Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 36
الأعضاء: 0
المجموع: 36

Who is Online
يوجد حاليا, 36 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

فتحي بلحاج
[ فتحي بلحاج ]

·خيار المقاومة بين فكي كماشة: القطرية والاستبداد. .... فتحي بالحاج
·النظام الاقليمي العربي - فتحي بالحاج
·حول إشكالية: المعارضة العربية والعلاقة بالخارج ............ فتحي بالحاج
·ضد الاستبداد............. فتحي بالحاج
·استقلالية التيار القومي ................ فتحي بالحاج
·نحن والغرب مرة أخرى (2) ..................... فتحي بالحاج
·الصورة التي صنعها الغرب لنا - فتحي بالحاج
·مأساتنا في ذاتنا .................. فتحي بالحاج
·دفاعا عن وحدة اليمن .................... فتحي بالحاج

تم استعراض
51370053
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والعالم 17 - محمد حسنين هيكل
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: محمد حسنين هيكل



 
عبدالناصر وجونسون
راعى البقر من تكساس

 
كان عبد الناصر يحس بنفور طبيعى تجاه ليندون بينز جونسون . ولم يستسغ ما كان يسمعه عن ذلك السياسى القادم من ولاية تكساس ، والسياسى الحزبي ... الذى تمرس على التواءات السياسة وصفقاتها الحزبية، ولم يكن هذا الصنف من السياسيين يعجبه. فضلا عن أنه- كما فعل كثيرون غيره- جعل جونسون يدفع الثمن في خياله ، لأنه خلف كنيدى بعد مصرعه . وفى النهاية ثبت أن عبد الناصر كان على صواب في كراهيته ونفوره الطبيعى من جونسون .

 
وكان عبد الناصر قد اعتاد عندما يتعامل مع أى رجل ، أن يضع أمامه مجموعة من صوره الفوتوغرافية ويدرسها محاولا استقراء شخصيته . فكان يجمع نحو 25 صورة من صور الشخص المقصود في أوضاع ومناسبات مختلفة وكان يقول إنه فى إمكانه أن يعرف عن هذا الشخص من دراسة الصور، أكثر مما يستطيع أن يعرفه من تقرير طويل .

 
وهكذا في وقت من الأوقات راح عبد الناصر يطلب مجموعة من صور جونسون . وقد صدمته اثنتان منها بصفة خاصة. كانت الأولى تمثل جونسون وقد رفع ساقيه فوق مكتبه. وكانت الثانية تلك الصورة الشهيرة التى يظهر فيها الرئيس الأمريكى يعرى نفسه ليكشف عن أثر جرح عملية أجريت له. وشعر عبد الناصر بأن هذه الصور تكشف عن أنه رجل جلف لا حياء له ويفتقر إلى دماثة الخلق . وتساءل : " كيف يستطيع رئيس الولايات المتحدة أن يفعل ذلك " ؟.

 
و لم يجد عبد الناصر اطمئناناً إلى جونسون فى أى من التقارير أو الصور. وشعر بأن جونسون يفتقر إلى التجربة والخبرة فى الشئون العالمية وأنه بطبيعته خلق ليكون سياسياً حزبياً محلياً .

 
وقد جاء جونسون إلى الحكم بينما كانت لاتزال ثمة ثلاث مشكلات مهمة تملأ جو العلاقات بين أمريكا ومصر: الكونجو واليمن وصفقات القمح . وفوق هذه المشكلات كانت مشكلة إسرائيل ومشكلة تزويدها بالسلاح الأمريكى .

 
وفي بداية سنة 1964 كان عبد الناصر منشغلا بأحداث عدة مهمة. ففى الثالث عشر من يناير ( كانون الثاني ) ، عقد مؤتمر القمة العربي لمحاولة فض الخلافات في العالم العربي ، وهو المؤتمر الذى تمخض عنه أول اتفاق مبدئي حقيقي على حل مشكلة اليمن وعلى إقامة قيادة عربية موحدة .

 
وفى مايو ( آيار) ، جاءت زيارة خروشوف للقاهرة وهي زيارة لم ترق لجونسون كثيراً ، ثم استضافت القاهرة مؤتمر القمة الأفريقي في يوليو (تموز) ، ثم عقد مؤتمر قمة عربي آخر في الإسكندرية في يوليو (تموز) ، كذلك تبعه مؤتمر القمة لدول عدم الانحياز في أكتوير ( تشرين الأول) .

 
وكان عبد الناصر مشغولا طوال السنة ، وبينما كانت كل هذه الأحداث تسيرفي مجراها بدا أن جونسون كان تعيساً للغاية لأن ذلك كله يحدث بعيداً عنه ودون حضوره . فقد كان جونسون يتمنى أن يكون في صلب كل ما يحدث وكان يشعر بالغيرة لتركه خارج الأحداث .

 
وبعد عامين تصادف أن كان عبد الناصر متوجهاً للاجتماع مع أنديرا غاندى وتيتو في مؤتمر لزعماء دول عدم الانحياز فى دلهى . وفى اليوم المحدد لذلك الاجتماع  كان من المقرر أن يجتمع جونسون بزعماء جنوب شرق آسيا في مانيلا .

 
ولم يكن جونسون يطيق هذه المصادفة فقد بدا له أن أى حدث جانبي آخر من شأنه أن ينقص من تأثير استعراضه الكبير فى مانيلا. من هنا فقد تعرض المصريون والهنود واليوجسلاف لبعض الضغط لكي يؤجلوا مؤتمرهم .

 
على أن الضغط لم ينجح، وانعقد كل من المؤتمرين فى اليوم ذاته، واستشاط جونسون غضباً .

 
كان ذلك من شيمة الرجل ، ولما وقعت كل تلك الأحداث وعقدت كل هذه المؤتمرات خلال عام 1964- والتى كان لها أثرها الواضح فى السياسة الأمريكية- فقد شعر بالغيظ لأنه لم يكن في وسعه أن يؤثر فيها.
 
وقد بحث مؤتمر عدم الانحياز في قضايا جنوب شرق آسيا . ولم يستسغ جونسون ذلك ، خاصة وأن الولايات المتحدة كانت موضع انتقاد بسبب سياساتها القائمة على فرض الإرادة بالقوة وبسبب دورها في الحرب الباردة . وتمخض مؤتمر الدول الأفريقية فى جلساته، عن استنكار عنيف للسياسة الأمريكية تجاه الكونجو . ومرة أخرى كره جونسون ذلك ولم يستسغه.

 
والواقع أن جونسون ظل طوال عام 1964، يتلقى الحملات أو الأخبار السيئة من جهة القاهرة. وثمة ثلاثة حوادث محددة جرت بينما كان جونسون يشن حملته من أجل أن يكون رئيساً عن حق وحقيق .

 
-----------------------

 
ففي نوفمبر ( تشرين الثاني) ، نظم الأمريكيون عملية إنقاذ كبرى للمدنيين البيض في الكونجو، أثارت احتجاجات الأفريقيين في بلاد عدة وقام الكونجوليون بإحراق المكتبة الأمريكية في القاهرة احتجاجاً... وصادف ذلك يوم عيد الشكر الأمريكى .

 
وكان الطلاب الكونجوليون قد طلبوا ترخيصاً للتظاهر السلمى ضد عمليات الإنزال الأمريكية فى الكونجو. وصدر لهم هذا الترخيص لكنهم أحبطوا بشكل مفاجىء احتياطات شرطة القاهرة . ذلك أن أحد الطلاب الكونجوليين دخل المكتبة الأمريكية، بشكل طبيعى لم يثر الشبهات قبل وصول المظاهرة . وكان هذا الطالب يحمل ثلاث قنابل زمنية حارقة. وبدأت هذه القنابل تشتعل فى نفس اللحظة التي اقتحم المتظاهرون مبنى المكتبة ففوجئت الشرطة بالنار من الخلف وبالجمهور من الأمام .

 
دمرت النيران المبنى ، وأدى الحريق إلى دفع الرئيس عبد الناصر إلى وضع محرج . فقد كان يعتمد كل الاعتماد على وزير الداخلية الذي كان يفخر بأن زمام المظاهرات في مصر لا يمكن أن يفلت من السيطرة وجاء إلى القاهرة عدد كبير من الزوار المكروهين لكن أحداً لم يصبهم بسوء . فكيف أمكن حدوث ذلك ؟

 
واستدعى عبد الناصر وزير الداخلية وقال له : كيف أستطيع أن أقول للناس إن زمام هذه المظاهرة قد أفلت ؟

 
لكن الرئيس - لكى يخفي أن الشرطة قد فقدت زمام السيطرة على المظاهرة-كان مستعداً للقبول بالمسئولية بل إنه كان مستعداً بأسلوب  أن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع .

 
وهكذا عندما توجه السفير الأمريكى لوشيوس باتل لمقابلته وطلب التعويض والاعتذار رفض عبد الناصر كلا الأمرين .

 
واستقبل جونسون السفير المصرى في واشنطن مصطفى كامل وكان في حالة غضب شديد وقال للسفير:

 
" كيف يمكننى أن أطلب القمح لكم من الكونجرس بينما تحرقون مكتبتنا ؟ " ، وكان أكثر ما أغضبه بشأن ذلك الحادث ، رؤيته لصورة العلم الامريكى وهو يحرق على أيدى المتظاهرين .

 
وكان الحادث الثاني مؤسفاً ، ولا يقل سوءاً عن الأول ... وخلاصته أن جون ميتشوم - وهو أحد كبار رجال صناعة البترول في تكساس ، وأحد المعارف الشخصيين للرئيس جونسون- كان قد بعث طائرته الخاصة من ليبيا إلى الأردن . لكن الطائرة لم تكن قد استكملت الترخيص الخاص بالطيران فوق الأراضى المصرية عندما دخلت الأجواء المصرية . وهكذا أرسلت طائرة ميج لاعتراضها وتوجيه الأمر اليها بالهبوط . إلا أن طائرة جون ميتشوم  تجاهلت إنذارات الميج بسب اختلال جهازها اللاسلكى وتعطله فتابعت سيرها . ونتيجة لذلك تلقت الميج الأمر بإسقاطها ففعلت وسقطت الطائرة في مستنقع خارج الإسكندرية وقتل قائدها وراكب آخر معه في الحادث .
 
وقد وقع ذلك بعد شهر واحد من حرق المكتبة الأمريكية في القاهرة . 

 
توتر الوضع كثيراً  وأبلغ السفير الأمريكى الرئيس عبد الناصر أن جونسون شخصياً انزعج جداً لأنكم " أولا تحرقون مكتباته ثم تسقطون طائرة واحد من أقرب أصدقائه وطالب جونسون بتحقيق في حادث إسقاط الطائرة تجريه لجنة أمريكية. ولكن قيل له إن كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يلحق مراقباً من طرفه باللجنة المصرية التي تحقق في الحادث .

 
ووقع الحادث الثالث في نطاق المفاوضات لتمديد اتفاق تزويد مصر بالقمح . 

 
فقد كان القلق بدأ يساور وزير التموين - الدكتوركمال رمزى استينو - بشأن تأمين إمدادات القمح اللازمة ، وهكذا طلب من السفير الأمريكي أن يزوره في مكتبه للبحث في الموضوع لكنه اختار وحدد لذلك موعداً حرجا . 

 
فقد جرى الاجتماع بعد ظهر اليوم الذى كان السفير باتل قد توجه في صباحه لمشاهدة حطام الطائرة التى يملكها صديق الرئيس جونسون . ووصل السفير إلى الاجتماع وهو بالغ  الانزعاج والاضطراب وعندما قدم له وزير التموين قدحاً من عصير البرتقال رفضه معتذراً بأدب قائلا إنه يأسف لعدم تمكنه من شربه لأنه ليست عنده شهية له.

 
وقال إنه يعتقد أن الوقت غير مناسب لمفاتحة الرئيس الأمريكى جونسون بتمديد اتفاق تزويد مصر بالقمح . ولم يستمر الاجتماع بين الوزير والسفير أكثر من خمس دقائق .

 
وفى اليوم التالى ، 23 نوفمبر ( تشرين الثاني) ، كان الرئيس عبد الناصر يركب القطار مع وزرائه جميعاً متوجهاً إلى احتفال بعيد النصر فى حملة السويس كان يقام في مدينة بورسعيد.

 
 
وجلس وزير التموين مع على صبرى ، وأخبره بقصة اجتماعه بالسفير الأمريكي فتوجه على صبرى  بالحال إلى الرئيس عبد الناصر وأبلغه القصة بشكل يفهم منه أن الأمريكيين رفضوا تماماً إمداد مصر بأية كمية أخرى من القمح . وكانت الرواية التى سمعها عبد الناصر هي أن باتل قال : " والله إننى لا أستطيع أن أبحث هذا الموضوع قطعاً لأننا لا نستسيغ سلوككم ".. وقد روى الرئيس هذه القصة فى خطابه في بورسعيد .

 
وبالطبع فقد غضب عبد الناصر وللإنصاف فإن موقفه فى هذا الموضوع كله لم يقم على مجرد الرواية التى أبلغت إليه فى القطار وإنما على وقائع كثيرة سبقتها ، ونوايا واضحة ظهرت قبلها بصرف النظر عما قاله باتل فى مقابلته مع وزير التموين أو الطريقة التى قال لها ، وهاجم الأمريكيين في خطابه قائلا: " يقول السفير الأمريكى إن سلوكنا غير مقبول . طيب . حنقول لهم اللى ما يحبوش سلوكنا يروحوا يشربوا... "

 
وتوجه عبد الناصر بالسؤال إلى الجماهير:

 
- يشربوا من إيه...؟

 
وهتفت الجماهير:

 
- يشربوا من البحر...

 
واستطرد يقول :

 
وإذا لم يكفهم البحر الأبيض لإرواء غليلهم فليشربوا البحر الأحمر...

 
إن ما أريد أن أقوله للرئيس جونسون هو أني لست مستعداً لبيع استقلال مصر فى مقابل ثلاثين أو أربعين أو خمسين مليون جنيه. ولسنا مستعدين لمناقشة سلوكنا مع أحد أياً كان . وسنقطع لسان كل من يتقول علينا أو يمسنا بسوء ".

 
وليكن هذا واضحاً وصريحاً ...

 
وإذا كنا نشرب الشاى اليوم سبعة أيام في الأسبوع فإنه يمكننا أن نكتفى بشربه خمسة أيام . وإذا كنا نشرب القهوة خمسة أيام في الأسبوع فإنه يمكننا خفضها إلى أربعة أيام . وإذا كنا نأكل اللحم أربعة أيام  فيمكننا الاكتفاء بأكله ثلاثة أيام . إننا نستطيع أن نشد أحزمتنا...

 
أريد أن أقول إننا نجابه المصاعب لكننا لا نأبه بذلك ولن نقبل الضغط أونسلم به.

 
لن نقبل أسلوب قطع الطريق من قبل رعاة البقر ".

 
وتعقدت المشكلة. ذلك أن رئيس جمهورية الولايات المتحدة أحس أنه أهين شخصياً في خطاب علنى. وقد صعق السفير الأمريكى مما جرى ، وقابل بعد ذلك الرئيس عبد الناصر وروى له ما وقع بالفعل وبدا واضحاً أن قصة اجتماعه بوزير التموين نقلت مشوهة إليه.

 
لكن الضرر كان قد وقع ثم إن المشكلة في صميمها كانت أكبر من مجرد نقل رواية صحيحة أو محرفة.

 
كان عبد الناصر يشعر بأنه ليس في وسعه أن يأتمن جونسون أويثق به . وكان جونسون حاقداً مفعماً بالمرارة نتيجة سلسة الحوادث التي بدت- له وبفكره المحدود- موجهة ضده شخصياً .

 
وفي النهاية أعيد تجديد اتفاق تزويد مصر بالقمح  ولكن لمدد كل منهاا ستة أشهر ويفصل ما بين المدة والمدة فترة ستة أشهر .

 
وقد شبه عبد الناصر ذلك بأن الأمر يبدو كما لو كان الأمريكيون يكتبون على سطر ويتركون سطراً وكان ذلك نص تعبيره !

 
 وعلى كل حال فقد حول كوسيجين إلى الإسكندرية شحنات من القمح كانت تتجه إلى روسيا من استراليا وكندا . في فترة كانت مصر تعاني خلالها أزمة ونقصاً شديداً في القمح .

 
-----------------

 
وبدأت سنة 1965 بداية سيئة . فقد كانت العلاقات بين البلدين وبين الرئيسين متوترة . وازدادت هذه العلاقات تردياً بمرور الوقت . وكان لعبد الناصر مجموعة من الأصدقاء الأمريكيين والأوروبيين أبلغوه جميعاً شيئاً واحداً أجمعوا عليه : هو أن جونسون حانق حاقد .

 
وحاول روبرت أندرسون- وهو أيضاً من أبناء تكساس . ومن أصدقاء جونسون- أن يشرح للرئيس عبد الناصر عقلية الشاب الذى نشأ في تكساس ثم انطلق إلى العالم ليحترف السياسة . لكن ذلك لم يؤد إلا إلى زيادة ريبة عبد الناصر فى جونسون .

 
وقد ازدادت شبهات عبد الناصر حدة عندما باع جاويش في الجيش البريطاني- يعمل في وزارة الدفاع البريطانية- خطط الطواريء السرية البريطانية فيما يتعلق بالشرق الأوسط إلى دبلوماسى عربي [ وهي الوثائق التي حوكم الجاويش البريطاني " بيرسي سيدني ألن " بتهمة تسليمها إلى مكتب الملحقين العسكريين العراقي والمصري في لندن ، في مارس 1965 ، وقد صدر الحكم عليه في 10 مايو 1965 بالسجن لمدة 10 سنوات . ] 

 
وكانت تلك الخطط تفصل أمر التدخل في مصر وفي كل دولة من دول المنطقة وكانت تستند كلها إلى الافتراض أن التدخل سيكون عملا مشتركاً بين البريطانيين والأمريكيين وعلى أساس تعاون الأسطول السادس الأمريكى مع الأسطول البريطاني . وتعاون أسراب الطائرات المقاتلة والقاذفة الأمريكية مع سلاح  الجو الملكى البريطانى .

 
وزاد الأمور سوءاً أن أشكول عندما حوصر في البرلمان بأسئلة حول الدفاع عن إسرائيل أعلن أن الأسطول السادس الأمريكى يشكل الاحتياط الاستراتيجى لإسرائيل و لم يساعد شيء من هذه الأحداث كلها على تحسين الوضع .

 
ورغم ذلك فقد احتفظ جونسون بمراسلاته مع عبد الناصر كما فعل كنيدى . وقد كتب الرئيس المصرى إلى الرئيس الأمريكى يعزيه في وفاة كنيدى . فرد عليه جونسون شاكراً على ورق موشح الزاوية بالسواد.

 
وما لبث جونسون أن وجه إلى عبد الناصر في 17 فبراير ( شباط ) 1964 رسالة جاء فيها :

 
" قرأت بعناية مراسلاتكم المتعددة مع الرئيس كنيدى وقد لاحظت بإعجاب ما تنم عنه من الاحترام والتفاهم المتبادلين . وأحسست فيها كذلك برغبة صادقة في المضى قدماً في القطاعات التى يسعنا فيها ذلك . بينما نعكف على العمل من أجل تحديد أثر تلك المشكلات التى نختلف- بالضرورة- على صعيدها. ومن جانبي فإني أود أن ينمو الشعور بالثقة بين الطرفين حتى نتجنب إساءة تفسير سياسات كل منا. الأمر الذى عكر علاقاتنا في الماضي .

 
وأود كذلك أن أتابع الحوار الصريح الودي الذي سبق أن ساهم في التفاهم بين حكومتينا ،  فالسنوات القليلة التالية ستكون عبئاً ثقيلا على كل منا، لكن الولايات المتحدة والجمهورية العربية المتحدة خليقتان بأن تكسبا الشيء الكثير عبر العلاقات الطيبة التي يجب أن يسعى كلانا إلى الحفاظ عليها وتوسيعها بدلا من ترك دولتينا تتباعدان ... "

 
كتب جونسون ذلك بالطبع قبل حوادث 1964 التى ازعجته الى حد بعيد .

 
وقد رد عبد الناصر في 26 أبريل ( نيسان ) على رسالة جونسون بالرسالة الآتية :

 
عزيزي  الرئيس

 
تلقيت بكل اهتمام مبادرتكم الطيبة بالكتابة إلى ، استئنافاً لاتصالات جرت بين سلفكم الراحل وبينى . حاول كل منا بواسطتها أن يقترب من فكر الآخر بالفهم .

 
ولقد أسعدني أن أتاحت لكم مشاغلكم فرصة الاطلاع على المراسلات المتبادلة بينه وبينى حول العديد من المشاكل والموضوعات التى أثارت اهتمامنا المشترك ، سواء في العلاقات المباشرة بين بلدينا أو فى الدائرة العالمية الأوسع بعدها ، واثقاً أن ذلك سوف يضع تحت تصرفكم صورة صحيحة من فكر الجمهورية العربية المتحدة ودوافعها في كل موقف اتخذته .

 
وإني لأؤمن بجدوى الاتصال الشخصى المباشر بين رؤساء الدول ، وأعتبر أن ذلك يمنح العلاقات الدولية نظرة إنسانية تستطيع دائماً أن تتلمس- حتى فى وسط الأزمات المحتدمة- أسباباً للاتصال .

 
وإني لألتقى معكم فى كثير من المسائل الى تعرضت لها رسالتكم إلى .

 
ألتقى فى الآمال المعلقة على الأمم المتحدة والتعاون معها في اطارها طريقاً إلى عالم أكثر انسجاماً وسلاما.

 
وألتقى في أهمية تطوير العلم الذرى لكى يخدم السلم ولا يسخر للحرب وفي ضرورة حصر انتشار الأسلحة النووية.

 
وألتقى فى ضرورة توسيع وتعميق العلاقات العربية الأمريكية وفتح طريقها بالتفاهم و الاحترام المتبادل.

 
وألتقى في ضرورة البحث دواماً عن الطريق لتضييق مجال الخلاف قدرالمستطاع وفي مقابل ذلك توسيع مجال التعاون حيث يمكن أن تكون له فرصة وأمل .
 
على أني أريد أن أضيف بعض الملاحظات التى أشعر من خلال التجربة بحيوية دورها ، وأشعر أيضاً بضرورة ملاقاتها بالتقدير الكافي من جانب كل الذين يهمهم استقرار السلام واستمراره . ولربما كان تركيزى الأكبر في هذه الملاحظات على الشرق العربي بوجه خاص وعلى العالم الأفريقي الآسيوي بوجه عام .

 
أولا: أن هناك صراعاً ضد الاستعمار مازال قائماً ، ولا يمكن إنكار وجود هذا الصراع ولا التقليل من أخطاره على السلام .. وأشير هنا على سبيل المثال إلى موقف بريطانيا في جنوب شبه الجزيرة العربية وإلى موقف البرتغال في انجولا وموزمبيق .

 
ثانياً :  أن هناك صراعاً من أجل الوحدة باعتبارها تحقيقاً للذات القومية لأمم عديدة ، بينها الأمة العربية، أمم مزقتها مصالح الدول الاستعمارية الكبرى في ظروف سابقة ومازال هذا التمزق في الكثير من الأحىيان قائماً تتحصن وراءه  رواسب انفصالية تغذيها فعلا من الخارج القوى نفسها صاحبة المصلحة في التمزق .

 
ثالثاً : أن هناك صراعاً بين التقدم والتخلف . بتعبير آخر بين الغنى والفقر، ويمارس هذا الصراع دوره على مستوى الدول خصوصاً مع التقدم العلمى والتكنولوجى العظيم اللذين تناقضا طبيعياً وإن بدا للوهلة الأولى غريباً ذلك أنه يمنح المتقدمين الفرصة ليكونوا أكثر تقدماً . ويفرض على المتخلفين - برغم كل ما يبذلونه من جهود- أن يكونوا أكثر تخلفاً ولو بالقياس إلى غيرهـم من المتقدمين .

 
رابعاً : أن هناك صراعاً اجتماعياً في داخل هذه الأمم المتنبهة حديثاً إلى أبعاد القرن العشرين وآماله الواسعة يستهدف إقامة حرية الانسان على أوثق الضمانات ويربط الحرية السياسية وأي معنى قد يكون لها ، بالحرية الاجتماعية ومضمونها الأصيل . وإني لاستذكر في هذا المجال ما ورد في الميثاق الوطني للجمهورية العربية المتحدة في أن حرية تذكرة الانتخابات ترتبط بحرية رغيف الخبز .

 
وإني لأثق أنكم أول من يقدر شرعية هذا الصراع وضرورة مواجهته بكل مسئولية الضمير الوطنى ، فلقد أثارت الإعجاب في بلادنا حملتكم ضد الفقر في الولايات المتحدة أغنى البلاد في عالمنا المعاصر .

 
خامساً : بالنسبة إلى الشرق العربي هناك صراع بين الأمة العربية وإسرائيل التى كان قيامها نتيجة للرغبة في تمزيق وحدة العرب والحيلولة دون التقاء شعوبهم من ناحية  وابقاء قاعدة وسط الأرض العربية لاستمرار تهديدها كما أئبتت بجلاء عملية التواطؤ بالعدوان على مصر سنة 1956.

 
ولربما كان يمكن تلخيص هذه الملاحظات التى أوردتها في عبارة واحدة هى أن السلام لا يمكن أن يستقر أو يستمر حقيقة إلا إذا كان مدعماً بالعدل  وسلام الأمر الواقع- مهما خلصت النيات- لا يستطيع غير أن يلعب دور الهدوء الذي يسبق العاصفة.

 
وإني لأؤكد لك أن الجمهورية العربية المتحدة لا تتردد  في بذل أى جهد من أجل تحقيق مثل هذا السلام القائم على العدل ، وتمد بغير تحفظ وبغير شروط يدها بالمحبة والأمل والرغبة فى التعاون الصادق إلى كل من يشغل بالهم مستقبل السلام وكفالته .

 
وإني لأثق فى الوقت نفسه أن الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها العظيم تعطى قضية السلام كل اهتمامها وليست هناك في هذا العصر مسئولية تضارع مسئولية الولايات المتحدة وقيادتها.
 
ومن صميم قلوبنا نحن نتمنى كل التوفيق للولايات المتحدة . كما نتمنى لكم شخصياً كل النجاح في المسئولية العظيمة التى تتحملون تبعاتها .

 
وتفضلوا بقبول موفور تحياتي .

                                                                                                    توقيع 

                                                                                                جمال عبد الناصر

القاهرة في 26 أبريل سنة 1964

 
 
كانت تلك بداية المناوشات في الحوار بين عبد الناصر وجونسون .

 
وقد استمرت المراسلات طوال العام وتناولت اتفاق حظر التجارب النووية واستكشاف الفضاء والتهاني التى تبادلاها لمناسبة إعادة انتخاب كل منهما رئيساً للجمهورية. وأرسل جونسون كذلك كتاباً إلى عبد الناصر- لمناسبة افتتاح مؤتمر دول عدم الانحياز فى 3 أكتوبر (تشرين الأول) ،  تكشف عن كرهه للمؤتمر . كما أوفد السفير باتل برسالة شفهية بشأن الكونجو، يتهم فيها- عملياً- مصر بمساعدة الروس والصينيين على الدخول إلى الكونجو . وجاء في الرسالة الشفهية :

 
" أعتقد بأن الدعم الأفريقي لحركة العصيان يستند إلى تحليل خاطىء لطبيعة العصيان وأغراضه وهو يساهم فى انتكاص مسيرة القومية الأفريقية. وإن مثل هذا الدعم يخدم حتما قضية الأتحاد السوفييتى والصين الشيوعية بإتاحة فرص جديدة لهما لمد نفوذهما في القارة .

 
وفى سياق مسيرة الدول الأفريقية إلى الاستقلال التام . وهو هدف نتعاطف معه. فإننا نرجو منها أن تأخذ حذرها من تيارات النفوذ الاجنبية الغريبة عنها والتى تهدف في النهاية إلى هدم استقلال القارة الأفريقية كلها ".

 
-------------------

 
كانت تلك الرسائل تعكس التباعد المتزايد بين البلدين . ومن وراء واجهة المجاملات الديبلوماسية كان زمن فترة الحصر والاحتواء تولى .

 
ولقد بدأت فترة العنف في 18 مارس ( آذار) 1965. عندما وجه  جونسون ما اعتبره عبد الناصر إنذاراً.

 
والقصة أن السفير باتل طلب مقابلة مع عبد الناصر قدم خلالها اليه وثيقتين : الأولى عبارة عن كتاب شخصى ، كتبت على زاويته كلمة " سرى " موجه من جونسون إلى عبد الناصر. وقد كتبه بأسلوبه المعتاد فقال :

 
" إن أفضل الوسائل لتذليل المصاعب هي مناقشتها مباشرة بينى وبينك . كرجل لرجل ، يكن كل منا الاحترام لحقوق الآخر ومسئولياته.

 
إن المشكلة التى تحتاج- اليوم- إلى هذا النوع من النقاش : هى مشكلة معالجة سباق التسلح المتزايد والمتصاعد في الشرق الأوسط ، بروح الهدوء  و المسئولية ... "
 
وبعد ذلك انتقل إلى لب الموضوع  فقال :

 
" إن موقفنا قد وطد ضمن إطار سياستنا التقليدية القائمة على ضبط النفس فيما يتعلق بمبيعات الأسلحة وتستند هذه السياسة إلى المبدأين الآتيين :

 
أولا- أننا سنواصل- إلى أقصى حد ممكن- تحاشى بيع الأسلحة إلى الأطراف الرئيسية في النزاع العربي- الإسرائيلى .

 
ثانياً- فإننا لن نبيع تحت أي ظرف من الظروف ، الأسلحة التى من شأنها أن تعطى أحد الأطراف تفوقاً عسكرياً على الطرف الآخر. هذه هى السياسة التى اتبعناها والتى سنواصل اتباعها ".

 
غير أن الوثيقة الثانية التى أبرزها السفير باتل فقد كانت تروي حكاية أخرى تماماً . فقد جاء فيها " أنه صدرت عن الإسرائيليين ردود فعل قوية حيال ما بدا لهم بمثابة جوانب كيدية في مخططات تحويل ينابيع نهر الأردن وروافده . وحيال التصريحات العربية التى تتسم باللهجة العدائية التى تلهـب مشاعر الجماهير وحيال الحشد الذى تقوم به القيادة العربية الموحدة ، وأخيراً  حيال إلغاء شحنات الأسلحة الألمانية.

 
وكجزء من المسعى الأمريكى المستمر من أجل تخفيف التوتر . فقد أوفد الرئيس جونسون المستر أفريل هاريمان والمستر روبرت كومر ( صاحب حرب كومر) إلى إسرائيل لتهدئة الاسرائيليين .

 
وأدت محادثاتهما إلى تهدئة الحالة لكن المشكلات الأساسية لاتزال قائمة ولا تزال تشكل سببأ كامناً للحرب . ويبدو أن العرب قلقون من قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية خارج حدودها ، إلا أن إسرائيل منزعجة بدورها من البيانات المعزوة إلى بعض الزعماء العرب  والتى تعرب عن النية فى إبادة إسرائيل في يوم ما . إننا نشعر كذلك- بسبب مثل هذه الضغوط- بأن الإسرائيليين يعتبرون- ذات يوم- أنهم مجبرون على التحول من البرنامج النووي السلمى إلى برنامج لإنتاج الأسلحة النووية.

 
لقد قمنا بطمأنة الإسرائيليين إلى أن الولايات المتحدة خليقة- إلى الحد الذى توافق فيه على وجود اختلال خطير فى التوازن لا يمكن تقويمه بأسلحة من مصادر أخرى- بأن تعقد معهم صفقات أسلحة مباشرة، ولكن محدودة وذلك على سبيل الاستثناء للسياسة القائمة.

 
لقد كانت الولايات المتحدة أكثر ما تكون إحجامأ عن أن تصبح مصدرأ مباشرأ لتوريد المعدات العسكرية لأى من الأطراف الرئيسية فى النزاع العربى- الإسرائيلى .

 
لكن ضبط النفس عندنا لم يكن له ما يقابله من الاتحاد السوفييتى ذلك أن الاتحاد السوفييتي ادعى أنه إذ يقوم بتوريد شحنات ضخمة من السلاح إلى دول معينة في المنطقة ، إنما يعمل من أجل السلام . وفى الوقت ذاته يعتقد الروس- على ما يبدو- أن من مصلحتهم استغلال النزاع العربي - الإسرائيلى لإثارة الفو ضى والاضطراب .

 
إننا نعتبر أن المنافسة على الأسلحة تحمل بذور الفشل والهزيمة في ذاتها ، لأن فى وسع كل طرف في النهاية أن يجارى الآخر في الأسلحة التى يحصل عليها ، ولكن ذلك قد يؤدى إلى قيام الطرف الآخر بهجوم وقائي مضاد. ولذا فإن هناك خطرآ في أن يحصل أحد الأطراف على مزية عسكرية جوهرية تكفى لإغرائه بشن هجوم وقائي وبخاصة إذا بدا أن مزية التفرق تلك ، بدأت تتناقص .

 
ولهذا فإن مفتاح السلام المزعزع في الشرق الأوسط قد يكمن فقط في الحيلولة دون اختلال التوازن في أنواع الأسلحة تلك التى قد تشجع على القيام بضربة وقائية. وهذا يعنى أنه قد يكون من المصلحة الدولية العامة الموافقة على بعض طلبات الأسلحة حتى نمنع النزاعات .

 
ومراعاة لهذا المبدأ باعت حكومة الولايات المتحدة صواريخ " هوك " لتهدئة المخاوف الإسرائيلية من قاذفات القنابل التابعة للجمهورية العربية المتحدة .

 
ولهذا السبب نفسه ، فإن الولايات المتحدة ، مستعدة لأن تبيع الإسرائيليين أنواعاً وكميات محدودة من الأسلحة اللازمة لدفاعها إذا تأكدت من التزام إسرائيل بضبط النفس .

 
وبالطبع فإن حاجة الولايات المتحدة إلى بيع الأسلحة لإسرائيل ستتوقف على ما يفعله العرب . فيجب أن يكون مفهوماً أنه إذا أقدمت الدول العربية على تضخيم قضية بيع الولايات المتحدة كميات محدودة من الأسلحة لإسرائيل وإذا جعلت من ذلك مشكلة كبرى فإنها قد تثير بذلك في الولايات المتحدة رد فعل عاماً من شأنه أن يهدد بالخطر التزام حكومة الولايات المتحدة بضبط النفس ومعالجتها المحايدة للمشكلة العربية- الإسرائيلية . ولقد قاومت الولايات المتحدة- دائماً- أمر المضى إلى الحد الذي تواصل إسرائيل ضغطها عليها للذهاب إليه. وهكذا فإن من شأن العرب إذا ضخموا القضية أن يضروا بالدافع الأمريكى إلى تحديد مبيعات الأسلحة لإسرائيل ، وان يتسببوا عمداً فى استقطاب الوضع في الشرق الأدنى استقطاباً تحاول الولايات المتحدة جاهدة أن تتفاداه .

 
ومن المهم أن نفهم أن عدم التحيز وضبط النفس لا يزالان أساس سياسة الولايات المتحدة بشأن بيع الأسلحة . و بالتالى فإن أية صفقة لبيع أسلحة أمريكية إلى الدول العربية أو لإسرائيل ستكون على المستوى الأدنى الذى تمليه الظروف .

 
وفى هذا الصدد يريدكم الرئيس جونسون أن تعرفوا أننا وافقنا على بيع بعض الأسلحة للأردن . وقد درسنا الطلب الأردنى بعناية طوال أشهر عدة . ومع أن العرب قد لا يقدرون خطر ذلك ، فالواقع أن البديل للأسلحة الأمريكية في الأردن من شأنه أن يعنى وجوداً ونفوذاً سوفييتين في منطقة لم يكن لهم فيها وجود من قبل . الأمر الذى قد تترتب عليه أخطار تهدد استقرار الشرق الأدنى بأسره بالإضافة إلى أنها من شأنها أن تهدد المصالح العربية وغير العربية. ولهذا فقد قررت الولايات المتحدة أن تبيع الأسلحة للأردن لكى تمنع استغلال السوفييت للموقف ... "

 
------------------------

 
كانت هذه الرسالة الشفوبة التى نقلها السفير باتل الى الرئيس عبد الناصر مثيرة للغضب بل والقرف. ففى المقام الأول كانت هناك رسالة جونسون التى يبدو أنه يقول فيها إن الولايات المتحدة لن تبيع أسلحة. ثم أرفقت بتلك الرسالة وثيقة تلمح أولا إلى أن إسرائيل ستنتج أسلحة نووية ثم إلى أن أمريكا ستمد إسرائيل بالسلاح ، ثم إلى أنه إذا أثار عبد الناصر ضجة بشأن هذه الشحنات فسوف ترسل أمريكا مزيداً منها إلى إسرائيل .

 
وشعر عبد الناصر بأنه خدع ، وأن المطلوب منه هو أن يلزم الصمت تحت التهديد والابتزاز.

 
على أن ما أثار المزيد من غضبه كان الطريقة التى استخدم بها جونسون الأردن فى هذا الابتزاز، ذلك أن جونسون كان يمد دولة عربية بالسلاح جنبا إلى جنب مع إسرائيل ، ليضع عبد الناصر فى موضع لا يستطيع معه الاحتجاج . " لأنه كان فى وسع الأمريكيين أن يدعوا أنهم يقتفون سياسة متوازنة، وأنهم يعطون السلاح لكلا الجانبين " ، وإن لم يكن ثمة تعادل وتكافؤ فى الأسلحة التى يرسلها الأمريكيون إلى إسرائيل والأسلحة التى يرسلونها إلى الأردن .

 
وقال عبد الناصر فى معرض تعليقه على ذلك : إن الأردنيين يستخدمون بمثابة المحلل ( والمعروف أن الشريعة الإسلامية لا تسمح لمن طلق زوجته طلاقاً بائناً بأن يعيدها إلى ذمته إلا إذا تزوجت قبلا من رجل آخر، ويتحايل الناس فى ذلك بتأجير " محلل " شرعى لكى تتم مراسم الزواج ويصبح قائماً شرعأ).

 
وهكذا فقد أريد للملك حسين أن يلعب دور " المحلل " فى الزواج الأمريكى- الإسرائيلى .

 
وطوال تلك السنة سارت الأمور من سيئ إلى أسوأ فخفض أمد اتفاق تزويد مصر بشحنات القمح من ستة أشهر إلى ثلاثة . وزادت بالتالى مشاعر العداء . ورغم ذلك فقد كان هناك أناس كثيرون يحاولون إيجاد صيغة للتفاهم بين مصر والولايات المتحدة .

 
وكان كنيدى قد خطط للقيام بدفعة سياسية كبرى في بلاد أفريقيا وأقطار عدم الانحياز لو قيض له أن يحيا ويتمتع بتجديد رئاسته. وكان من بين جدول الأعمال الذى وجده الرئيس جونسون على مكتبه- عندما تسلم الحكم بعد كنيدى- مشروع بدعوة الرئيس عبد الناصرإلى زيارة واشنطن عام 1965.

 
وقد بعث هذا المشروع إلى الحياة عام 1966 حين سئل عبد الناصر، إذا كان يود أن يزور جونسون. وقد رد قائلا : " إننى لا أستطيع الذهاب الآن لأن العلاقات بيني وبين جونسون متوترة ، ولو ذهبت لأضرت زيارتى لواشنطن أكثر مما نفعت إذ سيحاصرني حاملو لافتات الاحتجاج وستقوم الجماعات الصهيونية بالتظاهر ضدى وهذا مما سيزيد الأمور سوءاً " .

 
وفي النهاية، وافق الرئيس عبد الناصر على أن يذهب أنور السادات إلى واشنطن فى فبراير (شباط)، ليقابل جونمسون في محاولة لتذليل الطريق الوعر الذى كانت تسير فيه العلاقات المصرية- الأمريكية. على أن يرد الزيارة دين راسك أو ناثب الرئيس همفرى ، وذلك لتمهيد الطريق لزيارة يقوم بها عبد الناصر لواشنطن سنة 1967.

 
----------------------------

 
ووصل أنور السادات وقرينته إلى واشنطن وبذل جونسون وزوجته الليدى بيرد أقصى جهدهما لكسب مودة وإعجاب زائريهما. وعندما استقبل جونسون أنور السادات في القاعة البيضاوية في البيت الأبيض أشار إلى عدد من صور رؤساء الدول موقعة بإمضاء كل منهم، ثم بدأ يتظرف ويقول بلهجة عاطفية: إننى أحبكم... إننى معجب ببلادكم ... إننى أحب الرئيس عبد الناصر. والآن انظر: إن لدى هنا مكاناً شاغراً لصورة من صور الرئيس عبد الناصر، فلم لا يرسل لى إحدى صوره؟ ولماذا نعادى بعضنا البعض؟ يجب أن نكون أصدقاء .

 
وجاء الدور فى الكلام على السادات فأبلغ الرئيس جونسون رسالة شفهية من عبد الناصر، وكانت بسيطة ورقيقة :

 
" طلب إلى الرئيس عبد الناصر أن أبلغك أننا نريد شيئاً واحداً : إننا لا نريد قمحاً ولامساعدات ، فما نريده- وما نعتقد أنه مفتاح كل شيء – هوالفهم . لا نريد شيئاً أكثر من الفهم . وأنا لا أحمل غير هذه الرسالة. وعندما سألت الرئيس عبد الناصر عما يجب أن أبلغك أياه قال لى " قل له إن الفهم هو كل مانبتغيه " ..

 
ورد جونسون على ذلك بقوله : " إن ما نحتاج إليه هو الديبلوماسية الهادئة. فلماذا يهب الرئيس عبد الناصر ويهاجمنى علناً ، ويهاجم السياسة الامريكية علناً ؟

 
لقد اشبتكت كثيرا في مخاصمات مع الليدى بيرد- زوجته-  برغم أئنا نحب بعضنا بعضا . لكننا في العادة نحاول أن نحل مشاكلنا في همس ، فلا يكاد يعرف إنسان بخصامنا . وأن ما أرغب فيه هو أن أحل مع عبد الناصر مشكلاتنا همساً " .

 
أثناء ذلك كله كان جونسون يميل نحو السادات ويتكلم همساً .

 
وعندما أبلغ السادات الرئيس عبد الناصر الواقعة : إستدعى الرئيس السفير الأمريكى وحمله رسالة شفهية إلى الرئيس جونسون قال فيها : " أريدك أن تفهم أمرين أنت تعلم أن عندنا خطة تنمية. إن آمالنا كبيرة لكن مشكلاتنا كبيرة وهذا مما يجعلنا حساسين حيال أى ضغط لأننا إذا خضعنا لأى ضغط فإننا خليقون بأن نفقد كل ماكسبناه . وهكذا لا نستطيع أن نلتزم بشئ سوى مبادئنا . ولهذا لن نسمح لأى كان بأن يضعنا في وضع تقوم فيه التناقضات بين الوساثل والغايات . إننا نريد أن ننمو لكننا نريد أن نحقق هذا النمو مع  الاحتفاظ بكرامتنا . وإلا فإننا سنجد أنفسنا وقد تحولنا إلى انتهازيين وليس من شأن الانتهازية- سواء على صعيد العلاقات الفردية أو العلاقات الدولية- أن تساعد أياً كان على تحقيق أى شيء . وثانياً أرجوك أن تخبر الرئيس جونسون أننى غير مقتنع بما قاله لأنور السادات عن الديبلوماسية الهادئة ومنافعها. أنكم تملكون المال والقنابل الذرية والثروات والطاقات بلا حدود . هذه هى وسائلكم. ولكن ما هى الوسائل التي أملكها ؟ إن السلاح الأول للئورة هو جماهيرها وهو إيمان تلك الجماهير واستقطابها. ولقد استطعت دائماً أن أحرك تلك الجماهير للدفاع عن نفسها ضد أى خطر. إن الجماهير هي سلاح الثورة العربية. وهكذا فإن الديبلوماسية الهادئة قد تلائم الولايات المتحدة لكنها لا تلائمنا لأن الاعتماد عليها يعزلنى عن تأييد الجماهير. وإذا كان لي أن أكون مستعداً بسلاحى فيجب أن أكون دائماً مستعداً للتحدث إلى الشعب العربي . يجب أن أشرح وأوضح دائماً للشعب العربى . يجب أن أبسط وأكشف جميع أسرارنا أمام الجماهير، وبغير ذلك أواجه المعركة بلا سلاح " .

 
والواقع أن زيارة السادات لأمريكا : أدت إلى جعل الطريق أكئر نعومة ، برغم أن جونسون بذل كل من عنده من سحر لكى يسهل قليلا من علاقاته الشخصية مع عبد الناصر.

 
ولما عاد السفير المصرى فى واشنطن إلى القاهرة بعد زيارة السادات سأل عبد الناصر:

 
" هل تستطيع أن تعطيني إحدى صورك للرئيس جونسون؟ "

 
كان جونسون لا يزال راغباً فى أن يملأ الفراغ فى القاعة البيضاوية.

 
لكن عبد الناصر- الذى لم يتعود توزيع صوره- رفض الاستجابة قانلا إن جونسون يريد أن يضللنا بكلمات رقيقة ليس لها من أثر فى سياساته.

 
وعاد السفير المصرى إلى واشنطن خاوى اليدين . وبعد أسبوعين من ذلك بعث ببرقية سرية يطلب فيها الإذن بالعودة إلى القاهرة حاملا رسالة شخصية من جونسون . وعندما وصل تبين أن الرسالة الخاصة كانت عبارة عن نسخة من صورة للرئيس جونسون رسمها الفنان نورمان روكويل . وكتب جونسون على جانبها العبارة الآتية فوق توقيعه :

 
" أرجو أن أقنعك بأننا يمكن يوماً أن نصبح من الأصدقاء " .

 
وفى هذا الوقت نفسه تقريباً كانت منى- ابنة الرئيس عبد الناصر- تزور الولايات المتحدة مع زوجها فاستضافهما الرئيس جونسون وزوجته الليدى بيرد فى البيت الأبيض وكان جونسون يكاد يقطر بالرقة والمودة : " أنت عروس... وابنتى عروس كذلك .. ولذا فأنا كوالدك ... تعالى الى المزرعة... أخبرى والدك بأنى أريد أن أكون صديقاً له " .

 
لم يكن فى وسع عبد الناصر - الذى كان رجلا متحفظاً- أن يفهم قطعاً هذا التصرف . فتساءل عما يمكن أن يعنيه وشعر بأن جونسون يعطيه من طرف اللسان كلمات معسولة بينما تختلف الأفعال الأمريكية تماماً . وهكذا مرت سنة 1966 على أسوأ ما يكون .

 
وكان القتال فى اليمن لم يزل دائراً ، وكان الأمريكيون يدعمون الجنود المرتزقة في صف الملكيين. وأصدر السير إليك دوجلاس هيوم أمره إلى السلاح الجوى الملكى البريطاني بمهاجمة " حريب " وقصفها. وفى بداية 1967، حدثت انفجارات مدوية في تعز وقرر خبراء اكتشاف مصدر إطلاق النار، أن طلقتى بازوكا صدرتا من اتجاه مقر النقطة الرابعة الأمريكية التى كانت ستاراً تعمل من ورائه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

 
دهمت قوات الحكومة اليمنية المبنى ووضعت يدها عليه واعتقلت أربعة أشخاص كانوا هناك. وفتحت جمبح الصناديق والخزانات المقفلة ووجدت فيها عدداً هائلا من الوثائق قام بتصويرها خبراء المخابرات المصرية.

 
استشاط الأمريكيون غضباً لمداهمة مبنى بعثة النقطة الرابعة وطالبوا باستعادة وثائقهم فأعيدت إليهم ولكن بعد أن افتضحت أسرارهم .

 
----------------------

 
و في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 1967، تدهورت الحالة إلى حد خطير على الحدود بين سوريا وإسرائيل . وكان الإسرائيليون يشكون من المتسللين من سوريا ، وهدد الجنرال إسحاق رابين رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلى وليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل ، بأنه فى وسع إسرائيل أن تحتل دمشق إذا لزم الأمر. وكانت ثمة تحركات عسكرية واصطدامات على الحدود ومعارك بين الطائرات في الجو.

 
وفى ذلك الحين كان أنور السادات في موسكو وهو فى طريق عودته إلى مصر من زيارة قام بها على رأس وفد برلماني إلى كوريا الشمالية، وقابل كوسيجين فى 29 أبريل (نيسان) حيث أبلغ رئيس الوزراء السوفييتى زائره أن لدى الأتحاد السوفييتى معلومات تفيد أن الإسرائيليين حشدوا فيلقين على الحدود السورية.

 
وهدد أشكول مرة أخرى باحتلال دمشق ، وقد أدى تهديده- بالإضافة إلى معلومات كوسيجين إلى عبد الناصر- على الاعتقاد بأن الوضع بدأ يخرج عن سيطرة الجميع .
 
وكانت مصر مرتبطة بسوريا باتفاقية للدفاع المشترك ، وبدأ السوريون يشعرون بالخطر يحدق بهم. فأصدر عبد الناصر أمراً إلى شطر من الجيش المصرى بأن يتحرك إلى سيناء . وكان يعتقد بأن وجود القوات المصرية فى سيناء سوف يكون رادعاً للإسرائيليين عن مهاجمة سوريا .

 
وكان ذلك تحركاً دفاعياً مجرداً يستهدف إبعاد القوات الإسرائيلية عن سوريا كما يستهدف أن يقوم الجيش المصرى بعملياته الحربية لمساندة السوريين إذا هاجمت إسرائيل سوريا ، ولم يكن هناك أى تفكير فى شن عمليات هجومية على إسرائيل .

 
وكانت قوات الأمم المتحدة تربط فى مراكزها فى سيناء .

 
وهكذا وجه رئيس هيئة أركان حرب القوات المصرية- اللواء محمد فوزى- إلى الجزال الهندى ريكى قائد قوات الأمم المتحدة ، رسالة بتاريخ 16 مايو ( آيار) جاء فيها : " لقد أصدرت الأمر إلى القوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة بأن تكون على أهبة الاستعداد إذا بدأت إسرائيل أى عدوان على أى دولة عربية. ولتنفيذ هذه التعليمات فقد حشدت قواتنا بعض وحداتها على الجبهة الشرقية في سيناء. ومحافظة على سلامة قوات الأمم المتحدة المتمركزة فى نقاط التفتيش فإننى أرجوك العمل على سحبها من تلك النقاط . ولقد أصدرت تعليماتى إلى قائد الجبهة الشرقية بذلك راجياً أن تأخذوا علماً بذلك، وتبلغونى بالنتيجة".

 
ومن المهم جداً أن يكون واضحاً ما الذى طلبه محمد فوزى بالتحديد . فهو لم يطلب سوى سحب قوات الأمم المتحدة المتواجدة فى نقاط المراقبة حيث تواجه مصر إسرائيل عبر الحدود بين غزة وإيلات ، تفادياً لأى اصطدام بين قوات الأمم المتحدة والجيش المصرى . ولم يطلب سحب القوات المرابطة فى أمكنة أخرى كشرم الشيخ وغيرها نظراً إلى أنه لم يكن ثمة احتمال لوقوع اصطدام بينها والجيش المصرى ، ونظراً إلى أنه لم تكن ثمة قوات إسرائيلية على الطرف الآخر من الحدود.

 
وأحال ريكى هذه الرسالة على نيويورك حيث تدارسها يوثانت مع مساعده الدكتور رالف بانش المشرف على اتفاق الهدنة. وكان رد فعل بانش أن قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تؤلف كياناً متكاملاً لا يمكن تجزئته فإما أن تقبل كلها أو تذهب كلها.

 
ووافقه يوثانت على هذا الرأى وأبلغ الرئيس عبد الناصر قراره فقال الرئيس : " حسناً ، اذا أردت أن تسحب القوات كلها اسحبها " .

 
ويقول الأسرائيليون هنا إنه كان هناك تعهد بعدم سحب قوات الأمم المتحدة من شرم الشيخ . لكن الواقع ينفى ذلك، فلم يكن هناك مثل هذا التعهد على الاطلاق . ولم يقطع همرشولد للاسرائيليين وعداً كهذا .

 
ويقول الإسرائيليون انهم حصلوا على هذا التعهد من أيزنهاور حينما كان يضغط عليهم للانسحاب من سيناء عام 1956، ويقولون ان لديهم كتاباً منه يفيد أنهم إذا انسحبوا فسيعمل على أن لا يغلق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية . ولكن ذلك لم يكن فى علم مصر، كما أن أيزنهاور لا يستطيع أن يعطيه نيابة عنها.

 
وما أن سحبت قوات الأمم المتحدة من شرم الشيخ حتى عادت القوات المصرية الى احتلالها من جديد ، ولم يعد فى وسع السفن الإسرائيلية المرور فى مرمى نيران هذه القوات .

 
وهكذا استمر التصعيد.

 
وفي الوقت ذاته كان هناك كثيرون- يعملون على تهدئة الموقف .

 
ففي موسكو قال كوسيجين لوزبر الحربية المصرى شمس بدران : " اننا سوف نؤيدكم ، ولكننا نرى أنكم حققتم وجهة نظركم . أما وقد ظفرتم بنصر سياسى ، فقد حان وقت التساهل ، وقت العمل سياسياً " .

 
ولكن يبدو أن الرسالة لم تصل واضحة وأخذ عبد الناصر الانطباع بأن الروس مستعدون لدعم مصر حتى النهاية .

 
على أن أحمد حسن الفقى وكيل وزارة الخارجية كان قد أعد محضراً للاجتماع مع كوسيجبن وأرسله الى الرئيس عبد الناصر مع بطاقة يرجوه فيها أن يقرأ المحضر، ولكن كان ذلك بعد أن كان الرئيس قد ألقى خطاباً تحدث فيه عن التأييد الروسى .

 
-----------------------

 
جاء يوثانت الى القاهرة يحمل مشروعاً قيل إنه يتمتع بتأبيد الولايات المتحدة وكان هذا المشروع يتألف من الفقرات الثلاث الآتية:
 
1- يطلب من إسرائيل أن لاترسل أى سفينة عبر مضائق العقبة ( تيران) لاختبار القرار المصرى بإغلاقها.
 
2- يطلب الى الدول الأخرى ذات السفن التى تمر عبر المضائق أن لاتحمل أى مواد استراتيجية الى إسرائيل .
 
3- يطلب من الجمهورية العربية أن تتريث قبل أن تزاول حق تفتيش السفن التى تمر عبر المضائق .

 
وكان من رأي يوثانت أن المشروع يعطى كل فريق فسحة لالتقاط أنفاسه . وقبل الرئيس عبد الناصر المشروع .

 
كانت واشنطن قد استدعت لوشيوس باتل وأبدلته بريتشارد نولتى سفيراً لها فى القاهرة حيث لم يسعفه الوقت لتقديم أوراق اعتماده . وبالفعل فإنه لم يقدم أوراق اعتماده قط .

 
---------------------------

 
لم يكن السفير قدم أوراق اعتماده ، لكن الأحداث كانت تسير بسرعة مجنونة، فطلب مقابلة محمود رياض وزير الخارجية وسلمه يوم المقابلة فى 23 مايو ( آيار) رسالة من جونسون إلى عبد الناصر.

 
وجاء فى هذه الرسالة أن " الهدف الأسمى والأرفع " هو تجنب القتال .

 
ولكن في اليوم الذى جرى  تسليم الرسالة : أستدعى السفير المصرى في واشنطن لمقابلة يوجين روستو فى وزارة الخارجية الأمريكية وكان جوهر المقابلة كذلك الحث على تجنب القتال ووقف العمليات الحربية فوراً حالما تبدأ .

 
وقال روستو: إن أمريكا أبلغت اسرائيل صراحة " أنها ستناهض أى هجوم على أى دولة عربية " .

 
وفي ذلك الحين بالذات كان كل من أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل ، والجنرال ياريف مدير المخابرات الإسرائيلية، فى الولايات المتحدة . وقد أرسل ياريف إلى واشنطن لأن جماعة العسكرين في إسرائيل كانت تشك في حكومتها بالذات .

 
وكانت فى الولايات المتحدة عناصر زاد هياجها ضد مصر وعبد الناصر وخاصة بعد مداهمة مقر المخابرات المركزية فى تعز. وقد قيل إن تلك العناصر - خصوصا فى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية- سألت ياريف : " ماذا تنتظرون؟ "

 
وعلى وجه التأكيد فقد كان الأخوان والت ويوجين روستو وأرثر جولد برج ممثل أمريكا الدائم فى الأمم المتحدة من الصهيونيين المجاهرين بصهيونيتهم .

 
وفي 26 مايو " ( آيار) استدعى السفير مصطفى كامل من جديد الى الخارجية الأمريكية ليقابل والت روستو هذه المرة الذى كان فى انتظاره يحمل رسالة من جونسون طلب أرسالها فورأ الى عبد الناصر.

 
كان الإسرائيليون أبلغوا جونسون أن مصر ستهاجمهم تلك الليلة . وقد قال جونسون فى رسالته إنه إذا هاجم المصريون وسددوا الطلقة الأولى فإن من شأن الحكومة الأمريكية أن تتخذ موقفاً شديداً للغاية من مصر. وأضاف أن حكومة الولايات المتحدة لن تسمح بحدوث ذلك فى الوقت الذى يجرى الأمين العام للأمم المتحدة مفاوضاته..

 
وفي الوقت ذاته فى القاهرة توجه السفير السوفييتى إلى منزل عبد الناصر على غير موعد.

 
كان ذلك فى الساعة الثالثة صباحاً . وقد طلب إيقاظ الرئيس . وحين استقبله عبد الناصر أوضح له أنه تلقى أوامر من القيادة السوفييتية بأن يقابله فورأ وأن يبلغه أن الأمريكيين اتصلوا بالكرملين وأبلغوا الروس أن لدى إسرائيل معلومات تفيد أن المصريين سيباشرون الهجوم مع أضواء الفجر الأولى .

 
وقال السفير إذا كان ذلك صحيحاً فإن الاتحاد السوفييتى يناشد الرئيس عبد الناصر أن لايقوم بتنفيذ خطته لأن الطرف الذى يطلق الرصاصة الأولى- مهما يكن- سيصبح فى وضع سياسي لا يمكن الدفاع عنه. ولذا فإن الروس - كأصدقاء- ينصحون مصر بعدم اطلاق الرصاصة الأولى .

 
وأجاب عبد الناصر بأنه لم يصدر أوامره بالهجوم ، وأنه ليست هناك خطة للهجوم هذا الصباح .

 
وفى اليوم التالى تلقى"عبد الناصر " رسالة جونسون من السفير كامل وقد فوجىء ودهش من الأمر بأسره . ويبدو أن أبا إيبان توجه إلى الخارجية الأمريكية بلا موعد وطلب مقابلة دين راسك في الحال، قائلا : إن الموقف أخطر من أن يتحمل المجاملات الديبلوماسية لأن " إسرائيل ستتعرض للهجوم والتدمير اليوم " . وكان لا يزال فى وزارة الخارجية يتحدث إلى راسك عندما استدعى روستو السفير المصرى كامل إليها .
 
ودهش عبد الناصر ولم يستطيع أن يفهم من أين حصل الإسرائيليون على روايتهم هذه ، ذلك أنها كانت تخلو من الصحة. ولكى يوضح موقفه ألقى خطابين متتابعين يومي 27 و 29 من مايو (آيار)، قال فيهما: " إننا لن نطلق الرصاصة الأولى . ولن نكون البادئين بالهجوم " . وكان يظن أنه بهذين الخطابين يعقد مؤتمراً صحفيا للعالم بأسره . فقد قطع فى خطابيه تعهداً علنياً  لجونسون والاتحاد السوفييتى بأن لا يبدأ الحرب. وكان الخطابان كذلك جواباً موجهاً إلى الجنرال ديجول الذى بعث إليه برسالة يطلب فيها أن يضبط نفسه ويقول كذلك إنه سيبنى موقفه على أساس معرفته بالطرف الذى سيطلق الرصاصة الأولى .

 
وقد فعل...

 
ظن عبد الناصر أنه أوضح موقفه بلا لبس ولا غموض .

 
-------------------------------

 
في أول يونيو (حزيران) جاء روبرت أندرسون إلى القاهرة يحمل رسالة شفهية من جونسون تفيد أنه قلق من الأحداث، ويشعر بالحاجة إلى مزيد من الاتصالات بين مصر والولايات المتحدة .

 
وذكر عبد الناصر أندرسون بأن جونسون كان قد اقترح فى رسالة سابقة ايفاد نائب الرئيس هيوبرت همفرى إلى القاهرة . وأضاف أنه إذا لم يكن الأمريكيون مستعدين لذلك الآن فهو مستعد لإيفاد نائبه زكريا محيى الدين إلى الولايات المتحدة ، وأشار إلى أنه قبل بمقترحات يوثانت لتهدئة الموقف وتجميد الوضع وأنه سينتهز فرصة هذا التجميد لإرسال محيى الدين لإجراء محادثات مع جونسون فى محاولة لإيجاد صيغة تسوية.

 
واتصل أندرسون بواشنطن وأوصل إليها هذا الاقتراح فتم الاتفاق على أن يسافر محيى الدين إلى أمريكا حيث يكون جونسون فى انتظاره لمقابلته يوم الثلاثاء 6 يونيو (حزيران) .

 
وأخذ زكريا محيى الدين يعد العدة للسفر يوم الإثنين 5 يونيو (حزيران) إلا أنه لم يسافر . ففى صباح ذلك اليوم انقض الإسرائيليون على فسحة الوقت هذه وخنقوها .

 
----------------------

 
وبينما كان جونسون يمطر عبد الناصر بالكلمات والرساثل السلمية، وبينما كان عبد الناصر قد استجاب لرجاءات العالم كله بقبول مقترحات يوثانت لتجميد الأزمة وبالتعهد بعدم إطلاق الرصاصة الأولى وبترتب إيفاد زكريا محيى الدين إلى واشنطن، فإنه ظل يرتاب فى الموقف الحقيقى لأمريكا.

 
وشعر بأن الولايات المتحدة تتكلم مرة أخرى بلسانين على الأقل .

 
ففى 3 يونيو (حزيران)- أى قبل يومين بالضبط من الهجوم الإسرائيلى- قام الأمريكيون بما اعتبره عبد الناصر باستعراض قوة لا لزوم له . ذلك أنهم أرسلوا حاملة الطائرات " انتربيد " عبر قناة السويس وقد اصطفت كل طائراتها على سطحها. وأغضب منظرها المصريين فتجمهروا على ضفة القناة وقذفوها بالنعال القديمة.
 
وفى الوقت ذاته وضع الأسطول الأمريكى السادس على أهبة الاستعداد لمواجهة الموقف، داعماً بذلك استعراض القوة الفاضح الذى نظمه الأمريكيون .

 
-----------------------

 
فى ذلك الوقت توصل أبا إيبان فى واشنطن إلى اتفاق بأن تحافظ الولايات المتحدة دائماً على توازن القوى بين إسرائيل والبلاد العربية. وكان ذلك يعنى أن أمريكا ستضمن أن تظل إسرائيل معادلة في القوة للدول العربية مجتمعة بحيث تظل إسرائيل أقوى من أى دولة عربية منفردة .

 
ونص الاتفاق على أنه في حالة نشوب الحرب لن تقوم الولايات المتحدة على إجبار الإسرائيليين على الأنسحاب من الأراضى المحتلة كما فعلت عام 1956 ولن تسمح بلوم إسرائيل في الأمم المتحدة . كان هذا ما حصل عليه إيبان .

 
ولكن ما من أحد يعرف ما حصل علية ياريف من الأمريكيين .

 
-----------------------

 
وعندما بدأ الهجوم الإسرائيلى أخذت القيادة العليا المصرية على حين غرة فتمزقت اشتاتاً تحت وطأة الغارات الجوية الإسرائيلية . وكان المشير عبد الحكيم عامر يركب طائرته متوجهاً إلى سيناء لزيارة جنوده هناك عندما اكتسحت موجات الطائرات الإسرائيلية المجال الجوى وتدفقت في سماء مصر. وعادت به الطائرة وهبطت في مطار القاهرة الدولى ليجد أنه قصف وأنه ليس به أحد. فركب سيارة تاكسى إلى مقر القيادة العليا حيث بدأ يتلقى التقارير عن الأضرار. وأظهرت هذه التقارير أن السلاح الجوى المصرى دمر بأكمله تقريباً .

 
ولكن عندما وصل عبد الناصر إلى مقر القيادة العليا أخفيت الحقائق عنه . فلم يبلغ بالحجم الحقيقى والكامل للأضرار والإصابات ، كما بالغت القيادة فى عدد الطائرات الإسرائيلية التى أسقطت .

وفى تلك الليلة عندما رفع أخيراً الى الرئيس عبد الناصر تقرير عن الحجم الكامل للفاجعة قيل له- إنه لم يكن فى وسع الإسرائيليبن أن يحققوا ذلك بالاعتماد على أنفسهم وبوسائلهم ، وأنه لابد أن الأمريكيين قد ساعدوهم .

 
ولم يكن عبد الناصر على استعداد لقبول ذلك على علاته وكان قوله:

 
" إننى سوف أصدق أن الولايات المتحدة اشتركت فى الهجوم إذا أطلعتموني على حطام طائرة أمريكية، وما لم ثفعلوا ذلك فسوف أظل متشككا.

 
غير أنه في اليوم الثالث من الحرب أكد له رجال يثق فيهم كل الثقة أن المقاتلات الأمريكية شوهدت فوق المواقع المصرية وأن شارة سلاح الجو الأمريكى شوهدت بوضوح عليها .

 
ومع ذلك فلم يستطع أن يصدق أن الأمريكيين يشتركون في الهجمات والغارات على مصر.

 
غير أنه لم تمض ساعة على استلامه التقارير المتعلقة بمشاهدة الطائرات الأمريكية فوق المواقع المصرية، توجه السفير السوفييتى لمقابلته- وبلا موعد للمرة الثانية.

 
كان السفير يحمل رسالة من جونسون الى عبد الناصر بعث بها عن طريق كوسيجين !

 
وجاء فى الرسالة أن طائرتين مقاتلتين أمريكيتين اضطرتا إلى المرور فوق المواقع المصرية في طريقهما لإنقاذ الباخرة الأمريكية " ليبرتي " التى هاجمها الإسرائيليون . وقد أراد جونسون من كوسيجين أن يبلغ عبد الناصر ذلك حتى يكون ذلك دليلا على صدقه.

 
لكن عبد الناصر شم رائحة الخديعة فى ذلك كله.

 
فقبل كل شيء حلقت الطائرات الأمريكية فوق المواقع المصرية. وثانيً وصل كتاب جونسون عن طريق كوسيجين . وبالتالى فإن الكتاب لم يكن موجهاً إلى مصر بل كان موجهاً إلى الروس في مسعى لعزل الاتحاد السوفييتى وتعميته وتمويه عملية تنفذ ضد مصر . وثالثاً ، علم الرئيس عبد الناصر بأن " ليبرتي " هى سفينة تجسس كانت تسترق السمع إلى مخابرات الجيش المصرى وتفك شفرتها... ومن يعلم إلى أين كانت تؤول وتتجه تلك الرساثل بعد فك رموزها ؟

 
وهكذا بدأ عبد الناصر يلمح خيوط التواطؤ .

 
وقد جاء فى الصحف الأمريكية أنه حينما ذهب والت روستو إلى الرئيس جونسون ليبلغه نبأ الهجوم الإسراثيلى، التفت جونسون إلى الليدى بيرد قائلا :

" يبدو أننا نواجه حربأ بين أيدينا " .

 
وكان لبعض هذه الكلمات وقع خاص عند عبد الناصر، مئل كلمة " عندنا " وكلمة " أيدينا ". وهنا طفت إلى السطح جميع شكوكه وريبته السابقة فى جونسون ، وعندما جمع بينها وبين واقعة تحليق الطائرات الأمريكية فوق المواقع المصرية، وواقعة رسالة كوسيجين وواقعة السفينة " ليبرتي " : بدا له أن من المستحيل ألا تكون الولايات المتحدة قد لعبت دورأ ما فى العدوان .

 
لم يعرف الرئيس عبد الناصر بالضبط كيف تورط الأمريكيون فى الأمر ، لكن كان كل شيء يشير إلى تورطهم . وكان ذلك منطقياً مع تجارب سابقة فإن أحدا لم يعلم بالحقائق الكاملة للتواطؤ البريطانى الفرنسى مع إسرائيل إلا بعد أربعة أو خمسة أعوام من حملة السويس، فلا بد أن التواطؤ الأمريكى هذه المرة سيبقى مغلفاً بالأسرار.

 
وأثارت شبهته واقعة أخرى جرت فى الأمم المتحدة فى اليوم الأول من الحرب . فأولا قال رئيس الوفد الأمريكى جولدبرج : إن الولايات المتحدة لا تعرف من بدأ القتال . لكنه مضى بعد ذلك فسلم بصحة الرواية الإسرائيلية التى زعمت أن مصر هى التى بدأت الهجوم .

 
وشعر عبد الناصر بالتقزز من جونسون ، وأحس بأن الخديعة كانت على نطاق واسع وأنه فى الوقت الذى كان الرئيس الأمريكى يبعث إليه بالرسائل - مناشداً إياه الحفاظ على السلم- كان الأمريكيون يتأهبون للتورط فى العدوان الإسرائيلى .

 
----------------------------
 
ومن هنا، فقد اتهم جونسون بالتواطؤ وقطع العلاقات الديبلوماسية مع الولايات المتحدة وأمر بترحيل جميع الأمريكيين عن مصر. وحذت حذوه دول عربية عدة ، وسرعان  ما اضطر جونسون- الذى أغضبته تهمة التواطؤ- إلى أن يراقب المشهد المذل المهين لأربعة وعشرين ألفاً من الأمريكيين أطفالا ورجالا ونساء يطردون من الشرق الأوسط .

 
لم ينس جونسون ذلك ولم يغفره إطلاقاً .

 
وظل الوضع هكذا إلى نهاية عهد جونسون . ظل الوضع لا ينطوى إلا على الريبة والكراهية المتبادلة بين جونسون وعبد الناصر. وذات يوم فى نهاية سنة 1967، وجه جونسون الدعوة إلى سفراء أربع دول عربية- لم تقطع علاقاتها مع بلاده -  لتناول الغداء على مائدته فى البيت الأبيض .

 
وكانوا سفراء : المملكة العربية السعودية وتونس ولبنان والكويت وقد أراد جونسون بدعوتهم أن يقيم الدليل على أن أمريكا ليست معزولة تماماً عن العالم العربى .

 
وجلس السفراء إلى المائدة يأكلون بينما راح  جونسون يداعب كلبه المدلل " بيجل " ويلاعبه ويطعمه من فتات المائدة بينما كان السفراء العرب يتحدئون عن الوضع فى الشرق الأوسط . وإذا بجونسون يقول لهم فجأة :

 
" أيها السادة. دعونا من الكلام فى السياسة. ولنجعل من غذائنا مناسبة اجتماعية تماماً ".

 
وأخذوا يتجاذبون شتات الحديث الى أن نادى جونسون كلبه وأخذ يتحدث إليه متسائلا:

 
" ماذا أستطيع أن أفعل؟.. رجل يضايق جاره ضيقاً شديداً إلى أن فرغ صبر الجار فأمسك به وضربه علقة ساخنة فماذا أستطيع أن أفعل من أجله؟ " 

 
وكانت تلك نهاية الهبوط في نظرة عبد الناصر إلى ليندون جونسون !

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول محمد حسنين هيكل
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن محمد حسنين هيكل:
عبد الناصر والعالم 1- مقدمة - محمد حسنين هيكل


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية