Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 28
الأعضاء: 0
المجموع: 28

Who is Online
يوجد حاليا, 28 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

محمود كعوش
[ محمود كعوش ]

·حرق الأقصى المبارك...ذكرى جريمة لا تسقط بالتقادم!! - محمود كعوش
·نصدق من ونكذب من !! بقلم: محمود كعوش
·لا لا لا...ما هكذا تورد الإبل يا عباس !! بقلم: محمود كعوش
·في جمعة الغضب نصرةً للمسجد الأقصى المبارك بقلم: محمود كعوش
·خير الكلام ما قَلَّ ودَلْ !! بقلم: محمود كعوش
·غسان كنفاني...شهيد الكلمة الحرة والنقاء النضالي بقلم: محمود كعوش
·لقد طفح الكيل يا سيسي !! لقد طفح !! بقلم: محمود كعوش
·دراسة حول الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين في نيسان بقلم: محمود كعوش
·ذكرى جريمة ارتكبها كتائبيون حاقدون بدم بارد بقلم: محمود كعوش

تم استعراض
50356963
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
جمال عبد الناصر وإشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية ,(1) .. عوني فرسخ
Posted on 14-9-1428 هـ
Topic: عوني فرسخ




جمال عبد الناصر
وإشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية                   
عــونـى فــرسـخ
مقدمة :
            منذ لحظة تحركه ليلة 23 يوليو / تموز 1958 ، وحتى التحاقه بالرفيق الأعلى يوم 28 سبتمبر / أيلول 1970 لم يتوقف جمال عبد الناصر عن محاولة حل إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية ، وأنه لم يثبت على أسلوب معين ، وإنما كان دائم الاجتهاد فى تطوير مؤسسات العمل السياسى ، متجاوزاً فى كل تجربة جديدة ما تكشف خلال التجربة السابقة من قصور . وتواجه الباحث فى إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية فى التجربة الناصرية أربعة تساؤلات :
الأول : هل الرئيس عبد الناصر هو الذى وضع نهاية النظام شبه الليبرالى فى كل من مصر وسوريا ؟ أم أن ذلك النظام كان قد سقط بمصر قبل الثورة وفى سوريا قبل الوحدة ، وأن سقوطه كان من أبرز عوامل تفجر الثورة فى مصر ، وانـدفـاع نخـب سوريـا وجمهـورهـا فى طلـب الوحـدة مع " مصر عبد الناصر " ؟
الثانى : هلى كان الرئيس عبد الناصر ديمقراطياً وإن تجاوز الليبرالية فكراً وممارسة ؟ أم أن ذلك التجاوز لم يكن إلا نتاجاً طبيعياً لمعاداته الديمقراطية بحكم نشأته العسكرية ، ونزعة تسلطية متأصلة لديه ؟
الثالث : مـا مـدى مـلاءمـة أو عــدم مـلاءمـة النهـج الـذى اعتمـده الـرئيس عبد الناصر فى حل إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية لواقع مصر وسوريا ، وما مقدار توافقه - أو تناقضه - مع الأسلوب الديمقراطى الأكثر تقدمية المعتمد فى العالم الثالث يوم ذاك ؟
الرابع : هل تمخضت الإجراءات الناصرية ؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن معوقات موضوعية للتقدم الديمقراطى فى مصر وسوريا خاصة ، وفـى الوطن العربى عامة ؟ أم أنها على العكس من ذلك خطت - بالواقع العربى العام والمصرى والسورى الخاص - خطوات واسعة باتجاه ديمقراطية عربية بمقياس العصر ؟
          هذا ونلاحظ أن هذه الدراسة تجىء فى مرحلة من حياة الأمة العربية والعالم الثالث من أبرز سماتها احتلال قضية الديمقراطية وتوفير آليات العمل الأهلى مساحة واسعة من الأديبات العالمية ، خاصة فى دول العالم الثالث ، والدول العربية على الأخص ، وأن الحديث عن الديمقراطية يجرى على ألسنة كثيرين ؛ عرباً وغير عرب . والمؤشرات كثيرة على أن الاهتمام البادى على السطح لا يعود فقط لما تعانيه الساحات العربية ؛ من ضيق هامش الحريات ، وعدم الالتزام بالنصوص الدستورية فى بعض الأقطار ، وغياب كامل للمؤسسات الدستورية فى بعضها الآخر ، كما لا تقتصر دوافعه على تزايد الوعى بأن الديمقراطية فى مقدمة ما هو مطلوب لاستنهاض الحراك الشعبى السياسى / الاجتماعى من انتكاسته فى العقود الثلاثة الأخيرة ، وإخراج المواطن العادى من حالة عدم المبالاة تجاه هدر الإمكانيات ، وتبديد الطاقات ، وتدهور الفعالية العربية قطرياً وقومياً .
          وهناك مؤشرات على ضغوط خارجية باتجاه قيام شكل من الليبرالية يتلاءم مع حالة الانفتاح الاقتصادى المتسارعة ، والتوافق مع العولمة بمواصفاتها الأمريكية .
          وفى تقديرنا أننا مطالبون بوقفة مع التجربة الناصرية فى مجال البناء الديمقراطى ، تستهدف بيان نواحى النجاح والقصور ، واستعراض العوامل الموضوعية والذاتية التى تسببت فى السلبيات التى لا تنكر ليس فقط لجلاء حقيقة ما كان ، وفضح زيف الادعاءات المضادة ، وإنما أيضاً للمساعدة فى فهم الأبعاد الحقيقية للطروحات " الديمقراطية " المعاصرة ، ولمساعدة القوى التى ما انفكت ملتزمة بالثوابت الوطنية والقومية فى التصدى للتحديات الخطرة التى تلوح نذرها فى الأفق ؛ ذلك لأن فى معرفة حقائق الماضى ما يساعد فى فهم معطيات الحاضر ، واستشراف احتمالات المستقبل .
أولاً : أسس تقويم إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية فى التجربة الناصرية :
          يكاد يجمع علماء السياسة والاجتماع على أن تعريف الرئيس الأمريكى " إبراهام لنكولن " لمصطلح " الديمقراطية " هو التعريف الأبسط والأدق ، فهو يقول : " إن الحكومة الديمقراطية حكومة الشعب ، من الشعب ، لمصلحة الشعب" (1) . وفى حدود هذا التعريف يغدو منطقياً القول إن للديمقراطية شرطين تتحقق بوجودهما معاً ، وتكون منقوصة إذا توفر أحدهما دون الآخر ، وتكون نسبية بدرجة الالتزام بكل منهما فى الممارسة . أما الشرطان فهما : أن يكون الحكم معبراً عن إرادة الشعب وحائزاً على قبوله ، وأن يكون ملتزماً بمصلحة الشعب وطموحاته ، وعاملاً على تنفيذها ، ولما كان الشعب متعدد المصالح والطموحات ؛ فالشىء المنطقى والأكثر عدالة أن تحتل مصالح وطموحات الأغلبيـة الأولويـة ، وعليـه تتحقـق الديمقراطية حيث ينتفى التناقض العدائى فيما بين الحكم وغالبية الشعب . وتتفرع عن هذا التعريف خمس مسائل :
1- كل محاولـة لـربـط الديمقراطيـة بأسلوب معين من الحكم أو قصرها على شكل محـدد مـن المؤسسات محاولـة غير علميـة ، وغير ديمقـراطية ، وهـى بـالتالى محاولة مضللة لا يعتد بها .
