Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 36
الأعضاء: 0
المجموع: 36

Who is Online
يوجد حاليا, 36 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

العراق
[ العراق ]

·الانبار ودورها المميز في وحدة التراب الوطني العراقي - د . موسى الحسيني
·التجربة الناصرية وتأثيرها في العراق حتى سنة 1970 -د. ابراهيم خليل العلاف
·مناضلين ......لا زالو خلف الاسوار.....عصمت سليم
· العراق الان.....تنهشة الذئاب والكلاب.......عصمت سليم
·العراق.. الكارثة مستمرة.. ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد
·العراق: بناء للنصف بدون سقف
·الجيش العراقي لن يكون جاهزاً قبل العام 2020!
·هل هي مجرد غلطة ؟
·وظائف شاغرة....مطلوب رئيس بمواصفات امريكية... ورضا اسرائيلى....عصمت سليم

تم استعراض
51370061
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 11 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل



 
عبد الناصر وإيرهارد
صدام في الظلام
 
دفع الرئيس جمال عبد الناصر ولودفيج إيرهارد، مستشار جمهورية ألمانيا الاتحادية دفعا إلى خصام لم يكن يقصده أحد منهما أو يريده .

 
وقد فوجى كل منهما بما حدث ولكن عبد الناصر واجه المشكلة كلها بشكل حاسم ... فقد كان غاضبا لأنه شعر بأنه قد خدع . أما إيرهارد فقد اندفع إلى الخصام  مترددا بعض الشئ ، ذلك أن الخصام لم يكن من صنع يديه... وكما قال أحد وزراء ايرهارد للسفير المصرى فى بون جمال منصور فقد " هدت الجدران من حول إيرهارد فجأة فانكشف أمام الناس عارياً وهو في الحمام ".
 
زاد الأمر سوءاً أنه لم تكن هناك حاجة لأى نزاع بين البلدين ، فقد ربطت بينهما تقليديا ، وشائج وعلاقات طيبة، ربما لم تكن حميمة ولكنها كانت من القرب بحيث خلقت بين البلدين إحساسا بأنهما تربطهما صداقة مريحة.
 
وكان العالم العربي معجباً بألمانيا وكان هذا الإعجاب ينبثق من عدد من الاعتبارات : فقد كان أول من عزل فيروس البلهارسيا عالما ألمانيا أطلق اسمه على الفيروس .. وكان هذا المرض لعنة محيقة بمصر. وكان أول من اكتشف معابد " أبي سمبل " عالم آثار ألماني . ثم كانت هناك تلك الثقة- التى تتمتع بها- الآلات الألمانية بشكل أسطورى .. وكان العرب معجبين بألمانيا - بشكل خاص- بسبب انضباطها وقوتها والطربقة التى بنت بها كيان وحدتها من مجموعة من الدويلات ذات لغة مشتركة وتراث مشترك ولكنها كانت عديمة القوة إلى أن التحمت أواصرها وانصهرت فى بوتقة الوحدة " الجرمانية ". وعندما  كان العرب يتدارسون طريقة تحقيق  وحدتهم كان بعضهم يتطلع أحيانا إلى القدوة الألمانية والنموذج الالماني .
 
وقد تصادف أنه في أثناء اننفاضتين وطنيتين في مصر- أى في غمرة الأحداث التى أدت إلى ثورة 1919 ثم في غمرة الغليان الذى بدأ سنة 1939- كانت ألمانيا تحارب نفس العدو الذى يحاربه المصريون .. فقد كان المصريون والألمان يحاربون البريطانيين .
 
وقد اتهمت مصر يوما بأنها موالية لهتلر... ولكن هذه التهمة ليست صحيحة بالمرة . فالواقع أن مصر وألمانيا وجدتا نفسيهما تحاربان عدوا واحدا الأمر الذى خلق بالطبع رابطة ما بينهما .
بل إن حتى الضباط المصريين الذى كانت لهم اتصالات مع ألمانيا كالرئيس أنور السادات ، لم يكونوا موالين للنازية. إنما كانوا- ببساطة- مناهضين للبريطانيين لا أكئر ولا أقل .
 
لا بل إن الضباط المصريين الذين كانوا يعملون لتحرير بلادهم لم يكونوا جميعا راغبين فى العون الألماني .
 
فقد كان رجال من أمثال الرئيس جمال عبد الناصر يخشون أنهم بالحماس لهتلر لن يفعلوا أكئر من أن يستبدلوا المحتل الألمانى بالمحتل البريطاني .
 
 
وهكذا بينما اعتقل الرئيس السادات بسبب اتصالاته مع الألمان ، فقد كان عبد الناصر يحرس المؤخرة البريطانية ضد الألمان في العلمين .
 
ولم يكن السادات الوحيد الذى فتح باب العلاقات مع الألمان ، فقد سبق للملك فاروق أن بعث بأحد أقربائه موفداً خاصا إلى هتلر. وقد قام هذا القريب ، - الذى كان ضابطا بالجيش- بالتوجه إلى سويسرا حيث اجتمع بمبعوثين ألمانيين أخذوه لمقابلة هتلر الذى حمله رسالة إلى فاروق .
 
وأجرى الملك فاروق اتصالا ثانيا بالألمان بواسطة حميه يوسف ذو الفقار باشا الذى ذهب لمقابلة الهر إيتل السفير الألماني فى طهران .
 
وكان فاروق يهدف من هذه الاتصالات لأن يحصل على وعد من هتلر بأن يمنح الألمان مصر الاستقلال إذا انتصروا في الحرب .
 
وقد جرت سلسلة من الوقائع فى مطلع 1942 عملت على المزيد من  التباعد بين المصريين و البريطانيين بيما زادت من التقارب بينهم والألمان . فقد أحس البريطانيون أن الألمان يعملون من خلال قنصلية فيشي الفرنسية فى القاهرة  فأمروا الحكومة المصرية بإغلاقها. وكان الملك فاروق فى رحلة صيد في البحر الأحمر فلم يعرف بالأمر إلا بعد عودته إلى القاهرة .
 
وغضب فاروق وأمر وزير خارجيته بالاستقالة، فقدم رئيس الوزراء استقالة وزارته كلها وخرجت إلى الشوارع  تظاهرات عارمة هتف خلالها طلبة الأزهر :
 
" تقدم يارومل .. إلى الأمام يارومل "
 
وكانت هذه المظاهرات- إلى جانب ارتياب البريطانيين فى نشاط  بعض الرعايا الإيطاليين الذى كانوا في مناصب حساسة بالقصر الملكى- بين دعاوى اللورد كيلرن الى تطويق قصر عابدين بالدبابات يوم 4 فبراير (شباط) المشهور وإلى إجبار فاروق على قبول مصطفى النحاس باشا رئيسا للوزراء .
 
ولكن حتى بعد مجئ النحاس إلى الحكم كانت ثمة أوضاع انحاز فيها المصريون إلى الألمان .
 
فقد كان من جملة الخطط التى أعدها  البريطانيون " من أجل الدفاع عن مصر" خطة كان البريطانيون بموجبها يعدون العدة لجعل منطقة الدلتا مستعصية على عبور الدبابات وذلك بواسطة فتح القناطر الخيرية وإغراق الأراضي الزراعية كلها .
 
وربما كان من شأن هذه الخطة أن تفلح فى وقف دبابات رومل ولكنها كانت ستؤدى- بالتأكيد إلى دمار الزراعة المصرية. ومن هنا فقد وجهت الوزارة المصرية رسالة  رسمية إلى محافظ الإسكندرية- عبد الخالق حسونة باشا- تأمره فيها بأن يتوجه  ويسلم مفاتيح الإسكندرية إلى رومل إذا زحف عليها وذلك تفاديا للقتال وإغراق منطقة الدلتا.
 
ولكن ألمانيا انهزمت وصدمت مصر لما حل من دمار بالأمة التى كانت مصدرا لقسط كبير من إعجابها. وقد هال المصريون الذين ذهبوا إلى برلين بعد الحرب مدى ما كان يمكن المرء أن يشتريه مقابل سيجارة.. فقد كانت السيجارة تشترى أى  شيء !!
 
ومن ثم فقد تضاعف الإعجاب بألمانيا فى مصر عندما بدأت تراقب معجزة الانتعاش الاقتصادى الألماني.
 
----------------------
 
وقد كانت هذه هى الخلفية من العلاقات الطيبة التقليدية ومن وحدة النضال ضد العدو الواحد ومن الإعجاب المتجدد التى وجد الرئيس عبد الناصر نفسه يواجه إزاءها أولى مشكلاته السياسية الكبرى بعد الثورة .
 
وكانت ألمانيا الغربية قد وقعت فى ديسمبر (كانون الأول) 1952 اتفاق  تسوية التعويضات مع إسرائيل الذى وافقت بموجبه أن تدفع للإسرائيليين مبلغ ثلاثة مليارات دولار فى مدى 12 عاما.
 
وكانت الحجة فى تبرير ذلك الاتفاق : التعويض عن الجرائم النازية . ولكن العالم العربي اهتز وصدم صدمة بالغة من جرائها . ذلك أن الأثر المترتب عليها سيتمثل فى تقوية عسكرية واقتصادية لإسرائيل التى لم يكن النازيون قد مسوها بسوء لأنها لم تكن قد قامت إلى الوجود عندما كانوا يحكمون ألمانيا . وقد أوضح عبد الناصر فيما بعد للدكتور إيرهارد  وجهة النظر العربية بقوله : " ما الذى يحتم أن  ترث إسرائيل الضحايا اليهود الذين لقوا حتفهم على يد النازيين؟ إننا نفهم أن تكون ثمة تعويضات شخصية لأفراد وعائلات منفردة من اليهود ولكن ما هو المبرر فى إعطاء أموال التعويضات لإسرانيل؟ ثم إنه ليس هناك من دليل على أن اليهود الناجين من ألمانيا النازية ذهبوا إلى إسرائيل . ذلك أن معظمهم هاجر إلى أمريكا وأوروبا الغربية " .
 
لقد رأى الرئيس عبد الناصر فى التعويضات حقنة تقوية كبرى لإسرائيل ولكن لم يكن هناك ما يستطيع أن يفعله بشأنها . فقد كان منهمكاً بأشياء أخرى كما أن ألمانيا كانت في ذلك الحين تنتهز كل فرصة  ممكنة لعقد وشائج الصداقة مع مصر .
 
وهكذا فبالرغم من أن جامعة الدول العربية كانت تحس بمرارة شديدة تجاه التعويضات الألمانية لإسرائيل فإنه لم يكن هناك شيء يمكن عمله.
 
غير أن عبد الناصر دهش للغاية عندما أثار القضية مع السفير الألمانى عندما قال له :
 
" يجب أن تدرك ،  يا سيادة الرئيس ، أن هذه ليست بالإرادة الألمانية... فألمانيا تصرفت وفق الأوامر التى أملاها عليها الحلفاء، وأمريكا بصفة خاصة وبجب أن لاتنسى أن ألمانيا محتلة " .
 
ولكن لم يكن فى وسع عبد الناصر أن يجد أى مبرر لخضوع ألمانيا لإسرائيل .
 
وفى سنة 1960 جاء إيرهارد- صاحب المعجزة الاقتصادية الألمانية الى القاهرة وكان لم يزل بعد نائب المستشار الألماني ( أديناور) وقد أثارت شروح إيرهارد عن كيفية تحقيق تلك المعجزة خيال عبد الناصر. وقد خلص عبد الناصر بعد أن ناقشها مع إيرهارد إلى أنها معجزة لايمكن أن تتكرر لأنها وليدة مهارة شعب معين... وإلى أن ما جعل ألمانيا تنهض من الأنقاض وتزدهر من جديد لا يكمن في صيغة أو معادلة سحرية، إنما يكن فى العنصر الإنسانى، وتصميم الشعب على النجاح وتحقيق المعجزة .
 
 
 
وقد تحدث إيرهارد كذلك عن رغبة ألمانيا فى توطيد علاقاتها الطيبة مع العالم العربي ، ورد عبد الناصرعليه بأنه هو أيضا مهتم بإقامة علاقات طيبة مع الألمان " ذلك أن علاقاتنا مع البريطانبين ليست طيبة وكذلك علاقاتنا مع الفرنسيين غير طببة أما علاقلاتنا مع الأمريكيين فسيئة جداً ... إلا أننا- على كل حال- نحاول أن نبنى جسرين منفتحين على الغرب وهما :  ايطاليا وألمانيا... ونحن نعتقد أنه فى وسع ألمانيا أن تساعدنا على الحفاظ على علاقاتنا مع الغرب لأن هناك معينا مشتركا من حسن النوايا بيننا ".
 
ومضى عبد الناصر يتناول قضية الأسلحة الألمانية إلى اسرائيل وأبلغ إيرهارد بأن مصر تتلقى تقارير تفيد بأن الألمان يمدون الاسرائيليين بالاساحة وأنه لايصدق هذه التقارير رغم أنه هناك أشياء- وملابسات غريبة تجرى- تستحق التأمل .
 
وروى لإيرهارد أنه تلقى فى نهاية 1957 تقريرا من اسرائيل يفيد بأن  بن جوريون قد تحدث عن احتمال الحصول على أسلحة من ألمانيا . وقد استقال وزيران إسرائيليان في ذلك الحين من الوزارة وقيل إنهما قد أجبرا على الأستقالة لأنهما أفشيا أسرار وزارية ولكن المعلومات التى تلقاها عبد الناصر تفيد بأنهما قد استقالا لأسباب معنوية وأدبية على أساس أن وجهة نظرهم كانت أنه لم يكن ينبغى على إسرائيل أن تقبل الأسلحة التى سبق أن استخدمت فى قتل اليهود...
 
ورد بن جوريون على حججهما بأن قضية الحصول على السلاح ليست بالقضية الأخلاقية أو الأدبية.
 
-------------------
 
وكان الرئيس عبد الناصر قد فاتح همرشولد فى هذا الشأن أثناء أحد اجتماعاتهما.
 
وفى يناير (كانون الثانى) 1958 أبلغ همرشولد عددا من السفراء فى الأمم المتحدة- ومنهم السفير السوفييتى والسفير المصرى- بأنه قلق من التلميحات التى  تشير إلى أن إسرائيل تحصل على السلاح من ألمانيا لأن من شأن ذلك أن يزيد من تعقيد قضية معقدة لاتحتاج إلى مزيد من التعقيد .
 
وإثر ذلك أصدرت الحكومة الألمانية بيانا قالت فيه : " إن حكومة ألمانيا الاتحادية لاتنوى- الآن أو فى المستقبل- أن تبيع أى أسلحة لإسرائيل " ذلك أنه من شأن هذا التصرف أن يكون عملا يخالف تماما سياسة الحكومة الألمانية التى تقضى بعدم إرسال أسلحة إلى أى بقعة في العالم تعاني من التوتر .. "
 
وجاء فى البيان : " أن حكومة ألمانيا الاتحادية تنظر بدهشة إلى البيانات المعزوة إلى رئيس وزراء إسرائيل بن جوريون وغيره ، والقائلة إن إسرائيل ترغب فى الحصول على غواصات وغير ذلك من الأسلحة من ألمانيا. إن حكومة ألمانيا الاتحادية مقتنعة بأنها لآتستطيع - شرعيا ودستوريا وسياسيا- أن تصدر السلاح إلى الشرق الأوسط ".
 
ومضى البيان إلى الإشارة إلى أن اتفاق التعويضات يستبعد نصا وبالتحديد كل إشارة إلى الأسلحة فى المواد التى تدفع بها ألمانيا التعويضات .
 
وقد كان التكذيب قاطعا إلى حد حمل الجميع على تصديقه. ولذا فإن عبد الناصر لم يدخل فى تفاصبل الموضوع عندما فاتح به إيرهارد ولم يركز عليه تركيزا كبيرا . فقد كان التكذيب الألماني فى منتهى الوضوح ، كذلك استبعد إيرهارد الموضوع  كله وتقرر إسقاطه من الحساب .
 
---------------------
 
وبعد شهرين فقط من اجتماع عبد الناصر مع إيرهارد قابل المستشار كونراد أديناور بن جوريون فى نيويورك حيث قام غلاة اليهود بمظاهرات جامحة ضد أديناور إلى حد أن بن جوريون اضطر إلى التسلل من الباب الخلفى ليقابل الزعيم الألمانى .
 
ولم تعلم مصر بثفاصيل ما دار فى ذلك الاجتماع إلا بعد زمن طويل عندما بدأ الألمان يفسرون مسلكهم للرئيس عبد الناصر فقد قال الألمان : إن بن جوريون أبلغ أديناور أن فرنسا- التى كانت تمد إسرائيل بالأسلحة- بدأت تغير من سياستها فى عهد ديجول وكانت بريطانيا تلعب دور المرائي ، بينما لاتزال الولايات المتحدة تتردد فى تزويد إسرائيل بالأسلحة .
 
وهكذا- على حد ما قاله بن جوريون لأديناور آنذاك- فإن على ألمانيا إذا أرادت حقا أن تعوض اليهود عما حل بهم فى معسكرات الاعتقال ، أن تمد اليهود- الذين حاول الالمان إبادتهم- بوسائل الدفاع عن أنفسهم ضد محاولة أخرى يحسون بالخطر أمامها.
 
ولم يلتزم أديناور بأى شىء فوراً ولكنه قال إنه سيفكر فى الأمر ويبحثه مع زملائه . وطرح الموضوع بالفعل أمام الوزارة الألمانية ولكن هذا الاقتراح لم يرض أعضاء مجلس الوزراء الألماني .
 
وعندما قابل بن جوريون الرئيس أيزنهاور وطلب منه أن يؤيد إسرائيل في موضوع الحصول على السلاح من ألمانيا قال له الرئيس الأمريكى بأن القضية تستلزم بحثا مترويا دقيقا بسبب ما تنطوى عليه من مضاعفات محتملة.
 
وواصل الإسرائيلون الضغط على الألمان وظل أديناور يقاوم ويصد ضغطهم إلى أن قابل الرئيس كنيدى في نوفمبر ( تشرين الثاني) 1961.
 
وكان أديناور ينوى- قبل ذلك اللقاء- أن يثير مشكلة تزويد إسرائيل بالأسلحة نظراً إلى الضغط الساحق الذى كان قد بدأ يتعرض له من الإسرائيليين ولكن قبل أن يفتح أديناور الموضوع قاطعة الرئيس كنيدى وقال له إنه يعرف أن الإسرائيليين قد طلبوا منه السلاح وقال إنه بود الولايات المتحدة أن تعطيهم ما يريدون ولكنها لا تستطيع ذلك في الوقت الحاضر بسبب محاولته للتقرب من الرئيس عبد الناصر وروابط الولايات المتحدة مع الدول العربية الأخرى . وأضاف كنيدى بأنه سيكون شاكراً اذا عقد الألمان صفقة تزويد إسرائيل بالسلاح وجنبوا إدخال الولايات المتحدة فى الموضوع .
 
وبدأ أديناور يثير بعض الاعتراضات الضعيفة بقوله إنه يدرك مشكلة الإسرائيليين ولكن الألمان لهم أيضا روابطهم مع العالم العربي .
 
وعلم عبد الناصر بكل هذه التفاصيل فيما بعد عندما سمع بها جيرستنماير الذى أوفده- إيرهارد الى الرئيس عبد الناصر. وكان ماير- وقتذاك- رئيس البرلمان الألماني .
 
وروى ماير لعبد الناصر أن كنيدى أصدر عمليا الأمر لأديناور بأن يمد اسرائيل بالأسلحة.
 
وهكذا رتبت الصفقة وتقرر بموجبها أن تحصل اسرائيل على اعتماد بستين مليون دولار تستطيع بواسطته الشراء من أى مكان .
 
وكان من ببن الأسلحة الى اشترتها إسرائيل بذلك الاعتماد غواصتان بريطانيتان و 400 دبابة من طراز باتون و 200 حاملة جنود مصفحة و 72 مدفعا من عيار 105 ملم و 6 قوارب طوربيد وعدد من الطائرات الأمريكية المقاتلة النفاثة من طراز ف- 84 وعدد من الطائرات الإيطالية المقاتلة النفاثة من طراز ج 91 بالإضافة إلى طائرات نقل فرنسية من طراز "  نور اطلس " و 15 طائرة هليكوبتر.
واشترى الإسرائيليون كذلك 200 مدفع سريع الطلقات من عيار 40 ملم ( وهى مدافع يوجه الرادار بطارياتها).. بل إنهم حاولوا شراء دبابات من طراز ليوبارد (الفهد) وهى دبابات من طراز جديد كان الألمان قد بدأوا في  تطويره .
 
---------------------
 
وعلى كل حال- وبرغم احتياطات كنيدى وضماناته- فإن قصة هذه الصفقة بدأت تتسرب... و بدت فى الأفق دلاثل علاقة من نوع خاص بدأت تقوم ببن إسرائيل وألمانيا . فقد تعاقدت ألمانيا مع إسرائيل على شراء مدافع " أوزى " الرشاشة الإسرائيلية وعلى شراء ملابس للجيش الألمانى من إسرائيل .
 
وقد أثارت رشاشات أوزى الإسرائيلية فضيحة كبرى في اجتماع لمنظمة الوحدة الأفريقية حيث عرض بعض هذه الرشاشات رئيس حركة تحرير أنجولا...
 
وتبين أن هذه الرشاشات بيعت أولا إلى الألمان الذين قاموا ببيعها إلى البرتغاليين الذين استخدموها ضد حركة التحرير فى أنجولا...
 
وفي فضيحة أخرى تتعلق بأسلحة " أوزى " كذلك تعاقدت الحكومة السودانية مع الألمان على شراء رشاشات ألمانية وعندما وصلت شحنة الرشاشات الألمانية إلى الخرطوم تبين أنها رشاشات أوزى الإسرائيلية.
 
وهكذا بدا واضحا أن هناك شيئا ما يجرى .. وأن هناك علاقة مشبوهة بين ألمانيا و اسرائيل . وفى مستهل 1964 بدأ الملحق العسكرى المصرى فى بون يبعث بتقارير عن مدى التعاون بين ألمانيا وإسرائيل .
 
أما ذلك الملحق العسكرى فلم يكن سوى الفريق أول محمد أحمد صادق - نائب رئيس الوزراء ووزير الحربية الحالى- وقد اكتشف معظم تفصيلات الصفقة السرية بين إسرائيل وألمانيا .
 
وقرأ الرئيس عبد الناصر تقاريره ، ولكنه كان متعجباً من أن الصفقة فى مثل الضخامة التى تتحدث عنها تقارير صادق .
 
ولكن الحقيقة فى الواقع كانت حتى أضخم من ذلك... لأن الأسلحة اشتريت بتزيلات هاثلة في الأسعار. فمثلا باع الأمريكيون دبابات " الباتون " بسعر بخس للغاية بحيث أن اعتماد الستين مليون دولار الذى فتحته ألمانيا لإسرائيل اشترى للإسرائيليين من الأسلحة ما يبلغ ضعنى أو ثلاثة أضعاف ما كان يمكن أن تشتريه بالأسعار العادية.
 
 
 
وبدأت الصفقة تصل إلى أسماع السفارات العربية الأخرى  فى بون وبدأت هـذه السفارات تبلغ حكوماتها بالأمر كما وصلت قصة الصفقة إلى مكتب الجامعة العربية فى بون وهكذا تقرر أن يعقد مجلس الجامعة العربية اجتماعا لبحث هذه التقارير.
 
ومع كل ذلك ظل عبد الناصرمترددا فى أن يأخذ هذه التقارير بحرفيتها، وكان يتصرف كما لو كان يكاد لا يريد أن يتصور إمكانية دقة هذه التقارير.
 
وربما كان هذا التردد هو السبب الذى جعل رد فعله بهذا العنف عندما أدرك فى النهاية حقيقة ما حدث وكان يشعر بشكل ما أنه أحسن الظن بأكز مما ينبغى ، ومن ثم فإن رد فعله إزاء تكشف الحقانق كاملة كان عنيفاً .
 
--------------------
 
بدأ الوضع يتدهور بسرعة مقلقة في نهاية 1964. فقد كانت الأسلحة تتدفق على إسرائيل نتيجة الصفقة المعقوة مع ألمانيا وبدأت الاحتجاجات العربية تتصاعد وتتعالى . وهكذا سارع إيرهارد- الذى كان قد خلف أديناور كمستشار لألمانيا الغربية- إلى إيفاد جيرستنماير لإيضاح الوضع لعبد الناصر .
 
ولكن الرئيس كان منهمكا في شئون أخرى . فقد كان خروشوف قد سقط وبدأ عبد الناصر يعيد دراسة سياسة مصر الخارجية بأسرها.
 
وعندما وصل ماير، لم يكن عبد الناصر قد قرأ بعد الملف الكامل لقضية الأسلحة الألمانية ولم يكن يدرك المدى الحقيقى الذى وصلت إليه الأسلحة وبالتالي فإنه لم يشدد على ماير إنما تحدث عن أخطار إمداد الإسرائيليين بالأسلحة وعن الإشاعات التى تناهت وتتناهى إليه، وعن اعتصامه بالتحفظ رغم ذلك .
 
وكان هناك عاملان يتحكمان فى موقفه : فقد كان عازفا عن إثارة أزمة مع ألمانيا فى وقت كان يعيد فيه تقييم سياسة مصر الخارجية، وكان يخشى أن بعض المعلومات التى كانت تصل إلى الجامعة العربية عن الأسلحة مبالغاً فيها..
 
وأقر ماير للرئيس بأن هناك صفقة أسلحة وصفها بأنها خطيئة... وقال إنها فرضت على ألمانيا، وأنها تجابه معارضة ضدها في ألمانيا.
 
وسأله عبد الناصر:
 
- ما الذى يدفعكم لقبول الابتزاز الإسرائيلى وتهديدهم لكم؟ "
 
وكنت قد اجتمعت إلى ماير قبل مقابلته للرئيس وحنرته من أنه سيواجه وقتا عصيبا ولذا كان مستعدا لرؤية الرئيس غاضبا كل الغضب على ألمانيا...
 
ولكنه بعد المقابلة وفى حفلة غذاء فى بيت السفير الألماني حضرها الرئيس السادات- وكان وقتذاك رئيس مجلس الأمة- وحضرتها أنا ، كان انطباع ماير أنه تلقى من التوبيخ أقل مما يتوقع وهكذا عاد إلى بون وهو يشعر بأنه يمكن حصر القضية كلها.
 
إلا أنه سرعان ما خاب ظنه. ذلك أن الرئيس عبد الناصر كان قد طلب الملف الكامل لصفقة الأسلحة الألمانية ولم يتسع له الوقت لمطالعته قبل وصول ماير فلما اتسع وقته لدراسته، بعد يومين أو ثلائة حتى عودة ماير إلى بون، انفجر المرجل... فاستدعى الرئيس السفير والملحق العسكرى المصرى من بون واستمع بضيق متصاعد إلى روايتهما له عن القوة العسكرية التى تحقن بها ألمانيا الغربية إسرائيل . وفى تلك اللحظة بالضبط  دخل إلى القصة عنصر جديد كليا كورقة جوكر ألقيت على ماثدة القمار...
 
فقد كتب الهر فالتر أولبريشت- زعيم ألمانيا الشرقية- يبلغ عبد الناصر  فى رسالة ودية جداً أنه مريض وأن أطباءه قد أشاروا عليه بالذهاب الى بلد دافىء للاستشفاء وأن بعض أطبائه ذكر أسوان باعتبارها أكثر ما يلائمه مناخا.
 
وتساءل أولبريشت إذا كان بوسعه أن يأتى إلى مصر ويقضى بضعة أيام فى اسوان ؟
 
فى ذلك الحين كانت العلاقات بين مصر وألمانيا على المستوى القنصلى فلم تكن مصر قد اعترفت بعد بألمانيا الشرقية كدولة مستقلة وكان ذلك لأن عبد الناصر كان يرغب في أن برى ألمانيا تتحد من جديد، وكان يعتقد أن مثل هذا الاعتراف ليس من شأنه أن يساعد على ذلك بل إنه قد يؤكد بذلك وجود دولتين ألمانيتبن .
 
وبغض النظر عن ذلك كله، فكيف كان يسعه أن يرفض طلب صديق يريد قضاء عطلة لبضعة أيام في شمس مصر الدافئة ؟
 
وهكذا كتب إلى أولبريشت موافقا على زيارته.
 
وقد قيل دائما فى ألمانيا الغربية إن دعوة عبد الناصر لأولبريشت إلى مصر كانت بمثابة تأنيب متعمد لألمانيا الغربية كما كانت ردا محسوبا بدقة على صفقة الأسلحة التى عقدتها بون مع إسرائيل .
 
ولكن الأمر لم يكن كذلك إطلاقا.. فقد كانت المبادأة من طرف أولبريشت وحده وكانت الغاية منها محض طبية ولم تكن سياسية.
 
وعلى كل حال فقد كتب لتلك البداية البريئة أن تتمخض عن أزمة كبرى .
 
فقد كتب أولبريشت رداً قال فيه انه يود أن يأتى إلى مصر فى فبراير (شباط) إذا كان ذلك يوافق الرئيس. ووافق الرئيس ، ووضعت ترتيبات الزيارة ، ومن ثم نشر في صحف ألمانيا الشرقية خبر صغير مفاده أن أولبريشت سيقضى عطلة في مصر.. وهنا قامت قيامة الألمان الغربيين .
 
فقد اتهموا عبد الناصر بأنه لم يدع أولبريشت إلا بسبب استيائه من صفقة الأسلحة..
 
وكالعادة رد عبد الناصر.
 
ورد الضربة للألمان الغرببين بتغييره زيارة أولبريشت من زيارة غير رسمية للاستشفاء إلى زيارة رسمية.
 
------------------------
 
واتسمت سلسلة الأحداث التى تلت ذلك بلمسة قدرية حتمية لافرار منها.
 
فقد كتب أولبريشت إلى عبد الناصر فى 27 يناير (كانون الثاني) يشكره على دعوته التى كان خبرها قد نشر الآن رسميا.
 
وفى اليوم التالى استدعى إيرهارد مجلس وزرائه إلى اجتماع خاص أصدر فيه بيانا بإبداء الأسف على الزيارة واستنكارها وعقدت فى مختلف أرجاء ألمانيا الغربية اجتماعات سياسية لمناقشة هذه الزيارة  فقد كانت هذه أولى زيارة يقوم بها أولبريشت خارج الكتلة الشرقية . وكانت تستهدف الشرق الأوسط الذى كان يشهد الكثير من الأحداث . ومن ثم فقد ساد الاعتقاد بأن هذه الزيارة ستكون لها عواقب خطيرة للغاية.
 
وبدأ إيرهارد يبعث برسائل شفهية إلى عبد الناصر يبلغه فيها أنه كان مجبرا على إثارة الضجيج بشأن القضية. كما أنه أبلغ الرئيس المصرى في رسالة أخرى أنه قال للرئيس جونسون بعد عودة جيرستنماير من القاهرة إنه يريد وقف صفقة الأسلحة مع إسرائيل ولكن جونسون أجبره على الاستمرار فيها قائلا أن إسراثيل ستواجه أخطارأ شديدة إذا توقفت ألمانيا في منتصف طريق ولم تنه الصفقة .
 
وكان السفير الألماني في القاهرة  قد استدعى إلى بون لإجراء مشاورات مع حكومته- حتى أنه اشترك فى أحد الاجتماعات الوزارية. ووزع تقريره على جميع زعماء أحزاب الائتلاف الذى يشكل الوزارة- وقد قال السفير للرئيس عبد الناصر:
 
" يا سيادة الرئيس.. نحن لسنا مثلكم .. أنتم أمة مستقلة أما ألمانيا فليست مستقلة " ورفض عبد الناصر أن يسمع هذا الكلام وقال :
 
" مع كل طاقتكم الاقتصادية تأتون إلينا نحن الأمة النامية وتقولون إنكم غير مستقلين؟ إننا نحاول أن نقترض الأموال منكم ونحاول الحصول على المهارات الفنية من عندكم  ثم تأتي مع ذلك وتبلغنى أنكم غير مستقلين؟... هذه حجة لن أقبل ولن أسلم بها " . وكان هذا الغضب من جانبه جزءاً من رد فعله بسبب تأخره في الانفعال بالتقارير التي تتحدث عن مساعدات ألمانيا الغربية لإسرائيل فقد شعر بأنه قد خدع . وقال مبررا انفعاله: إنه من ناحية المنطق  فلم يكن هناك أى سبب على الإطلاق يدعو الألمان إلى مساعدة الإسرائيليين وإن تأخره  فى رد الفعل هو مثال تقليدى على خطأ الاعتماد على المنطق فى السياسة ".
 
وعندما بلغت الأمور هذه المرحلة من التأزم أخذ الألمان يتطلعون تواقين إلى مخرج من الأزمة التى تردت فى دركها علاقاتهم مع العالم العربي .
 
وكانت أزمة ذات رأسين : الأسلحة وأولبريشت. فالمصريون كانوا يكرهون أن يروا الأسلحة الألمانية فى إسرائيل ، والألمان كانوا يكرهون أن يروا أولبريشت فى مصر..
 
وبالرغم أنه من الصعب أن يوصف ألمانى بأنه كان ، " يهرول " فإنه يمكن القول فعلا إن الديبلوماسيين الألمان كانوا يهرولون حيرى فى مختلف أرجاء العالم باحثين عن مخرج من مأزقهم مع مصر .
 
وكان إيرهارد يبحث عن وسيط فوجد الجنرال فرانكو.. وكان ذلك لأن فرانكو لم يعترف قط بإسرائيل .
 
ووافق فرانكو على القيام بالوساطة وأوفد  رسولا إلى عبد الناصر يحمل خطة لتسوية النزاع .
 
وبموجب تلك التسوية قال الألمان إنهم مستعدون لأن يصرحوا علنا بأن الصفقة قد انتهت . ولكن لما كان قد بقي من الاعتماد المفتوح لإسرائيل مبلغ من المال فقد اقترحوا أن يسلموه إلى الإسرائيليين ليفعلوا به ما يشاءون .
 
----------------
 
ولما أصدر عبد الناصر أوامره بإعلان شروط هذه التسوية فى مجلس الأمة جاء دور الإسرائيليين ليستشيطوا غضبا.
 
وهكذا اتهموا إيرهارد بأنه زحف على ركبتيه أمام عبد الناصر. أما إيرهارد الذى كان يرغب  فى أن يجسم أمام أنظار العالم العربى أنه أوقف صفقة السلاح ، فقد استدعى رئيس لجنة الشراء الإسرائيلية في بون لمقابلته وأبلغه النبأ شخصياً .
 
واجتمعت الحكومة الإسرائيلية وأعلنت أنها تعتبر أنها قد دخلت فى تعاقد ملزم مع ألمانيا وبالتالى فيتحتم على ألمانيا أن تطبقه وتنفذه كله..
 
ولكن بعد يوم واحد من إعلان التسوية عاد الرسول الأسباني لمقابلة عبد الناصر وقال له إن إبرهارد يريد إلغاء زيارة أولبريشت لمصر.
 
ورد عبد الناصر:
 
" كيف يمكننى ذلك؟.. يريدوننى أن ألغى زيارة أولبريشت لأنها تسيؤهم ولكنهم في الوقت ذاته يمدون الإسرائيليين بالأسلحة التى سيستخدمونها لقتلنا ... إننى أريد أن أضايقهم ولكن المقارنة غير واردة  بين ما فعلوه بنا وما فعلناه بهم ردا عليهم ... ليس هذا من الإنصاف فى شىء... أنأ أضايقهم فقط وهم يقتلوننا...".
 
على أن إيرهارد ظل يلح على عبد الناصر لإلغاء الزيارة وارتكب بذلك خطأ جسيما... و دعا عبد الناصر إلى زيارة بون وقال السفير الألماني للرئيس عندما كان يوجه إليه الدعوة أن بون تتوقع زيارة الملكة اليزابيث فى الربيع وأنه مما يسر ألمانيا كل السرور أن تفرش البساط الأحمر لعبد الناصر قبل أن تفرشه للملكة اليزابيث.
 
ولكن هذا التملق كان كريها على قلب عبد الناصر فأجاب:
 
" اننى لا يساورني أى اهتمام بالسير على البساط الأحمر قبل الملكة اليزاييت فأنا لا أتنافس معها ".
ورفض عبد الناصر أن يزور بون وقال إنه من الخطأ أن تعطى ألمانيا بقية المبلغ الذى لم ينفق على السلاح، كما رفض إلغاء زيارة أولبريشت.
 
وفى أثناء ذلك كان أولبريشت قد بدأ يجنى بعض الثمار السياسية من الوضع . فوقف فى برلمان ألمانيا الشرقية وقال ان دعوته إلى القاهرة هى شرف كبير له بل إنها أكبر تكريم لقيه في حياته. وناشد في بيانه ايرهارد بأن يحافظ على كرامة الشعب الألمانى ويوقف الصفقة الألمانية المعقودة مع إسرائيل ..
 
 
 
عند ذلك دب الرعب فى قلب إيرهارد من أن تؤدى زيارة أولبريشت إلى اعتراف مصر بألمانيا الشرقية وإلى اقتداء بقية دول العالم العربي بمصر فى ذلك . وهكذا حاول أن يفعل شيئين : أولا: العمل على إلغاء الزيارة  وثانيا : عزل مصر عن بقية العالم العربي .
 
وفي سياق ذلك أرسل ايرهارد خطابا إلى بن بيللا يقول فيه إنه يرجو منه أن لايقتدى بالقاهرة إذا قرر عبد الناصر الاعتراف بألمانيا الشرقية. وقال ان المانيا الغربية تمد القاهرة بالمساعدة وأنه سيأمر بوقف هذه المساعدة وتحويلها إلى الجزائر فى حالة ما إذا أقدم عبد الناصر على الاعتراف بألمانيا الشرقية .
 
ورد بن بيللا قائلا للسفير الألماني إنه يعتبر ذلك رشوة لا يمكنه قبولها .
 
ثم أرسل برقية إلى عبد الناصر ينبئه فيها بعرض إيرهارد .
 
كان عبد الناصر فى أسوان عندما تلقى البرقية فنهض على قدميه وتلاها فى  خطبة علنية معلقا عليها بقوله: " هذه رشوة رخيصة ".
 
وبدأ إيرهارد المسكين يتعثر، وكان كل شيء ينفجر فى وجهه كلما تحرك كأنما كان يسير عبر حقل مزروع بالألغام .فقد أغضب الجميع . أغضب المصريين والجزائريين وأغضب الإسرائيليين .

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 2
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.15 ثانية