Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: Aspire education group
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 1
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 36
الأعضاء: 0
المجموع: 36

Who is Online
يوجد حاليا, 36 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

أحمد الحبوبي
[ أحمد الحبوبي ]

·أشخاص كما عرفتهم : فؤاد الركابي - احمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية - المقدمة - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 6 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 5 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 4 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 3 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 2 - أحمد الحبوبي
·ليلة الهرير في قصر النهاية 1 - أحمد الحبوبي

تم استعراض
50353102
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 10 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل



 
 
 
عبد الناصر وشوين لاى ...
الشرق والغرب
 
كان عبد الناصر- مثل معظم الناس - يتحرك فى سلسلة من الدوائر المختلفة ، منها تلك التى تكاد تتقارب ومنها المتصلة في نقاط معينة ومنها المتداخلة بعضها في بعض . ولكن بينما لاتتعدى دوائر معظمنا الأعمال والرياضة والهوايات فإن دوائره كانت دوائر الزعامة السياسية والنضال الوطنى والثورة .

 
وقد تحرك عبد الناصر ضمن الدائرة الآفرو- آسيوية حيث عقد صداقته الكبرى وكان بين أصدقائه فيها كل من شوين لاى وسوكارنو. وتحرك في دائرة دول عدم الانحياز حيث كان أقرب الأصدقاء إليه تيتو ونهرو، وكانت هناك دائرته العربية حيث ترابطت أواصر الود بينه وبين بن بيللا وعبد السلام عارف ودائرته الأفريقية وكان بين نجومها نكروما وسيكوتورى .
 
وكانت كل دائرة مختلفة عن الأخرى . وكان لكل منها أوجه شبه مع الأخرى . كما كان لكل منها أصدقاؤها.
 
وكانت صداقة عبد الناصر مع شوين لاى  حميمة بشكل خاص . فقد كانا يستمتعان بصحبة كل منهما الآخر، ويجلسان الساعات الطوال متناولين في حديثهما الكثير من الأشياء . وكانا يرتاحان كلاهما إلى الآخر ومع الآخر . وكان عبد الناصر معجبا بشكل خاص بتصميم  شوين لاى وفكره المرتب  وبطريقته الكاملة التنظيم التى كان يعالج بها أى موضوع يطرقه أو يريد أن يفعله.
 
وأحسب أنهما أمضيا معا فعلاً أربعا وسبعين ساعة في الجلوس والحديث معا .
 
وذات مرة فى أثناء زيارة للقاهرة قام بها شوين لاى استغرقت 12 يوما، تقابلا 16 مرة للنقاش والحديث.
 
روى شوين لاى لعبد الناصر أن صلته الأولى بمصر ترجع إلى اليوم الذى مر فيه عبر قناة السويس فى طريق عودته من باريس للبدء فى عمله الثورى فى الصين . وكانت المرة الثانية في عام 1954 عندما كان فى طريق عودته إلى الصين من مؤتمر جنيف الخاص بالهند الصينية. كان عائدا إلى بلاده آنذاك عن طريق الهند، ووضعت الحكومة الهندية إحدى طائراتها تحت تصرفه، وذهب السفير الهندى لاستقباله في  مطار القاهرة حيث لم يكن في استقباله من الجانب المصرى- باستثناء سلطات المطار - -سوى أحد موظفي التشريفات فى الخارجية المصرية . كانت تلك بداية غريبة في ضوء الصداقة التى ربطته فيما بعد بعبد الناصر.
 
وفى تلك المناسبة بعث شوين لاى ، الذى كانت رحلته الأولى عبر القناة قد أثارت اهتمامه بمصر- ببرقية من الطائرة يقول فها إنه إذا كانت الطائرة  ستزود بالطعام ، فإنه يأمل أن يكون طعاماً مصرياً . وتسلم السفير الهندى البرقية وبعث من المطار يطلب شيئا من الكباب والطحينة لرئيس الوزراء الصينى .
 
وقد اجتمع عبد الناصر وشوين لاى للمرة الأولى فى رانجون عندما كانا فى طريقهما إلى باندونج لحضور مؤتمر دول عدم الانحياز. وكان الصينيون حريصين كل الحرص على إجراء هذا الاتصال مع عبد الناصر. فقد كانت  مصر- عبد الناصر بدأت تبرز كزعيمة للعالم العربي ، وكان الصينيون يرقبون عن كثب مسلك مصر لأن موقف مصر من الصين كان يعنى موقف منطقة بأسرها وليس موقفها هى وحدها.
 
وعندما توقف عبد الناصر فى نيودلهى لاصطحاب نهرو، طلب السفير الصينى في العاصمة الهندية مقابلته وسأله إذا كان يود أن يقابل شوين لاى . وقبل عبد الناصر بسرور، معتقدا أنهما سيجتمعان في باندونج، ولكن عندما هبط عبد الناصر ونهرو من طائرتهما في رانجون وجدا شوين لاى فى انتظارهما فى المطار.
 
وقام نهرو بمهمة التعريف قائلا: " هل أحتاج إلى أن أعرفكما ببعضكما أو إلى تقديم كل منكما إلى الآخر؟".
 
وكان يوما قاثظ الحر. ووقف الثلاثة بعض الوقت  يشربون عصير جوز الهند الطازج ، والناس يمطرونهم برذاذ الماء المعطر احتفالا بعيد" شاى جان " - مهرجان المياه البورمى- وقد خيل إلى الحاضرين آنذاك أن شوين لاى كان يتطلع إلى عبد الناصر ببعض الإعجاب . وفي مساء ذلك اليوم عقد الزعيمان المحادثة التاريخية الحاسمة التى أدت- في النهاية- بمصر إلى عقد صفقة الأسلحة الأولى مع الاتحاد السوفييتى . تلك الصفقة التى قدر لها أن تكون ذات آثار بعيدة ومتعددة بالنسبة إلى مصر نفسها والعالم العربى والعالم أجمع .
 
وفي خلال مؤتمر باندونج عقدا اجتماعين تناولا فيهما الكثير من المواضيع : التضامن الآفرو- آسيوى، الحاجة إلى مزيد من الاتصالات ، الجهد المشترك ضد الاستعمار. إلى آخر هذه الموضوعات .
 
ولكن كان هناك إحساس- يومها- بأن شوين لاى خلالهما أكثر اهتماما بالإصغاء منه بالتكلم .
 
وتناول الإثنان العشاء معا، وروى شوين لاى قصة وجبته في مطار القاهرة وقصة حساء " عش العصافير " الذى كان الجميع يتناولونه يومها. وسأله صلاح سالم الذى كان يحضر العشاء عن محتويات الحساء، فأجابه شوين لاى : " أعشاش عصافير " .
 
وسأله صلاح سالم : " أعشاش عصافير كما هى؟ "
 
ولما رد شو بالإيجاب وشرح المترجم لصلاح سالم طريقة صنع طبق الحساء ، شعر صلاح سالم بالغثيان وصاح محتجا، وهرول من ردهة الطعام ليفرغ مافى معدته .
 
-----------------------
 
وقد زار شوين لاى القاهرة لمدة أسبوع فى ديسمبر (كانون الأول) 1963 وكتكرار غريب لوصوله السابق إلى مطار القاهرة لم يكن عبد الناصر فى استقباله . وظنت بعض الدوائر- وقتثذ- أن الأمر مقصود للتقليل من شأن شوين لاى .
 
ولكن الحقيقة أن عبد الناصر كان قد اضطر إلى الذهاب إلى تونس لفترة أربع وعشرين ساعة لحضور الاحتفال بجلاء الفرنسيين عن بنزرت . وكان عبد الناصر يحاول أن يمهد الطريق لعلاقات أفضل مع تونس، كما أنه كان متحمساً للجلاء الأجنبى عن قاعدة بنزرت ورأى أن ذلك كله أكئر أهمية من قيامه بمجرد شكليات استقبال شوين لاى في المطار.
 
واعتبر بعضهم الأمر إساءة لكن عبد الناصر كان قد ترك لشوين لاى رسالة يشرح له فيها الوضع وقد فهم شوين لاى الحقيقة تماما .
 
وقد أصر شوين لاى على أن يكون ذلك الأسبوع من المحادثات بعيدا عن الجو الرسمى . وقد قام خلاله بزيارة المتحف المصرى وأعجب أشد الإعجاب بما شاهده حيث بدا أنه استوحى من هذه الزيارة موضوع المقابلة الثانية مع عبد الناصر. فقد تحدث عن حضارات الشرق العريقة القديمة وعن نضال دول الشرق من أجل المستقبل . وكان مملوءا بالمرارة إزاء التعالى الذى يبديه الغرب تجاه دول الشرق . قال :
 
" برغم كل ما تحتضنه بلادنا من حضارات عريقة وبرغم ما ساهمنا به لمصلحة الجنس البشرى، فإننا لانلقى من الغرب سوى الإذلال " .
 
وكان موضوع حديثه طوال ذلك اليوم ينطوى على النقاط الآتية:
 
1- يجب أن نحصل على الاستقلال .
 
2- المعنى الوحيد لاستقلالنا هو أن نكون أسياد أنفسنا.
 
3- إذا استطعنا أن نكون أسياد أنفسنا فإن في استطاعتنـا أن نكون متناقسين مع الغرب .
 
4- إذا استطعنا أن نتساوى ، ففي استطاعتنا أن نتخطى " .
 
وكان شوين لاى يقول : عندما نحقق ذلك ونسبق الغرب ونتخطاه  فإننا سنحول مركز الثقل فى العالم ونعيده إلى الشرق " .
 
وراح يستطرد على هذا النحو لمدة ساعة واستشهد بقضية قناة السويس  كمثال على ذلك وقال :
 
" ما هو الدرس الذى يمكن استخلاصه من تأميمكم القناة ؟ إنه يعنى أننا- نحن أهل الشرق- نستطيع أن ندير المشروعات كالغرب تماماً .
 
وظل يؤكد  نظريته فى تكافؤ الشرق والغرب قائلا : " لقد حاول الغربيون دائما أن يحثونا بالعقد وأن يقنعونا بأننا لسنا على نفس مستوى الكفاية مثلهم وبأننا من مادة فقيرة أقل درجة منهم . إن إدارتكم لقناة السويس ليست مهمة من الناحية المالية إنما هى مهمة فقط من حيث أنها تقيم الدليل على أنه فى وسعنا أن نفعل ما يستطيعون فعله " .
 
كانت المساواة في جميع الأشياء مع الغرب هى الموضوع المفضل عنده . وكانت مصر قد وقعت لتوها معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لكن شوين لاى قال لعبد الناصر إن الصين لن توقع المعاهدة لأنه " إما أن يقوم نزع تسلح ذرى شامل تام وأن يجرى تدمير جميع الأسلحة، أو أن الصين ستجد نفسها مضطرة إلى إنتاج أسلحتها النووية لأنه ليس فى وسعها أن تترك الدول الكبرى تحتكر السلاح النووى "
 
وبعد تلك الزيارة عاد شوين لاى إلى القاهرة فى أبريل ( نيسان) 1965 ليمضى يوما طويلا من المحادثات. ثم مر بالقاهرة في مناسبات عدة أخرى وفى كل مرة ، كانت الصداقة تنمو بينه وبين عبد الناصر. وفى يونيو (حزيران ) من تلك السنة وصل إلى مصر لقضاء اثنى عشر يوما مع الرئيس وكانت زيارته تلك من أهم الزيارات . فقد كانت أحداث كثيرة هامة تجرى يومها، ذلك أن خروشوف كان قد نحى . وكانت الصين قد فجرت قنبلثها الذرية الأولى . وكان شوين لاى قد ذهب الى موسكو فى محاولة أخيرة لتسوية نزاعات الصين  مع  روسيا .
 
وكان عبد الناصر يساوره القلق من الخصام الصيني- الروسى لأنه كان يعتقد أنه يعرقل جميع حركات التحرر ويعود علي شعوب آسيا وأفريقيا بالضرر والواقع أن عبد الناصر بعث برسالة الى شوين لاى، عندما كان هذا فى موسكو فى 1964 وحمل الرسالة اليه المشير عبد الحكيم عامر الذى كان يزور موسكو. وقد استهلها عبد الناصر بتهنئة شوين لاى على  الإنجاز الذى حققته الصين بإنتاج أسلحتها الذرية. وكان عبد الناصر متحمسا للنجاح الذرى الذى أدركته الصين واعتبره انتصاراً للشرق . ومضى بعد ذلك- فى رسالته- يناشد شوين لاى أن يسوى خلافاته مع الاتحاد السوفييتي  لتلافى الضرر الذى يلحقه نزاعهما بحركات التحرر.
 
واستقبل شوين لاى عبد الحكيم عامر وحمله رداً  يشكر فيه عبد الناصر على تهنئته ويقول إن الصين لن تكون كالآخرين ولن تحاول احتكار انجازاتها العلمية ، بل انها على العكس سوف تضع معرفتها فى متناول الجميع.
 
ورد على مناشدة عبد الناصر له أن يتفاهم مع الروس بقوله إنه سيحاول ذلك ، وإنه من أجل هذا السبب ذهب إلى موسكو. وان خروشوف هو الذى فرض النزاع ، أما الآن وقد ذهب فإنه يحاول التوصل إلى اتفاق مع الزعماء الجدد، على أنه استدرك بأنه لايرى أنه سينجح فى ذلك " لأن الروس أوروبيون وكل الأوروبيين والبيض سواء وهم يعتبروننا أدنى منهم " !
 
وقد كان شوين لاى مصيبا فى تشاؤمه ذلك أن زيارته لم تصل إلى مصالحة. وعندما عاد إلى القاهرة لزيارة أخرى فى يونيو ( حزيران) 1965 كان نزاع الصين مع روسيا واحدا من الموضوعين الرئيسيين في محادثاته مع عبد الناصر.
 
أما الموضوع الرئيسى الآخر فكان فيتنام . ذلك أن التورط الأمريكى فى فيتنام كان يتزايد في عهد جونسون، وكانت أخطار الموقف تقلق بال العالم بأسره . ولعبت دول عدم الانحياز دوراً كبيراً فى الإعراب عن هذا القلق العالمى . وقام كل من عبد الناصر ونهرو وتيتو بلفت الانتباه إلى حماقة جونسون وتحدثوا طويلا وتكرارا عن الخطر الذي  يتعرض له العالم . وكان عبد الناصر يرغب من الأمريكيين أن ينسحبوا وأن يتركوا شعب فيتنام يقرر مصيره بنفسه.
 
لكنه عندما تناول العشاء مع شوين لاى في الاسكندرية مساء23 يونيو (حزيران) قال شو إنه لا يريد من جونسون أن يسحب أى جندي أمريكى بل إنه- على العكس من ذلك- يرغب فى أن ترسل الولايات المتحدة المزيد والمزيد من شبابها إلى فيتنام ":
 
و استطرد :
 
" إننا نخشى أن يضغط بعض العسكريين الأمريكيين من أجل شن هجوم نووى على الصين ونعتقد أن التورط الأمريكى في الهند الصينية هو بوليصة تأمين ضد مثل هذا الهجوم ، لأن تورطهم سوف يجعل لحمهم فى متناول أظافرنا .
 
وهكذا، فإنه كلما أرسلوا مزيدا من قواتهم إلى فيتنام، كلما زادت ضماناتنا، لأننا نشعر أنهم سيكونون فى متناولنا ، و بالتالى نستطيع أن نستنزف دماءهم . فعليك إذا أردت مساعدة الفيتناميين أن تشجع الأمريكيين على إرسال المزيد من قواتهم إلى فيتنام .
 
" إننا نريدهم هناك . فسوف يكونون على مقربة من الصين . وسيكونون  فى قبضتنا. سيكونون من القرب منا بما يجعلهم رهائننا " .
 
وكان من أبرز ما قاله شو تلك الليلة- حينما كان يتحدث عن انحطاط معنويات الجنود الأمريكيين- إن بعض هؤلاء الجنود يجرب الأفيون وإن الصينيين يساعدونهم على ذلك... ثم قال :
 
" إننا نساعدهم . إننا نزرع أفضل أنواع الأفيون خصيصا للجنود الأمريكيين في فيتنام " .
 
وتطلع إليه عبد الناصر ببعض القلق لكن شو استأنف حديثه قائلا : " هل تذكر حينما فرض الغرب الأفيون علينا؟ لقد حاربونا بالأفيون .... وسنحاربهم بسلاحهم . سنستخدم وسائلهم ضدهم . نريد أن يكون لهم جيش ضخم فى فيتنام ليكون رهينة لنا ونريد إضعاف معنوياتهم ، إن الأثر الذى سيحدثه إضعاف هذه المعنويات في الولايات المتحدة بالذات سيكون أعظم مما يتصوره  أي إنسان " .
 
وشعر عبد الناصر بأن شو ربما كان يبالغ بعض الشىء . ولكن الخطة كانت واضحة في ذهن شو. ولم يترك مجالا للشك في أنه ينوى أن يفعل بالضبط كل ما قاله بالحرف الواحد . بل إن تطورات الحوادث تثبت أنه فعله بأكثر مما كان يمكن أن يخطر على بال أحد .
 
---------------------
 
وفي نهاية 1965 قرر جونسون وقف الغارات على فيتنام الشمالية . وأرسل مبعوثين إلى مختلف دول العالم  لإبلاغ زعماء تلك الدول ما يرجو أن يحققه من وقف الغارات الجوية . وقد جاء أفريل هاريمان إلى مصركجزء من تلك المهمة وقابل عبد الناصر في 4 يناير (كانون الثاني) 1966.
 
ورافقت فترة وقف الغارات على فيتنام الشمالية حملة دعاية كبرى من الجانب الأمريكى، فتوقع عبد الناصر أن يسمع شيئا مهما عندما زاره هار يمان .
 
واستهل هاريمان حديثه بسؤال الرئيس عن رأيه فى فيتنام . ورد عبد الناصر بأن فيتنام مشكلة يريد أن يرى لها نهاية، لأن استمرارها ليس فى مصلحة أحد. وهنا سأله هاريمان عن مقترحاته بشأنها فأعطاه عبد الناصر إجابته ، لكن الحديث كله كان على مستوى ثانوى فاستمر الاجتماع  ساعتين دون أن يتمخض عن شيء إيجابي . ذلك أن هاريمان لم يأت بأى جديد ولم تكن لديه أية مقترحات. وتخلت حديثهما فترات من الصمت استمر بعضها بضع دقائق .
 
وأحس عبد الناصر فى قرارة نفسه وقال ذلك  بصراحة فيما بعد : مهمة هاريمان كانت من قبيل الاستعراض والتظاهر، وأنه أوفد حتى يكون في  وسع جونسون أن يقول إنه بحث في جميع أنحاء العالم عن سبيل إلى السلم فى فيتنام ".
 
وفي نهاية المحادثة قال عبد الناصر لهاريمان : " هل تعتقدون حقا أنكم ستهزمونهم ؟ إنكم ستنفذون رغبة عدوكم إذا زدتم من قواتكم فى فيتنام . والغريب أننى سمعت من شوبن لاى شيئا في هذا الصدد وأرى أنكم تنفذون المخطط الصيني بدقة .
 
ومضى ينبىء هاريمان بما قاله شوين لاى  حول رغبة الصين في إيفاد المزيد من الجنود الأمريكيين إلى فيتنام لكنه لم يخبر هاريمان بخطة شو لمحاربة الجيش الأمريكى بالأفيون .
 
وكانت تلك هى المرة الوحيدة خلال المحادثات التى أظهر فيها هاريمان اهتماماً حقيقياً بالحديث .
 
وبعد ذلك شعر عبد الناصر بأنه ربما لم يكن عليه أن يخبر هاريمان بخطط شوين لاى  فبعث برسالة إلى كل من شوين لاي وهوشى مينه ضمنهما ما دار فى الاجتماع .
 
والواقع أن شوكان قد أبرق في هذه الأثناء إلى عبد الناصر يسأله أن لا يقابل هاريمان لأن مهمته ليست سوى مناورة، لكن برقية شو وصلت بعد فوات الأوان ولم يكن عبد الناصر ليرفض- على أى حال- استقبال المبعوث الأمريكى .
 
وأطلع عبد الناصر شوين لاى على تفاصيل المقابلة وأوضح أنها لم تحمل جديداً ، ثم استدرك قائلا: " ولكننى يجب أن أعترف لك بأننى فعلت شيئا أرجو أن لا تعتبره خطأ.. فلقد أخبرته بما سمعته منك عن القوات الأمريكية في فيتنام وعن أن هذه القوات تضع نفسها في فخكم بنفسها " .
 
ورد شوين لاى قائلا : إنه كان يعرف أن زيارة هاريمان ليست سوى مناورة دعائية. ولكنه لايمانع إذا كان قد أطلع الأمريكيين على وجهته لأنهم " لن يتعلموا شيئاً . فقد صمموا على انتهاج طريق معين ولن يدفعهم شيئاً على الإطلاق أن يحيدوا عنه ".
 
----------------------
 
وفى أثناء محادثات عبد الناصر- شوين لاى  في يونيو (حزيران) 1965 مر فى القاهرة كل من الرئيس أيوب خان والرئيس سوكارنو. واجتمع الأربعة ذات ليلة وناقشوا الشئون الدولية. وكان أيوب خان أول من غادر مقر الاجتماع  وعندئذ قال سوكارنو :
 
" كفى  سياسة... انني سأغادركم ".
 
وتطلع إلى عبد الناصر وقال :
 
" يا أخى ناصر إننى أعرف أن عندكم- كما فى أى بلد- رجال مخابرات أكفاء وأعرف أنهم سيتتبعوننى ليعرفوا ما أنا فاعل . سأذهب لمشاهدة إحدى الراقصات، فلا حاجة لهم بملاحقتى وكتابة تقارير عن ذلك غدا ".
 
قال ذلك وسأل شوين لاى إذا كان يرغب في مصاحبته لمشاهدة الراقصة، لكن شوين لاى أجابه ضاحكاً :
 
" كلا .. إن تقارير المخابرات غدا ستفيد أننى: إما أمضيت الليل مع الرئيس عبد الناصر أو أمضيته في العمل ".
 
والواقع أنه لم يكن في زيارة شوين لاى أى وقت يقضيه فيما يدخل في عداد الترويح عن النفس . فقد كان يحس بمرارة بالغة تجاه الروس . ولما قال له عبد الناصر إن الاتحاد السوفييتي يساعد مصر، أجابه شوين لاى ملحا : " إنهم لن يساعد ونكم . إنهم لايهتمون إلا بمساعدة أنفسهم ".
 
وراح شوين لاي يروي الحكاية تلو الأخرى عن الطريقة التى سحب بها الروس فنييهم من الصين وحجبوا عنها مساعداتهم وعن المصانع التى لم تتم  وعن المشروعات الصناعية التى تخلى عنها الروس وكيف حاولوا شل تقدم الصين فى الميدان الذرى باستدعاء علمائهم وسحبهم منها وقال :
 
"  ومع ذلك ، فقد حققنا ما نريد وصنعنا القنبلة الذرية بأنفسنا ".
 
وكان شعوره بالمرارة بغير حدود. وقد كانت هذه المرارة هى التى أدت إلى أول سوء تفاهم بين عبد الناصر وشوين لاى .
 
--------------------
 
وفي نهاية 1965. عدما كانت الاستعدادات تتخذ لعقد المؤتمر الأفريقي – الآسيوي  الثاني . طلب الاتحاد السوفييتي الاشتراك فى المؤتمر باعتباره دولة آسيوية . لكن الصينيين عارضوا بشدة اشتراك الروس أعتقادا منهم، بأن الروس  سيحاولون تزعم الحركة الآفرو- آسيوية وهو مركز كان شوين لاى  يرى أنه من حق الصين وحدها . 
 
ولذا كتب إليه عبد الناصر مشيرا إلى أن الاتحاد السوفييتي  يضم مناطق شاسعة فى آسيا وأن الدول الافريقية- الآسيوية قد تفيد من وجود الروس فى المؤتمر.
ولكن شوين لاى كانت له وجهة نظر مخالفة تماما . فقد اعترض قبل كل شىء بأن أراضي روسيا الآسيوية انتزعت كلها من الصين ،  وثانيا بان الروس سوف يقحمون أحد معسكرى الحرب الباردة إلى المؤتمر.
 
وبلغت معارضة الصينيين لاشتراك الروس في المؤتمر حدا جعلهم  ينسفونه ... فقد أرجى أول الأمر ثم ألغى قبل ثلاثة أيام من الموعد المقرر لافتتاحه في مدينة الجزائر، حيث أقيم مبنى خاص في غابة الصنوبر ليكون مقراً للمؤتمر ،  ومن ثم لم ينعقد بعد ذلك . ونامت الحركة الأفرو- آسيوية .
 
ووجه شوين لاى إلى عبد الناصركتابا لم يترك فيه مجالا للشك في حقيقة موقف الصين . فقد جاء فيه: " إذا كان لابد من عقد المؤتمر فى موعده المقرر - خرقا لمبدأ الاجماع المبنى على المشاورات ، وبرغم معارضة الصين ومعارضة مملكة كمبوديا وغيرهما من الدول- فإن الحكومة الصينية ستجد نفسها مضطرة إلى الامتناع عن حضور مؤتمر كهذا، مما سيؤدى إلى الانقسام والفرقة " .
 
----------------------------
 
وكان قد حدث سوء فهم سابق بين شوين لاى  وعبد الناصر فى 1959 عندما دعى خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعى السوري - الذى كان قد هرب من سوريا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة- إلى حضور الاحتفال بالذكرى العاشرة للانتصار الشيوعى في الصين حيث أتيح له أن يهاجم الجمهورية العربية المتحدة فى اجتماع جماهيرى فى بكين وحيث قام شوين لاي بتقديمه إلى الجماهير بنفسه.
 
وردا على ذلك سحب عبد الناصر-  فى اليوم التالى- القائم بأعمال الجمهورية العربية في بكين وأغلق القنصلية الصينية في دمشق ،  ورد الصينيون بضرب الحصار على السفارة المصرية في بكين .
 
وكتب شوين لاى إلى عبد الناصر يسأله عما يمكن  عمله لرأب الصدع  فأجابه عبد الناصر بأنه لم يستطع أن يفهم كيف سمحت لخالد بكداش بأن يقف في اجتماع عام  ويهاجم الجمهورية العربية المتحدة وكيف أن شوين لاى بالذات هو الذى تولى تقديمه.
 
وكان رد فعل شوين لاى على ذلك لاسابقة لها. فقد اعتذرت الصين  للجمهورية العربية المتحدة  وبعد ذلك روى شوين لاى لعبد الناصر أن هذه هى المرة الأولى التى سمحت فيها الصين لنفسها أن تعتذر لأى فرد.
وتمت تسوية هذا الخلاف تسوية مثلى ، ولكن النزاع الصيني- الروسى  ترك آثاره  وندوبه على كل من تورط فيه.
 
-------------------
 
ففى ذات مرة ألقى الرئيس عبد الناصر خطابا تحدث فيه عن الثورة الثقافية فى الصين وقال :
 
" لابد لنا ذات يوم من ثورة ثقافية تنفض الصدأ عن  تنظيمنا وفكرنا السياسى " .
 
وفى أثناء زيارة قام بها الرئيس إلى موسكو بعد ذلك بقليل ، أشار أحد الزعماء الروس بذلك الخطاب قائلا:
 
" لقد لاحظت أنك تصادق شوين لاى . ولكن لماذا تكن مئل هذا الإعجاب للصينيين ؟ ".
 
ورد الرئيس : " إنه لإنجاز عظيم أن تقوم حركة ما بتغيير بلد في حجم الصين وأن تنتج أسلحتها الذرية بنفسها. وهو إنجاز عظيم بالنسبة إلى دولة آسيوية أن تكون تلك الحركة قد خلصت الصين من المجاعة وحركتها من جمودها وجعلتها من الدول العظمى وسارت بها إلى العصر الذرى . وأعتقد أن الذين حققوا ذلك- وخصوصا ماوتسى تونج- لابد أن يكونوا عظماء ".
 
وانتفض الزعيم الروسي عند سماعه مهاجما على الفور بقوله :
 
" لا... إن ماوتسى تونج ليس سوى رجل انتهازى . لقد أفاد من الظروف والأحداث لكنه لم يخلقها قط . ففى الحرب ضد اليابانيين  ترك عبء القتال كله على تشيانج كاى شيك أما هو فإنه لم يحارب . لقد ترك الحرب لتشيانج كاى شيك وفرإلى مقاطعة يينان . وعندما انسحب اليابانيون أمام ضغط قوات الماريشال مالينوفسكي الذى قام بتطويق نصف مليون جندى ياباني فإن الطريق إلى بكين أصبح مفتوحاً . وعندئذ بعث ماوتسى تونج إلى ستالين يسأل الإذن بالزحف على بكين فأذن له. وعند ذلك فقط  خرج ماوتسى تونج من مخبئه ".
 
واستطرد ذلك الزعيم الروسى قائلا لعبد الناصر :
 
" هل تعرف أن ابنيه كانا يعيشان فى الاتحاد السوفييتى وأن أحدهما يحمل اسما روسيا هو " يوري " لكنه لم يكن يعبأ بأمرهما ،  ومع أننا وفرنا لهما تعليما جيدا، فإن ماو كان من الجحود إلى درجة  أنه عندما عاد إلى الصين، بعد دخوله بكين استدعاهما إلى مكتبه وسألهما عما تعلماه .. ولما أجاباه ، قال إن كل ما تعلماه هو سخف وهراء ، وأنهما لم يتعلما شيئا . ثم أرسلهما إلى أحد الكميونات وكانت تلك إهانة موجهة إلى الاتحاد السوفييتى لأننا بذلنا أفضل جهدنا من أجل تعليم ابنيه "*
 
ورد عبد الناصر :
 
" وحتى لو فرضنا أن هذا هو الذي حدث ، وحتى لو جعلتم احتلال بكين سهلا عليه، فإنه سار قدما وحكم الصين وحقق إنجازات عظمى ".
 
وكان رد الروس على ذلك هو أنه كان يستند إلى تأييد حزب شيوعى قوي للغاية جعل الأشياء يسيرة بالنسبة إليه. ورد عبد الناصر بقوله إن ماو حارب حتى حزبه نفسه ،  فى أثناء الثورة الثقافية .
 
وهنا قال الروس :
 
" نعم... لكنه استخدم الجيش ضد الحزب ".
 
لم يكن المخرج من هذا النقاش سهلا. فقد كان المرء لايسمع من الصينيين سوى أسوأ الأوصاف عن الاتحاد السوفييتى ومن الروس إلا أسوأ الأوصاف عن الصينيين . وكان موقفا مستحيلا بالنسبة إلى من كان صديقا للطرفين .
 
وفي عام 1967 اتخذ الصينيون موقفا بالغ التشدد حيال قبول مصر لوقف إطلاق النار مع إسرائيل ، وكتب كل من ماو تسى تونج وشوين لاى إلى الرئيس عبد الناصر يحثانه على عدم القبول والمضى في القتال .
 
ورد عبد الناصر عليهما موضحا أن مصر فقدت جيشها وأن عدم قبولها بوقف إطلاق النار هو بمثابة إتاحة الفرصة للإسرائيليين لتدمير مصر بأسرها " بالتقسيط "  قطعة قطعة بينما تقف مصر عاجزة تماما حيال ذلك.
 
وهنا أرسل ماوتسى تونج إلى عبد الناصر خطة عسكرية تقوم على أساس تجزئة الجيش إلى ألوية مستقلة ، وأن تتغلغل هذه فى صفوف السكان على طريقة العصابات بحيث تعتمد في معيشتها على السكان المدنيين وتندفع  لتضرب الإسرائيليين حينما وحيثما تستطيع إلى ذلك سبيلا
 
واضطر عبد الناصر إلى أن يرد عليه بوصف كامل لطبيعة صحراء سيناء :
" إنها صحراء... ولا نستطيع أن نقود حرب تحرير شعبية في سيناه لأنها غير مأهولة بالسكان ". وقال للزعيم الصينى إن سيناء بأسرها ليس بها أكثر من ثلاثين ألف نسمة وأنها منبسطة وجرداء تماما ، بحيث يستطيع المرء أن يرى إلى مسافة ثلاثين أو أربعين ميلا. ولذا فإنه لن يكون للألوية المستقلة أى أمل أو فرصة هناك.
 
وفي ذلك الحين أخذ الإسرائيليون يهددون بأنهم قد يطورون أسلحة ذرية وأنهم سيستخدمونها إذا لم تنفذ الدول العربية مشيئتهم ". فكتب الرئيس عبد الناصر إلى شوين لاى- ذات يوم- مذكرا إياه بوعده بمشاطرة الصين لمصر معلوماتها النووية وأرسل وفدا من هيئة الطاقة الذرية المصرية إلى الصين لطلب المساعدة التى تمكن مصر من التقدم فى الوسائل وفنون الأسلحة النووية.
 
واستقبل شوين لاى أعضاء الوفد بكل مودة . وقال لهم إن النصيحة التى يوجهها إليهم والتى يطلب منهم نقلها إلى الرئيس عبد الناصر هى نصيحة بسيطة : وهى الاعتماد على النفس . فما من أحد يعطى أحدا شيئا هبة. وإذا كان المصريون راغبين في اقتحام الميدان الذرى فإن عليهم أن يفعلوا ذلك بالاعتماد على أنفسهم. فقد كان هذا هو السبيل الذى اتبعته الصين وكان أفضل السبل و أمثلها.
 
وهكذا عاد الوفد المصرى خاوى اليدين . وبالرغم من أنه لم تكن هناك أية ضغينة ضد الصينيين بسبب ذلك، فقد كانت هناك قطعا خيبة أمل في أنهم لم يساعدوا مصر على تطوير معلوماتها النووية .
 
----------------------
 
وقد كانت الخلافات بين زعماء الصين وعبد الناصر- حول وقف إطلاق النار، والمعلومات النووية- من نوع الخلافات بين الأصدقاء . فقد ظل هناك تفاهم أساسى مشترك بين الطرفين لموقف كل منهما . على أنه ما لبثت أن قامت بين مصر وا لصين أزمة أخفق كل من عبد الناصر وشوين لاى كليا فى تفهم موقف الآخر فيها.
 
ففى أثناء اجتماع للتضامن الأفرو- آسيوى في بكين، كان بين أعضاء اللجنة التى ألفت لاستقبال الوفود القادمة شاب صينى اسمه كوان يوشين ، وكانت مهمته تسهيل إقامة أعضاء الوفود ورحيلهم .
 
وتصادف أن سلم عضو في الوفد الياباني كان يريد مغادرة الصين جواز سفره إلى كوان لاستكمال بعض الإجراءات المتعلقة به. وكان الجواز قد ختم بتأشيرة الخروج ومرفقة بداخله تذاكر سفر صاحبه .
 
ونزع كوان صورة العضو الياباني عن الجواز وألصق مكانها صورته وركب الطائرة الوحيدة التى غادرت بكين ذلك اليوم . وتشاء الظروف أن تصل الطائرة إلى القاهرة حيث نزل منها كوان وطلب اللجوء السياسى !
 
وثارت ثائرة الدنيا كلها دفعة واحدة . وقفزت فى أتون المشكلة كل الأطراف الممكنة. وأرسل شوين لاى كتابا شخصيا إلى عبد الناصر يطلب فيه وضع الشاب الصيني الهارب فى أول طائرة عائدة إلى بكين بينما ادعى الأمريكيون أن كوان اتصل بإحدى ا السفارات الغربية وطلب اللجوء إلى الولايات المتحدة ،  وكان الأمريكيون يريدونه. وزعم الروس أنه اتصل بالسفارة الروسية وطلب تسفيره إلى موسكو ، وهكذا- وبكل براءة- وجدت مصرنفسها في خضم شجار عالمى كبير.
 
وازداد الأمر تعقيدا بالنظر إلى أن تقاليد اللجوء السياسي قوية للغاية في مصر، و ترجع هذه التقاليد إلى ما بعد غزو نابليون لمصر حينما أصبحت مستقلة عمليا عن الإمبراطورية العثمانية. وأخذ يؤمها الكثيرون من اللاجئين السياسيين من الشرق العربي .
 
كان معظمهم من المفكرين الذين اضطرتهم السلطات العثمانية إلى مغادرة بلادهم وقد منحهم خديوى مصر حق اللجوء تدليلا على استقلاله.
 
وكان أولثك المفكرون اللاجئون هم الذين نشروا مع نظائرهم فى مصر فكرة الوحدة العربية والذين أحيوا في العالم العربي النهضة الفكرية العربية في أواخر القرن الماضى .
 
 
من هنا فإن فكرة اللجوء السياسى عميقة الجذور وجزءا من سنة الحياة المصرية بحيث أن الدساتير المصرية كلها منذ ذلك الحين نصت صراحة في مادة منها  على حظر تسليم اللاجئين السياسيين .
 
وهكذا فقد وضع طلب شوين لاى أسترداد كوان يوشين عبد الناصر في مأزق رهيب . فلم يكن راغبا فى الإساءة إلى شو إلا أنه لم يكن في  وسعه أن يخرق تقليدا مقدسا كتقليد اللجوء السياسى ..
 
وادعى الصينيون أن كوان يوشين لم يكن لاجئا سياسيا بالمعنى الصحيح ، فقد غادر الصين يحمل بعض أسرار الدولة وبالتالى لم يكن جديرا بالحصول على حق اللجوء السياسى . وكان- فى نظرهم-  مجرما وجاسوسا.
 
ولكن لم يكن في وسع عبد الناصر حتى على هذه الأسس أن يخرق سنة التقاليد ذلك أنه حتى بعضاً من أعدائه الألداء كان قد منح  اللجوء السياسى إلى مصر.
 
وأصبح الموقف متفجرا.
 
وكتب عبد الناصر إلى شو لإيضاح وجهة نظره لكن الزعيم الصينى لم يتفهمها،
 
وفي تلك الأثناء طلب كوان يوشين مغادرة مصر.
 
كان الروس وراءه . والأمريكيون وراءه . فغضب الصينيون غضبا شديدا. فماذا يفعل عبد الناصر ؟
 
كان الحل الذى قام به هو أنه زج كوان فى السجن إلى أجل غير مسمى . لكن ذلك لم يرض الصينيين أيضا. فقد كانوا يريدون استرداده .
 
وبقى كوان فى السجن زهاء سنة ونصف سنة قبل أن يفرج عنه.
 
وأفاد آخر خبر مؤكد عنه أنه غادر القاهرة على متن طائرة اسكندينافية متوجهة إلى بروكسل .
 
----------------
 
وجاء سوء فهم آخر بسبب النصائح التى يمكن أن تقدم للمقاومة الفلسطينية... كان الصينيون يضعون أمامهم نموذج فيتنام وكان عبد الناصر يرى أن المقاومة الفلسطينية تستطيع أن تستلهم نموذج فيتنام ولكن لاتستطيع تقليده لاخئلاف الظروف.
 
فأولا: ليس في الشرق الأوسط مكان تصل فيه درجة كثافة السكان إلى الحد الذى يتيح لرجال حرب العصابات التغلغل والتستر بينهم .
 
وقال لهم إنه كان في الجزائر عشرة ملايين جزائرى فى مقابل نصف مايون جندي محتل . وفي فيتنام يبلغ تعداد السكان 40 مليونا بينما لا يتجاوز عدد القوات الأجنبية نصف المليون وبالتالى فإنه ليس فى مناطق نشاط الفداثيين في الشرق الأوسط مثل تلك النسبة ببن عدد السكان وقوات الاحتلال .
 
 
وثانيا : فقد قال لهم عبد الناصر إنهم يفتقرون إلى الملاجىء المنيعة الحقيقية، خلافاً للوضع في فيتنام والجزائر حيث تمتد مناطق منيعة بعيدة عن متناول العدو يستطيع الثوار أن يلجأوا إليها ليلعقوا جراحهم ويستريحوا ويتدربوا ويخططوا قبل أن يخرجوا منها لاستئناف القتال في الوقت والمكان اللذين يختارونهما. أما فى إسرائيل فليس ثمة مثل هذه المواقع . وكل مكان تقريبا فى متناول العدو.
 
وكان ذلك كله يتناقض كليا مع آراء الصين ..
 
وزاد عبد الناصر من ضيق الصينيين عندما اصطحب ياسر عرفات إلى موسكو حيث قام بتعريف زعيم فتح إلى كوسيجين وبريجنيف وبودجورني الذين كانت لهم تحفظاتهم تجاه حركة الفدائيين ولكنهم بدأوا بعد ذلك يقيمون الصلات معها .
 
أزعج ذلك الصينيين لأتهم كانوا يرغبون فى احتكار مساعدة حركات التحرير.
 
وسمع عبد الناصر أن الصينيين يقولون للفدائيين إن عبد الناصر يبيعهم للاتحاد السوفييتى . فتضايق هو الآخر بدوره-
 
وهكذا طلب من ياسر عرفات عندما زاره قبل توجهه إلى الصين أن ينبئ شوين لاى بأنه لا يبيع أحدا للاتحاد السوفييتي وأنه يفعل ما يراه الأفضل للمصلحة العربية العامة.
 
وحمل ياسر عرفات رسالة من شوين لاى يقول فيها إنه شديد الأسف لسوء التفاهم الذى قام بينه وبين الرئيس عبد الناصر وإنه يعتبر عبد الناصر قائد حركة التحرير الوطنية في العالم العربي وإنه كان خائفا عليه لأن الاتحاد السوفييتى لن يساعده ولأن الروس يتاجرون بالقضية العربية كجزء من صفقة عامة يعقدونها مع الولايات المتحدة .
 
وقال شو إنه- برغم سوء التفاهم- يحب الرئيس عبد الناصر ويحترمه، والدليل على ذلك أنه لم يستبق فى أثناء  الثورة الحقافية أى سفير صينى فى الخارج سوى سفير الصين فى القاهرة .
 
وانتهز عبد الناصر لهجة هذه الرسالة الودية وكتب يرد عليها فى محاولة لإعادة بناء الجسور مع الصين. كان ذلك فى الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر 1970 ركان الستار يوشك أن ينزل على المشهد الأخير فى حياة عبد الناصر وهو مشهد ألقى شوين لاى جزءاً من مسئوليته على السوفييت !

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية