Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 33
الأعضاء: 0
المجموع: 33

Who is Online
يوجد حاليا, 33 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

سامي شرف
[ سامي شرف ]

·جمال عبدالناصر والإسلام والمسيحية - سامي شرف
·عودة الدولة التنموية (1ـ 2) - سامي شرف
·سامى شرف يتذكر كيف أدار الرئيس جمال عبدالناصر الصراع العربى الإسرائيلى بعد نكسة
·سامي شرف يكتب : توصيف حالة.. ونصيحة واجبة
·سامى شرف فى حواره مع «الأهرام العربي»: عبد الناصر لم ينضم للإخوان...
·سامى شرف يكتب «كاريزما».. الزعيم!
·المشروع النهضوى لعبد الناصر بقلم سامى شرف
·سامى شرف يكتب عن الثورة وعباءة الديمقراطية
·إيه الحكاية؟! - سامي شرف

تم استعراض
50305472
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
المشروع الحضاري النهضوي العربي - أحمد صدقي الدجاني
Contributed by زائر on 2-8-1428 هـ
Topic: أحمد صدقي الدجاني
المشروع الحضاري النهضوي العربي في مواجهة الفكر الغربي ومشروعيه الحضاري والاستعماري

أزمة الإنسان تتمثل في انحطاط الثقافة وفوضى الاقتصاد العالمي والتخلف والتبعية البنيوية


أحمد صدقي الدجاني






هذا المشروع الحضاري العربي كان لا يزال في مطلع القرن العشرين في آخر أيام الدولة العثمانية، جزءاً من المشروع الحضاري الإسلامي, الذي بلورته
دائرة الحضارة الإسلامية. وقد غدا بعد إلغاء الخلافة العثمانية وبروز الدولة القطرية العربية مختصاً بالدائرة العربية.
وكان عليه أن يواجه المشروع الاستعماري الأوروبي, الذي استهدف الوطن العربي، والجانب الأخطر في هذا المشروع وهو المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني, الذي تبنته الحركة الصهيونية في الغرب, وأوجدته قوى الهيمنة الاستعمارية الغربية ودعمته. وقد أعلن هذا المشروع صراحة، منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897، عزمه على اغتصاب فلسطين في قلب الوطن العربي, وإقامة دولة يهودية في الأرض العربية من النيل إلى الفرات.
لقد تبلور هذا المشروع، كما اتضح لنا من أهدافه، استجابة لتحديات داخلية وأخرى خارجية. وكان من أبرز التحديات الداخلية استبداد اعتور نظام الحكم, وظلم اجتماعي وتقليد عطلَ الاجتهاد, وضيّق على الإبداع. كما كان من أبرز التحديات الخارجية ذلك التحدي القوي الذي مثلته حضارة الغرب, حين انطلقت من مشروعها الحضاري داخل دائرتها الحضارية, الذي يصطلح على تسميته بالحداثة, إلى تنفيذ مشروعها الاستعماري, الذي استهدفت به الدوائر الحضارية الأخرى في عالمنا, ومنها دائرة الحضارة العربية الإسلامية وفيها الوطن العربي.
شهد الوطن العربي بفعل هذا التحدي الخارجي بدءاً من القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) احتكاكاً قوياً بين المجتمع العربي والغرب، نجمت عنه تغيّرات هامة في الحياة العربية. وقد كان للفكر الغربي أثره في هذه التغييرات, التي حدثت على صعيدي الأفكار والمؤسسات، واحتدم حوله الحوار والجدل.
لقد عني الفكر العربي المعاصر بدراسة أثر الفكر الغربي ومشروعيه الحضاري والاستعماري على مجتمعنا العربي. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما كتبه محمد عابد الجابري عن "المشروع النهضوي العربي .. والوجوه الأخرى للحداثة الأوروبية" في كتابه "المشروع النهضوي العربي مراجعة نقدية". وعرض فيه الحداثة الأوروبية والوجه الآخر، والحداثة وأيديولوجية التفوق الأوروبي، والحداثة الأوروبية .. والمشروع الصهيوني، والمشروع النهضوي العربي .. والهيمنة الصهيونية، وحركة الاشتراكية العالمية .. والمركزية الأوروبية. وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن، والمشروع النهضوي العربي .. إنجازات وإخفاقات. وعناوين هذه البنود السبعة تعطي فكرة عن تأثر المجتمع العربي بالحداثة الأوروبية داخل دائرة الغرب الحضارية وفي مشروعها الاستعماري الذي يعد المشروع الصهيوني جزء منه، وكذلك بحركة الاشتراكية التي قامت هناك وانتشرت عالمياً.
كان مركز دراسات الوحدة العربية قد تطرق لهذا الموضوع في عدد من ندواته، وبخاصة ندوة "التراث وتحديات العصر - الأصالة والمعاصرة" التي انعقدت في القاهرة في أيلول (سبتمبر) 1984، واختص أحد بحوثها بدراسة "الفكر الغربي والتغيير في المجتمع العربي" الذي عالجه كاتب هذه السطور. وأذكر أنني تحدثت فيه عن «ازدهار الفكر الغربي في ظلال الحضارة الغربية الحديثة التي شهد العالم قوتها وامتدادها وطغيانها عليه». وهي "حضارة غربية" كما ندعوها «لأنها نشأت في الغرب وانطلقت من ثم إلى أرجاء الأرض قاطبة»، وقد أوردت ما قاله قسطنطين زريق في كتابه "في معركة الحضارة" من أنها لم تنشأ من فراغ، وانبعثت من تراث حضاري أصيل تعاونت في تكوينه شعوب عدة سبقتها في مضمار الحضارة، وأن لها الآن مجريين رئيسيين ديمقراطي تقليدي وشيوعي، ولكن هذين المجريين وإن تباينت نظمهما السياسية والاقتصادية وتصادمت قواهما ودولهما، هما من حيث الواقع فرعان لمجرى واحد ومظهران مختلفان لحضارة واحدة يعبران عن تناقضات أصيلة في داخلها.
الحديث عن هذا الفكر الغربي ذو شجون لدوره في توجيه مشروعيه الداخلي والخارجي، ولما كان له من أثر على الفكر في الدوائر الحضارية الأخرى. وقد فصلناه في ذلك البحث ونكتفي هنا بالإشارة إلى حرص مؤرخي الفكر الغربيين إلى إرجاعه إلى أصول إغريقية وإلى المسيحية وإلى عصر النهضة في التاريخ الحديث، وإلى أنه اعتنق مبدأ التقدم، ودخل في القرن الثامن عشر عصر "التنوير" الذي آمن رجاله بالعقل، وإلى انتشار أفكار التنوير على نطاق واسع في الغرب بإسهام من الصحافة التي شهدت تطوراً ملحوظاً في القرن التاسع عشر، وإلى اعتماد منهج علمي عُني بالتقنية، وإلى ظهور نظريات كان لها أكبر الأثر في عالم الأفكار هي نظرية داروين في علم الحياة، ونظرية ماركس في علم الاقتصاد والاجتماع، ونظرية فرويد في علم النفس، ونظرية انشيتاين في علم الطبيعة. وقد شرحها زكي نجيب محمود في كتابه "هموم المثقفين".
كما أشير إلى ما أوردناه عن المناخ العام الذي أحاط بهذا الفكر الغربي في القرنين الأخيرين حيث عمت موجة مادية عارمة ظهرت فيها أفكار متعارضة. وكان مبدأ التقدم هو الأرض الثابتة التي قامت عليها العقيدة العامة، وتعزز هذا المبدأ بتطور علمي الجيولوجيا والبيولوجي. وسادت الفكرة القومية وبرز مصطلح اليمين واليسار في الحياة السياسية. ونشأت في "الفكر اليميني" القومية العنصرية. وترعرعت في الغرب الأطماع الاستعمارية، ثم انتشر اللا معقول في الثقافة الغربية المعاصرة. وأخيراً باتت الثقافة الغربية أكثر اتصالاً بالثقافات الأخرى تتبادل التأثير معها.
مجموع نتائج خرجنا بها من دراسة الفكر الغربي الذي مثل تحدياً للأمة العربية بمشروعيه، نجد من المفيد إثباتها ونحن ننظر في تكون المشروع الحضاري النهضوي العربي وتجاربه وتطوره، وفاء بما اقترحه مخطط الندوة من التعرف على الأطر الفكرية الكبرى للمشاريع النهضوية المطروحة في الفكر العالمي (وبخاصة الليبرالي والماركسي وتنوعاتهما). وهذه النتائج هي:
 
·        النتيجة الأولى
تتعلق بجوهر الحضارة الغربية التي ترعرع فيها هذا الفكر. فهذا الجوهر تكون من مباعث إيمانية ثلاثة - كما يقول زريق - أولهما إيمان بالعلم الطبيعي بأنه العلم الحقيقي الذي يجب أن نصرف إليه أذهاننا ونصب فيه جهودنا. وثانيها إيمان بالإنسان بأنه أهم كائن في هذا العالم الطبيعي، بل هو تاجه وغايته. وثالثهما إيمان بالعقل بأنه ميزة الإنسان ومصدر تفوقه وتفرده، وهو الأداة التي بها يتوصل إلى الحقيقة ويكون ذخيرته العلمية التي تؤلف لب حضارته وعنوان مجده. وقد فعل هذا الجوهر فعله في صنع تقدم الغرب ورسم صورة الحياة في المجتمعات الغربية.

·        النتيجة الثانية
تتعلق بموقف برز في هذه الحضارة الغربية والفكر الغربي من الحضارات الإنسانية الأخرى. فهو موقف يقول بوحدانية الحضارة الغربية وينكر ما قدمته الحضارات الأخرى. ويبرز هذا الموقف في تأريخ جلّ المفكرين الغربيين لحضارتهم. وقد عمد توينبي إلى تبيين خطأ هذا الموقف الغربي من الحضارات الأخرى في دراسته "دراسة في التاريخ"، وقصد أن ينشر كتاباً بعنوان "العالم والغرب" عام 1960 منبهاً أنه لم يقل "الغرب والعالم"، وأوضح أن الغرب في أوج قوته لم يكن يوماً الممثل الوحيد على المسرح العالمي.
لقد فعل هذا الموقف الغربي من الحضارات الأخرى فعله في نظرة الغربي إلى الآخرين، وفي سلوكه معهم، فتعامل بمقياسين وكال بميزانين. مقياس وميزان في وطنه ومجتمعه، ومقياس وميزان في أوطان الآخرين التي استعمرها ومجتمعاتهم. وقد لاحظ غوستاف لوبون وهو يكتب عن التربية الأنكلو سكسونية هذا الازدواج في مسلك الإنكليزي.
 