2- حيثما تحقق شرطا : توافق الحكم مع الإرادة الشعبية ، والتزامه بمصالح الأكثريـة ، قامت الـديمقراطيـة بصرف النظر عن الكيفية التى يتم بموجبها التوافـق مع الإرادة الشعبية ، والنهج المتبع فى تحقيق مصالح الأكثرية .
3- إن البحث عـن التوافـق مـع الإرادة الشعبيـة ، وعـن الالتـزام بمصـالح الأكثريـة ، ما يجعل عملية تقويم تجارب الحكم موضوعية ، وخلاف ذلك تقديم الشكل على المضمون ، والقصور عن تقديم تقويم سليم ومنصف . 
4- ليست العبرة بالنصوص والمؤسسات الدستورية ، وتوفـرهـا كاملة أو منقوصة ، ولا بما هو متاح لفئة محدودة من الشعب ، وإنما الاعتبار الأول والأهم الممارسات العملية ، وبالذات الفرص المتاحة للأغلبية كى تمارس التعبير الحر عن إرادتها ، وبمقدار التزام الحكم بمصالح الأكثرية وما ينجزه على طريق تحقيقها ، وما يتخذه من إجراءات مادية ومعنوية لتحسين قدرة الأغلبية على ممارسة حقوقها الدستورية ، وطبيعة علاقته بالجمهور : هل تقوم على الصدق والصراحة وتستهدف التوعية السياسية والاجتماعية ، أم تغلب عليها " الديماجوجية " والوعود الخادعة ، وأساليب القهر ، واستلاب الإدارة .
5- يظل تحديد مدى وجود - أو انتفاء - التناقضات العدائية فيما بين الحكم والغالبية فى مقدمة أسس تقويم التجارب الديمقراطية ؛ لأن فى ذلك تحديداً ليس فقط لمدى تعبير الحكم عن الإرادة الشعبية ، والتزامه بمصالح الأكثرية ، وإنما أيضاً بيان طبيعة المعارضة ، ومدى تعبيرها عن إرادة ومصالح الأكثرية أو تناقضها مع الأمرين .
          ولقد تطورت الممارسة عبر الزمن بتطور المجتمعات ، وبحيث انتهت إلى وجـود ثلاث مؤسسات تمارس الديمقراطية من خلالها ؛ المؤسسة التنظيمية ( الأحزاب وما فى حكمها ) ، والمؤسسة التمثيلية ( المجالس النيابية وأمثالها ) ، ومؤسسات الإعلام ( الصحافة والإذاعة والتلفزيون ) . غير أنه فى كل مجتمع تحدد الطبقة أو الطبقات الأشد تأثيراً فى صناعة القرار شكل المؤسسات الأكثر ملاءمة لاحتفاظها بمكاسبها ، ومراكمة تلك المكاسب ، وفى تمايز المـؤسسات الدستورية الأمريكية عن الأوروبية ، وفى اعتماد ديجول سنـة 1958 الاستفتـاء الشعـبى كآليـة ديمقـراطيـة ، وفى تصـاعـد الحـديـث فى أعقـاب الحـرب العالمية الثانيـة عـن قصـور الليبراليـة ، وبـروز مصطلح " الديمقراطية الاجتماعية " فى الأدبيات الأوروبية برهان على ذلك .
          وعلى مقوم الديمقراطية لمجتمع معين أن يبحث عن مدى ملاءمة المؤسسات القائمة للتعبير عن الإرادة الشعبية ، ومستوى الالتزام بمصالح الأكثرية على صعيد المؤسسات الثلاث، وعلى ذلك يغدو فى مقدمة ما هو مطلوب من المقوم تحديد العوامل الاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية المؤثرة فى الاختيارات السياسية لأفراده ، وفى تعبيرهم الحق عن إرادتهم ، وإدراكهم الواعى لمصالحهم ، وقدرتهم على ترجمة ذلك الإدراك إلى مواقف عملية بإرادة حرة .
          والثابت أن الظروف الموضوعية والذاتية فى الوطن العربى لم تيسر قيام ديمقراطية سليمة فى أى قطر عـربى ، منـذ تشكيل مجلس " شورى النواب " بمصر سنـة 1866 ، برغم تعـدد المحاولات فى أكثر من قطر عربى ، ومن مختلف ألوان الطيف السياسى والفكرى ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، وصدق جهود العديد من المناضلين فى سبيل الحياة الدستورية والحريات العامة .
وكان منطقيـاً والحـال كذلك أن يكتب د. عصمت سيف الدولة منبهاً : " إن أى حديث عن مشكلة الديمقراطية فى مصر العربية ، أو أى قطر عربى آخر ، لابد له - إن أراد أن يكون علمياً - من أن ينطلق من حقيقة أن الديمقراطية ليست مجرد نظام دستورى نطبقه ، بل حياة دستورية نسعى إلى تحقيقها . لا يكون السؤال هو : هل ثمة نظام ديمقراطى بمقياس العصر أم لا ؟ بل هو : هل نحن نتقدم نحو نظام ديمقراطى بمقياس العصر أم لا ؟ وتكون كل خطوة فكـرية ، أو قانونية ، أو سياسية ، أو اقتصادية ، أو اجتماعية ، أو تربوية تحررنـا ، أو تساعد على تحريرنا من قيود التخلف الديمقراطى ، الذى يبقى هدفاً إلى أن يستحقه الشعب ، وهو يستحقه حين يستطيع أن يفرضه " (2).
ثانيـاً : هل كان عبد الناصر مجرد ضابط قاد انقلاباً ؟
          حقاً إن الانقلابات العسكرية التى شهدها المشرق العربى فى خمسينات القرن العشرين وقعت فى عقد واحد ، وبتأثير عوامل اجتماعية سياسية تكاد تكون واحدة ، وجميع الضباط الذين شاركوا فيها من أبناء الطبقة الوسطى ، غير أن ذلك لا يبرر مطلقاً اعتبار جميع الانقلابات والقائمين بها سواء ، كما هو شائع فى أوساط ناقدى " العسكرتاريا " العربية ، خاصة الذين وجدوا فى التهجم على " العسكر " مشجباً ( شماعة ) يعلقون عليه عجزهم وقصورهم عن تقديم الاستجابة الفاعلة لتجاوز واقع مأزوم ، خلال العقود الثلاثة الأخيرة بعد أن تراجع دور العسكر نسبياً فى صناعة القرار ؛ وذلك لأنها نظرة غير موضوعية ولا أمينة تُسقط بشكل متعمد تمايز بنية الجيوش العربية ، وتتناسى التمايزات القائمة فى مستويات تجانس واندماج الأنسجة الاجتماعية العربية ، واختلاف ظروف الانتساب للجيش فى الأقطار العربية . كمـا أنهــا لا تفــرق - بقصـد أو بــلا قصـد - بين الانقلابـات التى نفـذهـا رؤساء الأركان وكبار الضباط ، بترتيب مع المخابرات الأجنبية ، وبين تلك التى دبرها صغار الضباط الذين أدركوا على أرض فلسطين أن استئصال الفساد الـداخلى هو المقدمة الطبيعية لمواجهة العدوان الخارجى .
          وعليه فإنه عند الحديث عن الموقف من إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية ، ليس من الموضوعية فى شىء النظر لقادة وضباط الانقلابات العسكرية بمنظار واحد ، واعتبارهم جميعاً " عسكـراً " ، فمـا يصح فى حال حسنى الـزعيـم لا يصح مطلقـاً بالنسبـة لعبد الناصر ، على الرغم من أن كلاً منهما قام بانقلاب اختتمت به المرحلة الليبرالية فى قطرين عربيين ، الخصائص المتماثلة فيهما أشد تأثيراً فى حراكهما السياسى / الاجتماعى من الخصائص المتمايزة ، وذلـك راجـع إلى مـا ثبت علمياً مـن أن ممارسات صاحب السلطـة فى العالم الثالث - والأقطار العربية فى المقدمة منها - شديدة التأثر بخلفيته الاجتماعية ، ومستواه الثقافى والفكرى ، ومدى التزامه الوطنى، وصلابته فى مواجهة المداخلات الخارجية والضغوط الاستعمارية .
          وبالعودة لتاريخ حركة " الضباط الأحرار " بمصر ، نجد أن جمال عبد الناصر بدأ محاولة تشكيلها مبكراً ، ثم تضاعف نشاطه التنظيمى وهو على أرض فلسطيـن، كما استأنفـه بعـد عودتـه مـن حصار الفالوجة . وفى سنة 1949 تشكلت اللجنة التأسيسية الأولى ، وانتخب رئيساً للجنة التنفيذية ، وصدر إثر ذلك المنشور الأول (3) . ويومها تواجـدت فى الجيش تنظيمات تابعة لكل من المنظمات اليسارية والإخوان المسلمين، ولم تعدم الأحزاب التقليدية ، بما فيها الوفد وجود أنصار لها بين كبار الضباط ، علماً بأنه ليس هناك ما يدل على أن الوفد سعى إلى أن يكـون له تنظيـم عسكـرى ، وكما كان للملك أنصاره .
          إلا أن تنظيم " الضباط الأحرار" سرعان ما استقطب أفضل عناصر التنظيمات الأخرى ، بحيث أصبح التنظيم الأكثر فاعلية ودوراً ، وذلك راجع لتفاعل عاملين : كفـاءة عبـد الناصر التنظيمية ومميزاته القياديـة ، وما تميز به التنظيم مـن كونه أقــرب مـا يكـون إلى جهـة وطنيـة شبابيـة، تمثل كل الطبقات الاجتماعية الصاعدة، ومختلف المدارس الفكرية السائدة فى الشارع المصرى آنذاك ، فى حين كان برنامجه يتضمن نقاط الالتقاء فيما بين التنظيمات الراديكالية ، كما كانت تعكسها أدبيات الوطنيين ، والاشتراكيين ، والإخوان ، والشيوعيين . وبحيث يمكن القول إن التحالف الذى تعذر تحقيقه فى الشارع السياسى المصرى حينذاك ، تحقق بعمق فى تنظيم الضباط الأحرار (4) .   
          أما كيف استطاع جمال عبد الناصر أن يقود ذلك التركيب غير المتجانس ويحتفظ بتماسكه ، برغم ما كانت تشهده الساحة السياسية من صراعات حادة بين أطرافه المدنية ، فذلك يعود بدرجة رئيسية لما عرف به من صفات قيادية ذاتية ، كما يكاد يجمع على ذلك دارسو سيرته من العرب والأجانب ، فقد كان بين رفاقه الأكثر رصانة ، والأقل كلاماً ، والأحسن استماعاً ، والأقدر على حل المشكلات ، والأوسع اتصالاً بمختلف الضباط ، والأعمق وعياً ، والأشد حرصاً على تطبيق العدالة ، ولم يكن متعصباً لأيدولوجية معينة ، أو منغلقاً ضد أيديولوجية معينة ، وإنما كان منفتحاً تجاه الشيوعيين ، والإخوان المسلمين ، ومصر الفتاة ، وكافة القوى السياسية ، وإن بدرجات متفاوتة (5) .
          كما كان قارئاً ممتازاً ، وبخاصة الكتب التى تعنى بالاستراتيجية وتاريخ المنطقة . وكان مؤمناً بضرورة قيام ثورتى الاستقلال الوطنى والتغيير الاجتماعى معاً ، ويرى أن فشل ثورة 1919 نتيجـة التركيز على الأولى وإهمال الثانية (6) . ولقـد نجح بالانتخاب رئيساً للجنة التنفيذية مـرتين قبـل 23 يوليو / تمـوز 1952 . إلا أنه كان الأول بين متساوين ، إذ لم يكن زعيماً مطلق الصلاحيات ، ولا كان رفاقه يطيعونه طاعة عمياء .
          وحـول أسلـوب عمـل " عبـد الناصر فى مجلس قيـادة الثورة " كتب د. سيف الدولة يقول : " لقد كان أكثر علماً ، وأوفى درساً ، وأعمق تحليلاً ، وأبعد نظراً ، وأكثر ديمقراطية بكثير ، كان قبل أن ينعقد المجلس بمثابة سكرتير لهم ، يجمع عناصر الموضوع ويبوبها ثم يعرضها ، وحين عرضها كان أستاذاً يعرض عليهم ما يثيره الموضوع من آراء مؤيدة وآراء معارضة ، ثـم بعد عرضه كان يستمع إلى كل الآراء بدون مقاطعة أو تسفيه أو استنكار أو استعلاء ، فإذا عرض رأيه فهو يعرضه عرض العالم الدارس المحلل ، ويؤيده بحجته ، ولا يكتفى بل يعرض عليهم الحجج المضادة لرأيه ، ثم يصدر القرار، ليس هو الذى يصدره ، كانت القرارات فى مجلس قيادة الثورة تصدر بالأغلبية " (7) .
          وحـول ثقـة رفاقـه بـه وشعورهـم نحـوه كتـب مـوسى صبرى يقول : " أعطى أنور السادات صوته فى مجلس الثورة مع عبد الناصر دائماً ، وأعلن أنه يؤيد كل قرار يصدره عبد الناصر حتى لو كان غائباً ، وضع السادات صوته فى جيب عبد الناصر تعبيراً عن الثقة المطلقة ، واقتناعاً كاملاً بـأن عبـد الناصر رجـل عميق التحليل للأمـور ، وصائب الرأى فى الوصول إلى قراره ، ولا يتعجل ، ولا يصدر القـرار إلا بعد دراسة كاملة لكل جوانبه ، وثبت هذا فى اجتماعات مجلس قيادة الثورة " (8) .
          وهكذا يتضح أن عبد الناصر بدأ قائداً منظماً متميزاً بأسلوب فى غاية الليبرالية مـع زملائه فى حركة " الضباط الأحـرار " قبل الثورة وطوال حياة " مجلس قيادة الثورة " ، الذى حل بعد إعلان الحياة الدستورية فى يونيو / حزيران 1956 . ومع أن " السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة " ، كما كان يقول جواهر لال نهرو ، إلا أن تمتع عبد الناصر بسلطات شبه مطلقة لم يفسده ، ولم يحوله عـن أسلوبـه فى التعامل مـع شركاء الحكـم والحـوار .
          وهـذا ما يؤكده خالد العظم - بعد سنوات من الانفصال - إذ كتب حول مشاركته فى مفاوضات الوحدة ، موضحاً أنه لدى اجتماع الوفدين المصرى والسورى وزع عليهم بيان بالأسس المقترحة لقيام الوحدة ، فطلب تأجيل البحث فيه ليتسنى لهم دراسة المشروع دراسة مستفيضة ، فأجيب إلى طلبه ، وفى الجلسة التالية دار جـدال طويـل بينـه وبين عبـد الناصر حـول طلبه إجـراء انتخابـات نيابية جديـدة ، وألا تتجاوز المدة بين إصدار الدستور المؤقـت والـدستـور الـدائم الشهر ، ويـذكر أن عبـد الناصر تقبـل وجهـة النظـر المخالفـة بـروح سمحـة ، وكان يناقش بهـدوء وبرغبـة ظاهـرة فى إقناع مخاطبه ، وإن الجـدال انتهـى دون تغييـر فيمـا تضمنـه البيان (9) ، ممـا يعنـى أنـه اقتنـع بوجهـة نظر عبد الناصر وإن كان لـم يـذكـر ذلك صراحـة .
          وحول الخلفية الفكرية لعبد الناصر كتب د. سعد الدين إبراهيم يقول : " ينبغى التفريق بين وجود نظرية كاملة للثورة ، وبين وجود فكر ثورى لهذه الثورة . لقد كان عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة ومعظم الضباط الأحرار ، منفتحين على التيارات الفكرية والحزبية التى كانت مصر والمنطقة العربية تموج بها فى الأربعينات والخمسينات ، كما كان عبد الناصر أثناء قيامه بالتدريس فى كلية أركان الحرب من 1949 – 1951 دائم الاستخدام لمكتبتها ، ولقد انكب على قراءة أدبيات الحـركة الاشتراكية الفـابية ، وكل كتابـات العالم الاجتماعى الإنجليزى هارولد لاسكى ، كما كان قارئاً لكتابات طه حسين ، وتوفيق الحكيم ، وحسن البنا ، وقد اهتمت الثورة فى أعوامها الثلاثة الأولى بإصدار سلسلة كتب ( اخترنا لك ) التى حوت ترجمات للأدبيات العالمية فى الفكر الاجتماعى السياسى ، وحرص عبد الناصر على كتابة مقدمة لكل من هذه الكتب المترجمة، والمتفحص لهذه المقدمات يخلص بلا عناء إلى أن عبد الناصر لم يكن قارئاً فقط ، وإنما كان محللاً وناقداً لمعظم هذه الأدبيات " (10) .
          لم يطل الزمن بعبد الناصر على المسرح السياسى العربى حتى تحول إلى قائد للحركة القومية العربية الصاعدة ، والزعيم المستقطب للملايين ما بين المحيط والخليج ، وبحيث امتلك سلطة معنوية حيث لم تكن له أدنى سلطة مادية ، وما كان ذلك ليكون لولا أنه جسد فى فكره ومواقفه شروط التحول إلى قطب مبلور الشعور القومى .
          وفى إيضاح ذلك كتب د. برهان غليون : " كان عربياً شديد الاعتزاز بعروبته ، من دون أن يمنعه هذا الاعتزاز من رؤية نواقص مجتمعه وعيوبه ، وكان تحديثياً مقتنعاً يرفض الحلول التقليدية وروح المحافظة لدى النخبات القديمة ، دون أن يكـون تغـريبياً فجـاً يسكنه الشعـور بالنقص تجاه الغرب ، كما كان أبو رقيبة مثلاً ، وكان مؤمناً من دون أن يكون متزمتاً أو دجالاً يستخدم الدين لنيل الحظوة والسمعة . وباختصار كان نموذجاً للوطنية العربية التى كانت تبحث عن رموز لم توفق فى العثور عليها منذ بداية الثورة العربية فى مواجهة الحكم التركى ، وبفضل ما كان يتمتع به من استقلال فى الرأى وإرادة قوية، وإحساس عميق بالتاريخ ، واستعداد للتضحية، نجح عبد الناصر فى أن يجذب إليه ويستقطب جميع الآمال والتطلعات التى لم يتوقف الفكر السياسى العربى عن تغذيتها ورعايتها منذ النهضة، والتى كان يحلم فى سبيل تحقيقها بمجىء ذلك المستبد العادل " (11) . 
ثالثاً : من الليبرالية إلى تجاوزها فكراً وممارسة :
          لدى دراسة " الضباط الأحرار " الموقف من الأحزاب انقسموا إلى جماعتين : الأولى بقيادة عبـد الناصر ، تـرى إجراء الانتخابات النيابية بعد ستـة شهـور . والثانيـة يقودها عبد اللطيف البغدادى ، ترى أنه لا يمكن لغيـر " الضباط الأحرار " إنجاز الأهداف التى نادت بها منشوراتهم ، وأن قيادات الأحزاب لا يمكن أن تؤمن بأهداف لا تتفق ومصالحها ، وبالتالى فهى غير مؤتمنة على تحقيقهـا ، مما سيجعل الصدام معها محتماً ، وعند الاقتراع تعادلت الأصوات ، فرجح محمد نجيب الاتجاه الذى يقوده البغدادى ، فاعتزل عبد الناصر رفاقه والتزم بيته ، وكتسوية للخلاف أخذ برأيه القاضى بمطالبة الأحزاب بتطهير صفوفها (12) .
          وفى 31/7/1952 طلب إلى الأحـزاب تطهير صفوفها أسوة بالجيش، وما أن باشرت الأحزاب ذلك حتى تفجرت الخلافات داخل كل منها ، فيما بين قيادات الصف الأول على خلفية الاتهام بعدم النزاهة والخروج على الانضبـاط الحزبى ، كما نشبت فى كل منها صراعات بين الحرس القـديم ورجالات الصف الثانى المتطلعين لأدوار قيادية ، وبدا وكأن دعوة التطهير فخ نصب للأحزاب فوقعت جميعها فيه ، دون أن تدرك قياداتها أنها بصراعاتها أضعفت مواقف جميع الأعضاء فى مواجهة الضباط الشباب ، مما يدل على قصور وعى النخب القائدة ، وتقديمها مصالحها الذاتية على مصالح أحزابها .
          كما اشتبكت الأحزاب فيما بينها حول أيهما الأحق بأن يكون " حزب الثورة " ، إذ هيئ لقياداتها أن الثورة لابد لها من حزب يجمع الجماهير من حولها ، فكان الوفد بما له من ماضى يتصور أنه صاحب الحق التاريخى فى السلطة ، فيما يرى " الإخوان المسلمون " أنهم الأحق بحكم الدعوة التى يرفعون شعاراتها . وتسابق قادة الطرفين ، وقادة جميع الأحزاب على باب عبد الناصر - حين تبينوا أنه القائد الفعلى - كل يزكى نفسه ويطعن بالآخرين، وبذلك تشوهت صور الجميع أمام الضباط ، خاصة عبد الناصر الذى عبر عن إحساسه بالمرارة بصيغة عميقة الدلالة فى كتاب " فلسفة الثورة " ، وبتأثير ذلك أخذ يتراجع عن الموقف الليبرالى الذى عرف به فى الأيام الأولى، وصار أقرب إلى تبنى الـرأى القائل بمسئولية الثورة عن إنجاز مبادئها (13) .
         
وما إن اطمأن " الضباط الأحرار " لقوة مركزهم حتى كلفوا لجنة فنية وقانونية بإعداد قانون للإصلاح الزراعى (14) ، وفى الوقت ذاته عقدوا جلسة حوار مع فـؤاد سراج الـدين ، رجـل الـوفـد القـوى ، أبـدى خلالها حرصه على عـودة الحياة النيابية وعـدم ارتياحـه للحـديث الـدائـر حـول الإصـلاح الزراعى (15) .
          وبرغم ما بدا من أن الوفد رفض الإصلاح الزراعى ، ومعارضة كل من : رئيس الوزراء على ماهر ، وعضوى مجلس الوصاية بهى الدين بركات ورشاد مهنا ، صدر فى 9/9/1952 القانون رقم 178 بتحديد الملكية الزراعية وتنظيم العلاقات الزراعية ، مما يؤكد الجرأة فى اتخاذ القرار، وحسن قراءة الواقع السياسى / الاجتماعى بمصر، إذ راهنوا على تأييد الجماهير ، وضعف مركز القوى المحافظة ، وقد استقبل القانون بتأييد جماهير الشعب والقـوى التقدميـة كافـة ، فيما كانت المعارضـة هامشية للغاية (16) . وبالنتيجة كسب " الضباط الأحرار " تأييد الساحة الداخلية ، وحققوا رصيداً شعبياً بعد أن اتضح انحيازهم للغالبية ونهجهم الاجتماعى .
          وينظر لقانون الإصلاح الزراعى باعتباره " القانون الديمقراطى الأول فى تاريخ مصر الحديث " ، إذ تضمن محاولة حل المشكلة الديمقراطية بالنسبة لأغلبية الشعب مـن الفـلاحين ، بالحد من قوة الإقطاعيين وكسر شوكتهم ، وتحطيم ما تراكم من هيبة طاغية فى الريف ، وبخلخلة القيود التى تكبل وتشل إرادتهم بتشجيعهم على التمرد والفكاك من التبعية ، وتدريبهم على الجرأة على تحدى استغلال الملاك وهيبة الإقطاعيين (17) .
          كما أنه فى قبول استقالة وزارة على ماهر بسبب معارضة رئيسها وغالبية أعضائها إصدار قانون اعتبروه " ثورياً " ، وتحدى الوفد بعد اتضاح موقف رجله القوى من الإصلاح الزراعى ، ما يؤشر على بداية مرحلة الصدام المتصاعد مع قوى اليمين على اختلاف انتماءاتها الحزبية والفكرية .
          ولأن عمليات تطهير الأحزاب لم توفر القناعة بسلامة إجراءاتها صدر القانون رقم 179 لسنة 1952 بتنظيم الأحزاب ، الذى قضى بأن يتقدم كل حزب بإخطار لوزير الداخلية ، مدعماً ببيان عن نظام الحزب وأسماء أعضائه المؤسسين ، وموارده المالية ، مع شهادة إيداع أموال الحزب فى أحد البنوك ، وأعطى وزير الداخلية حق الاعتراض على تكوين الأحزاب ، كما أعطيت الأحزاب حق الرجوع للقضاء ، وبتدخل من عبد الناصر لدى وزير الداخلية استثنى الإخوان من الخضوع لأحكام القانون باعتبارهم جمعية ذات نشاط اجتماعى .
وفى مواجهة تعنت الوفد وتململ بقية الأحزاب ، قرر الضباط الاحتكام إلى الشعب ، وبين أيديهم منجزات ملموسة : طـرد الملك ، وإلغاء الألقاب، والإصلاح الزراعى ، وتصعيد الحملة على الاستعمار ، ورفع شعار " ارفع رأسك يـا أخـى فقـد مضى عهـد الاستبـداد " . وحين تيقنوا من أن شعبيتهـم بـاتت أقـوى مـن شعبيـة الـوفـد (18) ، تـوجـه غـالبيـة قــادة الثـورة إلى الوجه البحـرى ، فـاستقبلـوا أينمـا ساروا بـأفـواج هـادرة مـن البشر ؛ ففـى " سمنود " - مسقط رأس مصطفى النحاس - استقبلوا بحماس لم يشهده غير النحـاس (19) . وشكلت تـلك الاستقبـالات نقطة فاصلة فى الصراع مع الأحزاب ، إذ تأكد خلالها أن الشعب يقف بكل مشاعـره مـع الضباط ، متخلياً عن الأحزاب .
          وكان مستشارو الضباط الحقوقيون د. عبد الرازق السنهورى رئيس مجلس الدولة ، وسليمان حافظ نائبه ، و د. سيد صبرى أستاذ القانون الدستورى بجامعة القاهرة ؛ يشجعون الضباط على تجاوز الدستور وتحدى الأحزاب ، بحجة أنها ثورة ، وأن " للثورة قانونها الخاص ، وأنه لا مبرر للتمسك بالدستور ، وأن البلاد فى وضع ثورى وبحاجة إلى خطوات ثورية وإلى فقه ثورة " (20) . واتخذ الموقف ذاته فتحى رضوان ، قيادى الحزب الوطنى المشارك فى الوزارة . وجماعة الإخوان المسلمين ، وكان الإخوان يعملون على إبعاد القوى السياسية الأخرى ، وبالذات الوفد ، وفى تصورهم أن تكون لهم السلطة ؛ إذ كانوا يسعون لاحتواء الحركة والتحكم فى صناعة قرارها .
          ولـم تقـاوم الأحزاب التقليدية ، بما فيها الوفد بجدية ملموسة ، واستسلمت استسلامـاً كاملاً ، ولم تكـن تملك إمكانيـة المقاومة المؤثرة ، إذ ليس فى مقـدورهـا أن تنافس " الضبـاط الأحـرار" بمـا يطرحونه من أفكار وما يحققونه من منجزات ، فالوفد - وهو أبرزها وأنصعها تاريخاً وأكثرها شعبية - لم يكن سنة 1952 الوفد الذى كان سنة 1919 ، " إذ كانت قد تسربت لقيادته عناصر تتناقض مصالحها مع ما يطرحه الضباط ، وبالنتيجة تراجعت فاعليته وشعبيته ، خاصة والقطاع الأوسع من جماهير 1952 لم يعاصر أمجـاد الـوفـد بقـدر مـا عـاش مسلسل تنازلاتـه منـذ عقـده معاهـدة سنـة 1936 " .
          وكانت حال بقية الأحزاب أكثر تدهوراً ، ولتدارى الأحزاب عجزها انطلقت فى جملـة إشاعـات ضـد الثـورة ، ويقـرر البغـدادى إن ذلك ما أقنع عبد الناصر بعدم جدوى التعاون مع الأحزاب " (21) ، وفى 12/12/1952 أصدر محمد نجيب باسم " مجلس قيادة الثورة " قرار إلغاء دستور 1923 ، وفى 17/1/1953 أعلن باسم المجلس أيضاً قيام فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تجرى بعدها الانتخابات ، وفى اليوم ذاته صدر قرار حل الأحزاب ومصادرة أموالها .
          وحول ذلك كتب د. سيف الدولة : " قبل أن ينقضى عام 1952 رأت الثورة أن مشكلة الديمقراطية ليست مشكلة أشخاص فاسدين ، بل مشكلة نظام فاسد ، وأن حلها يكون بإسقاط النظام كله " (22) . وفى ضوء ما جرى نلاحظ أولاً أن قرارات إلغاء دستور 1923 ، وحل الأحزاب ، وإعلان فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات ؛ لم تكن قرارات فردية أصدرها عبد الناصر ، وبالتالى يتحمل مسئوليتها التاريخية وحده ، وإنما كانت قرارات صادرة عن " مجلس قيادة الثورة " برئاسة محمد نجيب وبموافقة جميع أعضائه ، بمن فيهم خالد محيى الدين ، واستناداً لاستشارات قانونية صادرة عن أبرز الفقهاء الدستوريين بمصر ، وعلى رأسهـم د. عبـد الرزاق السنهورى ، وبتأييد وتشجيع قطاع غير يسير من القوى السياسية ، وفى مقدمتها " الإخوان المسلمون " .
          وثانى مـا نـلاحظـه أن الظـروف الموضـوعيـة التى واجهتهـا حـركـة " الضباط الأحرار " غداة انتصارها ، وبشكل خاص موضوع عمق التناقض فيما بين انحيازها للأغلبية المهمشة تاريخياً ، وبين القــوى والعنـاصر اليمينيـة الحـريصـة على مكتسباتها الموروثـة ، كانت وراء تجـاوز عبد الناصر الليبرالية فكراً وممارسة ، وتوجهه نحو " الديمقراطية الاجتماعية " لحل إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية .
رابعاً : الصراع مع محمد نجيب وأزمة مارس / آزار 1954 :
          أصدر مجلس قيادة الثورة فى 13/1/1953 مرسوماً بتشكيل لجنة من خمسين عضواً لتعمل على " وضع دستور يتفق مع أهداف الثورة " ، كما أصدر فى 10/2/1953 إعلاناً دستورياً ببيان نظام الحكم فى فترة الانتقال عهد بموجبه لمجلس قيادة الثورة بأعمال السيادة العليا ( المادة 8 ) ، وبالسلطة التشريعية لمجلس الوزراء ( المادة 9 ) ، وبالسلطة التنفيذية لمجلس الوزراء كل فيما يخصه ( المادة 10) ، وبالرقابة والمتابعة لمؤتمر يتألف من مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء مجتمعين ومفردين ( المادة 11 ) (23) .
ونلاحظ أن الإعلان لم يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات وإنما اعتمد مركزية شديدة ، وبهذا فإنه من وجهة نظر ليبرالية خالصة يكون قد ألغى المشاركة فى صناعة القرار والرقابة عليه ، مما يعنى تغييب الديمقراطية ، ولكن عندما يؤخذ بالحسبان انحياز مجلس قيادة الثورة للغالبية والتأييد الذى كان يلقاه من جماهير الشعب ؛ يبدو جلياً أن الذى غيب إنما هى مشاركة النخبة السياسية ليس إلا .
          ولم يتم اللجـوء إلى تشكيـل حـزب يتبنى " المبـادئ الستة " ، وليكون " حزب الثورة " ، ولم يكن ذلك عسيراً بعد الإنجازات التى حققتها الثورة والتأييد الشعبى الواسع الذى أخذت تلقاه ، غير أن تجاوز الليبرالية فكراً وممارسة أدى إلى تجاوز مبدأ " الحزبية " ، سواء تعدد الأحزاب أو الحزب الواحد ، واعتماد تنظيم شعبى واحد يحرك ويستوعب وينظم الطاقات الشعبية المعطلة تاريخياً ، فأسست مطلع 1953 " هيئة التحرير " ، وقد نص ميثاقها على العمل لجلاء الاستعمار، وكفالة حق السودان فى تقرير المصير ، وتأمين حقوق وحريات المواطنين ، والمساواة فى الحقوق وتكافؤ الفرص ، والعمل على تنمية مصر ، ومساعدة الشعوب العربية ، ورعاية المبادئ القويمة التى نصت عليها المواثيق الدولية ، وطاف عبد الناصر المحافظات يفتتح فروع الهيئة ، ويخطب شارحاً أهدافها وداعياً للانضمام إليها .
          وفى تقويـم " هيئـة التحريـر " ينتهـى د. سيـف الدولـة إلى اعتبـارهـا " المشروع الديمقراطى الأول فى سبيل حل مشكلة الديمقراطية " ، وقد نظر إليها من زاوية اشتراك الجماهير - التى كانت غائبة ومغيبة - فى منظمة حتى وإن كان اشتراكاً شكلياً ، إلا أنه أخرجها من الركود الذى كانت ترسف فيه، ويقول : " باختصار إن الثورة لم تحل فى تجربتها الأولى مشكلة الديمقراطية، ولم تحقق شيئاً يهم الليبراليين ، ولكنها - فى مصر الشعب - اقتحمت كل المواقع ، وأيقظت النيام ، وحملتهم حملاً على أن يفتحوا عيونهم على القضايا العامة ، وأن يستمعوا إلى أحاديث وأناشيد الحرية . أياً كان الأمر فقد كانت مرحلة هيئة التحرير دليلاً لا شك فى صحته على إصرار الثورة على حل مشكلة الديمقراطية على مستواها الأكثر حدة وهو المستوى الشعبى " (24) .
          وإلى جانب محاولة حل إشكالية المشاركة السياسية على المستوى الشعبى الأكثر حدة ، تمثلت المشاركة على مستوى صناعة القرار فى أربع ظواهر :
الأولى : جمـاعيـة القيـادة ، وحـول ذلــك يقــول محـمــد نجـيــب : " كنـا كلانـا - عبـد الناصر ونجيب - مسئولين للجنة التى صارت " مجلس قيادة الثورة " ، ولم يعمل أحدنا إلى زمن طويل بدون تصديق إجماعى منه ( المجلس ) ، وكلما حدث اختلاف بين أعضائه كان يحال إلى المجلس الذى يجتمع مدة ما ، يمكنه أن يصل إلى قرار إجماعى ، ولو استغرق ذلك عشر ساعات " (25) .
الثانية : حرية المناقشة على المستوى القيادى ، وحول ذلك يقول أمين هويدى : " كان باب المناقشة فى مجلس الوزراء مفتوحاً للجميع على مصراعيه ، وإننى لأتساءل : مَنْ مِنَ الزملاء طلب الكلمة ولم تُعطَ له ؟ أو أراد أن يتحدث فى موضوع وحُرمَ من ذلك أو فتح حواراً ومُنِع من الاستمرار فيه " ؟ (26) .
الثالثة : دراسة كافة الموضوعات دراسة وافية من قِبل " اللجان الوزارية " ، التى كانت تضم رؤساء بعض الأجهزة التى تتعلق مهامها باختصاصات تلك اللجان ، وكان للجنة حق استدعاء من تراه من المختصين للاستنارة بآرائهم ، ولم يكن يدرج أى موضوع فى جدول أعمال مجلس الوزراء إلا بعد أن تكون اللجان قد استكملت دراسته ، وأعدت تقريراً حوله ، ووزع علـى أعضـاء مجلس الـوزراء قبل عقـد الجلسـة المخصصة لدراسته بوقت كاف . وكانت اللجـان الوزارية بذلك مجالاً آخر أمام الوزراء وأجهزتهم ، وكذلك الآخرين لإبداء الرأى والمناقشة (27) .
الرابعة : الاستعانة بخبراء أكفاء ، برغم كل ما كتب وقيل حول تقديم " أهل الثقة " على " أهـل الكفـاءة " ، كان لـلآخـريـن دورهـم الملحـوظ فـى مؤسسات الدولة ، وحول ذلك يقول جان لاكوتير : " دخل الوزارة تقنيون من جماعة الطليعيين أمثال : سيد مرعى ، وعباس عمار ، وفؤاد جلال ، فضلاً عن كبار الموظفين اللامعين أمثال : الاقتصادى على الجريتلى ، والقانونى بهجت بدوى . وهذا يذكرنا بدولة ديجول، التى استعانت بمثل هذا الخليط من الأذكياء ، والمتفوقين (28) .
          وقبـل أن ينقضى عـام على إعلان فترة الانتقال تفجرت الأزمة داخل " مجلس قيادة الثورة " فيما بين محمد نجيب وبقية أعضاء المجلس ، الذين كانوا قد دفعوا به إلى الواجهة ، بحيث احتل قلوب الملايين باعتباره " البطل " الأسطورى الذى كان منتظراً . إلا أنه بالقبول الجماهيرى الذى لقيه تعاظمت ثقته بنفسه ، وتنامت عنده شهوة السلطة ، فأخذ يطالب باختصاصات تتجاوز مسئوليته كقائد فريق ، وهذا ما لم ينكره فيما بعد (29) ، ولم يفطن وهو فى نشوة النصر إلى أن إنجازات الثورة المتوالية أخذت تكسبها كحركة رصيداً شعبياً يتنامى بتسارع طردى ، كما تناسى هامشية دوره فى الحركة أو يفطن إلى محدودية قدراته قياساً بدور وقدرات عبد الناصر .
          وبدا فى نظر زملائه متعطشاً للسلطة دون أن يكون مؤهلاً لذلك (30) ، وكان طبيعياً أن يرفض الذين ثاروا على طغيان فاروق منح من يعتبرونه صنيعة أيديهم سلطات أوسع مما كان لفاروق ، وأن يروا فى منحه السلطات التى طلبها عن طريق وسيطيه د. السنهورى وسليمان حافظ ، إمكانية أن يصبح ديكتاتوراً ، علاوة على أن ما كان يطلبه يتناقض مع ما درجوا عليه منذ شكلوا حركتهم وتواصل إثر تسلمهم السلطة من اعتماد أسلوب " القيادة الجماعية " .
          وبذلك توالت الأزمات وأصبح تفجر الوضع مسألة وقت ، وحين لم يستطيع محمد نجيب أن يحصل على السلطات الواسعـة بالتراضى قــدم استقالتـه ، محـاولاً أن يستغــل شعبيتـه ، وتطلـع النخبـة الحزبية للديمقراطية ، بعد أن كان فى مقدمة المطالبين بمد فترة الانتقال (31) ، وأخذ يتحدث عن أهميـة الديمقراطية ، وضرورة إعـادة الحياة النيابية ، وعودة الجيش إلى ثكناته ، وينتقد فى مجالسه الخاصة - وبحضور الدبلوماسيين الأجانب - ممارسات زملائه فى مجلس القيادة ، متخذاً موقفاً مناقضاً كلياً لموقفه عندما طلب إلى الأحزاب تطهير ذاتها .
          وقبل المجلس الاستقالة ، وعين عبد الناصر رئيساً للوزراء ، وتعاطـف الجمهــور مـع نجيــب ، كمــا وقــف إلى جانبــه ســلاح الفــرسـان " المدرعات " ، واغتنمت الأحزاب الفرصة محاولة استرداد الأرض التى فقدتها ، وتحت واجهة دعم نجيب واستعادة الديمقراطية سارعت تعيد تدعيم صفوفها المتداعية ، واتخـذت نقابتـا المحـامين ، والصحفيين ، وأساتذة وطلبة الجامعات موقفاً مؤيداً ، وطالبت بحل " مجلس قيادة الثورة " ، وإعادة الحياة النيابية ، وإطلاق الحريات العامة ، وتشكلت " جبهـة وطنيـة " مـن الوفـد والأحزاب التقليدية ، والشيوعيين ، والإخوان تحت شعار " إسقاط الديكتاتورية العسكرية " . ويلاحظ أنه لم يسبق لهذا التجمع أن شكل جبهة وطنية ضد الاستعمار البريطانى (32) .
          وامتدت الأزمة إلى داخل مجلس الثورة بانحياز خالد محيى الدين إلى نجيب ، وتفاديا لعـواقب انقسام الجيش ، وتحسباً من تصادم وحداته ، أعلن عبد الناصر يوم 5/3/1954 قرار المجلس بإلغاء الرقابة على الصحف والأحكام العرفية ، وعقد جمعية تأسيسية بطريقة الاقتراع العام لمناقشة مشروع دستور جديد وإقراره (33) ، إلا أن تلك القرارات لم تجد من القوى المدنية ؛ الليبرالية واليسارية تفهماً منطقياً ، ولم يتم التعامل معها بإيجابية ، وعلى العكس من ذلك استخدم الجميع الحريات المتاحة لشن هجوم ضار على " مجلس قيادة الثورة " و " الضباط الأحـرار " ، ممـا أثار مخاوف المجلس والضباط ، ويتهم خالد محيى الدين نجيب بأنه حاول استغـلال تلـك القـرارات لتعزيـز سلطاتـه ، كما يتهـم الوفـد والشيوعيين بـإساءة استخدام الفرصة (34) .
          وفى 25/3/1954 اجتمع المجلس بكامل أعضائه ، وبحضور نجيب، وبرز فيه اتجاهان : الأول يقوده عبد الناصر يؤيده الغالبية ، يرى السماح بقيام الأحزاب ، وبألا يؤلف مجلس قيادة الثورة حزباً ، ولا يُحرم أحد من ممارسة حقوقه السياسية ، وأن تشكل جمعية تأسيسية لها سلطة البرلمان بانتخاب حر ، تنتخب فور انعقادها رئيساً للجمهورية ، وأن يطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، وأن يحل " مجلس قيادة الثورة " يوم 23/7/1954 ، باعتبار أن الثورة قد انتهت وسلمت البلاد لممثلى الشعب ، وقاد البغدادى الاتجاه المصر على استمرار فترة الانتقال ، ولدى التصويت فاز الاتجاه الأول ولم يعارضه سوى : البغدادى وجمال سالم ، وكمال الدين حسين ، وحسن إبراهيم ، فيما امتنع نجيب عن التصويت (35) ، وتقرر أن يكلف خالد محيى الدين بتشكيل الوزارة .
          ويذكر خالد محيى الدين أنه ونجيب وافقا على عودة الحياة النيابية مع حرمان من الحقوق السياسية كل من : النواب الذين صوتوا لقوانين مقيدة للحريات ، والنواب الذين رفضوا دفع ضريبة الأطيان ، ورؤساء الأحزاب ، والذين طبقت عليهم قوانين الإصلاح الـزراعى ، ويضيـف بأن من عارضوا القرار كانوا يرون طرد الاستعمار أولاً ، ثم بحث موضوع الديمقراطية (36) .
          إلا أن قرارات 25 مارس / آزار استفزت القوى التى رأت فى تصفية الثورة إضراراً خطيراً بمكاسبها التى تحققت ، ومصادرة أحلامها التى عظمتها الثورة ، ووقف يؤيد القرارات الحزبيون من الوفد إلى الشيوعيين وغالبية أعضاء النقابات المهنية ، وأساتذة الجامعة وطلابها ، وبالمقابـل عـارضتها نقابات العمال ، وأعضاء " هيئة التحرير " ، وجمهور الفلاحين وكادحو المدن ؛ أى جميع من كانوا مهمشين سياسياً فى العهد السابق ، وأضرب عمال النقل العام ، وتوالت المظاهرات المؤيدة والمعارضة ، وعقد ممثلو مختلف أسلحة الجيش مؤتمراً سياسياً قرروا فيه تأييد حكم " مجلس قيادة الثورة " .
          وبدت مصر على شفا حرب أهلية ، فى الوقت الذى كانت تجرى فيه مفاوضات الجلاء ، وتتفاقم فيه حدة الأزمة مع السودان ، مما أظهر معارضى الحكم بمظهر المضعف للموقف الوطنى فى قضيتين طالما شغلتا الرأى العام ، وكانت قوى الإقطاع مستنفرة فى الريف ضد الإصلاح الزراعى (37) ، وكلا الأمرين كان لهما شديد الأثر فى موقف مجلس قيادة الثورة ، ومجلس الوزراء بالتبعية . واجتمع المجلسان يوم 28/3/1954 حيث أعلن د. نور الدين طراف أن الشعب والجيش ضد قرارات 25/3/1954 وأيده عبد الحكيم عامر ، وطالب بإلغـائهـا جميع الوزراء المـدنيين فيمـا عـدا د. عباس عمار، و د. على الجريتلى ، فتقرر إلغاؤها ، كما تقرر إعادة الرقابة على الصحف (38) .
          وتبـاينت وجهـات النظـر - ولم تزل - بشأن إضرابات عمال النقل العـام يـوم 26/3/1954 ، واشتـراكهـم فى المظـاهـرات المعاديـة لـقـرارات 25 مــارس / آذار ، إذ يـدّعى خالد محيى الدين أن عبد الناصر رتب الأمر مع الصاوى أحمد الصاوى نقيب عمـال النقـل ، إلا أنـه يعقب بأن أى ترتيب ما كان ليجد له صدى لولا أنه لقى تجاوباً عند الجماهير ، ويضيف بأن الطبقة الوسطى كانت تخشى عودة الأحزاب التى احتقرتها ، فيما كان الفلاحون يخشون إلغاء الإصلاح الزراعى وعودة الاستبداد الإقطاعى ، بينمـا بـدأ العمال يستمتعون بقـانون يحميهم ضـد الفصل التعسفـى ، وأن حملات صحف " المصرى " و " الجمهور الجديد " و " روز اليوسف " استفزت الجيش وخاصـة " الضباط الأحـرار " (39) .
          فيما يذكر سيـد مرعى أن يوسف صديق - عضو مجلس الثورة الماركسى - أول من اتصل بالصاوى محاولاً تحريك العمال لتأييد قرارات 25 مارس / آذار ، إلا أن الصاوى رفض الاستجابة لطلبه وتحرك بالاتجاه المضاد حرصاً على مكاسب العمال ، وينفى نفياً قاطعاً أن يكون لعبد الناصر أى دور فى ذلك (40) .
          وكان لأحداث مارس / آذار 1954 انعكاسات شديدة ، فمن جهة أولى عمقت القطيعة بين الثورة وبين المثقفين الليبراليين والماركسيين على السواء ، مما أثر على إشكالية الديمقراطية فى مصر ، إذ لم يقم المثقفون بدورهم التاريخى فى تعميق الوعى الديمقراطى وتبيان الأسلوب الأمثل للممارسة الديمقراطية فى الواقع العربى ، فى حين تزايد اعتماد الحكم على التكنوقراطيين والبيروقراطيين فى مشروعات التنمية التى اتسعت وتعددت ، ومن جهة ثانية تعززت قوة المؤسسة العسكرية ، وتزايد إحساسها بأنها وحدها حامية النظام ، كنتيجة لدورها فى دعمه فى مواجهة الثورة المضادة .
          وبين من أرخوا أو كتبوا عن المرحلة تميز د. سيف الدولة بانتقاد علنى للموقف الذى اتخذه سنة 1954 ، حين وقف مؤيداً تجمع الأحزاب . وفى تقويمه للأزمة كتب يقول : " لقد اختار الليبراليون والماركسيون العودة إلى الليبرالية ، واختار الثوار الثورة ، أما الماركسيون فلأنهم لم يكونوا من القوة بحيث يفرضون مذهبهم التقليدى فى ديكتاتوريـة البروليتاريا أو مذهبهم المتطور فى الديمقراطية الشعبية ، فانحازوا إلى الليبراليين على أساس أن الليبرالية – كما اعتقدوا – تتيح لهم فرصة أكبر لتحقيـق التناقـض الطبقـى وتعبئـة الجماهير تحت قيادة الطبقـة العاملة للاستيلاء - فى النهاية - على السلطة ، وأصبح الصراع بين الليبراليين والثوريين ، فأى الفريقين كان ديمقراطياً ؟ .. كلاهما ؛ الأولون كانوا ديمقراطيين بالمفهوم الليبرالى ، والآخرون كانوا ديمقراطيين بالمفهوم الشعبى ، الأولون انحازوا إلى القلة الممتازة والآخرون انحازوا للأغلبية المسحوقة والمغيبة . هذا على المستوى الفكرى ، أما على المستوى الواقعى - نعنى واقع مصر عند قيام الثورة - فإن الأولين لم يكونوا ديمقراطيين بأى معنى ، وكان الثوار وحدهم هم الديمقراطيون " (41) .
          وفى تقديرنا أن أزمـة مـارس / آذار 1954 كانت معـركة ديمقراطية بمعنى الكلمة ، إذ لم تكن المؤسسة العسكرية وحدها هى التى حسمتها لمصلحة عبد الناصر والذين وقفوا إلى جانبه من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وإنما كانت هناك مشاركة سياسية جماهيرية فاعلة جداً ، كان لها دورها التاريخى فى هزيمة الثورة المضادة ، وكان فيها لكل من " نقابات العمال " و " هيئة التحرير " دور مؤثر للغاية .



 
روابط ذات صلة
· زيادة حول عوني فرسخ
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن عوني فرسخ:
جمال عبد الناصر واشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية (2) عوني فرسخ


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.08 ثانية