Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 36
الأعضاء: 0
المجموع: 36

Who is Online
يوجد حاليا, 36 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

أحمد الحبوبي
[ أحمد الحبوبي ]

·أشخاص كما عرفتهم : فؤاد الركابي - احمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية - المقدمة - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 6 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 5 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 4 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 3 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 2 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 1 - أحمد الحبوبي

تم استعراض
51370025
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 9 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل



 عبد الناصر ونهرو
روح الشرق
 
عندما اجتمع جمال عبد الناصر و البانديت جواهر لال نهرو- للمرة الأولى فى سنة 1955، ترك كل منهما فى الآخر أثراً عميقاً وفورياً.

 
كانت الرابطة التى قامت بين عبد الناصر ونهرو تماثل فى سرعتها وعمقها وقوتها حباً من النظرة الأولى. وكما يحدث في كثير من الأحيان فقد قامت هذه الرابطة بين شخصين مختلفين تماماً . فقد كان عبد الناصر ضخم القامة قوياً ، وكان رجل عمل ، أما نهرو فقد كان هزيل البنية نحيفاً ، وكان رجل فكر.
 
وأعتقد أن اهتمام نهرو بعبد الناصر-  قبل لقائهما- كان محدوداً وأنه كان من قبيل الاهتمام الاستراتيجى . فقد كانت تلك الفترة ، فترة تصاعد فيها الحديث عن حلف يضم العالم الإسلامى بأسره ، كان من شأنه أن يمد عدو نهرو (الباكستان) بمقدار كبير من القوة بالعمق في جميع أنحاء آسيا الغربية وكان من شأن ذلك أن يضع الهند في وضع عسير للغاية .
 
غير أن عبد الناصر كان يناهض مثل هذا الحلف . ذلك أنه كان يركز جهوده على الوحدة العربية وليس على الوحدة الإسلامية. وكان يتساءل دائما :
 
أى شيء مشترك بيننا وبين إندونيسيا غير الدين؟ إننا سنرتكب خطأ جسيما إذا قصرنا اعتمادنا على الوحدة الإسلامية وحدها : فالوحدة العربية تعتمد على عنصرى التاريخ والجغرافيا بالإضافة إلى عنصر الدين .
 
وكان عبد الناصر يعمل من وجهة نظره من أجل قيام حلف عرف وليس لمصلحة حلف إسلامي ، وكان في ذلك يشترط عدم ارتباطه قطعياً بأى من الدول العظمى .
 
وكان ذلك بطببعة الحال يوافق نهرو تماماً ، فى ضوء نزاعه مع باكستان . ذلك أن باكستان كانت ستحظى- في حالة قيام حلف إسلامى شامل- بتأييد جميع الدول الاسلامية انطلاقاً من أفغانستان حتى أقصى الشرق الأوسط غرباً ، ولكن هذا التأييد العميق ظل محجوباً عن باكستان بسبب تركيز عبد الناصر- تركيزاً استحوذ على كل حواسه- على حلمه الأول ومثله الأعلى وهو تحقيق الوحدة العربية ومثالياتها.
 
ومن الأشياء الغريبة اللافتة للنظر فى هذا الموقف ، ذلك المدى الذى كان نهرو متأثراً به بالأفكار الإسلامية . فقد ولد نهرو الهندوكى في مدينة أحمد آباد الإسلامية وشب فكريا وهو قريب الصلة من الإسلام . كان يتكلم- مطولاً وبتبحر- عن الفلاسفة المسلمين وكان مبهوراً بالتاريخ الإسلامى وكان يرى أن عهد السلطة الإسلامية فى العالم قد حافظ على كل ما كان مقدساً لديه عند الإغريق .
 
 
 
كان العرب هم الذين ترجموا أعمال أفلاطون وأرسطو وحفظوها فى أسبانيا حيث استردها الأوروبيون في النهاية، وأعادوا ترجمتها إلى لغاتهم . ولعله من مفارقات القدر أن العرب هم الذين أعادوا إلى أوروبا أعمال أوائل الفلاسفة الأوروبيين العظام .
 
وربما كان احساس نهرو بالتاريخ هو الذى أمده بموهبة النظرة العميقة الواسعة وكانت لديه تلك الحاسة القادرة على استيعاب وحدة العالم ووحدة التاريخ . وعندما كانت تعترضه أية مشكلة ، كان يرتد لاجئاً إلى التاريخ منقباً عن تفسير لها فى أصوله وكان تيتو يمزح معه قائلا :
 
مع نهرو كل شئ يبدأ " قبل الميلاد " !
 
على أن عبد الناصر وجد فى نهرو- قبل كل شيء - الرجل القادر على التفكير، القادر على أن يتفحص المشكلة من جميع جوانبها ويناقشها ويستنتج- بأسلوب منطقى- جذررها وأصولها وآثارها والحل الملائم لها.
 
كان ذلك الجانب من التفكير العقلاني فى نهرو، هو الذى استهوى عبد الناصر.
 
وكان نهرو من جهته يحس تجاه عبد الناصر، أحساس الأب تجاه ابنه، وكما هى العادة مع معظم الآباء، فقد كانت فى " ابنه " أشياء تثير اعجابه وتخيفه في الوقت ذاته.
 
كان معجبأ بجرأة عبد الناصر ولكنه كان يرتاع منها ويخشاها . وكان فخوراً بقدرة عبد الناصر على العمل وكان يغبطه عليها ولكنه كذلك كان يتخوف منها تماماً كأب مفكر مثقف يتجه ابنه نحو هواية تسلق قمم الجبال .
 
--------------------
 
حدث اللقاء الأول بينهما فى 15 فبراير (شباط) 1955، عندما بدأ نهرو زيارة رسمية للقاهرة استغرقت ثلاثة أيام . وسارت الأمور على أحسن ما يكون بحيث أن عبد الناصر قرر أن يخصص يوماً كاملا للتحدث مع نهرو بعيداً عن الرسميات . وهكذا رتب أن يمضيا ذلك اليوم على متن باخرة نيلية تنطلق من فندق " سميراميس " إلى القناطر الخيرية.
 
وقد استغرق الذهاب أربع ساعات وكذلك الإياب، ومن ثم فقد أمضيا الوقت كله في الحديث باستثناء فرصة الغداء حيث أراد عبد الناصر استئناف المحادثات فوراً ولكن نهرو رفض قائلا :
 
" يجب أن تمنحنى وقتاً للقيلولة " .
 
وجلس نهرو على كرسيه، وسرح ببصره إلى ضفتى النيل ، ثم استغرق فى النوم خمس دقاثق، ثم نهض مستعدأ للمضى فى المحادثات .
 
وكان عبد الناصر قد بدأ المحادثات في الصباح بقوله :
 
لقد تكلمنا-  بالأمس - رسمياً ولكننى أريدك اليوم أن تكلمنى وأريد أن أصغى إليك ".
 
وكان عبد الناصر مقتنعاً بالحاجة إلى التخطيط ، ولكنه لم يكن يعرف من التخطيط ما يكفى . إذ لم تكن له خبرة سابقة في تخطيط مستقبل الأمة . وكان يعتقد أن الزعيم الهندى اكتسب تلك الخبرة ، وهكذا سأل نهرو بالتحديد:
 
" كيف تخطط؟ "
 
وأمضيا الصباح بطوله يبحثان فى التخطيط ، والباخرة تمخر عباب النيل مروراً بالقرى القديمة حيث-كانت كلمة التخطيط مجهولة فى ذلك العالم .
 
وفى لحظة خلال هذا الحديث قال نهرو لعبد الناصر:
 
" كان بودى لو أستطيع التخلى عن السياسة تماماً و التركيز على التخطيط لأنه الميدان الذى يتاح فيه للمرء فرصة أن ينجز فيه شيئاً محدداً ، ولكن نهرو عاد بعد أن قال هذه العبارة ، فغاص في إحدى نوبات تردده الفكرى الذى كان من سماته فاستأنف قائلا :
 
" ومع ذلك فإننى أشك فيما إذا كان فى قدرة أى إنسان أن ينجز كل الأشياء التي يريدها ".
 
وكان نهرو يدلى باستمرار برأى ثم يفكر فيه، ثم يعود فيلغيه ويتراجع عنه. وربما كان ذلك لأنه كان يمعن في التفكير أكثر مما يجب .
 
وبعد الظهر تحول الحديث إلى الشئون الدولية، وكان نهرو حريصاً على أن تعترف دول العالم بالصين الشيوعية. وقال :
 
" إن الصين مثل جبال الهملايا . ولا يسع أحد أن يقول إن الهملايا غير موجودة في آسيا . وإذا تجاهلت وجودها فإنك تتجاهل قبل كل شيء ، حقيقة واقعة ثم إنك- ثانياً - تحرم نفسك من اكتشاف ما يكمن وراءها".
 
وكان كذلك شديد الاهتمام بالذرة ، وكان يقول :
 
" إنها تعنى القوة فى الحرب والقوة فى السلم ، سواء عبر النصر أوعن طريق زيادة الإنتاج ".
ولم تكن المسائل الصغرى بالتى تحظى باهتمامه. كان يفضل أن يرسم لوحات كبرى ذات مواضيع هائلة، مواضيع مثل العلم والحرب والسلام .
 
واستمر الحديث بينهما طوال اليوم حيث كان الثورى العربي الشاب يصغى بكل جوارحه إلى المفكر الهندوكى المجرب. استمر الحديث متواصلا بين أولهما- بأفكاره الواضحة عما هو ذاهب إليه ، وعما سيفعله- وبين ثانيهما بسبيله ومنهجه المتعثر بالتحفظات الفكرية.
 
ومع ذلك فقد قال نهرو لعبد الناصر في نهاية ذلك اليوم : " كلما مضينا في الحديث ازددت اقتناعاً بأننا نحمل أفكاراً واحدة " .
 
--------------------
 
وتقابلا ثانية في باندونج . وكان مؤتمر باندونج مناسبة عظمى لنهرو. ذلك أن نجمه كان فى تصاعد. وكان الصينيون يشتركون فى المؤتمر، كما كان عبد الناصر قد رفض الانضمام إلى حلف إسلامى يرعاه  جون فوستر دالاس ، وكانت أفكار نهرو تتوطد فى الدول المتحررة حديثاً . كما كان هو موضع ا الاحترام في جميع أرجاء العالم .
 
كان نهرو نجم مؤتمر باندونج بردائه البسيط ذي الياقة العالية، والمحلى بوردة حمراء واحدة ، وكان يتكلم فلسفياً عن التاريخ  والثقافة ، وضرورة الإحساس بالهدف ، وكان عبد الناصر يصغى إليه بإعجاب.
 
كان نهرو يحس بإعجاب عبد الناصر له ، ويستمتع بكل لحظة من لحظات نجاحه . وقد عادا إلى دلهى فى طائرة واحدة، ومنذ ذلك الوقت تعود الإثنان ، على أن يلتقيا باستمرار،  وكان نهرو كلما طار إلى أوروبا أو أمريكا ، يتوقف فى القاهرة ، وعندما كان الوقت لا يسعفه لزيارة المدينة ، كان يستبقى  طائرته في المطار عدة ساعات يوافيه عبد الناصر خلالها ليتحدث إليه .
 
ثم جاء مؤتمر بريوني . ثم سحب المعونة الأمريكية لبناء السد العالى ، وتأميم قناة السويس .
 
وكان نهرو مقتنعاً بأنه لم يكن فى وسع عبد الناصر أن يخطط للاستيلاء على القناة ، فى ذلك الوقت القصير، بين تلقيه الرسالة اللاسلكية عن سحب العرض الأمريكى بالمساعدة على بناء السد، وهو في الطائرة مع نهرو عائدين إلى القاهرة ، وبين الاستيلاء الفعلى على مرافق القناة ، بعد ستة أيام من ذلك .  وكأن متأكداً من أن عبد الناصر كان قد وضع مخططاته لتأميم القناة قبل ذهابه إلى بريوني ، وقد تألم لأن عبد الناصر لم يخبره  بذلك سواء فى يوجوسلافيا  أو خلال اليوم الذى أمضاه فى القاهرة ، قبل أن يختصر زيارته لها، عندما بدا أن العاصفة توشك أن تهب .
 
ولكن حتى تأثر نهرو، كان مغلفاً بالتحفظات الذهنية !
 
وكان قد تأثر لأن عبد الناصر لم يبلغه بما يعتزم عمله ، ومع ذلك لم يكن متأكداً  من أنه كان راغباً في أن يعرف. لأنه كان يعزف عن مثل تلك الأفعال والإجراءات الجريئة.
 
على أنه كان-  بالطبع - يهتم اهتماماً مباشراً بقناة السويس لأن قسطاً  كبيراً من تجارة الهند يعتمد عليها، ولأن إغلاق القناة من شأنه أن يحمل الهند ثمناً باهظاً .
 
وبالرغم من تأثره ذلك ، ومشاعره التى مست ، بل وبالرغم من قلقه بشأن القناة فقد ظل يشعر بنوع من المسئولية تجاه عبد الناصر، مثله فى ذلك مثل أب دخل ابنه فى مغامرة خطرة !
 
على أن نهرو بعد ذلك اقتنع بأن عبد الناصر لم يخف شيئا عليه .
 
وفى 3 أغسطس ( آب) 1956، كتب إلى عبد الناصر يقول :
 
" علمت بعد عودتى إلى دلهى من القاهرة وبريوني بقرارك  بشأن قناة السويس ، ولما كنت لم تذكر ذلك لى مطلقاً- خلال مباحثاتنا فى بريونى والقاهرة - فإني أعتقد أنك لابد قد اتخذت القرار بعد مغادرتي القاهرة. ولقد أكد لى سفيرنا فى القاهرة ذلك . وقد ساعدني هذا على إدراك ذلك الجانب من المسألة ، وقد تلقيت اليوم من سفيركم فى دلهى نسخة عن بيانكم فى 31 يوليو (تموز) وأشكرك عليه .
 
" إننى حتى الآن لم أدل بأى تعليق على هذه التطورات باستثناء قولى في البرلمان إن هذه المسألة لم تكن موضع بحث بيننا في بريوني أو القاهرة . وكنت أرجو الحصول على معلومات أكمل بشأن المستقبل، لكى اتمكن من الإدلاء ببيان فى برلماننا، إن مثل هذه المسائل تترتب عليها عادة عدة عواقب وردود فعل دولية. وأريد لبياني البرلماني أن يكون مفيداً بقدر الإمكان . إن مصلحتنا المباشرة تنبع من كوننا دولة منتفعة بالقناة على غرار الدول الأخرى  ولكننا نهتم بالطبع  بتسوية ودية .
 
" إننا لا يساورنا أى شك فى حق السيادة المصرية ونلاحظ أن الموقف الذي تبنيتموه في  سنة 1954، القائم على أن قناة السويس الملاحية- التى هى جزء لا يتجزأ من مصر- إنما هى ممر مائي ذو أهمية اقتصادية وتجارية واستراتيجية دولية ، ونلاحظ أنكم أعربتم عن تصميمكم على مراعاة المعاهدة التى تضمن حرية الملاحة فى القناة والموقعة فى القسطنطينية بتاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1888.
 
ومضى نهرو يقترح قائلا : " وأود أن أخاطر هنا بالإعراب عن أملى فى أن تقرر أن تتخذ بنفسك زمام المبادأة في الدعوة إلى جمع كل أصحاب المصلحة فى الجوانب الدولية ، وفى تطوير القناة وتحسينها ، على أساس احترام السيادة المصرية. ومن شأن هذه الخطوة أن تنسجم كل الانسجام مع نواياكم المعلنة وأن تساعد على النظر فى مثل تلك الترتيبات المفيدة لجميع الأطراف ، التى تتفق مع شريعة بلادكم والعرف الدولى معاً ، كما تساعد على إزالة أية أفكار خاطئة أو فهم خاطىء لغرضكم .
 
" إننى متأكد من أنك ستقدر أن اقتراحى لا يهدف بأي  شكل إلى أن يكون تدخلاً فى شئون مصر أو فى قرارك، إنما هو اقتراح بدافع الرغبة فى تخفيض أسباب الجفاء إلى الحد الأدنى وفى المساعدة على معالجة تجنح إلى السلم والتوفيق معاً " .
 
وقد صيغ الكتاب بأسره بلهجة أب ابتهج لأنه اكتشف أن ابنه لم يخف شيئاً عنه كما كان يخشى ، واعتزم أن يقف معه فى وجه كل المتاعب .
 
وواصل الزعيمان التراسل بهذا الأسلوب ، طيلة أزمة السويس . وكتب عبد الناصر بدوره ، إلى نهرو يقول : " كان من الممكن أن أفهم مبرر الاهتياج بسبب التأميم لو كنا غير منصفين بشأن التعويضات وحقوق حاملى الأسهم . ونظراً لانعدام المبرر لمثل تلك الاعتراضات ومع الجنوح إلى تضليل الذين ليسوا على معرفة بالوثائق ذات العلاقة بالأمر، فإننى أعتقد أن هناك محاولة متعمدة للخلط  بين قضية التأميم ومسألة سلامة القناة وأمنها وحرية الملاحة فيها .
 
" إن أحدأ لا يسأل عمن تعهد سلامة القناة  وحرية الملاحة فيها بعد جلاء القوات البريطانية . فهل قامت الشركة بذلك؟ إن القناة تمر عبر الأراضي المصرية وقد اعترفت بها معاهدة 1954 كجزء لايتجزأ من مصر ولذا فإن سلامتها وحرية الملاحة عبرها هما من مسئولية مصر التى ضمنتهما ولاتزال تضمنهما، بل إن هذه الضمانة لن يكون لها أى معنى إذا كان لها أن تعزز بسلطة أخرى كما أنه لم يجر من قبل اعتبار مثل هذه السلطة ضرورية.
 
" إن البريطانيين يقولون إننا نمنع السفن الإسرائيلية من عبور القناة وإننا نحتجز السفن المتوجهة إلى إسرائيل . لقد حدث ذلك أثناء حالة الحرب ومنذ  1949 ولم يفكر البريطانيون- عندما كان لهم فى منطقة القناة 000. 80  جندى بريطاني-  في حماية حرية الملاحة حينذاك .
 
" إن هذه الحجج كلها لا أساس لها مطلقاً وتستخدم كذريعة لفرض سيطرة جديدة علينا... "
 
ورد نهرو على هذه الرسالة فى 5 أغسطس (آب) قائلا :
 
" إننى ممتن لجوابك اللطيف على رسالتى، وأقدر لك تأكيدك بأنك ثفعل كل شيء من أجل إيجاد أساليب لمعالجة المشكلة تتسم بالتوفيق . وأود أن أعرب عن الرجاء بأن يظل موقفك- دائماً- ثابتاً في جنوحه إلى التوفيق على الرغم من التحرشات وعناصر الاستفزاز. وأغلب الظن أن مثل هذا الموقف سوف  يؤدى إلى مزيد من النتائج المرضية وإلى تعزيز المواقف المعقولة.
 
إننا ندرس اقتراحكم ، وسزسل إليكم ردنا سريعاً ، أما اقتراح الرجوع إلى الأمم المتحدة ، فيستلزم مزيداً من البحث، ولكننى أرحب باستعدادكم  لعقد معاهدات جديدة مع الدول المعنية على أساس دولى . فذلك مما قد يتيح الفرصة للآخرين كيما يجدوا أرضاً مشتركة للوصول إلى اتفاقات مناسبة.
 
" أما فيما يتعلق بموقفي الخاص حيال الدعوة البريطانية، فإننا لم نرسل إلى البريطانيين أي رد ولا نزالل  نفكر في الأمر. ولن نقبل بأى حال الدعوة دون أن نبدى تحفظاتنا التى تتعلق بالحجج والأسس المنصوص عليها فى البلاغ المشترك ، وعلى طريقة تشكيل المؤتمر وغير ذلك من القضايا الأخرى المعينة. كما أنه ليس فى وسعنا أن نسهم في تسوية من أي  شكل قبل دراستها دراسة مستفيضة من قبلنا وقبل التشاور بشأنها معكم .
 
" إننا لا نهدف إلى إضعاف موقفكم، إنما نهدف إلى العمل- تماماً كما كنتم تفعلون أنتم- على إيجاد أساليب لمعالجة المشكلة تتسم بالتوفيق ".
 
وفي اليوم التالى أتبع نهرو هذه الرسالة برسالة- أكثر تطويلأ وأعمق تفكيراً- بسط فيها نصيحته لعبد الناصر قائلا:
 
" أقترح أن تعرب عن دهشتك من إقدام المملكة المتحدة (بريطانيا) على الدعوة إلى مؤتمر بشأن مشكلة قناة السويس، دون استشارة مصر، بل دون الرجوع إليها .. ويجوز لردك أن يذكر بأن مصر توافق على مؤتمر يتألف من قائمة متفق عليها بأسماء الدول المدعوة ، وذلك بالاستناد إلى معاهدة القسطنطينية.. وأن تعلن فيه عن استعداد مصر لعقد معاهدة جديدة مع جميع الدول المعنية أو للموافقة على عقد معاهدة تضمن سلامة القناة وحرية الملاحة وأمن العبور فيها.. إلا أنه لا يمكن لمصر أن توافق على أى تحد لسيادتها..
 
" ولا نعتقد أن من الحكمة أن نقترح إحالة المشكلة إلى الأمم المتحدة للنظر فيها.. ففى الوضع العالمي الحالي قد لا يكون تحالف القوى هناك في مصلحتكم . أضف  إلى أنه قد يؤدي  كذلك إلى تفسير ذلك بأنه قبول سابق من مصر للرقابة الدولية .. أجل إنه من الحكمة حالياً، أن نحذر من إدخال الأمم المتحدة فى الموضوع حاليا..
 
" إننى أتقدم بهذه الاقتراحات استجابة لطلبكم الرقيق، مدفوعاً باعتقادى بأن من شأنها أن تسهم في إيجاد معالجة مجدية للمشكلة... "
 
وبعد شهر من ذلك ، وبعد إخفاق بعثة منزيس، كتب عبد الناصر إلى نهرو عن مخاوفه من حدوث تدخل عسكرى قائلا :
 
" وحتى لو لم يحدث تدخل عسكري مباشر على الفور فإن على أن أتأهب  وأستعد له ، وبخاصة أننى أشتبه في احتمال افتعال بعض الحوادث نتيجة تخلى المرشدين عن وظائفهما أو نتيجة وسائل أخرى . هذا كما أن منزيس قد لوح ببعض تلميحات عن احتمال وقوع المتاعب . ولهذا السبب على أن أتخذ - قبل أن يجتمع البرلمان البريطاني يوم الأربعاء المقبل- مبادأة ما لفضح التهديدات ، والتدابير العسكرية والاقتصادية، التى اتخذت ضد مصر، من جهة، ولا ظهار استعدادى للتفاوض مع هـيئة مشر وعة سليمة، من جهة أخرى .
 
" من هنا فإنني أنوى- حالما يرحل منزيس- أن أطلب عقد مجلس الأمن وأن أصدر- فى الوقت ذاته- بياناً يوضح موقفنا.
 
" إنني سوف أقدر عظيم التقدير نصيحتكم العاجلة لى بشأن اللجوء إلى مجلس الأمن . فحتى لو استخدم البريطانيون والفرنسيون حق (الفيتو) فإنه سوف تفتضح أمام العالم الحقائق المتصلة باستعداداتهم العسكرية وعقوباتهم الاقتصادية باعتبارها تهديدات حقيقية للسلم . كما أن مجلس الأمن-  بنظره القضية- قد يمنع حدوث تحركات عسكرية محتملة من جانبهم وقد يؤثرفي الرأى العام البريطاني والرأى العام العالمى ... "
 
ولكن عندما مضى البريطانيون والفرنسيون في عمليات الغزو- برغم الرأى العام العالمى- كتب نهرو إلى عبد الناصر بتاريخ أول نوفمبر ( تشرين الثانى) يقول :
 
" لست بحاجه إلى إبلاغكم مدى عمق الصدمة التي حلت بنا من التطورات الأخيرة . فقد كان في العدوان الإسرائيلى الكفاية من السوء ويجب أن يكون موضح الإدانة، ولكن الأسوأ منه كان الإنذار الموجه إلى مصر من المملكة المتحدة وفرنسا ثم العمل الذى أقدمنا عليه بعد ذلك..
 
" إن جميع عواطفنا معكم وأنا متأكد من أن دول آسيا وأفريقيا، ودولا عديدة أخرى، حتى في أوروبا وأمريكا، ستدرك أن عدواناً مفضوحاً يجرى ضد مصر وأن حرية بلد تحررمؤخراً من الاستعمار باتت فى خطر. إن هذا يرجع بالتاريخ إلى الوراء وهو شيء لا يمكن لأى منا أن يطيقه أو يحتمله.
 
" إن مستقبل الأمم المتحدة أصبح هو الآخر مهدداً . ولا شك أن للدول التى شاركت فى مؤتمر باندونج مسئولية خاصة فى هذا الأمر.
 
" لقد أنهيت آرائي بلهجة حازمة إلى إيدن وكذلك إلى الرئيس أيزنهاور والرئيس تيتو، وطلبت إليهم استخدام نفوذهم . كما أننى أتصل بموسكو ورانجون وكولومبو وكراتشي ".
 
عندما أسدل الستار فى ديسمبر (كانون الأول) على المرحلة الحافلة بالأحداث من قضية السويس وجه نهرو إلى عبد الناصر خطاباً بلهجة مختلفة نوعاً ما... قال فيه :
 
" إننى سعيد برؤيتي أن القوات الفرنسية- الإنجليزية والإسرائيلية ستسحب أخيراً من الأرض المصرية. واننى متأكد من أن ذلك ما كان يمكن أن يتحقق لو لم يقف الرأى العام العالمى في صف مصر بأغلبيته الساحقة . وإني لحريص بأن لاتدفع بعض العوامل العارضة سورة المشاعر التى أحدثها العدوان على مصر، وتزيحها إلى طريق جانبي . ذلك أن التطورات فى المجر قد اعترضت إلى حد ما الجهد المركز ضد المعتدين على مصر. ولذا فإننى أشعر بأنه بات من المهم - أكثر من أى زمن مضى- الحيلولة دون أن تعترض أشياء أخرى طريق إعراب العالم عن تأييده الكلى لمصر.
 
في هذا السياق اسمحوا لى بلفت انتباهكم إلى الأخبار المتداولة فى الخارج والقائلة إن ضغطاً كبيراً مباشراً وغير مباشر يزاول في مصر على عدد كبير من الرعايا البريطانيين والفرنسيين واليهود ... 
 
إن الغالبية العظمى من هؤلاء ضحايا أبرياء للمظالم التى ارتكبتها حكوماتهم وإني لأسألك أن تعاملهم بالحسنى . وإذا كنت لا تريد أن يبقى الرعايا البريطانيون والفرنسيون في بلادك فإني أقترح إعطاءهم مهلة معقولة لإنهاء أعمالهم، وعدم إجبارهم على الرحيل فوراً . ذلك أن شيئاً من الصبر والتسامح خليق حتى على المدى القصير أن يساعد على بحث المسائل الأكثر أهمية فى مصر فى الأمم المتحدة وفى غيرها .
 
وما كنت لأتوجه إليك بهذا النداء لو لم أكن واثقاً من أنك لن تسيء فهمى .
 
مع خالص تقديري  واحترامى
                                                                                      
                                                                                             جواهر لال نهرو
 
كانت العلاقات بين الإثنين لا تزال فى مرحلة العلاقات بين الأب الفخور والإبن المعجب. في تلك المرحلة كان نهرو يسدى النصح لعبد الناصر ويواسيه ويؤيده وأحياناً يعاتبه. وكان عبد الناصر لا يزال يتطلع إلى نهرو بإعجاب .
 
-----------------------
 
على أن مقام عبد الناصر كان يتصاعد. وكان ينمو ويشب وكان نهرو يتابع مراحل نموه فخوراً به ، وكان يردد أحياناً : " إنه التحدى الشاب لنا جميعاً ".
 
وعلى كل حال  ظل نهرو : المفكر العملاق المحترم ..
 
وكان نهرو هو الذى ناشد العالم فى نوفمبر (تشرين الثاني) 1957، أن يستخدم الذرة للأغراض السلمية قائلا فى ندائه :
 
" أود أن أغامر بمناشدة الزعماء العظام فى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وإني إذ أفعل ذلك بكل تواضع ، فإني أفعله كذلك بتوق عظيم وجدية كاملة. إننا فى الهند نواجه معضلات خطيرة ، ولكن يجتاحنى ويغلب على التفكير فى الأزمة الحضارية التى يواجهها العالم اليوم والتى لم يعرف لها من قبل مثيلا. وأعتقد أن في طاقة أمريكا وروسيا، أن تسويا هذه الأزمة وتنقذا الإنسانية من الكارثة التي  تجابهها.
 
لقد أصبحت كرتنا الأرضية أصغر من أن تستوعب الأسلحة الجديدة التى تمخض عنها العصر الذرى . وإذ يقتحم الإنسان- فخوراً بعقله ومعرفته- الطريق إلى الفضاء ويخترق السماوات فإن حياة الجنس البشرى بالذات أصبحت محفوفة بالأخطار. فهناك ما يكفى من أسلحة الدمار الجماعى لإنهاء الحياة على الأرض .
 
إن ملايين البشر تؤمن بما يدعى بالرأسالية الغربية وملايين البشر تؤمن بالشيوعية ولكن هناك الملايين العديدة غير الملتزمة بأى من العقيدتين ، إنما تنشد- عن طريق الصداقة مع الآخرين -  حياة أفضل ومستقبلا يحدوه الأمل والرجاء.
 
" إننى أتحدث بالأصالة عن نفسى، ولكننى أعتقد بأنني أردد آراء جماهير غفيرة من الناس فى بلادي وفى بقية دول العالم . ولذا فإننى أتوجه بهذا النداء إلى الزعماء العظام ، وعلى الأخص زعماء أمريكا وروسيا، الى أودعت الأقدار في أيديهم سلطة هائلة لتكييف شكل هذا العالم ولرفعه إلى ذرا لم تتردد حتى  في الأحلام ، أو لدفعه إلى هاوية الكارثة. إننى أناشدهم بأن يوقفوا جميع تفجيرات التجارب النووية ، وأن يقيموا- بذلك- الدليل للعالم، على أنهم مصممون على إنهاء هذا التهديد وعلى المضى كذلك من أجل التوصل إلى نزع التسلح نزعاً فعالا...
 
وأرسل نهرو نسخة من هذا النداء إلى عبد الناصر وأرفقها برسالة قال فيها :
 
" إننا هنا في الهند، نعانى مشاكلنا الخاصة الكبرى . كما أنكم في مصر تواجهون الكثير من المصاعب. وفيما تشغلنى مشاكلى مباشرة فإن ذهنى يتجه بالتفكير- بشكل متزايد-- إلى المشكلة العظمى الى تواجه الإنسانية.. "
 
---------------------------
 
وبرغم انغماس نهرو فى تلك المشكلات الكبرى ، فإنه كان على ترابط عاطفي مدهش مع شعب الهند. وقد برهن على هذا التعاطف ذات يوم من ربيع 1960 ، عندما كان عبد الناصر يحل ضيفااً عليه في دلهى .
 
فقد كان من المقرر أن يخطب نهرو فى اجتماع عام بميدان رانجيلاه في دلهى فذهب عبد الناصر معه. ودهش عبد الناصر من كثافة الجمهور الذى حضر الاجتماع- فقد جاء زهاء أربعمائة ألف شخص . منهم عانلات بأكملها وأمهات يصحبن أطفالهن، وأناس قصدوا الاجتماع على أقدامهم من مسافة أميال . وكان الجميع جلوساً فى الساحة.
 
وكان مشهداً مهيباً ... وقد بنيت فى الميدان منصة صغيرة للخطباء...
 
فما كان المشاهد يرى منها سوى بحر من الجماهير ومن الوجوه المتطلعة. وخيل إلى عبد الناصر أنه ليس فى وسع إنسان أن يستولى على انتباه مثل هذا الجمهور الهائل . و لكن سرعان ما نهض نهرو وبدأ يتكلم .
ومع أن نهرو كان يخطب بالإنجليزية وتترجم كلماته إلى الهندية فقد أسر جميع ذلك الحشد الهائل... واستولى عليه وأمسك أعنته بقبضة يديه... وكان عبد الناصر قد أعرب عن شكوكه لنهرو قبل أن يبدأ الرئيس الهندى خطابه فلما انتهى التفت إلى عبد الناصر متسائلا :
 
" والآن ما رأيك ، فى خطابى؟ "
 
ورد عليه عبد الناصر:
 
" لقد كان ممتازاً "
 
-  و لماذا ؟
 
- لأنك أضحكتهم ... ولأني أعتقد أن أضخم مهمة تواجه أى خطيب فى اجتماع حاشد كهذا هو أن يستولى على ألباب الجماهير فيجعلها تنفجر ضاحكة إذا شاء.. وعندما يستطيع إنسان أن يستولى بهذا الشكل على مشاعر أربعمائة ألف نسمة فإن خطابه يعد عملا كبيراً .. "
 
وكان عبد الناصر مقتنعاً بأن نهرو إذ فعل ذلك فقد برهن على الرابطة القائمة بين زعامته وجماهير الشعب الهندى .
 
وكانت رابطة الصداقة والإعجاب المتبادل بينهما فى نمو مستمر  وكانت مفعمة بحوادث طريفة.
ففى إحدى المناسبات أصيبت طائرة نهرو بخلل ميكانيكى أثناء مروره بمصر فاضطر إلى قضاء يوم كامل فى القاهرة.
 
وأصر نهرو على أن يمضى ذلك اليوم في دراسة نماذج فن العمارة الإسلامى وعندما ذهب عبد الناصر إلى الهند اصطحبه نهرو لمشاهدة ضريح تاج محل وغير ذلك من آثار الإمبراطورية المغولية. فقد كان نهرو بالغ الاهتمام بذلك العهد من التاريخ الهندى ، وكان يتحدث الساعات الطوال عن الممالك الإسلامية العظمى الى حكمت بلاده . وكان يمتنع كلياً عن التدخل في النزاع بين  المسلمين والهندوس ، ذلك أنه كان من الناحية الفكرية- وأيضا من الناحية السياسية- جسراً بين حضارتين .
 
وأذكر- ذات يوم- أنه كان يبحث موضوع امبراطورية المغول مع عبد الناصر ومعى . وقد تحدثنا عن انهيار الإمبراطوريتين الإسلاميتين فى الهند وأسبانيا ، وطلعت بنظرية أن انهيارهما  كان وليد تعدد زيجات الحكام المسلمين لأن العداء بين ورثتهم أدى إلى حروب أهلية وإلى تفكك الإمبراطوريتين وتجزئتهما.
 
ولم يدعنى نهرو أنسى هذه النظرية- فحيثما تناقشنا في أمر ما كان يداعبنى قائلا :
 
" هل تعتقد أن ذلك بدأ بتعدد الزيجات؟ "
 
-------------------
 
وفى يناير (كانون الثانى) 1960، بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع تحويل مياه النيل، من أجل بناء السد العالى، بتفجير هائل .. وشعر نهرو بخيبة أمل بالغة عندما لم تسمح له ظروفه بحضور الاحتفال ، ولكنه وجد - عندما زار مصر فى مايو (آيار) من ذلك العام- أن عبد الناصر احتفظ له بتفجير خاص له، واستطاع نهرو أن يذهب إلى مقر السد العالى وأن يضغط بأصبعه على زر فجر شحنة هائلة أدت إلى تحول مياه النيل وتدفقها في قناتها الجديدة .
 
ولم يفعل عبد الناصر مثل ذلك لأى  زعيم آخر وظل نهرو يحتفظ دائماً أن شيئاً مؤثراً حفظ له ومن أجله، وكان يستمتع بهذه الفكرة .
 
وكان عبد الناصر يستمتع بصحبته وكان يجد متعة فى حديثه وسلواناً  في مشورته- وإن لم يكن يتبعها دائماً- ذلك أن نهرو كان دائماً يجنح إلى الحل الوسط  والتساهل والتصالح والتوفيق ، وكان أكثر جنوحاً إلى الحديث عن المشكلات منه إلى اتخاذ الإجراءات العملية بشأنها . وطالما ردد على مسامع الرئيس : " في كل مشكلة تمس السلم أو الحرب : خذ دائماً الخطوة الأولى  أولا.. ثم الخطوة الثانية... ثم الثالثة... "
 
--------------------
 
ثم جاء زمن تغيرت فيه ظروف أقدارهما واحتاج " الأب "  فى ساعة الأزمة والضيق إلى عون " الإبن " فلقد هاجمت الصين الهند، عبر ممرات سفوح  الهيمالايا بحجة نزاع على تحديد خط ماكماهون ،  وهو خط الحدود الذى رسمه البريطانيون- تعسفاً - بين الهند والتبت .
 
وكان نهرو مقتنعاً كل الاقتناع- وكان عبد الناصر يجاريه في وجهة نظره - بأن جذور الهجوم الصينى تكمن فى شيء يتجاوز بضخامته النزاع على الحدود وبأنه كان هجوماً على فكرة عدم الانحياز بأسرها.
 
وكان الصينيون يعتقدون أن عدم الانحياز ليس إلا مرحلة عابرة وقد قبلوا بعدم الانحياز وسلموا به لأنهم اعتقدوا أنه لن يدوم طويلا . ولكنهم  عندما اكتشفوا أنه يشتد ساعدا ويتزايد قوة وأن الاتحاد السوفييتي- الذى أخذوا  يتنازعون معه- يدعم دول عدم الانحياز بالتأييد القوى : شعروا بأن عدم الانحياز أصبح قوة يجب أن يحسبوا لها حسابا..
 
وهكذا (طبقا لتفسير نهرو للأحداث) هاجم الصينيون الهند وهم يعلمون أن هناك عنصرا يمينيا قويا فى الهند، أملا فى أن يؤدى ذلك إلى الحط من قيمة سياسات نهرو الاشتراكية وسياسته في عدم الانحياز وإلى قيام جناح اليمين بالاستيلاء على الحكم فى الهند مما سيؤدى إلى الانقسام واستقطاب المشاعروالميول الهندية بين اليمين واليسار.
 
وكان نهرو في ذلك يلمح عدة مسالك في تفكير الصينيين ... منها أنهم كانوا يأملون في أن تنهار الهند تحت وطأة هجومهم وتقع تحت السيطرة الصينية ولكنه لم ير ذلك محتملا- لأن من شأنه إثارة الشعور القومى الهندى  ولأنه ليس فى وسع الصين أن تسيطر على أمة كبرى كالأمة الهندية.
 
ومنها أن الصينيين يعتقدون بأن اليمينيين سيستولون على الحكم ، الأمر الذى سيؤدى حتما إلى ثورة شيوعية في الهند... أو بأن تتحول الهند إلى الغرب مما سيؤدى حتما إلى رد فعل شيوعى .
 
على أن نهرو كان متأكدا من شيء واحد وهو أن الهجوم لايستهدف خرق خط ماكماهون واحتلال أرض هندية إنما كان يهدف إلى تحطيم فكرة عدم الانحياز والاستيلاء على عقول الناس .
 
وجاء الهجوم الصينى بمثابة صدمة كبرى لنهرو فلم يستطع أن  يصدق أن أمة آسيوية عظمى- عضوة في جماعة مؤتمر باندونج- خليقة بأن تغزو دولة آسيوية أخرى .. وشعر بمرارة شديدة  وبأنه تعرض للإذلال... فقبل باندونج كان الصينيون قد اتهموه بأنه " عميل استعمارى " ولكنه شعر بعد ذلك بأنهم تجاوزوا هذه المرحلة وأصبحت علاقاتهم به صافية.
 
ولكن الأمر لم يكن كذلك .
 
فقد فاتح شوين لاى عبد الناصر، فى مؤتمر باندونج ، بشأن مشكلة الحدود مع الهند وشكا من أن الهنود يرجئون البحث فى موضوعها. ولكن لم يظهر لعبد عبد التاصر أن مشكلة الحدود ملحة ولم يخطر له إطلاقاً بأن الصين قد تهاجم الهند بشأنها .
 
------------------------
 
وهكذا ففد كان الهجوم الصينى صدمة له هو الآخر.... بينما كان بالنسبة إلى نهرو أكثر من صدمة... كان ضربة قاصمة مزعزعة لم يشف قط من آثارها...
 
فقد انقض عليه اليمينيون فوراً فى الهند فأصبح بين نارين : نار الجبهة والنار السياسية فى دلهى . وأصبح فى أمس الحاجة إلى العون . فإلى أين يتجه؟..
 
وخطر له فى إحدى المراحل أنه قد يضطر لأن ينشد العون من الولايات المتحدة ، ولكنه أحجم لأن ذلك كان معناه أن تسلط عليه فوراً شبهة  أنه " عميل للاستعمار " ولم يكن الاتحاد السوفييتى يستطيع أن يمده بالعون لأنه لم يكن في وسع الروس فى ذلك الحين أن يضعوا أنفسهم فى موضح دولة تساعد علنا دولة فى حرب فعلية مع الصين الشيوعية .
 
كان عليه والحالة هذه أن يعتمد على دول عدم الانحياز، لامن أجل العون العسكرى إنما من أجل ايجاد تسوية سلمية للنزاع  . ولكن العقبات كانت قائمة حتى على هذا الصعيد، ذلك أن تيتو- مثلا- كان شخصاً غير مرغوب فيه لدى الصينيين .
 
وهكذا كان عبد الناصر الشخص الوحيد الذى يسع نهرو أن يلجأ إليه، بكل الصفات التي  تجمعت فى شخصه : كرئيس دولة غير منحازة ، وبصفته أفريقيا- آسيويا ، وبصفته صديقا لشوين لاى . وفعلا لعب عبد الناصر- فى النهاية- أهم دور فى إقرار السلام .
 
وكان على عبد الناصر أن  يلعب دوره هذا بكثير من  المرونة واللباقة .
 
وعندما كتب إليه نهرو يمده بتقييم للموقف أجابه عبد الناصر بأنه لن يكون في وسعه أن يمنح الهند تأييده المطلق علنا ولن يكون في وسعه أن يهاجم الصين الشيوعية على عدوانها . ذلك لأنه على حد قوله " يجب أن أبقي مسالكى مفتوحة مع كل منكما إذاكان لى أن أحتفظ بقدرتى على التوسط " .
 
وفهم نهرو ووافق طوعا على المعالجة الهادئة الى اقترحها عبد الناصر. ولكن اليمينيين استخدموا ذلك كهراوة أخرى يضربون بها نهرو فكانوا يزمجرون فى وجهه ساخرين : " ماذا فعلت دول عدم الانحياز من أجلك؟ "
 
بل إنهم هاجموا مصر لأنها لم تدن الصين . " وأين هى صداقتك مع العرب وعبد الناصر؟.. أين هم الآن وأنت بحاجة إليهم؟ "..
 
كانت تلك عينة من الصيحات التى أطلقت ضد نهرو وعبد الناصر..
 
ولقد بذل نهرو جهده في الدفاع عن عبد الناصر بينما كان يحاول- فى الوقت ذاته- منع الأمريكيين من التدخل ويحاول تشجيع الروس على مزاولة الضغط على الصينيين .. وكان يتخبط فى مأزق لايحسد عليه.
 
واتصل عبد الناصر بنهرو وسأله : " ماذا تريدني أن أصنع؟ " ورد نهرو عليه :"  تستطيع أن تفعل أكثر من أى إنسان آخر " وأوضح نهرو الوضع  فيما يتعلق بالأمريكيين والروس ومشكلتى اليمينيين واليساريبن فى الهند وأعرب عن اعتقاده بأن عبد الناصر هو الزعيم العالمى الوحيد القادر على مساعدته..
 
على أن الحملات على عبد الناصر استمرت فى البرلمان الهندى  وعندما قال نهرو- فى تصريح برلماني- إن " صديقنا عبد الناصر يساعدنا " وقف أحد أعضاء البرلمان وقال : " أجل إنه يساعدنا بالتزامه الصمت".
 
وبعد تلك الواقعة قال نهرو للسفير المصرى : " قل للرئيس عبد الناصر أن لا يهتم بهذه الهجمات عليه... إني أستطيع أن أسيطر عليهم ..- " ولكن نهرو استدرك كعادته قائلا : " لمدة أسبوع " !
 
وكان عبد الناصر يرى أن مهلة الأسبوع هذه أقصر مما يجب من أجل إعادة إقرار السلام.. وقرر أن السياسة المثلى التي ينهجها هى أن لا يهاجم الصين على عدوانها وأن لايدافع عن حدود خط ماكماهون وإنما أن يدفع عن فكرة عدم الانحياز تهجمات وحملات الصين وجناحى اليمين واليسار فى الهند..
 
وظهرت فى الصحف الهندية غمزات ولمزات ضد عبد الناصر فكتب نهرو يوضح له أن الصحف الهندية بأسرها يملكها كبار رجال الأعمال واليمينيين وأشارعليه بأن لا يهتم بها قائلا " ليتنى كنت أستطيع أن أغلقها جميعا ".
 
وكان الكثيرون من أعضاء البرلمان الهندى " يقبضون " من كبار الأثرياء الهنود أمثال تاتا وكان هؤلاء المليونيرات يرسلون إليهم أشهى الأطعمة من أفضل المطاعم.. وطلب نهرو من السفير المصرى أن يضرب صفحا عن هذه الحملات  التى تستهدف عبد الناصر من أولثك الناس، لأنهم " لاينتظرون سوى وجبة غذاء شهية يرسلها إليهم تاتا " أ.
 
وطيلة هذا النزاع تبادل الزعيمان سيلا من الكتب والرسائل . فكتب عبد الناصر إلى نهرو فى 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1962 يحثه على التفاهم بأسلوب نهرو- ، ورد عليه نهرو بعرض مطول للموقف أنهاه بقوله: " اننى أشعر بامتنان صادق، في سياق الأحوال السائدة اليوم لرسالتك . على أنه من واجبنا الصريح أن نستمر فى المقاومة إلا إذا أصغى الصينيون إلى نصيحة أصدقاء مجردين مثلك وصححوا الوضع الذى خلقوه " .
 
واستمر نهرو يقول : " فإذا استمر العدوان الصينى، فإننا سنستمر فى المقاومة، ونأمل في أن نحظى بعطفكم ودعمكم وبعطف وتأييد جميع الدول المستقيمة الرأى في هذه المهمة المقدسة الهادفة إلى الحفاظ على شرف وطننا الأم وسلامته وتكامله " .
 
وكتب، بعد ذلك، يقول : " لقد تحدت الصين فكرة التعايش السلمى كلها التى تقوم عليها السياسة السوفييتية. وبينما تستهدف السياسة السوفييتية إلى تجنب الحرب ، وإزالة أسبابها والتركيز بشكل أكبر على المنافسة السلمية فقد أعلنت الصين عن اعتناقها لسياسة تقوم على العنف الثورى وعلى ما يوصف باسم " الحروب العادلة ". ويبدو أن الهدف الأساسى للصين يرمى إلى قطع مجرى سياسة عدم الانحياز التي اكتسبت تأييدا واسع النطاق ليس فقط بين الدول الأفريقية والآسيوية وإنما من الدول العظمى كذلك .
 
" وأعتقد أنه يجب أن ينظر إلى نزاعنا مع الصين فى ضوء هذه الخلفية. ولقد كتبت إليك فى الماضى بهذا الصدد، وسأكتفى اليوم بأن أردد أننا سنقاوم العدوان وسنتخذ كل التدابير اللازمة من أجل الدفاع عن بلادنا ولن يطرأ تغيير على سياستنا- القائلة بالسلم وعدم الانحياز. إن غايتنا ستظل تستهدف إيجاد تسوية سلمية تحفظ شرف بلادنا وكرامتها. ولهذا فقد رحبنا بمبادأة مؤتمر كولومبو وسوف نقبل بالمثل المقترحات الصادرة عنه وفق ما أوضحته لنا.. ولعلك تدرك أن الصين لم تفعل ذلك بعد. كما أن قبولها المزعوم هو موضع تحفظات تتنافر كليا مع المقترحات..
 
.... ولن أضيف إلى قولى سوى أن كلا من حكومتنا وشعبنا قد قدر عظيم التقدير معالجتكم للمشكلة ..."
 
" إننى أتطلع قدما إلى مزيد من التقوية للتعاون والتفاهم الوديين بيننا بما فيه مصلحة السلم..
 
وتقبلوا احتراماتى الصادقة "
                                                                                                
                                                                                      جواهر لال نهرو
 
--------------------------
 
ولكن على الرغم من التعبير عن الود والامتنان للتأييد والدعم قامت مناسبتان ، أثناء النزاع بين الهند والصين، وجد خلالهما عبد الناصر أنه بينما كان  نهرو يعتمد عليه فإن عناصر أخرى فى الهند قد اتجهت إلى الاسرائيليين .
 
وكان نهرو قد ألم أول الأمر بحقائق النزاع العربى مع الصهيونيين فى مؤتمر باندونج- الذى بذل الإسرائيلبون محاولات يائسة للاشتراك فيه- وكانوا قد ضمنوا إلى جانبهم الزعيم البورمى يونو وطلبوا من نهرو عونه وتأييده . ركان نهرو يميل- اعتمادا على نظرته الفلسفية والتاريخية التقليدية للأمور- إلى الموافقة على طلبهم بحضور المؤتمر.
 
فلم يكن مدركا لحقائق المشكلة الفلسطينية وكان يتحدث عن الإسهامات المشتركة للفلاسفة اليهود والعرب وعن الطريقة التى عاش بها اليهود  والعرب معا- دون تمييز- في ظل الاسلام . ولم يكن يعنى في نظره شيئا كبيراً أن يقال له إن هنالك مليون لاجىء من فلسطين ، ذلك أنه كان لديه- طبقا لما أوضحه- 16 مليون لاجىء إثرتقسيم الهند. ولم تكن تجزئة بلد ما تعني  شيئاً كبيراً له ، ذلك أن بلاده بالذات تعرضت إلى التجزئة. على أن ما كان يسوؤه في إسرائيل هو أنها دولة قائمة على الدين .. وكان ذلك مما يذكره بباكستان.
 
لذا كان يجب تعريفه بحقائق الموقف منذ البداية.. وعندما استوعب هذه الحقائق فهم الموقف جيداً ونهض فى اللجنة السياسية لمؤتمر باندونج وعرض وجهة النظر العربية بشأن قبول إسرائيل وفعل ذلك بوضوح وإشراق وتفهم وبشكل كان لايمكن لأى ناطق عربي أن يفعله .
 
وأوصد باب مؤتمر باندونج  في وجه إسرائيل وظل نهرو منذ ذلك الحين يمنح كل تأييده للقضية العربية.
ولكن عندما بدأت مصاعبه مع الصين اتصل الإسرائيليون بالمخابرات الهندية واقنعوا الهنود بأن أفضل وسيلة للدفاع عن مناطقهم الجبلبة ضدالتوغلات الصينية تكمن فى إنشاء مستوطنات زراعية شبه عسكرية من الطراز الصهيونى وبأن السبيل لتحقيق ذلك يحتاج- بالطبع- إلى خبراء إسرائيليين ليشرحوا لهم طريقة التنفيذ.
 
وكان هذا المشروع يسير قدما فى الوقت الذى كان فيه عبد الناصر يعمل لمصلحة الهند فاضطر إلى أن يلفت نظر نهرو إليه. فقام نهرو بوضع حد فورى له.
 
 
وجرت حادثة أخرى عندما عرض الإسرائيليون على الهنود المدفع الرشاش الإسرائيلى من طراز " عوزى " ورأى بعض العسكريين الهنود أنه مدفع رشاش صالح وأنه كسلاح خفيف من شأنه أن يعطى جنودهم قدرا أعظم من سهولة الحركة والمناورة فى الجبال .
 
ومرة أخرى وجدعبد الناصر نفسه مضطراً إلى لفت انتباه  نهرو إلى صلات ضباطه مع الإسرائيليين . فقطع نهرو هذه الصلات وكتب إلى عبد الناصريقول :
 
لقد أراد  أولئك الحمقى أن يدرسوا الأمر وفق التقديرات المجردة ولكنه أمر يعود تقريره إلى "
 
كان نهرو في حالة سيئة.. كانت المشكلات الهائلة تحاصره . فقد كان الأمريكيون يحاولون التدخل أيضا. وكانوا يريدون أن ينصبوا على الأرض الهندية شبكة من الهوائيات لتوجيه إذاعة ( صوت أمريكا) إلى الصين . فقد وافق بعض كبار وزراء نهرو على هذا المشروع واضطر نهرو- مرة أخرى- إلى التدخل ووضع حد له .
 
وبينما كان الصينيون يهاجمونه كان الباكستانيون مستعدين لاستغلال الوضع وغزو الهند.. وكان الأمريكيون- أيضا- يحاولون استغلال الوضع لتحقيق مكسب لهم على صعيد الحرب الباردة . أما الروس فكانوا محجمين عن تقديم المساعدة خوفا من أن يحدثوا انشقاقا فى الكتلة الشيوعية.. وبدأت بعض دول عدم الانحياز تشك فى عدم انحياز نهرو... فقد ظن البعض أنه يتطلع حقا إلى الغرب ناشدا العون ..
 
واضطر نهرو إلى إخراج كريشنا مينون من وزارة الدفاع  بعد أن تعرض لأشد الهجمات والحملات بسبب هزيمة القوات الهندية.. وهكذا كان كريشنا مينون كبش الفداء عن الهزيمة وكانت تلك ضربة محزنة بالنسبة لنهرو لأنه لم يكن يثق ابداً فى العسكريين الهنود فقد كان يجدهم أقرب إلى البريطانيبن منهم إلى الهنود في آرائهم ومظهرهم كما كان يجدهم معزولين عن الفكر الهندى .. بل كان يقول عنهم " بريطانيون أكثر من البريطانيين " وكان مينون كوزير للحربية ثقلا معاكسا لمواقفهم المتزمتة.
 
والواقع أن كل الذين كانوا يريدون مهاجمة نهرو هاجموا كريشنا مينون بدلا منه، ووجد نهرو نفسه فى موقف غاية فى الصعوبة فاضطر كارها إلى إخراج كريشنا مينون عن الوزارة ، وقد فعل نهرو ذلك ببالغ الضيق .
 
أما دبلوماسية عبد الناصر الهادئة العاملة فى مصلحة نهرو فقد توجت بعقد مؤتمر كولومبو واستطاعت المقترحات التى أقرها وأصدرها المؤتمر أن تحصر، فى النهاية المشكلة الهندية- الصينية، وأن تؤدي إلى إنهاء القتال .
 
وكان لعبد الناصر- على الرغم من الحملة الخبيثة التى استهدفته- مبرراته فى مسلكه لاسيما وأن الهجوم الصينى لم يؤد إلى انهيار عدم الانحياز فى الهند، وقد كان ذلك انتصاراً  لدول عدم الانحياز.
 
ولكن نهرو لم يحظ بأى انتصار.. فقد أصبح إنسانا معذبا تزعزعت روحه المعنوية.. وكان يخال لمن يراه بعد ذلك أنه هوى من سفوح الهيملايا ومنحدراتها وتحطم .. فقد كان يعتقد أنه قد رتب أمور عالمه وفجأة تزعزع هذا العالم وتقوض وتفتت إلى أشتات يستعصى جمعها من جديد عندما بدأ الجنود الصينيون يتدفقون عبر الممرات الجبلية.
 
 
ولم يعد في عالمه شىء على ما يرام .. فقد انهارت سياسته الصينية. وذهب مينون وكسب العسكريون المزيد من القوة.. واضطرب كل التخطيط الذى كان قد أرسى قواعده واختل ..
 
وبالتأكيد أحس نهرو بأنه فشل ، بل إننى أعتقد بأن هذا الشعور ساعد على قتله، لأنه كان يستحوذ عليه تماما حكم التاريخ عليه فكثيراً ما كان يردد:
 
" بماذا سيحكم التاريخ علينا وماذا سيقول عنا؟ "
 
وروى نهرو ذات مرة لعبد الناصر أنه عندما سئل غاندى عن سبب اختياره نهرو خلفا له- على الرغم من أنه تلقى تعليمه خارج الهند وعلى الرغم من أنه كان هناك من المرشحين من هم أحق بوراثة زعامته أكثر من نهرو- فأجاب غاندى : " لأن نهرو هو الوحيد القادر على ربط الهند بالقرن العشرين "
 
وكان نهرو على عادته دائم التشكك في النفس فكان يردد :
 
" لا أدرى إذا كنت سأرقى إلى مستوى تحقيق آمال غاندى "
 
أما بعدما حدث فقد يئس نهرو يأسا كاملا وكان عبد الناصر. يشعر بالألم كلما التقيا، فهاهو الرجل الذى كان عبد الناصر قد أعجب به بالغ الإعجاب . الرجل الذى كان يرمز إلى كل معانى الأبوة .. نجم باندونج قد فقد كل بارقة لأى أمل .
 
ومات نهرو بعد أن ماتت الأحلام فى قلبه .

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.11 ثانية