·        النتيجة الثالثة
تتعلق بدور هذا الفكر الغربي في العملية الغربية الاستعمارية وممارساتها. فقد اقترنت النهضة الأوروبية بالخروج الأوروبي الاستعماري إلى مختلف القارات. وتطور الاستعمار الغربي منذ عصر الكشوفات الجغرافية مع حدوث الانقلاب التجاري ثم الانقلاب الميكانيكي، وبلغ ذروته في فترة الانقلاب الصناعي الذي «لعب دوراً خطيراً ومباشراً في التمكين للاستعمار». وقد جعل الاستعمار أوروبا قلب العالم ورأسه جغرافياً وسياسياً، وجعل "الرجل الأبيض" يحاصر بقية الأجناس من خلف ومن أمام ومن خلاف.
وتصرفت أوروبا في عصر الاستعمار كما لو كان "الجنس الأبيض" وحده دون الجنس البشري كله خليفة الله في الأرض. وعانى العالم منها الويلات.
كان الفكر الغربي يتعامل مع العملية الغربية الاستعمارية، يؤثر فيها ويحركها ويتأثر بها. وقد عمل على تفسيرها وفي كثير من الأحيان تبريرها. وبرزت فيه تيارات تتحدث عن "رسالة" الرجل الأبيض وواجبه، وتردد قول كبلنغ الشهير "الشرق شرق والغرب غرب"، وسعت هذه التيارات إلى فرض المفاهيم الغربية وطرائق الحياة الغربية بالقوة على "ذوي البشرة السمراء". وقام الخروج الأوروبي على العالم على قاعدة العنف وقاعدة نهب ثروات الآخرين. وواجهت شعوب كثيرة ممارسات غربية في أوطانها تختلف تماماً عن تلك التي تجري في الغرب، ورأت بوناً شاسعاً بين المبادئ التي ينادي بها الفكر الغربي وبين تطبيقها في العالم.
 
·        النتيجة الرابعة
تتعلق بتعدد التيارات والمذاهب والاتجاهات في هذا الفكر الغربي. فهو كما رأينا حافل بالمدارس الفكرية التي تكونت بفعل عوامل محددة. وقد قامت بين هذه المدارس تناقضات شديدة رأينا أمثلة عليها في أفكار اليمين وأفكار اليسار. ونلاحظ أن أفكار كل مدرسة ارتبطت بزمان معين ومكان معين، بحيث كان ممكناً الحديث عن مدرسة إنكليزية في العصر الفيكتوري مثلاً، ومدرسة فرنسية في عهد الجمهورية الثالثة وهكذا. كما نلاحظ أن الصراع اشتد بين هذه المدارس في الغرب.
كان طبيعياً أن تبرز هذه المدارس المختلفة في المجتمعات التي تأثرت بهذا الفكر الغربي. ويلفت النظر أن انتقال الأفكار إلى هذه المجتمعات كان يأتي متأخراً عن ظهورها في مجتمعاتها أحياناً، كما يأتي تالياً لظهورها أحياناً أخرى.
 
·        النتيجة الخامسة
تتعلق بما عاناه هذا الفكر من أزمات عبرت بمجموعها عن أزمة حادة تعيشها الحضارة الغربية. وقد بانت هذه الأزمة الحضارية بوضوح غداة تفجر الحرب العالمية الأولى عام 1914. وكان المنظر في ذلك العام كما وصفه دافيد تومسن في كتابه تاريخ العالم من 1914 إلى 1950 «منظر عالم فيه درجة أوثق من التداخل الاقتصادي، مقترناً بفرقة سياسية أشد قسوة، وفيه تقدم اجتماعي واقتصادي بمعنى رفع مستوى الحياة والراحة مرتبط بتوترات نامية في داخل المجتمع بين رأس المال والعمل. وفيه تقدم مادي عظيم مرتبط بفقر وفوضى في شئون الثقافة».
ثم ظهرت الأزمة بشكل حاد غداة تفجر الحرب العالمية الثانية عام 1939. وقد وصف تومسن الانحلال الثقافي في الغرب بين الحربين فتحدث عن وجود «عوامل في داخل كل أمة قضت بالتدريج على وحدتها الثقافية وتكاملها الفكري وتجانسها الاجتماعي. فتميز العقد الثالث من القرن العشرين في ألمانيا بثورة اجتماعية جائحة حطمت كيان طبقتها الوسطى، وبانحطاط هبط بمدنها الكبرى إلى مواخير للرذيلة. كما تميز في الولايات المتحدة بكل النقائض الاجتماعية التي صاحبت تجربة تحريم الخمور، وفي فرنسا بفضائح سياسية وبتدهور الروح الشعبية، وفي بريطانيا بمنازعات رأس المال والعمل .. وفي الثقافة الأوروبية عامة بمحاولة التعبير المفتن عن الذات بطرق غير متزنة» وجاء انهيار عام 1929 بصدمة بالغة القسوة. وبرزت النظم الفاشية في إيطاليا وألمانيا وأسبانيا.
أخذت هذه الأزمة شكلاً أكثر حدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد بروز خطر الفناء بالسلاح النووي. ويصور لنا جوزيف كاميللري هذه الأزمة في كتابه "الحضارة في أزمة" فيلقي عليها نظرة شاملة فيرى «بأنها اختلال توازن أساسي يحد بشدة - إن لم يدمر نهائياً - قدرة الإنسان على التكيف البيولوجي والثقافي مع بيئته». وهذا الاختلال الأساسي ناجم عن اختلال التوازن النفسي والاجتماعي، واختلال التوازن البنيوي، واختلال التوازن الجهازي، واختلال التوازن البيئوي. وهو يتمثل بانحطاط الثقافة الصناعية وفوضى الاقتصاد العالمي والتخلف والتبعية البنيوية.
لم يعد الانشغال بهذه الأزمة محصوراً بالمفكرين الغربيين كما كان عليه الحال في مطلع القرن بل امتد ليشمل المفكرين عموماً في عالمنا، وبخاصة بعد أن فشلت عمليات "التغريب" حيثما جرت، وبعد أن هددت الأزمة العالم كله بخطر الفناء.
 
الفكر القومي العربي ظهر بعد الغزو الاستعمار الأوروبي لوطننا العربي
 
آن لنا بعد أن تعرفنا على الفكر الغربي ومشروعيه الحضاري داخل دائرته والاستعماري خارجها أن نتعرف على الفكر العربي الذي احتك بالمشروع الحضاري الغربي وتفاعل معه، وواجه المشروع الاستعماري الغربي بالمشروع الحضاري النهضوي العربي.
مفهومنا لهذا الفكر العربي يتحدد من كون "الفكر" هو "إعمال النظر في شيء"، وكونه "عربياً" يعني أنه معني بالنظر فيما يجري في دائرة الوطن العربي الكبير فيما يخص الأمة العربية. كما يعني أن أصحابه عرب يعبرون باللسان العربي. وهو يوصف بأنه "قومي" لاتصاله بفكرة القومية التي ازدهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي.
ظهر الفكر القومي العربي بوضوح في أوساط أمتنا العربية بعد الغزو الاستعماري الأوروبي لوطننا العربي الذي بدأته الحملة الفرنسية على مصر 1798، وتتالى موجة إثر موجة في القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، في ظل ضعف شديد عانت منه الدولة العثمانية. وقد فصلنا الحديث عن هذا الفكر، في كتابنا "تجديد الفكر استجابة لتحديات العصر"، القضايا والأحداث التي واجهها ومدارسه وتفاعله. ويضيق مجال هذا البحث عن التفصيل.
تبنّى هذا الفكر القومي العربي تيار قومي ظهر في أوساط أمتنا، ركز فيما يخص الهوية والانتماء على دائرة الانتماء للوطن العربي، وغلّب هذا الانتماء على الانتماء للقطر أو الانتماء للدين أو الانتماء للحضارة أو الانتماء الأممي للعالم. وتميز هذا التيار القومي عن آخر إسلامي وثالث ماركسي ورابع قطري جميعها في الأمة.
ما دام الفكر هو إعمال نظر في شيء أو أمر، فإن واقع هذا الشيء أو هذا الأمر، هو عامل أول أساسي. ولما كان هذا الواقع قابلاً للتغيير وعرضة للتطور، فإن الفكر تبعاً لذلك يتطور. وما دام هناك من يعمل النظر في الواقع، فإن القائم بإعمال النظر هو عامل آخر أساسي. وهو يقوم بذلك على هدى أهداف يضعها نصب العين بلورتها أحلام الجماعة وإرادتها وعملها. وهذه الأهداف عامل ثالث أساسي. وهي وأصحابها قابلون للتطور من خلال تعاملهم مع الواقع القائم، ما يجعل الفكر يتطور. وتمثل الظروف التي تكتنف الواقع والمناخ الذي يحيط به عاملاً رابعاً أساسياً في تكوين الفكر، لأن القائم بإعمال النظر يتأثر بها. وهذه أيضاً تتغير فيتطور الفكر تبعاً لذلك.
يمكننا في ضوء استجابة الفكر القومي العربي لتحديات الأحداث الفاصلة التي مرت بالوطن العربي على مدى أكثر من قرن، أن نميز، تسهيلاً للبحث، بين عدة مراحل عبرها هذا الفكر، يفصل بينها حدث انتهاء الدولة العثمانية، وحدث نكبة فلسطين، وحدث نكسة 1967، وحدث زلزال الخليج.
لقد بقيت القضايا التي برزت أمام المشروع منذ بدايته، مطروحة في المراحل التالية، وإن اختلفت درجة الاهتمام بكل منها، كما اختلف موقع كل قضية في ترتيب أولويات الانشغال بها. وهكذا رأينا قضية التحرير تبرز في مرحلة البدايات، وتلح بقوة في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، ويأخذ بعداً جديداً يشمل الدائرة الحضارية في آسيا وأفريقيا في مرحلة المد القومي، وتتكثف الجهود للحفاظ عليها حية أمام محاولات استهدفت طيها في مرحلة ما بعد النكسة.
ورأينا قضية الوحدة تناقش في إطار الجامعة الإسلامية وفكرة اللامركزية في مرحلة البدايات، وتطرح هدفاً محدداً في مرحلة ما بين الحربين يرفع شعاره، وتبحث أساليب الوصول إليها عملياً في ضوء محاولات وحدوية جرت في مرحلة المد القومي، ويحتدم الحوار حولها في مواجهة محاولات "إنكار لها وحكم قاطع باستحالة تحقيقها" في مرحلة ما بعد النكسة.
كما رأينا قضية الشورى والديمقراطية تبرز بقوة في مرحلة البدايات في مواجهة مختلف أشكال الاستبداد، ويجري البحث في كيفية الممارسة في مرحلة ما بين الحربين في ضوء تطبيق نموذج غربي من قبل سلطات الاستعمار الغربي واعتماد التعددية، ويدور الحوار في مرحلة المد القومي حول الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية والعلاقة بينهما في ظل غلبة فكرة التنظيم السياسي الواحد، ثم تعود هذه القضية لتأخذ موقع الأولوية في مرحلة ما بعد النكسة، ويبرز فيها بقوة بعد حقوق الإنسان وتغلب التعددية والمشاركة.
والأمر نفسه يصدق على قضيتي الكفاية والعدل. وقد رأينا الفكر القومي العربي يعتني بالقضية الأولى عناية خاصة بعد أن نالت أقطار عربية استقلالها، ويتحدث في مرحلة تالية عن "التنمية". ويتحدث فيما يخص القضية الأخرى عن العدالة الاجتماعية ثم الاشتراكية في مرحلة تالية ثم عن العدل. كما يصدق الأمر نفسه على قضية التجدد الحضاري الذي سمي أيضاً نهضة وإصلاحاً وارتقاءً ثم تقدماً ورسالةً.
مجموعة مشكلات اتصلت بهذه القضايا عُني بها المشروع في جميع مراحله التي مرّ بها. ومنها مشكلة التوفيق بين الانتماء القُطري والانتماء القومي والانتماء الحضاري، ومشكلة العلاقة بين الوطن - الدولة والوطن الكبير العربي ودائرة الحضارة الإسلامية، ومشكلة التقدم وكيفية الوصول إليه، ومشكلة العلمانية في مواجهة الدين، ومشكلة العلاقة بين "الأنا" ممثلاً بالهوية العربية و"الآخر" في عالمنا وبخاصة "الغرب".
عُني المشروع أيضاً بمجموعة موضوعات تتصل بهذه المشكلات، عالج بعضها على الصعيد النظري، وعالج بعضها الآخر على صعيد التطبيق العملي، ومنها موضوعات الشعب والأمة والدولة والجنسية والمواطنة القطرية والقومية والأقوام ضمن الأمة والصراع العربي - الصهيوني ومداخل الوحدة والعلاقة بين الوحدة والتحرير والوحدات الإقليمية والانغلاق القطري فيما سمي "بالإقليمية"، والاستشراف ودراسة المستقبل.
لقد كان عامل "الواقع القائم" في مرحلة البدايات محكوماً بحقيقة كون الوطن العربي جزءاً من أراضي الدولة العثمانية التي جاءت امتداداً للدول المتتالية في ديار الإسلام في ظل نظام الخلافة. كما كان محكوما بحقيقة تعرض هذا الوطن لغزو استعماري أوروبي. وهكذا رأينا الحقيقة الثانية تتجه بمفكري النهضة إلى الدعوة للجامعة الإسلامية لمواجهة هذا الغزو، ورأينا الحقيقة الأولى تحفزهم على مقاومة الاستبداد الذي وقع في أسره الرجل المريض والعمل على شفائه، ورأينا تفاعل الحقيقتين يدعو هؤلاء المفكرين إلى النظر في اللا مركزية.
ولم يلبث أن حدث تغيير في ذلك الواقع على أرض الواقع فرض نفسه حين احتلت بريطانيا وفرنسا المشرق العربي، وأعلنت الأولى فرض حمايتها على مصر التي احتلتها قبل ذلك، ورسمت الدولتان حدوداً سياسية تفصل بين أقطار عربية، شاركت إيطاليا التي احتلت ليبيا والصومال في رسم بعضها. وهكذا أصبح على الفكر القومي العربي في مرحلة ما بين الحربين أن يتناول قضية الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وأن يرفع شعار الوحدة العربية في مواجهة التجزئة المفروضة ليكون هدفاً يناضل من أجله ويعود بالأمور إلى طبيعتها بعد التحرير.
وحدث تغيير آخر في ذلك الواقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمثل في نيل بعض الأقطار العربية استقلالها، وفي وقوع نكبة فلسطين، ثم في تدفق حركة التحرر العربي، فكان أن عُني الفكر القومي العربي بقضية الوحدة العربية بقضية الوحدة العربية وأعطاها أولوية، وارتفع شعار الوحدة طريقاً لتحرير فلسطين. ثم لم يلبث أمام حدوث تغيرات أخرى دولية وإقليمية أن شغل هذا الفكر بالنظر في العوائق في ضوء ما بدا من وقائع عند القيام بخطوات وحدوية، ورفع البعض شعار الوحدة المدروسة.
وكان على المشروع أن يتطور في مرحلة ما بعد النكسة أمام تغيرات جذرية حدثت في الواقع القائم تناولت موضوع الصراع العربي - الصهيوني وموضوعات داخلية وخارجية. ويمكننا أن نتتبع تأثير تغير الواقع القائم على تطور مقاربة الفكر القومي العربي لمختلف أهداف الأمة وقضاياها والموضوعات المتصلة بهذه القضايا.
يمكننا أن نلاحظ على صعيد عامل "جماعات الفكر" التي تقوم بإعمال النظر، أن بعض المفكرين استجابوا لدواعي تطوير المشروع وأسهموا فيه، وأنهم أيضاً تأثروا بالظروف المحيطة بهم فبدا على ما كتبوه أثر شخصياتهم. ويمكن أن نتتبع هذه الاستجابة لدواعي التطوير والإسهام فيه عند عدد منهم شهدوا عدة مراحل. ومن الملفت على صعيد هذا العامل بروز ظاهرة عمل الفريق بدءاً من المد القومي، وتنامي هذه الظاهرة في مرحلة ما بعد النكسة، إلى جانب استمرار ظاهرة المفكر الفرد. وقد نجح عمل الفريق في إنجاز عدد من المشروعات البحثية.
بدا أثر عامل الأهداف واضحاً في تطور المشروع في ضوء ما طرأ على ترتيبها في قائمة الأولويات بحكم تغير الواقع القائم بين مرحلة وأخرى. وقد رأينا كيف أن هدف الوحدة في مرحلة المد القومي تقدم على هدفي التحرير والديمقراطية.
كما بدا أثر عامل المناخ المحيط واضحاً أيضاً، وشتان بين روح العزيمة التي غلبت على هذا الفكر إبان تدفق ثورة التحرير في الخمسينيات وبين روح الإحباط التي سيطرت على بعض المفكرين في مرحلة ما بعد النكسة ووصلت بهم إلى البحث عن أسباب النكسة فيما اصطلحوا على تسميته "بالعقل العربي"، فعمدوا إلى تحليله وشرحه وخرجوا بنتائج وأحكام على مسار حضارتنا عبر العصور بحاجة إلى إعادة نظر وتمحيص. ولم يلتفت هؤلاء إلى سنن نشوء الحضارات وازدهارها وانحطاطها وأفولها، وأوصلت روح الإحباط بعض هؤلاء إلى دمغ اللسان العربي بالقصور عن البيان وعجزه عن استيعاب العلوم، وإلى تفسير ظواهر في تاريخنا مثل ظاهرة الصوفية مثلاً تفسيراً لم يتعمق فهم ما كانت تؤديه من وظائف اجتماعية.
وهكذا تكرر مع اللسان العربي ما حدث في عهد شاعر النيل حافظ إبراهيم أول هذا القرن حين قال قصيدته الشهيرة التي تتضمن شكوى هذا اللسان وبيانه. ورأينا كيف فعلت روح الانتفاض فعلها في الفكر القومي العربي في الثمانينيات بما أشاعته من عزم من خلال ظاهرة الانتفاض والمقاومة، فعني هذا الفكر بدراسة ظاهرة الصحوة وعوالمها.
مجمل القول أن المشروع مرّ بعدة مراحل، وتطور خلالها بفعل عوامل محددة. وقد كان له تأثيره على مجرى الأحداث في منطقتنا، واختلفت درجة هذا التأثير بين مرحلة وأخرى. وتتباين الآراء حول مقدار هذه الدرجة، ولكنها تكاد تجمع على وجود أزمة في العلاقة بين إدارة السياسة في وطننا العربي والفكر القومي العربي ومشروعه الحضاري.
كان لهذا الفكر دوره في محاولة النهوض بالأمة وتحقيق النهضة الأولى منذ القرن التاسع عشر الميلادي. ولافتٌ أن جيل تلك النهضة كان يعمل على عدة خطوط في وقت واحد لتحقيق أهداف المشروع. فهو يقاوم الاستبداد ويسعى إلى معالجة الضعف الداخلي الذي عانى منه المجتمع والدولة على حد سواء، وذلك بتحقيق نهضة تعليمية والدعوة للعناية بالعلم وتطبيقاته، وبتأسيس الجمعيات الأهلية لمختلف الأغراض وللعمل الاجتماعي بخاصة. وهو في الوقت نفسه يواجه الغزوة الاستعمارية الأوروبية التي بانت أطماعها. وهو معني بالنهوض الفكري والثقافي.
وقد تنبّه بعض خاصة هذا الجيل إلى بروز الخطر الصهيوني، وأدركوا خطورة المشروع الصهيوني الذي بدأ تنفيذ خططه لاغتصاب فلسطين بتهجير يهود من أوروبا الشرقية إلى فلسطين، والاحتيال للاستيلاء على أراض يقيمون فيها مستعمراتهم الاستيطانية. وارتفعت أصوات عربية تحذر من هذا الخطر ومنها صوت نجيب عزوري في كتابه يقظة الأمة العربية الذي صدر عام 1905.
واجه هذا الجيل حدثاً خطيراً في آخر العقد الأول من القرن العشرين هو خلع السلطان عبد الحميد الثاني، وتولي الاتحاديين قادة جمعية الاتحاد والترقي زمام الأمور في إسطنبول (عام 1909)، وانتهاجهم سياسة التتريك، وتساهلهم مع الصهاينة الذين زادوا من "تسللهم" إلى فلسطين.
ثم لم يلبث هذا الجيل أن واجه حدثاً أخطر هو نشوب الحرب العالمية الأولى بين قوى الهيمنة الأوروبية الاستعمارية ودخول الدولة العثمانية فيها، وفرض الحماية البريطانية على مصر، وإبرام بريطاني وفرنسا اتفاق سايكس - بيكو عام 1916 الذي يقضي بتقاسمهما أقطار الشام والعراق، ودخول قواتهما تلك الأقطار قبل نهاية الحرب عام 1918، وانعقاد مؤتمر الصلح في فرساي بفرنسا منذ عام 1919 واتفاقات الإملاء التي أملاها على المهزومين ومنهم الدولة العثمانية، وتجزئة هذه الدولة، وتقاسم أقطارنا العربية، وانتداب دولة الهيمنة على هذه الأقطار باسم منظمة عصبة الأمم التي أوجدتها ليكون هذا الانتداب غطاء للاستعمار، وقيام مصطفى كمال "أتاتورك" بإلغاء الخلافة عام 1924، ومباشرة بريطانيا، الدولة التي استعمرت فلسطين باسم الانتداب، تنفيذ مخططها بإقامة دولة يهودية في فلسطين، الذي جاء في تصريح وزير خارجيتها آرثر بلفور يوم 2 تشرين ثاني (نوفمبر) 1917 وضمنه صك انتداب على فلسطين عام 1922.
كان الجيل العربي يعمل لتحقيق المشروع الحضاري عند مطلع القرن في نطاق تبعيته "العثمانية" داعياً إلى اللا مركزية والإصلاح، وساعياً إلى احترام الحقيقة القومية في إطار الجامعة الإسلامية. ولم يلبث، بعد وقوع سيطرة الاتحاديين الأتراك على الحكم في الدولة العثمانية، أن ركز على الحفاظ على انتمائه القومي العربي في مواجهة سياسة التتريك التي كان من تداعياتها نشوب ثورة الشريف حسين عام 1916. ثم واجه هذا الجيل العربي واقعاً جديداً، بعد زلزال الحرب العالمية الأولى، على صعيد الحكم في أقطار المشرق العربي الذي تحكمت فيه بريطانيا وفرنسا وفقاً لاتفاقهما في سايكس - بيكو. وكان المغرب العربي يعاني استعماراً فرنسياً للجزائر وتونس والمغرب على التوالي، بينما استعمرت إيطاليا ليبيا. وتابعت بريطانيا استعمار مصر والسودان وعدن والخليج.
لقد حفظت الذاكرة التاريخية العربية ما اقترفته قوى الهيمنة من جرائم وآثام إبان استعمارها أقطار الوطن العربي. فقد نهبت ثروات هذه الأقطار، وفرضت على شعوبها العربية أن تنتج ما لا تستهلك وتستهلك ما لا تنتج في تبعية اقتصادية لها. وعمدت إلى فصل الدائرة العربية عن بقية أقطار دائرة الحضارة الإسلامية. وأنزل الحكم الاستعماري أشد أنواع الظلم بالناس. ومكّنت بريطانيا المشروع الصهيوني من تهجير يهود أوروبيين إلى فلسطين ليكونوا مستعمرين مستوطنين فيها.
حفظت الذاكرة التاريخية العربية أيضاً اشتداد مقاومة الشعوب العربية للاستعمار الأوروبي، وتجلت هذه المقاومة في صور عدة، أبرزها الجهاد ضد الاستعمار في انتفاضات وثورات. وما أعظم البطولات التي تجلت في كمل قطر لشبانٍ وشيبٍ ونساءٍ ورجال، وبطولة الشيخ الجليل عمر المختار واحدة منها. كما كان من بين صور المقاومة مقاطعة المستعمر ووقوف المجتمع الأهلي في مواجهته داعماً للجهاد المسلح. ومع أن تجزئة الوطن الكبير فرضت أن تكون المقاومة قطرية إلا أن التجاوب بين المقاومين في مختلف الأقطار كان قوياً. وهذا ما يفسر تزامن الانتفاضات والثورات في أكثر من قطر. وفرضت هذه المقاومة على المستعمر أن يطرح استقلالاً منقوصاً كان بداية بروز الدولة القطرية العربية.
هكذا قامت في مطلع العشرينات المملكة المصرية، ثم المملكة العراقية، وأعلن عبد العزيز بن سعود نفسه ملكاً على أنحاء الجزيرة العربية التي وحدّها، واستمر اليمن "إمامة"، وقامت إمارة شرق الأردن، وحكومة في سورية وأخرى في لبنان تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي، وبقيت فلسطين هدفاً لاستعمار استيطاني صهيوني إحلالي تقوم على تنفيذه بريطانيا التي تستعمرها باسم الانتداب والحركة الصهيونية العنصرية. وهذه الأقطار هي التي تجمعت في جامعة الدول العربية عام 1945بينما كان الصراع محتدماً بين قوى الهيمنة الاستعمارية ومقاومة شعوبنا لها طوال العشرينيات، احتدم الصراع بين قوى الهيمنة الاستعمارية بعضها ببعض في دائرتها الحضارية الغربية. وأدى هذا الصراع إلى ظهور الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا, وتراجع الديمقراطية في بقية الأقطار الأوروبية. كما أدى على الصعيد الاقتصادي إلى أزمة اقتصادية طاحنة بين عامي 1929 و1933 كانت لها آثار عالمية، ومضاعفات على صعيد المشروع الصهيوني.
يستوقفنا ونحن نستحضر أحداث تلك المرحلة الأولى التي واجه بها المشروع الحضاري العربي المشروع الصهيوني، أن سنواتها الأخيرة بين عامي 1929 و1933 شهدت حدوث ثورة البراق عام 1929 في فلسطين, التي عبرت عن استشعار الخطر المحدق بالمسجد الأقصى، وعن إدراك عدم جدوى التفاوض السياسي مع المستعمر, إذا لم تسانده مقاومة مسلحة شعبية. وشهدت هذه الفترة أيضاً انعقاد مؤتمر إسلامي شعبي بالقدس عام 1931 بدعوة من المجلس الإسلامي الأعلى الفلسطيني، واقترن هذا الانعقاد بعقد مؤتمر عربي، ودلل الحدثان على إدراك البعد القومي العربي والبعد الحضاري الإسلامي في مواجهة المشروع الصهيوني. وكانت ذروة أحداث تلك المرحلة الأولى هي ثورة الشيخ عز الدين القسام التي بدأت عام 1933، وعبر عن نشأتها ومحيطها وأسلوبها عن إدراك دور الجهاد المسلح في مقاومة المستعمر البريطاني والمستعمر المستوطن الصهيوني.
استمر المشروع الحضاري النهضوي العربي يواجه في وقت واحد المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الصهيوني في الثلث الثاني من القرن العشرين, وانضم جيل عربي آخر إلى سابقه في هذه المواجهة, وحفلت تلك المرحلة بأحداث كان لها تأثيرها على تحقيق المشروع.
ففيما يتعلق بالبعد الدولي، احتدم الصراع بين قوى الهيمنة الدولية بقية الثلاثينيات، وشهدت أوروبا تفجر عدة أزمات في دولها المتكالبة على نهب المستعمرات, التي سيطرت عليها في القارات الأخرى. ولم تلبث أن تفجرت الحرب العالمية الثانية عام 1939 بينها, زلزالاً قوياً استمر حتى عام 1945. وقد برز في وطننا خلال تلك الفترة ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف من اهتماماتها بمنطقتنا وتتطلع إلى فرض نفوذها عليها، وهو اكتشاف النفط بكميات كبيرة في الجزيرة العربية والخليج.
فيما يتعلق بالبعد العربي نشطت حركات التحرير في مختلف الأقطار العربية رافعة لواء جلاء المستعمر وتحقيق الاستقلال، وعبرت عن نفسها في انتفاضات وثورات. وقامت عام 1945 جامعة الدول العربية بعضوية سبع دول عربية قطرية. وتحقق جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية ولبنان عام 1946.
ونشبت حرب فلسطين بين "إسرائيل" التي اعترفت بها الولايات المتحدة الأمريكية حال قيامها ودعمتها الدول الاستعمارية الأخرى، والدول العربية الفتية إثر خروج المستعمر البريطاني من فلسطين، في ظل ظروف ملتبسة، وشهدت هدنتين. واستطاع الكيان الصهيوني الذي قام في فلسطين أن يثبِّت أركانه بهذه الحرب بفضل مساندة دول الهيمنة الغربية, التي مكَّنته من الحصول على عضوية الأمم المتحدة. وشهدت هذه الحرب بطولات فردية عربية وصوراً من تعلق أبناء الأمة في مختلف الأقطار العربية بفلسطين. ولكن الواقع الرسمي العربي القائم آنذاك لم يصمد أمام مكائد قوى الهيمنة الغربية، فكانت نكبة فلسطين, التي أدت إلى إخراج جل شعب فلسطين من وطنه الغالي. ويالها من نكبة أثرت على الأمة العربية بعامة وعلى شعب فلسطين بخاصة.
إن ذاكرة الأمة التاريخية حفظت أحداث هذه النكبة. والحاجة ماسة إلى أن تتعرف أجيال الأمة في القرن الحادي والعشرين على ما جرى وأسبابه. وقد اقترن بحدوث النكبة وقوع تحول هام هو تولي الولايات المتحدة قيادة قوى الهيمنة الغربية، وقيام حليفتها بريطانيا بتسليمها جُلّ ملفاتها في المنطقة. ووطنت قوى الهيمنة الغربية هذه نفسها على دعم الكيان الإسرائيلي في فلسطين ليكون قاعدة لها. وهكذا أصدرت أمريكا وبريطانيا وفرنسا الإعلان الثلاثي عام 1950 بحماية هذا الكيان وعمدت إلى تقويته.
كانت تحديات نكبة فلسطين عام 1948 شديدة على المستويين الرسمي والشعبي في وطننا العربي. وما أسرع ما ظهرت استجابة لهذه التحديات. فعلى صعيد الفكر، صدرت كتب ناقشت أسباب النكبة, وتأملت معناها, واستخلصت عبرها, ونظرت في التغلب عليها. وعلى صعيد الأدب، رأينا الشعر والرواية والمقال تسهم في ذلك وتعبئ أبناء الأمة.
واستطاع جيل النكبة من أبناء فلسطين أن يصمد أمام الزلزال, وخرج للعمل في بعض أقطار وطننا الكبير, وأسهم في تحقيق نهضة تربوية اقتصادية. وحقق التكافل الاجتماعي الأسري إنجازاً عظيماً تمثل في خروج الشعب من وطأة النكبة إلى البناء.
وشهد الوطن العربي على الصعيد الشعبي غضباً وجيشاناً هيأ المناخ للتغيير. وأدت الهزيمة العسكرية التي وقعت، ومعها الهزيمة السياسية، إلى ظاهرة تدخل الجيش في الحكم في الدول العربية حديثة العهد بالاستقلال، فكانت الانقلابات العسكرية, التي تتالت في العقدين التاليين. وإذا كانت جلّ هذه الانقلابات لم تحقق التغيير المنشود، فإن حركة الجيش في مصر العربية يوم 23 تموز (يوليو) 1952 استطاعت أن تنال تأييداً شعبياً حوّلها إلى "ثورة"، كان لها دور كبير في بناء قاعدة صمود في مصر, وفي مساندة حركات التحرير الإفريقية.
وحفلت الخمسينيات بأحداث هيأت مناخاً صالحاً لانطلاق طاقات الأمة لتحقيق مشروعها الحضاري. ومن هذه الأحداث انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1955، وقيام مصر بتأميم قناة السويس عام 1956، ونجاحها في الصمود أمام العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي والتفاف الأمة حولها، وتحقيق وحدة بين مصر وسورية عام 1958 رغم معارضة قوى الهيمنة الدولية.
 
وإن من حق الأجيال العربية الجديدة في القرن الحادي والعشرين أن تتعرف على تلك الحقبة من تاريخ أمتها، التي تدفقت فيها موجات ثورة التحرير في شمال إفريقيا العربية وفي القارة بعامة، ومن بينها ثورة الجزائر على الاستعمار الفرنسي بين عامي 1954 و1962.
حين نستحضر ما تحقق من المشروع الحضاري العربي في ظل مناخ ثورة التحرير، نجد أن إنجازاً تحقق على صعيد هدف التحرير تمثل في استقلال السودان وتونس والمغرب ثم الجزائر، واستقلال أقطار الخليج العربي، التي حاولت الدول الاستعمارية أن تضع قيوداً عليه بأشكال مختلفة, وأن ترسم محددات له. ومع ذلك فما تحقق مثّل إنجازاً.
ونجد محاولة هامة لتحقيق وحدة قطرين هما مصر وسورية عام 1958، كان لها أثرها العظيم في شحذ همة الأمة. كما نجد محاولات أخرى لتحقيق تنسيق اتحادي بين أكثر من قطرين لم يكتب لها النجاح. ونجد محاولات جادة لتحقيق هدف العدل الاجتماعي, تمثلت في رفع بعض الدول شعار "الاشتراكية". وقد كان لبعض هذه المحاولات ثمار طيبة، كان يمكن أن تتضاعف لولا انعطافها إلى الاستعجال واستيراد نماذج وتقليدها.
وحاولت دول عربية أخرى أن تحقق نوعاً من "العدالة الاجتماعية" في إطار أقطارها، وذلك بعد ظهور النفط فيها، ولكن نسبة كبيرة من ثروة النفط امتصها الاستهلاك. ونجد محاولات جادة لتحقيق تنمية توصل إلى الكفاية، أثمر بعضها. ثم نجد جهوداً لتحقيق التجدد الحضاري، عنيت بالبحث العلمي وبالتربية وبالتعليم وبتحديث هياكل البنية الأساسية وبالاجتهاد. وقد أثمرت نهوضاً في هذه الميادين وفي الأدب والفن والفكر.
كان يمكن أن تكون ثمار هذه الجهود لتحقيق أهداف المشروع الحضاري العربي مضاعفة لو أن عناية أوليت لهدف الشورى والديمقراطية وحقوق الإنسان. ذلك أن الغفلة عن هذا الهدف أدت إلى تحكم أقوى "للدولة" على حساب الشعوب ومجتمعاتها الأهلية "المدنية"، ووقعت جلّ الحكومات في مهاوي الضيق بالديمقراطية وبالتعددية، وانسياقها من ثم إلى التطرف في النزاعات العربية العربية. وقد ظهرت آثار ذلك كله في عقد الستينيات آخر سنوات هذه المرحلة الثانية في القرن العشرين.
استهدف هذا العمل المكثف للنهوض العربي، فيما استهدف، مواجهة المشروع الصهيوني، وكان منطلقاً من اقتناع بأن التقدم على طريق تحقيق أهداف المشروع الحضاري العربي يخدم هذه المواجهة ويوصل إلى تحقيق هدف التحرير. وارتفاع شعار "الوحدة طريق الحرية". وقد استشعرت الصهيونية العالمية، بشقيها اليهودي وغير اليهودي، خطورة النهوض العربي في الخمسينيات، وبخاصة بعد توحيد مصر وسورية عام 1958، فتربصت مع دول الهيمنة به، عامدة إلى النفخ في النزاعات العربية العربية، وإلى استغلال أخطاء التطبيقات على صعيد كل قطر لخلخلة وحدته الوطنية، ومستفيدة من قصور عربي رسمي, حدث في قراءة الوضع الدولي. وكان الوضع بين معسكري دائرة الحضارة الغربية، الغربي الرأسمالي والشرقي الماركسي، قد انتقل من مرحلة سياسة حافة الهاوية في مطلع الخمسينيات إلى سياسة التعايش السلمي في آخر الخمسينيات، وبدأ يتجه إلى مرحلة انفراج ظهرت بوضوح بعد حرب 1967.
لقد شهد النصف الأول من الستينيات نكسة انفصال وحدة مصر وسورية، واحتدم نزاع عربي عربي بعد ثورة اليمن عام 1962 تفجر في حرب اليمن، كما شهد أشكالاً من الصراعات على المستوى القطري على صعيد الحكم أدت إلى إضعاف الجبهة الداخلية العربية. وأدى ذلك إلى تجرؤ الكيان الصهيوني على الإقدام لتحويل نهر الأردن وسرقة مزيد من المياه العربية. فكانت أن استجابت قيادة مصر العربية، التي حملت آنذاك اسم الجمهورية العربية المتحدة منذ توحيد مصر وسورية، لهذا التحدي بالدعوة إلى قمة عربية انعقدت في مطلع 1964. وقد تتالى انعقاد القمة العربية مرتين، ولكن النزاعات العربية لم تلبث أن عرقلت عملها وتغلَّب، ما اصطلح على تسميته "وحدة الهدف" على "وحدة الصف". ثم كانت حرب 5 حزيران (يونيو) 1967 ووقعت "النكسة". ويالها من "نكسة" لأحلام الأمة في تحقيق مشروعها الحضاري، وما أشد مرارة ذكرى أحداثها.
فقد بادر الكيان الصهيوني في أعقاب تصاعد أحداث حافلة بالتوتر في مطلع ربيع 1967 إلى شن حرب خاطفة اشتهرت باسم "حرب الأيام الستة" بين يومي 5 و11 حزيران (يونيو) 1967، احتل فيها بقية فلسطين: الضفة الغربية, التي كانت جزءاً من الأردن، وقطاع غزة, التي كانت في عهدة مصر. وهضبة الجولان في سورية، وشبه جزيرة سناء في مصر. وكشفت الهزيمة العربية في هذه الحرب عن قصور حاد في جوانب كثيرة من الواقع الرسمي العربي.
وقام الفكر العربي بمراجعة لمسار النهوض الذي تحقق إثر نكبة 1948 كاشفاً عن جوانب هذا القصور. كما قام الأدب العربي بتصوير خفقان قلب الأمة العربية ومشاعرها إزاء هول ما حدث. وكان من نتائج هذه الحروب أن ارتفع على الصعيد الرسمي العربي شعار "إزالة آثار العدوان" الذي قصد به الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حين أعلنه، تحديد هدف على المدى القصير دون التخلي عن الهدف الأصلي وهو تحرير فلسطين المغتصبة عام 1948. ولكن الأحداث أعطت الشعار معنى آخر.
بدا تحدي النكسة على الصعيد العربي بالغ القسوة والشدة، وقد أصاب المشروع الحضاري العربي في الصميم. ولكن سرعان ما استجابت الأمة لهذا التحدي بتأكيد عزمها على متابعة النضال ومواجهة المشروع الصهيوني. وتجلى ذلك أول ما تجلى في وقفة الأمة يومي 9 و10 حزيران (يونيو) 1967 والألم يعتصرها رافعة شعار الصمود. ثم تجلى في مباشرة حرب الاستنزاف على جبهة قناة السويس، وفي ظهور المقاومة الفدائية المسلحة الفلسطينية, التي اتخذت في الأردن قواعد لها. وشاع في أوساط الأمة مناخ فيه التصميم على مواجهة العدو. واستطاع هذا المناخ أن يعيد للنظام العربي فعاليته بانعقاد القمة العربية في الخرطوم صيف عام 1967 التي نجحت في تصفية الأجواء العربية وإنهاء حرب اليمن.
وقد تميزت السنوات الثلاثة التي تلت "النكسة" عموماً بطابع الاستجابة للتحدي. وكان من صور الاستجابة انعقاد مؤتمر قمة إسلامي في الرباط بالمغرب إثر محاولة حرق المسجد الأقصى عام 1969 كان نواة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. ولكن ما لبثت أن عاشت نزاعاً عربيا نشب في الأردن، وخفق قلبها حين برز خلاف أوساطها حول مقاربة الصراع والتوزع بين متابعة النضال والتوجه نحو التسوية، ثم فجعت برحيل عبد الناصر يوم 28 أيلول (سبتمبر) 1970 في أعقاب انعقاد قمة دعت إليها مصر لمعالجة ذلك النزاع وبلورة موقف عربي، وهو الزعيم الذي كان له دور خاص في الأحداث العربية منذ عام 1952.
نشطت في مطلع السبعينيات محاولات قوى الهيمنة الدولية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في طرح مشروعات تسوية للصراع العربي الصهيوني. ووظّفت هذا الطرح لتمكين "إسرائيل" من استمرار احتلال الأراضي العربية وإيجاد حقائق جديدة فيها. وقد جاءت حرب 10 رمضان 1393 هـ الموافق 6 تشرين أول (أكتوبر) 1973، بمبادرة محسوبة من مصر وسورية، لتعطي مثلاً حياً على بطولة الجندي العربي, وقدرة العسكرية العربية على التخطيط, ودور والكفاح المسلح في استعادة الحق. فكان العبور في يوم مجيد من أيام العرب, وتلاه توافق الدول العربية النفطية على استخدام سلاح النفط جزئياً يوم 18 تشرين أول (أكتوبر) 1973، الأمر الذي أوجد حقيقة كبيرة على صعيد تعامل القوى الدولية مع الصراع العربي الصهيوني. وقد كان للزخم الذي طبع نضال الأمة آنذاك أن يحقق الكثير لولا قصور حدث على مستوى إدارة المعركة، الأمر الذي أدى إلى حدوث الثغرة في الجبهة المصرية، ووقوع خلاف في الرأي حول التحرك السياسي بين شريكي حرب رمضان. فكان أن قلل ذلك من حلاوة النصر. ومع ذلك فإن الحرب بمجملها كشفت عن حقيقة ما يحفل به الوجود الصهيوني من هشاشة وتناقضات, كان يمكن أن تتفجر لولا الدعم الأمريكي غير المحدود, الذي قدمه (الرئيس الأمريكي ريتشارد) نيكسون و(وزير خارجيته هنري) كيسنجر لإسرائيل، كما بددت الحرب أسطورة العسكري الإسرائيلي الذي لا يقهر.
حركت حرب رمضان سطح بركة الصراع، فنشطت الولايات المتحدة لمباشرة تسوية له أكثر انحيازاً لمطالب إسرائيل. وتم إبرام اتفاقيتي فك الاشتباك الأولى عام 1974، والثانية عام 1975 على الجبهة المصرية، واتفاقية على الجبهة السورية عام 1975. ومرة أخرى نشبت نزاعات عربية حول مقاربة الصراع. وتفجر أكثر من نزاع مسلح عربي ــ عربي عامي 1976و1977. وبدا واضحاً أن النظام العربي يعاني من ضعف بيّن. ثم قام الرئيس السادات بزيارة البرلمان الإسرائيلي يوم 19 تشرين ثاني (نوفمبر) 1977، في خطوة أولى لعملية تسوية رعتها الولايات المتحدة الأمريكية, وأبرمت ضمنها اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في أيلول (سبتمبر) 1978، ثم معاهدة سلام مصرية إسرائيلية في 26 آذار (مارس) 1979، الأمر الذي أدى إلى انتقال جامعة الدول العربية مؤقتاً إلى تونس، وافتقاد دور مصر، كمركز ثقل في ساحة العمل العربي المشترك، لنحو عشر سنوات. وكان "النظام العربي" بعد حرب رمضان قد حقق إنجازاً في الحوار العربي الأوروبي, الذي انتكس بفعل الخلافات العربية.
لقد اغتنم الكيان الصهيوني فرصة ضعف النظام العربي لينفذ مخططاته في التوسع في جنوب لبنان. فكان أن اجتاحت القوات الإسرائيلية الجنوب عام 1978 واحتلت شريطاً فيه، وكررت اعتداءاتها على المقاومة الفلسطينية الموجودة في لبنان، ثم اجتاحت لبنان صيف عام 1982 واحتلت بيروت، ونشبت من ثم معركة بيروت الكبرى. واضطرت القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من عاصمة لبنان، وبدأت تواجه مقاومة لبنانية متصاعدة في الجنوب. وكانت إسرائيل قد قامت في صيف عام 1981 بقصف المفاعل الذري العراقي أصالة عن نفسها ووكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية. وقامت بذلك كله بعد حرب رمضان، مؤكدة إصرارها على العدوان.
واضح مما سبق أن هدف مواجهة العدو الصهيوني بغية تحرير الأراضي العربية أخذ أولوية بعد النكسة بحكم ما نجم عنها. وقد تأثرت أهداف المشروع الحضاري العربي الأخرى بذلك. وهكذا رأينا حرصاً على وحدة الصف العربي, تجلت في قمة الخرطوم عام 1967، وتنسيقاً مصرياً سورياً في خوض حرب رمضان عام 1973، وموقفاً عربياً مسانداً من دول النفط العربية فعل فعله. ولكن ما لبث هذا الخط البياني الصاعد للتضامن العربي أن انعطف هابطاً بعد عام 1974, ثم إبرام اتفاق كامب ديفيد عام 1978.
وقد شهدت هذه المرحلة منذ بدايتها في أعقاب النكسة تغيرات على مستوى الحكم في عدد من الدول العربية: في العراق عام 1968، والصومال والسودان وليبيا عام 1969، ومصر وسوريا عام 1970، وذلك في إطار تأثر النظام الإقليمي بما طرأ من تطور في النظام الدولي في مرحلة الانفراج بين القطبين، وبفعل جيشان داخلي. كما شهدت هذه المرحلة، على صعيد هدف التجدد الحضاري، مراجعات فكرية نقدية أسفرت عن إعلاء هدف الشورى والديمقراطية وحقوق الإنسان، والدعوة إلى التمسك بها وعدم السكوت عنها مهما كانت الوعود مغرية على صعد الأهداف الأخرى، لأن أحداث النكسة أثبتت عدم إمكان الوفاء بتلك الوعود في غياب هذا المناخ, الذي يحترم حقوق الإنسان ويعتمد الشورى والديمقراطية.
استمرت الأمة وسط هذه التحولات في التعلق بالمقاومة. وتجلت هذه المقاومة على الصعيد الشعبي في دعم عمليات الفداء, وفي رفض التسوية المملاة. وقام الفكر العربي بدور خاص في الدعوة لاستمرار المقاومة. وشهدت الدائرة العربية انتعاش مناخ المقاومة فيها, مع تفجر ثورة إيران الإسلامية عام 1979 ومواجهتها الغطرسة الأمريكية. ولكن لم يلبث هذا المناخ أن تأثر بنشوب الحرب بين العراق وإيران عام 1980, التي نفخت في أوارها قوى الهيمنة الدولية، ونتج عنها استنزاف طاقات هائلة في البلدين على مدى ثماني سنوات، وإحداث خلل في علاقات الجوار داخل الحضارة الإسلامية.
بقيت مقاومة العدو الصهيوني والعمل لتحقيق المشروع الحضاري العربي نصب أعين الأمة الحية ومعقد آمالها، والسبيل لتبديد مناخ إحباط قوي في النصف الأول من الثمانينات. وجاء تصاعد المقاومة في جنوب لبنان دليلاً على حيوية الأمة، وفعل فعله في بث روح الأمل وتقوية العزائم، وأعطى مثلاً على ما يمكن للقيم الروحية أن تقوم به في تحقيق صحوة الأمة في مواجهة عدوها الصهيوني وقوى الهيمنة التي تدعمه. ثم جاء حدوث الانتفاضة الفلسطينية آخر عام 1987 واستمرارها ستة أعوام ليتكامل مع المقاومة اللبنانية، وليؤكد للعدو أن المواجهة العربية له مستمرة، وأن شعب فلسطين العربي سيبقى متمسكاً بحقوقه الوطنية، وقادر على تجديد تعبئة طاقاته في هذه الموجهة.
مرة أخرى تجلى أثر البعد الدولي في المواجهة بين المشروع الحضاري النهضوي العربي والتحالف الاستعماري الصهيوني أواخر عقد الثمانينات, حين حدث زلزال أوروبا الشرقية السياسي, الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات. فقد أفسح هذا التحول المجال أمام الولايات المتحدة الأمريكية للانفراد بالنظام العالمي، ومن ثم تنفيذ مخططاتها في منطقتنا العربية. وقد جاء اجتياح العراق للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990، إثر تفاقم ضعف النظام العربي، ليدخل الوطن العربي في نفق مظلم على صعيد العلاقات بين دولنا العربية، وليمكّن الولايات المتحدة الأمريكية من قيادة تحالف دولي ضد العراق, انتهى بمحاصرته، وليفتح الباب أمام مباشرة عملية تسوية للصراع العربي الصهيوني واكبتها جهود أمريكية للانفراد بتصميمها. وهكذا انعقد مؤتمر مدريد يوم 30 تشرين أول (أكتوبر) 1991 لتنفيذ "عملية سلام الشرق الأوسط". ودخل الصراع العربي الصهيوني مرحلة جديدة, ومثله دخل المشروع.
حين نستحضر هذه المرحلة الجديدة, نجد أنها كانت أحداثاً ذات فعل وتأثير اتصلت بأبعاد الصراع الدولية والإقليمية والمحلية. فقد طرح الرئيس بوش فكرة إقامة نظام عالمي جديد تقوده واشنطن منفردة, وتتحكم فيه أمريكا قطباً واحداً له، وتستظل في تحركاتها براية منظمة الأمم المتحدة, مع عدم تمكين المنظمة من القيام بدورها في حماية الشرعية الدولية. وكان أن باشرت الولايات المتحدة "عولمة" العالم اقتصادياً وثقافياً, في محاولة غير مسبوقة للتحكم في السوق العالمي كله، وإخضاع الثقافة لمتطلبات السيطرة على السوق، وإحكام قبضتها على الأنظمة الإقليمية في عالمنا. وفي هذا الإطار، ومن أجل إحكام القبضة الأمريكية، كان أن وضعت مخططاً لإقامة نظام لها باسم "نظام الشرق الأوسط"، يختص بدائرتنا الحضارية الإسلامية عامة، ويركز على الدائرة العربية خاصة. وقد خططت لإعطاء "إسرائيل"، باعتبارها قاعدة استعمارية استيطانية غربية، دور القيادة فيه، الأمر الذي كان له تأثيراته على مسار الصراع العربي الصهيوني. وهكذا رتبت مباشرة المفاوضات المتعددة الأطراف بعد مؤتمر مدريد في محاولة لإقامة هذا النظام.
لقد جهدت الولايات المتحدة الأمريكية، في عمليتها لسلام الشرق الأوسط، لأن تدفع الأطراف العربية إلى الدخول في مفاوضات مع إسرائيل من نوع خاص، وهكذا جرت المفاوضات الثنائية, التي انتهت على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني بإبرام اتفاق أوسلو في 13 أيلول (سبتمبر) 1993 المعروف باسم "إعلان مبادئ لإقامة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في غزة وأريحا"، ثم باتفاق آخر في 4 أيار (مايو) 1994، واتفاق أوسلو 2 في 28 أيلول (سبتمبر) 1995. وانتهت على الصعيد الإسرائيلي الأردني بإبرام اتفاق وادي عربة في 26 تشرين أول (أكتوبر) 1994. وسارت على الصعيد الإسرائيلي السوري متعثرة بسبب اعتراض سورية على بعض شروط التفاوض هذه، وتمسكها بالانسحاب الإسرائيلي من كامل الجولان السوري المحتل. وكان الطابع العام لما أبرم من اتفاقات هو "الإملاء". وسيبرز في التاريخ السياسي، عند الحديث عن "عملية سلام الشرق الأوسط", التي "صممتها" الولايات المتحدة الأمريكية "ورعتها"، مدى التناقض بين شعار السلام, الذي رفعته وتسمت به، وواقع تصعيد العدوان الصهيوني في ظلها, بدعم أحياناً أو سكوت أحياناً أخرى من مصممها وراعيها الأمريكي.
إذا كانت المرحلة الراهنة من الصراع العربي الصهيوني, التي بدأت بمؤتمر مدريد عام 1991 حفلت بتحدي التآمر الأمريكي على حقوق الشعب فلسطين العربي، وتحدي الصهيونية العنصرية, وهي تصعّد عدوانها، فإنها شهدت في الوقت نفسه استجابة الأمة على هذا التحدي بالاستمرار في المقاومة. وهكذا رأينا ظهور الفكر المقاوم الذي قام، انطلاقاً من كونه "الرائد"، بشرح حقائق عملية التسوية وكشف ما خفي منها وتحليلها، والرائد لا يكذب أهله. ورأينا تفجر الروح المقاومة، والانتشار التدريجي لثقافة المقاومة. ورأينا، على الصعيد الشعبي، بعد ما اختبر ما يجري على أرض الواقع، التزامه بالمقاومة ودعمه لأبنائه المقاومين. وهكذا ارتفع شعار "الاعتصام بالمقاومة" في سماء الوطن العربي.
نجحت هذه المقاومة في مواجهة محاولة قوى الهيمنة الأمريكية فرض نظام الشرق الأوسط ، فتوقفت المفاوضات متعددة الأطراف بعد فترة قصيرة من الشروع فيها. ونجحت المقاومة في إخراج "النظام العربي" من التجميد الكامل, الذي استهدفه بعد مؤتمر مدريد. وبرزت المقاومة في مواجهة محاولات أمريكا فرض التطبيع على دول عربية صغيرة, ومحاصرة ما نجح في هذه المحاولات. وهكذا بدأ تعثر المؤتمر الاقتصادي منذ عام 1996، في دورته الثالثة، وتأكد هذا التعثر في دورته الرابعة عام 1997، ثم توقف في العامين التاليين. وحاصرت المقاومة الثقافية محاولات التحالف الأمريكي الصهيوني نشر "ثقافة سلام مزعوم" بهدف تكريس الاحتلال والاغتصاب، وطرحت ثقافة المقاومة, "ثقافة السلام القائم على العدل, الذي لا يتحقق إلا بانتصار المقاومة والحقوق العربية الثابتة".
إن من ملامح المرحلة الراهنة في الصراع العربي الصهيوني تجاوب الأمة مع "الفعل", الذي أثمره منطق الفعل. وقد رأينا هذا التجاوب مع كل عملية مقاومة جرت داخل فلسطين أو في جنوب لبنان. ورأينا في كل "فعل مبادر" في إطار العمل السياسي، مثل امتناع بعض الدول العربية عن المشاركة في المؤتمر الاقتصادي الشرق أوسطي عام 1997، ونجاح انعقاد المؤتمر الإسلامي في طهران عام 1997، وحتى التصريحات, التي عبرت عن دبلوماسية المقاومة حظيت بهذا التجاوب.
كان لتجاوب الأمة مع "الفعل" في هذه المرحلة الراهنة تأثيره الفعال في تبديد إحباط شاع، وإشاعة الثقة والعزم في المناخ المحيط، وفي توليد "أفعال" دللت على ما تختزنه الأمة من حيوية، وفي ظهور "إعلام عربي فاعل".
اقتناع راسخ لدى قوى النهوض في أمتنا العربية بأن السبيل لانتصارنا على المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الصهيوني هو بتحقيق المشروع الحضاري العربي بأهدافه كلها. فمواجهتنا لقوى الهيمنة الدولية وللصهيونية، طرفي التحالف الاستعماري الصهيوني، ذات طابع حضاري, وتتطلب رؤية حضارية. ومن هنا تأتي أهمية تتبع ما بلغ إليه العمل لتحقيق كل من هذه الأهداف في المرحلة الراهنة.
لقد أكدت الأحداث على أهمية تكثيف الجهود لتحقيق هدف الديمقراطية والشورى وكرامة الإنسان. فغيابها أورث الدول العربية ضعفاً وسبب كوارث من أشدها ما شهدته الجزائر. ومع أن عقد التسعينات شهد جهوداً مخلصة لتحقيق هذا الهدف، إلا أن ما تحقق هو دون المطلوب بكثير. ومن هنا تأتي ضرورة إيلاء عناية خاصة على صعيد الفكر والفعل لتحقيقه، ومن ثم لصياغة المشروع الوطني, الذي يلتقي عليه أبناء الشعب ويعملون لإنجازه. والأمر نفسه يصدق على هدف العدل الاجتماعي وهدف التنمية.
ولقد كان هدف التوحيد أكثر ما استهدفه التحالف الاستعماري الصهيوني بالتخريب في هذه المرحلة، بغية القضاء على النظام العربي واستبداله بالنظام الشرق أوسطي. واستطاعت قوى النهوض أن تحقق صمود النظام العربي ولو بحدود دنيا. واستمرت تحاول جاهدة إعادة الفعالية إليه، وتسعى لانتظام عقد مؤتمر القمة العربي الذي يقوده، والتغلب على قرار قوى الهيمنة الدولية بمنع انعقاده. ولا شك في أن التحول الهام الذي حدث لصالح قوى الصمود والمقاومة في الأمة على صعيد مواجهتها لطرفي التحالف الاستعماري الصهيوني في الصراع، ما صنعته من مناخ مفعم بالثقة، سوف يمكّن قوى النهوض من مضاعفة جهودها لتحقيق مشروع الأمة الحضاري النهضوي.
فإن هذا العزم الذي نراه اليوم عند قوى النهوض بالأمة لتحقيق المشروع يقترن ببروز تساؤلات تتصل بحقائق عصر العولمة الذي يعيشه عالمنا، وبكيفية العمل في ضوء هذه الحقائق للتقدم على طريق بلوغ كل هدف من أهداف المشروع؛ بما في ذلك تحديد الأولويات. ونحن نتطلع إلى بحوث هذه الندوة لتسهم في تقديم إجابات عن هذه التساؤلات.
 
مجمل القول إن المشروع الحضاري النهضوي العربي لا يزال هدفاً عظيماً تضعه أمتنا نصب العين, وتعمل قوى النهوض فيها لبلوغه. وقد دخل هذا العمل مرحلة جديدة في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي, فمثل حلقة أخرى من سلسلة حلقاته عنوانها النهضة الثالثة. ولا تزال أهداف المشروع الستة هي هي, وإن شهد كل منها تطورا في مفهومه وفي أساليب العمل لبلوغه. ولافت أن المناخ العام المحيط بالأمة إيجابي, يعلي من شأن منطق الفعل فيها, وذلك بعد أن شهد عام 2000 الميلادي 1421 الهجري يوم التحرير والمقاومة في لبنان في 25 أيار (مايو), وانطلاق انتفاضة الأقصى في 28 أيلول (سبتمبر), وانعقاد القمة العربية بكامل أعضائها يوم 20 تشرين أول (أكتوبر).


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول أحمد صدقي الدجاني
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن أحمد صدقي الدجاني:
المشروع الحضاري النهضوي العربي - أحمد صدقي الدجاني


تقييم المقال
المعدل: 3.5
تصويتات: 6


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

Blair (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 13-2-1436 هـ
replica breitling watches [www.obmreplicas.net]


[ الرد على هذا التعليق ]


Fredrick (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-7-1436 هـ
lengthen alternatively shorten the buckle for optimum solace. Roland Iten has taken his inspiration for these exacting mechanisms from the finest instances of mechanical engineering, which includes the superlatively refined actions of express rifles and twice shotguns manufactured at famed gunmaker Purdey.Equally ingenious is Roland Iten"s Creditcard Dispenser. The Creditcard Dispenser functions a case manufactured from extruded aluminum and gold, which showcases a contrasting satin and polished achieve. Its mechanical functions consist of a patented arranging lever, along with a sixposition calibration trigger having a selflocking security program; this trigger elegantly presents 4 credit cards in an instant, and retracts them precisely with an added reception.The RC8one Mechanical Cufflinks are perhaps the ultimate addition of their type. A dual function circulation pry and an complicated concealed gearbox allow these cufflinks apt expose one of 2 especial charactersa diamondset face for prim causes, forward with a many more sober surface because occasions when a defect in . spectacular see namely lusted.Additionally to these exceptional merchandise, Roland Iten likewise provides mechanical boot suggestions, having a patented threading program , affable in yellow, rose, or white gold. As ambition be the cir*****stance with each Roland Iten creation, iwc replica [www.alsowatches.com] there"s a broad range of bespoke choices procurable, which enables the realization of truly personalized elegance.For more pictures and obtain in touch with info, please go to the Roland Iten web site.ï»؟ It"s routinely regarded as that Patek Philippe watches are probably the most high end watches in our globe replica watches [www.alsowatches.com] .Patek Philippe styles splendid, simplistic and but extremely artistic watches as ladies.Each watch from this watch brand is really a story to narrate.Throughout the time in among 19 and 1930, fake watches [www.alsowatches.com] Patek Philippe produced an preferential watch collection as the Brazilian retailer understood as Gondolo and Labouriau .The name of the present collection of ladies" watches from Patek Philippe known as the Gondolo gets its name from these origins.A representative from this collection is Ladies" Gondolo 48691R Rose Gold breitling replica [www.alsowatches.com] .The watch has a quartz movement is ultra thin.Its artistic square 18K rose gold casing is beautifully marital to a rose gold Pearls bracelet.The color of the dial is "Chocolate Sunburst" and complements the rose gold casing perfectly. You will find 4 roman numerals in the , three 6 and 9 o"clock positions.The bezel is mounted with 8one diamonds approx 0.83cts.The use of rose gold and diamonds within the construction of the Patek Philippe Ladies Gondolo is not garish; prefer the watch is an understatement of manner.It is also a practical watch; it is water resistant to 25 meters.An additional star from the Gondolo Ladies" ac*****ulation will be the 4972G Serata Model.Once more, this watch has an ultra thin quartz movement.The casing of this watch from Patek Philippe is rectangular in form using the side corners appropriate concave the shape is reminiscent of a lady"s torso and is set in 130 diamonds.To be able to laud the mother of pear, the dial is highly easy with Arabic mathematics as and 6 o"clock.This prototype comes in 18K white gold, Guilloche Mother of Pearl Dial and dark blue satin strap.My personal accepted from the Patek Philippe Ladies" Gondolo ac*****ulation has to be the 4992G Gemma Model. In contrast apt those prior


[ الرد على هذا التعليق ]


Broderick (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 27-7-1436 هـ
The watches will probably be equipped having a crocodile leather strap and an 18karat gold buckle.The La Carrousel des Montres in La ChauxdeFonds will host the collection of Frederic Jouvenot via the month of January. Extra particulars may be obtained in the Frenchlanguage web site lecarrouseldesmontres.ch or by calling 4one 32 968 ten 90.ï»؟3one The fantastic Christmas Day is coming. Perhaps you"re busy with selecting presents. Nicely, which to select? What"s the fashion? Surely, it"s a era of fashion now. Everybody is pursuing his own style. Here and you will find numerous fashionable issues, simultaneously. Amongst the fashion globe, a bit messy, there"s the Cartier fake tag heuer tag heuer formula 1 watches [www.catewatches.com] , superior to other people. All of the time, Cartier keeps the elegant taste, as the king in jewelry globe.For the 20 Christmas, Cartier has published some restricted ideal presents, http://www.catewatches.com/ [www.catewatches.com] like jewelry, watches, rings, pens, leather bags and so on. Come towards the Cartier globe, you"ll find what you would like to, surely.Cartier watchesThe fairly Ballon Bleu de Cartier watch has gotten numerous fans all more than the globe. As one with the primary Cartier watches, this version truly becomes a concentrate and catches a great deal eyes from individuals. By the way, the smaller version with diamonds and also the gold middle ones each show luxury in low tone, too. Also, Cartier has published the Tank Franaise for this unique Christmas. With black watch dial and pinkgold Roman numbers, each and every exquisite detail makes a ideal. An additional Tank watch is shining some romantic feeling by its pink watch dial against blue watch hand. Nicely, these watches are surely the extremely presents for this Christmas.Cartier Trinity seriesCartier Trinity rings are regarded as one with the most well known rings within the jewelry globe. Formed by 3 parts, the threecolored Trinity rings, with fairly diamonds, show individuals the beauty full of simplicity and energy. Gold, platinum, together using the pink gold, form the Trinity Star, which mixes classical styles and contemporary charms. By the way, you will find the Trinity pendants, produced of pink gold rolex replicas [www.catewatches.com] . Do you search for the present to express your adore to your girl? The Cartier Trinity series are just prepared for you.Cartier bagsBesides the above jewelry and watches fake rolex watches, you will find an additional ideal presents for the 20 Christmas within the Cartier globe, like the metaledged Pleased Birthday wallet, produced of cow leather, the mini bag Panthere Art Deco, produced from ostrich leather, Cartier Marcello bags with double Cs patterns, and so on.Are you currently looking for the proper present for your girl now? Why not think about about Cartier? As a wellknown international jewelry brand, Cartier has a lengthy and distinguished history of serving royalty, Replica Armani Classic watches [www.catewatches.com] also as stars and celebrities. one Prince of Wales hailed Cartier as Joaillier des Rois, Roi des Joailliers Jeweller to Kings, King of Jewellers . Cartier has been regarded as as the representative of grace and elegance because it was founded. Just go to the Cartier globe and have a appear! You"ll definitely discover one that suits her! To get a fantastic festival day, let"s go now!ï»؟30 JaegerLeCoultre Hosts Charity Party throughout Gold Cup at International Polo Tournament of Sotogrande, Spain,in 20. JLC CEO Jerome Lambert welcomed international and nearby celebrities for the gala dinner held within the gardens with the


[ الرد على هذا التعليق ]


Gill (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 28-7-1436 هـ
lengthen alternatively shorten the buckle for optimum solace. replica watch breitling [www.cofwatches.org] Roland Iten has taken his inspiration for these exacting mechanisms from the finest instances of mechanical engineering, which includes the superlatively refined actions of express rifles and twice shotguns manufactured at famed gunmaker Purdey. fake watches [www.cofwatches.org] Equally ingenious is Roland Iten"s Creditcard Dispenser. The Creditcard Dispenser functions a case manufactured from extruded aluminum and gold, which showcases a contrasting satin and polished achieve. Its mechanical functions consist of a patented arranging lever, along with a sixposition calibration trigger having a selflocking security program; this trigger elegantly presents 4 credit cards in an instant, and retracts them precisely with an added reception.The RC8one Mechanical Cufflinks are perhaps the ultimate addition of their type. cartier knockoff watches [www.cofwatches.org] A dual function circulation pry and an complicated concealed gearbox allow these cufflinks apt expose one of 2 especial charactersa diamondset face for prim causes, forward with a many more sober surface because occasions when a defect in . spectacular see namely lusted.Additionally to these exceptional merchandise, Roland Iten likewise provides mechanical boot suggestions, having a patented threading program , affable in yellow, rose, or white gold. As ambition be the cir*****stance with each Roland Iten creation, there"s a broad range of bespoke choices procurable, which enables the realization of truly personalized elegance.For more pictures and obtain in touch with info, please go to the Roland Iten web site.ï»؟ It"s routinely regarded as that Patek Philippe watches are probably the most high end watches in our globe.Patek Philippe styles splendid, simplistic and but extremely artistic watches as ladies.Each watch from this watch brand is really a story to narrate.Throughout the time in among 19 and 1930, Patek Philippe produced an preferential watch collection as the Brazilian retailer understood as Gondolo and Labouriau .The name of the present collection of ladies" watches from Patek Philippe known as the Gondolo gets its name from these origins.A representative from this collection is Ladies" Gondolo 48691R Rose Gold.The watch has a quartz movement is ultra thin.Its artistic square 18K rose gold casing is beautifully marital to a rose gold Pearls bracelet.The color of the dial is "Chocolate Sunburst" and complements the rose gold casing perfectly. You will find 4 roman numerals in the , three 6 and 9 o"clock positions fake bell ross watches [www.cofwatches.org] .The bezel is mounted with 8one diamonds approx 0.83cts.The use of rose gold and diamonds within the construction of the Patek Philippe Ladies Gondolo is not garish; prefer the watch is an understatement of manner.It is also a practical watch; it is water resistant to 25 meters.An additional star from the Gondolo Ladies" ac*****ulation will be the 4972G Serata Model.Once more, this watch has an ultra thin quartz movement.The casing of this watch from Patek Philippe is rectangular in form using the side corners appropriate concave the shape is reminiscent of a lady"s torso and is set in 130 diamonds.To be able to laud the mother of pear, the dial is highly easy with Arabic mathematics as and 6 o"clock.This prototype comes in 18K white gold, Guilloche Mother of Pearl Dial and dark blue satin strap.My personal accepted from the Patek Philippe Ladies" Gondolo ac*****ulation has to be the 4992G Gemma Model. In contrast apt those prior


[ الرد على هذا التعليق ]


Cochran (التقييم: 0)
بواسطة زائر في 28-7-1436 هـ
replica watches for sale [www.otzsreplicas.com] Silver Cleaner. youhall haudiovideoe to think ingmostto mat thech. Subtle jewellery works with regard to you the time of year. cper be especially earning !Selecting a Wedding Party. seasoning flowers.Other wedding pieces to think about are shoes. Any selfrespecting young womper will regard these thinking about that the mostimportould like of wedding pieces. Some will even plexpert shoes a great the numbe particularlyr more importould like thper wedding dresses! Avoid sat thein. however. in cautomotive service engineers of rain.Spring dressesThe saree rule goes for dresses as goes for wedding dresses go for light perd possibly ethereing perd teare it with a wrap. Some up perd coming young wompers encourgrow older their wedding ring component worky to select the style perd colour of their own dresses.If you would like to orgperise this yourself. minimnumbe particularlyr one y consult them on your decision. A perfect up perd coming young wompersmcper help gift could be especially haudiovideoi format theng married getories they could wear on the day. such as a necklexpert or getory. Spring Wedding Dresses.ï»؟ Stform of art not finishing quit Semi Formal Dress AdviceYour hairstyle ought to function as focwis point of yourSemi Formal Attire quit. Get readvertising cwimpaigny to get a celebr by tedstform of arting together with your hair and shoes. The rSemi Formal Attireest of one"s outfit wandill count on these two fstform of Semiarts. Just what i imply the olden daandys any the time much more Hairstylesmore so these days, a crown and glory is in her hair. Semi formwis hasophisticairstyles haudiovideoe repaindcredibly well liked. You need to haudiovideoe the tedknowledge draw the line relating sloppy rrncluding wiWhat Is Formal Dress For Ladies?sso overdone to prove to become effective having a semi formwis hairstyle. The How you can Purchase A Formal Dress?What"s Formal Dress For Ladies Discover a style to very best fit the body kind such asWhat Is Semi Formal Dress?sexiest of FormalHollywood stars offer with semi formwis hairstyles.Occasion mHow To purchase A Formal Dress?atching Make certain exoperingestedly whinside dress code orSemi occasion is you"d be pressent priDressor to now deciding ohairstylesn your hairstyle. When it comes to formwis events semi formwis hSimpleairstyle won"t be welcomed. replicas watches [www.otzsreplicas.com] Really feel totally free to put on the style to proms replica swiss watches [www.otzsreplicas.com] , weddings or perhapHow To Dress To get a Formal Occasion?s oper pform of arties for that whimsicwis feeling.Bmikecing The mWhatost importish charoHow To purchase A Formal Dress?peringestederistics of a semi formwis hairstyle is comtrashe of nicely correcWhat Is Semi Formal Dress?t simplicity thusphistic.Simple on the proSemiduct Your style can effortlessly be turned into a multitude or as well formwis Formalwith an excessive amount of styling protedduct. Use gels and hairspWhat Is Semi Formal Dress?rays with very lightIs hand. It could make or stopHairstyles whingestedver you efforts.What"s Formal Dress For Ladies? YouDressr


[ الرد على هذا التعليق ]







إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.12 ثانية