكاري وحدها، أسيرا لها " .
 
وذات يوم قال : " إننى أشعر بأن الجميع خارج يوجوسلافيا والكثير من العناصر داخل يوجوسلافيا يتساءلون عما سيجرى ويحدث بعد تيتو ؟ لكننى أعمل شخصيا من أجل إرساء قواعد النظام الذي سيأتي بعد تيتو . إن الغرب يعلق آماله على شباب يوجوسلافيا. بينما يعلق الشرق أمله على الجيش. لكننى سأخيب الشرق والغرب وأحبط مساعيهما ما حييت " .
 
وفى مناسبة أخرى التفت إلى الرئيس عبد الناصر قائلا:
 
" إننى أغبطك . فقد بدأت شابا. ووصلت إلى السلطة وأنت فى الثالثة والثلاثين فقط . والعادة أن يرى المرء نتائج عمله بعد خمس وعشرين أو بعد ثلاثين سنة. ولكننى للأسف لن أعيش حتى أشهد نتيجة أعمالى أما أنت فسوف تحيا لتشهد نتائج أعمالك ".
 
وللأسف.. فقد كانت تلك نبوءة لم تتحقق . ولم يبق اليوم من الفرسان الثلاثة على قيد الحياة سوى فارس واحد فقط .
 
 

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية