Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 33
الأعضاء: 0
المجموع: 33

Who is Online
يوجد حاليا, 33 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

الأحواز
[ الأحواز ]

·القضية الاحوازيه : قراءه منهجيه..- د. صبرى محمد خليل
·التملّص الإيراني من الحرب على الإرهاب
·رغم إدراكها لعقوبة الموت المؤكد أصرت أم فهد الأحوازية على رفع صورة عبد الناصر5
·رغم إدراكها لعقوبة الموت اصرت رفع صورة عبدالناصر في استقبال عرفات 3
·رغم إدراكها لعقوبة الموت أصرت أم فهد على رفع صورة عبد الناصر في استقبال عرفات 2
·رغم إدراكها لعقوبة الموت المؤكد أصرت على رفع صورة عبدالناصر في استقبال عرفات 1/5
·كلمة فصائل منظمة حزم الأحوازية في ذكرى يوم النكبة الفلسطينية
·حق تقرير المصير,‏ شعار أم هدف إستراتيجي... *
·مشاركة وفد وطني أحوازي في المؤتمر القومي العربي المنعقد في بيروت

تم استعراض
50305470
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
رؤية حضارية للصراع العربي ـ الصهيوني - أحمد صدقي الدجاني
Posted on 3-12-1428 هـ
Topic: أحمد صدقي الدجاني


رؤية حضارية للصراع العربي ـ الصهيوني
 
أحمد صدقي الدجاني


 


أولاً: عن الرؤية الحضارية والصراع الحضاري

موضوع هذا المقال «رؤية حضارية للصراع العربي ـ الصهيوني»، وهو يأتي في الذكرى الخمسين لنكبة فلسطين عام 1948، بعد انقضاء قرن على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897.

ألحَّ عليَّ، وأنا أمعن النظر في الموضوع وأتهيأ لطرحه، تساؤل عن نجوى الحديث بعد البحث: «لماذا نبحث؟»، وأجبت نفسي بعد تفكر: هناك أولاً هدف العلم)قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (([1]). وهناك ثانياً هدف توظيف العلم في سبيل بلوغ غاية حميدة بعمل صالح، درءاً لمخاطر، وحشداً لخوض مواجهة مثمرة. وبعد استكمال البحث يجري طرحه في حديث النجوى ونصب العين الغاية المرجوة والعزم على قرن الفكر بالفعل)لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس(.([2])

في مستهل هذا المقال يجدر بنا الوقوف أمام مصطلح «رؤية حضارية» للصراع، نتبيَّنه ونحدد فهمنا له. فالرؤية الحضارية هي رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار كل أبعاد موضوع البحث، روحية وفكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية. وهي لصراع ما، تنطلق من حقيقة كونه صراعاً بين طرفين ينتمي كل منهما إلى حضارة لها دائرتها وقيمتها وتاريخها ومستقبلها. وهي بحكم هذا المنطلق تحرص بعد الإحاطة برؤية الواقع القائم على استحضار بعد الماضي موظفةً علم التاريخ، وتحرص كذلك على استشراف بعد المستقبل موظفة علم دراسة المستقبل وبصيرة زرقاء اليمامة.

وقال المقري:

سبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامة

أعمى، وأعشى، ثم ذو بصرٍ، وزرقاء اليمامة

وفي المستقبل يتفاعل دوماً عامل الحلم وعامل الفعل. وهذه الرؤية الحضارية ـ عندنا ـ «عمرانية» تعتمد معيار «التعمير» في تقويم الأعمال. ونحن قادرون على أن نتعرف عليها من خلال ما كتبه علماء تاريخ الحضارة منذ عبد الرحمن بن خلدون، ومنهم «جيبون» في كتابه عن انحطاط الإمبراطورية الرومانية وتدهورها، واشبنغلر في انحطاط الغرب وتوينبي في دراسة للتاريخ.

نقف أيضاً أمام مصطلح «الصراع الحضاري» الذي تتناوله «الرؤية الحضارية»، فنجد أنه صراع ممتد، يمر بمراحل، لا تحسمه معركة واحدة، ولا يقتصر على جولة، للقيم فيه مكان بارز، ولأصحاب الحضارة المستهدفة بالعدوان نفس طويل. ولعل من أقوى التعبيرات حدة عليه «الاستعمار الاستيطاني الإحلالي» الذي اعتمدته حضارة الغرب الأوروبي منذ القرن السادس عشر الميلادي، واستهدفت به حضارات أخرى في قارات العالم، وبلغ ذروته في القرن التاسع عشر الميلادي الذي شهد خروجاً أوروبياً مكثفاً إلى أوطان شعوب أخرى قصد السكنى والإقامة الدائمة فيها وتحويلها إلى «مستوطنات» جديدة تقوم على أشلاء «سكانها الأصليين» الذين يتعرضون للإبادة أو الطرد أو التسلط العنصري عليهم.

تتداعى إلى الخاطر أمثلة على هذا «الصراع الحضاري». فها هي جنوب أفريقيا شهدت إجراء انتخابات ديمقراطية فيها ربيع عام 1994 قضت على النظام العنصري الأوروبي الذي استهدفها بالاستعمار الاستيطاني منذ عام 1652، كما شرحنا ف كتابنا لا للحل العنصري في فلسطين. وقد مرَّ نضال شعب جنوب أفريقيا في هذا الصراع بمراحل. ومثل ذلك رأيناه في الجزائر التي استهدفها الفرنسيون باستعمار استيطاني منذ عام 1830 حتى انتصرت ثورتها في هذا الصراع واستقلت عام 1962. ولا تزال فيها ذيول تتجلى في تفاعلاتها الداخلية. وفي صيف عام 1997 شهدنا خروج المستعمر البريطاني من هونغ كونغ الصينية وسط ضجيج إعلام غربي قدّم قراءته الخاصة به للدخول والخروج منطلقاً من قيمه الحضارية. وها هو ربيع عام 1998 يشهد التوصل إلى حل للصراع في شمال ايرلندا الذي نشب داخل الدائرة الحضارية الغربية بفعل الاستعمار الاستيطاني المذهبي البريطاني هناك.

في جميع هذه الأمثلة، ومثيلات لها، تحرك المستعمرون المستوطنون الأوروبيون بأفكار السمو القومي والتفوق العنصري، ورغم حمل رسالة «الرجل الأبيض» لتمدين الشعوب الأخرى. فكانت قيمه «العنصرية» هي أبرز قيمهم في صراعهم الحضاري يقابلها قيمة «المساواة» بين جميع بني البشر لدى أهل البلاد الذين قاوموهم. وقد اقترنت قيمة «العنصرية» بقيمة «الاستعباد» تماماً كما اقترنت قيمة «المساواة» بقيمة «التحرير». والحق أن أولئك المستعمرين المستوطنين الأوروبيين الذين هرب أكثرهم من الاضطهاد الديني في بلادهم كانوا يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنهم شعب الله المختار، وفي مرتبة أعلى من الشعوب الأصلية. وهذا ما جعلهم يستحلون لأنفسهم الطغيان والبغي بغير حق على تلك الشعوب في أوطانهم على الرغم من أنها أحسنت استقبالهم أول الأمر بفعل قيمها الحضارية. ولقد حفظت ذاكرة حضارتنا التاريخية مثل «حروب الفرنجة» على هذا الصراع الحضاري الذي خاضته أمتنا على مدى قرنين. ويحفل كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ بصور منه، تعبر عن قيم كل من طرفيه.

اعتمدت الشعوب الذي استهدفها الاستعمار الاستيطاني في صراعها الحضاري ـ كما يتضح من تاريخه الأسود ـ مواجهة النفس الطويل للمستعمر المستوطن. وانتصرت في نهاية الأمر في غالب الأحيان. ويبقى مثل شعوب الأمريكيتين وأستراليا صارخاً على تمكن المستعمر المستوطن من القضاء على حضارات تلك الشعوب، ومنها الأزتيك والأنكا، وهو استثناء للقاعدة وله أسبابه. ولا يزال في علم الغيب ما سوف يكون عليه آمال ذلك الاستعمار الاستيطاني وذرية من قاموا به.

كيف يبدو الصراع العربي ـ الصهيوني برؤية حضارية؟

أول ما تخرج به هذه الرؤية الحضارية أن هذا الصراع هو صراع حضاري ناجم عن استهداف قوى هيمنة غربية ـ والحركة الصهيونية جزء منها ـ فلسطين وما حولها في الدائرة العربية ودائرة الحضارة العربية الإسلامية، باستعمار استيطاني إحلالي عنصري صهيوني.

الطرف الأول في هذا الصراع هو تحالف قوى الهيمنة الغربية مع الحركة الصهيونية، وكلاهما ينتمي إلى حضارة الغرب. فقوى الهيمنة هذه هي موجِد مشروع الاستعمار الاستيطاني لفلسطين، وقد عهدت إلى الحركة الصهيونية بتنفيذه بدعم منها، وتوفير المستعمرين المستوطنين اليهود اللازمين له.

الطرف الآخر في هذا الصراع هو شعب فلسطين العربي وأمته العربية وشعوب دائرة حضارته العربية الإسلامية، وجميعهم ينتمون إلى هذه الحضارة.

واضح في هذا الصراع أن الطرف الأول فيه لم يستهدف بمشروعه فلسطين لذاتها فحسب، بل أيضاً لموقعها من الدائرتين القومية والحضارية.

واضح أيضاً أنه يقوم بين فريقين الطرف الأول هو الغربي، اتفاق، أطلق عليه عبد الوهاب المسيري في موسوعته عن الصهيونية اسم «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية». وعرَّفه بأنه عقد ضمني غير مكتوب لا يتم الإفصاح عنه أو التصريح به. فهو في أغلب الأحيان غير واع، يعبر عن نفسه من خلال سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات، ومنه تستمد السلطة الحاكمة شرعية وجودها واستمرارها في مجتمع إنساني ما. وهو ينطلق من مقولات قبْلية يؤمن بها أعضاء هذا المجتمع.

لقد شرحتُ هذه العلاقة بين فريقي الطرف الأول في هذا الصراع في بحث الصهيونية من كتابي مستقبل الصراع العربي الصهيوني، فتتبعتُ كيف ظهرت الفكرة الصهيونية في ظل الحضارة الغربية في القرن السادس عشر الميلادي قبل ثلاثة قرون من تجسيدها في حركة، وذلك حين تضافرت حركة «النهضة الأوروبية» وحركة «الإصلاح الديني البروتستانتي» وحركة الكشوف الجغرافية الأوروبية في إرساء التاريخ الأوروبي الحديث الذي تفاعلت فيه أفكار الهيمنة الاستعمارية والسمو القومي والتفوق العنصري. وقد زعمت هذه الفكرة أن اليهود أينما كانوا غير قابلين للاندماج في أوطانهم، وأنهم يشكلون «شعباً» واحدا،ً وأنهم هدف دائم لاضطهاد الشعوب الأخرى لهم، وأن لهم تاريخاً متصلاً في فلسطين انقطع لفترة مائتين وألف من السنين كانوا يتطلعون طوالها إلى العودة، ذلك أن من نتائج البروتستانتية ظهور الاهتمام الغربي بتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بنهاية الزمان، وتردد الحديث عن «العصر الألفي السعيد» المستند إلى الاعتقاد بعودة المسيح المنتظر، وتتالى ظهور علماء لاهوت بروتستانت تحدثوا عن أمة يهودية وبعث يهودي، وكون فلسطين وطناً لليهود. كما كان من نتائج الكشوف الجغرافية الأوروبية بدء الاستعمار الأوروبي التجاري الذي تطور بفعل عوامل أخرى إلى حركة استعمارية واسعة بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر مع حدوث الانقلاب الصناعي في أعقاب الانقلابين التجاري والآلي. وهكذا تنامى الاهتمام الأوروبي بفلسطين بسبب موقعها المهم بالنسبة لطرق التجارة الدولية، وبرزت فكرة استعمارها استيطاناً لليهود. وتضاعف هذا الاهتمام مع نشوء ما عرف في أوروبا بالمسألة الشرقية التي عنت لدى الأوروبيين تصفية الدولة العثمانية وتقاسم أقطارها، واشتد التنافس بين بريطانيا وفرنسا بشأن هذه المسألة. ورأينا كيف بادر بونابرت حين غزا مصر وفلسطين وارتد أمام أسوار عكا إلى مخاطبة يهود فرنسا مقترحاً عليهم إقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد عمل الاستعماريون الأوروبيون الذين بلوروا الفكرة الصهيونية على توظيف المعتقدات اليهودية لإقناع يهود أوروبا بفكرة «عودتهم» إلى فلسطين وإقامة دولة لها فيها، فكان أن شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً في مفهوم «المسيح اليهودي» تمثل في فتاوى ربانيي اليهود التي أفتت بضرورة هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين لاستعمارها كخطوة على طريق ظهور المخلص. وألبس هؤلاء الاستعماريون الأوروبيون ـ ومنهم يهود ـ الفكرة الصهيونية الثوب القومي في وقت شهد ازدهار الفكرة القومية في أوروبا، وعملوا على اصطناع قومية لليهود. وحين انحرف بعض المفكرين الأوروبيين بفكرة القومية ونادوا بالسمو القومي والتفوق العنصري، انساقت الفكرة الصهيونية مع دعاواهم وسقطت في مهاوي العنصرية مرددة مقولة شعب الله المختار.

التعبير عن الفكرة الصهيونية بحركة حدث في نهاية القرن التاسع عشر، حين جاء ثيودور هرتزل (1860 ـ 1904) ونشر كتاب الدولة اليهودية مضمناً إياه إيجاد حل عنصري للمسألة اليهودية، وتلقفه وليام هشلر (1845 ـ 1931) القس الإنغليكاني الملحق بالسفارة البريطانية في فينا، وعاونه في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال في سويسرا عام 1897. وقد عالج هرتزل إشكاليات أمام تنفيذ الفكرة من بينها أن دعاتها كانوا من الصهاينة غير اليهود، مما جعل اليهود المدعوين للاستعمار الاستيطاني في فلسطين لا يثقون بهم. وصاغ هرتزل «اليهودي» شعارات الحركة الصهيونية «نحن شعب.. وفلسطين وطننا التاريخي الذي لا ينسى». ووضع خطة لتحقيق المشروع الصهيوني، وحولها المؤتمر إلى برنامج سياسي، وقاد التحرك الصهيوني مع قوى الاستعمار الغربي، وبخاصة في بريطانيا لتنفيذ هذا البرنامج. وهكذا حدث تفاهم بين الحركة الصهيونية والدول الأوروبية الاستعمارية تعهدت بموجبه الأولى بتهجير يهود أوروبيين من أوطانهم الأوروبية وتوطينهم في فلسطين، وإقامة دولة وظيفية لهم تكون قاعدة للاستعمار الغربي في الدائرة العربية والدائرة الحضارية الإسلامية، وتلبي سياسة الغرب في تجزئة الدائرتين وتفتيتهما.

أمثلة كثيرة على العلاقة بين فريقي الطرف الأول في الصراع العربي ـ الصهيوني، وهما قوى الهيمنة الغربية والحركة الصهيونية، شهدها القرن العشرون الميلادي، في مراحل الغزوة الصهيونية الاستعمارية لفلسطين، تسللاً وتغلغلاً وغزواً وتوسعاً. والتسمية لجمال حمدان، وقد شرحناها في كتابنا ماذا بعد حرب رمضان، ورأينا كيف مارست دول أوروبا الاستعمارية ضغوطاً على الدولة العثمانية لتمكن الصهيونية من التسلل إلى فلسطين في مطلع القرن، وكيف عملت الحركة الصهيونية طابوراً خامساً لهذه الدول إبان الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، وكيف أصدرت بريطانيا وعد بلفور يوم 2/11/1917، الذي مثل اعترافاً رسمياً بريطانيا بالهدف الصهيوني بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود. كما رأينا في فترة ما بين الحربين وأثناء الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) كيف مكّنت بريطانيا الحركة الصهيونية في فلسطين أثناء استعمارها باسم الانتداب، ثم كيف انعقد في الولايات المتحدة مؤتمر بلتمور الصهيوني عام 1942 واتخذ قرارات تناسب تصدي أمريكا لقيادة الاستعمار الغربي، ثم كيف عملت واشنطن على إقامة دولة إسرائيل عام 1948 وأصدرت مع بريطانيا وفرنسا التصريح الثلاثي عام 1950 لحمايتها. ورأينا دور إسرائيل في العدوان مع بريطانيا وفرنسا على مصر عام 1956، وفي تنفيذ المخططات الأمريكية في المنطقة عام 1967، وصولاً إلى إبرام الاتفاق الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي عام 1981 الذي استهدف فلسطين والدائرة العربية والدائرة الإسلامية.

ثانيا:ًتاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني برؤية حضارية

قرن بطولة مضى على الصراع العربي ـ الصهيوني، فكيف نقرأ تاريخه برؤية حضارية خلال ذلك القرن؟

أول ما يلفتنا في هذا التاريخ، ثنائية التحدي والاستجابة: تحدي عدوان الطرف الأول في الصراع، التحالف الاستعماري الصهيوني، للطرف الثاني، واستجابة هذا الطرف الثاني، شعب فلسطين العربي وأمته العربية وشعوب دائرته الحضارية الإسلامية، لهذا التحدي.

نستحضر مراحل العدوان المتمثل بالغزوة الاستعمارية الصهيونية، فنجد أنها مرت بمراحل التسلل (1882 ـ 1917)، والتغلغل (1917 ـ 1948)، والغزو (1948 و1967 )، والتوسع منذ عام 1967. وهذه الأخيرة تداخلت مع مرحلة انكماش بدت ملامحها منذ حرب رمضان 1973.ونجد أن الاستعمار الغربي نجح في نهاية الحرب الأولى باحتلال غالبية أقطار الوطن العربي في الموجه الاستعمارية الثالثة التي سبقتها موجة أولى عام 1830، وموجة ثانية عام 1882. وكان قد نجح قبل ذلك باحتلال أقطار الدائرة الإسلامية في آسيا وأفريقيا.

يبرز أمامنا في قراءة هذا التاريخ أمر تقويم مسيرة الحركة الصهيونية. ونحدد معيار التقويم في ضوء استذكار الهدف الذي أعلنه هرتزل في خطابه القصير أمام المؤتمر الصهيوني الأول يوم 29/8/1897، وهو وضع حجر الأساس للبيت الذي سيسكنه «الشعب اليهودي»، وفي ضوء استذكار برنامج النقاط الأربع الصادر عن المؤتمر، وهي تشجيع الاستعمار اليهودي في فلسطين، وتأسيس منظمة تربط يهود العالم عن طريق مؤسسات محلية أو دولية طبقاً لقانون كل دولة، وتقوية الشعور القومي اليهودي، والحصول على موافقة حكومية لبلوغ الأهداف الصهيونية، كل ذلك بهدف إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون، وقد يبدو للناظر إلى السطح أن الحركة الصهيونية نجحت ببلوغ أهدافها. وكثيراً ما يتردد في أوساطنا العربية الاستشهاد بقول هرتزل في نهاية المؤتمر «إن دولة إسرائيل ستقوم بعد خمسين سنة»، وهو ما حدث فعلاً. كما يستشهد بما وقع في العقدين الأخيرين من اعتراف دول عربية بهذا الكيان الصهيوني، ودخول أطراف عربية في عملية تسوية تحمل اسم سلام الشرق الأوسط. ولكن المتعمق يجد أن الصورة حافلة بأمور يوقف أمامها.

نعم استطاعت قوى الهيمنة باستخدامها الحركة الصهيونية أن توجد كياناً صهيونياً، هو في حقيقة الأمر قاعدة استعمارية استيطانية غربية لها في قلب الوطن العربي وفي موقع استراتيجي بالغ الخطورة من دائرة الحضارة الإسلامية. ولكن الصراع القومي والحضاري ضد هذا التحالف لا يزال مستمراً ينتقل من مرحلة إلى أخرى، وها هو في مرحلة ما بعد مؤتمر مدريد وبدء علمية التسوية يأخذ شكلاً آخر.

لقد استوعب هذا البيت الذي جرت إقامته جزءاً من يهود العالم، لا يصل إلى الثلث، ممن استطاعت الحركة الصهيونية تهجيرهم من أوطانهم. وتم الاعتراف الدولي بـ «إسرائيل» دولة، ولكن لا يبدو أن كل اليهود سيأتون إليه، ولا تزال «المسألة اليهودية» التي ظهرت في حضارة الغرب لها وميض نار تحت الرماد، توشك أن تشتعل ويكون لها ضرام، وينفخ فيها ما تمارسه «إسرائيل» من عنصرية في فلسطين المحتلة. كما أن هذا البيت يشهد تفاعلات حادة بين من جاؤوا إليه مؤهلة للتفجر. وهو على رغم كل محاولات قوى الهيمنة لم يعرف قاطنوه «الأمن النفسي»، لشعورهم بأنهم مغتصبون وأن صاحب الحق لم يسلم بحقه.

يتداعى إلى الخاطر هنا سجل استجابة صاحب الحق لتحدي العدوان الاستعماري الصهيوني. فشعب فلسطين العربي يتابع مقاومته وينتقل بها مرحلة بعد مرحلة. وقد تتالت انتفاضاته ضد هذا التحالف بعد فرض الانتداب البريطاني عليه بعد الحرب العالمية الأولى، وتفجرت ثورته الكبرى بين عامي 1936 و1938، وعاد إلى الانتفاض بين عامي 1946 و1948، واستجاب لتحدي النكبة التي حلت به عام 1948 بمقاومة شاملة جميع أبعاد المقاومة، فحافظ على ذاته واستعاد كيانه السياسي بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وتابع الانتفاض في صور عدة منها عمليات فداء، ويوم الأرض في الجزء المحتل عام 1948 في 30/3/1976، والانتفاضة العظيمة في الضفة والقطاع المحتلين منذ عام 1967 بين عامي 1987 و1993. وها هو اليوم يتابع المقاومة في مرحلة ما بعد مدريد وأوسلو في صور عمليات فداء وهبات ومقاومة سياسية.

إن سجل الاستجابة لحدي العدوان الاستعماري الصهيوني حافل بصور نضال عربي مستمر. وقد أوصل هذا النضال في فترة ما بين الحربين العالميتين إلى تدفق ثورة التحرير العربية التي حققت استقلال عدد من الأقطار العربية، وسعت إلى تحقيق التضامن العربي وبلورت المشروع الحضاري العربي بأهدافه الستة تحريراً ووحدة وشورى ديمقراطية وعدلاً وتنمية وتجدداً حضارياً، وأسهمت في قيادة ثورة تحرير عالمية. وإذا كان هذا النضال العربي تعرض لنكسة حادة منذ عام 1967، فإنه لم يلبث أن استجاب لتحديها بتحركات إيجابية في السبعينات. ولم تنجح نكسات أخرى أصابته عام 1977 وعام 1982 وعام 1990، وهي الأشد، بإسكاته، فكان يظهر من جديد مكتسباً خبرات جديدة. وهو اليوم يسعى جاهداً للوفاء بمتطلبات التصدي للتحالف الصهيوني الاستعماري في هذه المرحلة، حفاظاً على النظام العربي ومقاومة لنظام شرق أوسطي تحاول قوى الهيمنة الأمريكية فرضه. وكثيرة هي صور التعبير عن هذا النضال على الصعيد الشعبي، ومنها رفض التطبيع مع العدو الصهيوني.

تعبيرات أخرى عن الاستجابة لتحدي العدوان الاستعماري الصهيوني ظهرت في دائرة الحضارة الإسلامية في تركيا ببروز حزب الرفاه الإسلامي، وفي إيران قبل ذلك بتفجير الثورة الإسلامية، وفي ماليزيا بنهضة اقتصادية، وأمثلة أخرى. وإذا كانت قد حدثت نكسات لما حققته الاستجابة، فإن العزم هو على متابعة الجهاد في أوساط قوى فاعلة في هذه الدائرة.

حين نتأمل في القيم الحضارية التي برزت في هذا الصراع الحضاري على مدى قرن على صعيدي طرفيه، نجد أن التحالف الاستعماري الصهيوني مارس أبشع صور «العنصرية» على شعب فلسطين العربي. وقد تولت بريطانيا الجزء الأكبر من هذه الممارسة إبان استعمارها فلسطين باسم الانتداب، ثم تفنن الكيان العنصري في هذه الممارسة العنصرية على فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948، ثم على فلسطينيي الأرض المحتلة علم 1967. وتضمنت هذه الممارسة عنصرية القانون وأشكالاً من القمع. ونجد أن هذا التحالف وضع نصب عينه «الاستغلال» نهباً للثروات وامتهاناً لكرامة الإنسان وحقوقه. وما أفظع صور ذلك في الاحتلالين البريطاني والصهيوني الإسرائيلي. ونجد أن هذا التحالف الاستعماري الاستيطاني اعتمد «المعيارين» في تعامله على صعيد السياسة والقانون، وضربت الولايات المتحدة الأمريكية أمثلة حادة على ذلك. كما اعتمد «فرض الاستسلام» باسم «السلام».

وبالمقابل برزت عند شعب فلسطين العربي وأمته العربية وشعوب دائرتهم الحضارية الإسلامية قيم «التحرير» و«الجهاد» من أجل بلوغه و«العدل» أساساً للسلام و«كرامة الإنسان».

إن هذه الوقفة أمام القيم الحضارية في هذا الصراع الحضاري تكتسب أهميتها من حقيقة أن لهذه القيم تأثيرها في استمرار الصراع وحسمه. فالعنصرية مهما تسلحت بالقوة الغاشمة لا يمكن أن تسكت مقاومة الشعوب لها، لأنها لا تعدهم إلا بالظلم في أبشع صوره، وبامتهان الكرامة التي كرّم الله بها بني آدم. والسلام المفروض بغية الاستسلام هش لا يصمد وسرعان ما ينكسر. واعتماد المعيارين يعني غياب «العدل» ومن ثم المقاومة والنضال والجهاد والكفاح لاسترداده وإقامة «الميزان».

والآن.. ماذا عن حاضر الصراع العربي ـ الصهيوني برؤية حضارية؟

واضح أنه دخل مرحلة جديدة بدأت مع انعقاد مؤتمر مدريد يوم 30/10/1991 والشروع في عملية تسوية أطلقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية التي صممتها اسم «عملية سلام الشرق الأوسط». وقد شهدت هذه المرحلة إجراء مفاوضات ثنائية بين الكيان الصهيوني وأطراف عربية، برعاية أمريكية فعلية ومشاركة اسمية لروسيا الاتحادية. وكذلك إجراء مفاوضات متعددة الأطراف، ثم إبرام اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أعوام 1993 و1994 و1995 وإبرام اتفاق الخليل عام 1997، وكذلك إبرام اتفاق وادي عربة بين إسرائيل والأردن عام 1994. وشهدت المرحلة أيضاً انعقاد مؤتمر اقتصادي عالمي في الدار البيضاء عام 1994، وفي عمان عام 1995، وفي القاهرة عام 1996، ثم في الدوحة عام 1997. وتم ذلك كله في إطار مخطط رسمته الولايات المتحدة لإقامة نظام إقليمي في الدائرتين العربية والإسلامية بقيادة إسرائيل يحمل اسم «نظام الشرق الأوسط» ويكون جزءاً من نظامها العالمي الجديد الذي طرح شعاره الرئيس جورج بوش عام 1990 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وأثناء أزمة الخليج الثانية.

أرادت قوى الهيمنة الأمريكية بهذا النظام إحكام قبضتها على الدائرتين العربية والإسلامية، والتحكم في أمورهما المتصلة بالحكم وبالاقتصاد وبالبيئة وبالسلاح وبتوزيع الثروة، والعهود إلى القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية «إسرائيل» بمهمة قيادة المنطقة وكيلاً عنها، وذلك بعد أن أعلنت هذه القوى ومعها قوى الهيمنة الأوروبية «الإسلام» عدواً للحضارة الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وطرحت تنظيرها الفكري للصراع الحضاري الغربي ضد الحضارة العربية والإسلامية. وقد فصّلتُ شرح ذلك في كتابي في مواجهة نظام الشرق الأوسط ولا للحل العنصري في فلسطين.

تحدد في نطاق مخطط مشروع نظام الشرق الأوسط دور محدد واضح للكيان الصهيوني باعتباره قاعدة عسكرية استيطانية عنصرية. وهكذا استمر المشروع الصهيوني في هذه المرحلة ثابتاً في خطوطه الأساسية، يجاهر بعزم الصهاينة على الاستيطان في كل جزء من أرض فلسطين، وعلى تهويد القدس وجعلها «عاصمة أبدية» (كذا!) للكيان الإسرائيلي، وعلى الاستمرار في احتلال هضبة الجولان وتهجير اليهود على فلسطين. وهو لا يخفي توجهاته لطرد الفلسطينيين من وطنهم باسم «ترانسفير»، ولا العنصرية الصهيونية في ممارساته. وقد أبرم قادة المشروع داخل الكيان وخارجه تحالفاً استراتيجياً مع الولايات المتحدة جعل من فلسطين المحتلة «أكبر حاملة طائرات أمريكية» على حد قول ناطق عسكري أمريكي.

اضطر الطرف العربي في الصراع في هذه المرحلة الراهنة إلى الدخول في عملية التسوية واعتمدت دول عربية استراتيجية «خيار السلام» وتم إبرام اتفاقات ـ كما رأينا ـ جاءت امتداداً لاتفاق كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر عام 1978، ولمعاهدة عام 1979. وكان لهذه الاتفاقات آثارها القوية في الصراع ومجراه، فقد فرضت على الأطراف العربية الموقعة عليها، فضلاً عن الاعتراف بالكيان الإسرائيلي دولةً، الامتناع عن تأييد أي عمل لتحرير فلسطين المحتلة عام 1948، والالتزام باحترام «أمن إسرائيل»، وحفلت هذه الاتفاقات التي أشرفت الولايات المتحدة على إبرامها والتوقيع عليها بنصوص ملأت مئات الصفحات وآلافها تتصل بمختلف نواحي العلاقات الثقافية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والأمنية والسياسية، وتستهدف في مجملها تمكين الكيان الصهيوني في المحيط العربي. وقد كشف التطبيق العملي لهذه الاتفاقات استمرار الكيان الصهيوني في تبني فكرة الصراع ضد محيطه العربي لصالحه ولصالح قوى الهيمنة الغربية التي يتحالف معها، كما كشفت على اعتماده أساليب جديدة في هذا الصراع تناسب ما تم إبرامه. وتتضمن هذه الأساليب تكثيف التجسس والاختراق، وتدبير عمليات تخريبية تستهدف الأمن والاقتصاد، وتنظيم حملات إعلامية تسيء لعلاقات الطرف العربي دولياً وتضرب مصالحه، ومنها نشاط السياحة.

نستطيع أن نرى بوضوح أن أعضاء الدائرة العربية تأكدت من النيات الصهيونية تجاهها، وبدأت تتصدى لأساليب الصراع الجديدة بما يناسبها في ظل الاتفاقات. وهكذا عاد الصراع إلى الاحتدام. كذلك شهدت هذه المرحلة تصاعد المواجهة العسكرية في جنوب لبنان بين الجيش الإسرائيلي الذي يحتل قطاعاً هناك والمقاومة اللبنانية التي تنال دعم لبنان شعباً وحكومة ودعم سوريا، وكذلك استمرار عمليات الفداء داخل الكيان الإسرائيلي. وقد فصلنا شرح ذلك سابقاً.

وهكذا نجد الصراع العربي ـ الصهيوني مستمراً في هذه المرحلة. وهناك أمور بعينها يوقف أمامها فيه تؤثر في مستقبله.

ثالثاً: حال قوى الهيمنة في هذا الصراع اليوم

حقائق المرحلة الراهنة في الصراع العربي ـ الصهيوني التي بدأت مع مؤتمر مدريد في خريف عام 1991 تتطلب إمعان نظر وإعمال فكر في عدد من الأمور المتصلة به، وصولاً إلى رؤى واضحة بشأنها، يتحدد في ضوئها ما ينبغي علينا عمله، في نطاق رؤيتنا الحضارية للصراع. ولا مفر لنا أمام ما تحفل به هذه الأمور من تفاصيل كثيرة، من الإيجاز الشديد واختيار التركيز على نقاط فيها تسهم في رسم الصورة الشاملة التي تتطلبها الرؤية الحضارية.

أول هذه الأمور هو حال قوى الهيمنة الغربية التي أوجدت المستعمر المستوطن الصهيوني أقامت كيانه الصهيوني ووفرت له الاستمرار والقدرة على ممارسة سياساته العدوانية في المنطقة. وفي وقفتنا أمام هذا الحال تبرز مجموعة تساؤلات حول وضع الولايات المتحدة اليوم على صعيد قيامها بدور القطب الواحد في عالمنا بعد مضي سبع سنوات على طرحها شعار النظام العالمي الجديد، وحول استراتيجيتها تجاه وطننا العربي ودائرتنا الحضارية الإسلامية ومكان القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية في هذه الاستراتيجيا، وحول سياساتها الكيدية المتمثلة في الحصار الذي تفرضه بمعونة بريطانيا على عدة أقطار عربية بدرجات، وحول ما وصلت إليه في «رعايتها» لـ «عملية سلام الشرق الأوسط».

الإجابات التي تتبلور من خلال إمعان النظر وإعمال الفكر في هذا الأمر، هي أن هذا القطب الواحد الأمريكي لا يزال مصمماً على الانفراد بالقيادة العالمية، ولكنه بدأ يواجه في السنتين الماضيتين معارضة متزايدة لهذا الانفراد تجلت في صورة واضحة في ثنية ضرب العراق بمساعدة حليفه البريطاني بعد أن حشدا لتنفيذ ذلك في شباط / فبراير 1998. وشتان ما بين وضعه هذا العام وما كان عليه هذا الوضع قبل عامين ونصف حين حث قيادات دولية للمشاركة في تشييع اسحق رابين في تشرين الثاني / نوفمبر 1995، وحين استهدف مؤتمر شرم الشيخ مكافحة المقاومة بحجة أنها إرهاب في آذار / مارس 1996، حيث كانت إشارة منه كافية لإحضار دول العالم للمشاركة في ما يدعو إليه.

الاستراتيجيا الأمريكية تجاهنا في منطقتنا لا تزال كما هي في خطوطها الرئيسية ترمي إلى إحكام السيطرة على النفط، وتعتمد نشر الفرقة بين أعضاء النظامين العربي والإسلامي سبيلاً لذلك، وتمكين القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية من القيام بدور قيادي وظيفي في إطار هذه الاستراتيجيا من خلال فرض نظام الشرق الأوسط. وقد أعلنت هذه الاستراتيجيا «الإسلام: ديناً وحضارةً» عدواً للغرب بعد سقوط الشيوعية، وجعلت حلف الأطلسي يتبنى ذلك. ولكن عدداً من الأحداث وقعت في منطقتنا تشير بوضوح إلى ما ينجم عن هذه الاستراتيجيا من ردود أفعال أو استجابات و مضاعفات وتداعيات، من أمثلتها الفشل الأمريكي في المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد في الدوحة، وكذلك نجاح مؤتمر القمة الإسلامي المنعقد في طهران في تشرين الثاني / نوفمبر 1997، الأمر الذي يساند دعوة بعض المفكرين الغربيين الذين حذروا من إعلان الإسلام عدواً، وطالبوا بمراجعة هذه الاستراتيجيا.

لا تزال السياسات الكيدية الأمريكية ـ البريطانية تجاه منطقتنا قوية تفعل فعلها، وتسبب معاناة غير مسبوقة لبعض شعوب أمتنا العربية، وقد أصبح التعنت الأمريكي ـ البريطاني بشأن استمرار الحصار على العراق مثلاً صارخاً على هذه السياسات، وكذلك الدعم الأمريكي ـ البريطاني للحصار الإسرائيلي الفريد من نوعه للشعب الفلسطيني العربي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك بتمكين الحكومة الإسرائيلية من ا لاستمرار عملياً في هذا الحصار، ولكن الضغوط على هذه السياسات في تزايد مستمر، الأمر الذي يدعو الحكومتين الأمريكية والبريطاني إلى مراجعتها تحسباً من ردود فعل عليها بدأت تظهر بأشكال مختلفة وتتجمع.

يا للمهانة التي لحقت بـ «الرعاية» الأمريكية لعملية التسوية الجارية، سواء على صعيد ما تكشفت عنه هذه «الرعاية» من انحياز حادٍ للعدوان الإسرائيلي وتمكينه من اقتراف جرائمه ومن تحديه للقانون الدولي، أو على صعيد سكوتها على «الإرهاب» التي وجهتها لها الحكومة الإسرائيلية مؤخراً.

مجمل القول في هذا الأمر الأول هو أن الضيق بانفراد القطب الواحد الأمريكي بالقيادة في عالمنا يتزايد يوماً بعد يوم، وقد انتشر حتى في أوساط الاتحاد الأوروبي الحليف الأول للولايات المتحدة، وأن «هيبة» هذا القطب في تناقص مستمر مع ما بان من ثغرات في نظام السياسي الأمريكي يجعل من الممكن لمركز قوة صهيوني التحكم بالكونغرس الأمريكي، وأن الاستراتيجيا الأمريكية التي تجعل الإسلام ديناً وحضارة عدواً للغرب بتحريض من الصهيونية تمثل لعباً خطيراً بالنار يخشاه قطاع من قيادات الغرب نفسه، وأنه لا مستقبل للسياسات الكيدية الأمريكية البريطانية تجاه أمتنا ولا لـ «الرعاية» الأمريكية لعملية التسوية الجارية.

الأمر الثاني الذي يتطلب إمعان نظر وإعمال فكر، هو حال الكيان الصهيوني اليوم الذي يُجسد المستعمر المستوطن في داخله، وفي صلته بالحركة الصهيونية في الغرب وباليهود في أوطانهم، وفي علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية وبدول الاتحاد الأوروبي، حيث قوى الهيمنة والطغيان التي أوجدته وتوفر الدعم له.

في وقفتنا أمام حال الكيان الصهيوني في داخله، تلفتنا بقوة شدة التفاعلات الجارية بين طوائف التجمع الإسرائيلي المختلفة. وقد كانت ذكرى مضي قرن على تأسيس الحركة الصهيونية ونصف قرن على إقامة «إسرائيل» مناسبة لصدور كتابات غربية وإسرائيلية تناولت «إسرائيل من الداخل». وتحدثت عن الكتابات عن خريطة التجمع الصهيوني الثقافية، بثقافاته الخمس.. ثقافة اليهود الأرثوذكس المتطرفين، وثقافة القوميين المتدينين، وثقافة اليهود الشرقيين العرب، وثقافة اليهود العلمانيين الغربيين، وثقافة الروس المهجرين مؤخراً؛ وما يقوم بين هذه الثقافات من تصادم. كما تحدثت عن بروز الانقسام بشكل واضح بين أفراد التجمع بعد اغتيال اسحق رابين في تشرين الثاني / نوفمبر 1995، وذلك بفعل عدة عوامل، كشفت عن حقائق إقامة الكيان والجرائم التي اقترفها الصهاينة ضد شعب فلسطين العربي، وعما جرى في حرب رمضان عام 1973، وفي حرب لبنان عامي 1978 و1982، وفي الانتفاضة بين عامي 1987 و1991، وكيف ينذر هذا الانقسام بحرب أهلية يهودية دينية ثقافية ويوجز استبيان صحيفة هآرتس بمناسبة الذكرى الخمسين «أزمة الهوية» في هذا التجمع، حيث قرر 39 بالمئة من أفراده أنهم يشعرون بالتمييز الطائفي فيه. كما قرر 40 بالمئة أنهم يتعرضون لاضطهاد طبقي. وشكا 35 بالمئة من تصاعد أعمال الإرهاب والجريمة المنظمة. كما يتجلى الانقسام في صورة يوم السبت في كل من تل أبيب والقدس، حيث لجأ العلمانيون إلى الأولى وأصبحت الأخرى معقل المتعصبين. وتستمر المؤسسة العسكرية في جهودها لمنع تفجر هذا الانقسام، بتأجيج الخوف من أصحاب الحق العرب لدى أفراد التجمع، وبإثارة مسألة أمن الإسرائيليين، وهو الأسلوب الذي اعتمدته في سيطرتها على هذا التجمع، ولكن قبضتها لم تعد محكمة كما كانت.

إن قيادة الكيان الصهيوني الصهيونية تمثل جزءاً مهماً من قيادة الحركة الصهيونية بعامة. وهي اليوم على اتصال وثيق ببقية الحركة تؤثر بقوة في اتجاهات الصهاينة في الغرب، وتتحكم في حياة اليهود في أوطانهم هناك إلى حد كبير. ولكن مشكلات حيوية تواجه الصهاينة الغربيين، من بينها مسألة الولاء المزدوج لأوطانهم وللكيان الصهيوني، ومن بينها أيضاً التناقض بينهم وبين قوى أخرى في مجتمعاتهم الغربية. وتبرز هذه المشكلات قوية حين تتناقض السياسات الصهيونية الإسرائيلية ولو بنسبة محدودة مع سياسات الدوال الغربية، فتندر ببروز ما يعرف في الغرب باسم العداء للسامية. وقد رصدت المراكز الصهيونية تزايد هذه المشاعر في أوروبا الشرقية وفي بعض أوساط أوروبا الغربية، كما أوضحت في أحد فصول كتابي في مواجهة نظام الشرق الأوسط، وكان لممارسات الاحتلال الصهيوني في فلسطين على شعب فلسطين العربي آثره في ذلك. ومن المتوقع أن تتفاقم هذه المشكلات عند احتدام الصراع وحدوث اختلاف مع السياسات الغربية.

ستبقى العلاقة بين الكيان الصهيوني الذي يجمع المستعمرين المستوطنين العنصريين من اليهود وقوى الهيمنة الغربية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية التي أوجدت المشروع الصهيوني عاملاً مهماً في تحديد مصيره. وتتعرض هذه العلاقة في الصراع الحضاري إلى حدوث شرخ فيها في لحظة تاريخية معينة حين يشتد تباين مصالح موجه المشروع مع المستعمر المستوطن. وقد حدث هذا في كل استعمار استيطاني، كما شرحنا في كتابنا أزمة الحل العنصري في فلسطين، ورأينا أمثلة عليه في الجزائر وروديسيا سابقاً وجنوب أفريقيا. وعلى الرغم من أن الاستراتيجيا الأمريكية الراهنة وما ينبثق عنها من سياسات لا تزال متمسكة بهذه العلاقة، إلا أن اختلافات تبرز فيها بحكم تباين مسؤوليات طرفيها. وقد رأينا هذا آخر عام 1956 حين فرض ايزنهاور على بن غوريون الانسحاب من سيناء، وحين أقنع كيسنجر غولدا مائير عام 1774 بالانسحاب من سيناء، ضغط بوش على شامير خريف 1991 ليشارك في مؤتمر مدريد و«عملية سلام الشرق الأوسط»، وهدد مركز القوة الصهيوني ـ الأمريكي بأنه سيخاطب الرأي العام الأمريكي بحقائق الاختلافات القائمة وأثرها في المصالح الأمريكية. وتشهد هذه العلاقة اليوم ظاهرة يوقف أمامها لم يسبق أن تجلت كما هي عليه الآن. وهذه الظاهرة هو تجرؤ قيادة الكيان الصهيوني على المجاهرة بالتدخل في العملية السياسية الأمريكية الداخلية كي يعرقل تحركاً سياسياً أمريكياً يختلف معه في التفاصيل، وتهديده القيادات السياسية الأمريكية في الإدارة بأنه «سيجعل من واشنطن تحترق»، وقيامه بالاتصال بقادة الكونغرس الأمريكي مستغلاً تأثير مركز القوة الصهيوني الأمريكي فيهم.

لا تزال هذه الظاهرة في بداياتها، وقد بدت صارخة في زيارة رئيس مجلس النواب الأمريكي الجمهوري غنغريتش للكيان الصهيوني لمشاركته الاحتفال بنصف قرن على إقامته، وتفاعلاتها مستمرة اليوم في واشنطن، وتتأثر هذه التفاعلات بتوجهات السياسات العربية وسياسات حلفاء أمريكا الأوروبيين. وهناك من يتوقع أن تحسمها قريباً مراكز القوى الأمريكية التقليدية الممسكة بزمام الأمور في الولايات المتحدة، بينما هناك من يتشكك في قدرة هؤلاء على الحسم لأن التغلغل اليهودي الصهيوني في حكم الولايات المتحدة بلغ درجة غير مسبوقة. وتتالى إشارات صادرة من الأوساط الأمريكية ترجح التوقع الأول وقدرة واشنطن على إحداث انقسام بين اليهود الأمريكيين.

ملامح هذه الظاهرة كانت موجودة في علاقة الكيان الصهيوني بدول الاتحاد الأوروبي. ومعلوم ما قامت به القوى الصهيونية الأوروبية في التأثير في سياسات هذه الدول من خلال تغلغلها في الاشتراكية الدولية وفي الأحزاب السياسية لهذه الدول، وفي الجمعيات السرية الأوروبية وأشهرها الماسونية وما خرج من معطفها من جمعيات علنية. ولكن اللافت أن قوى أخرى أوروبية بدأت تستشعر خطر هذا التغلغل على مصالحها المحلية، وعلى مصالحها مع الوطن العربي والعالم الإسلامي، فكان أن بدأت تتململ. ومن المتوقع أن يزداد هذا التململ بفعل سياسات عربية مؤثرة، وأن يتحول إلى مواقف مثل الموقف الأخير الذي وقفه الاتحاد الأوروبي من الصادرات الإسرائيلية القادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى دوله، حيث رفض قبولها لأنها من مستوطنات غير مشروعة، وواجه تطاول الحكومة الإسرائيلية عليه.

ما نخرج به من هذا الأمر الثاني هو أن أوضاع المستعمر المستوطن الصهيوني داخل الكيان الصهيوني، وفي علاقته مع الحركة الصهيونية في الخارج، وفي علاقته مع قوى الهيمنة التي أوجدته، حافلة بضغوط وانقسامات، وتشهد خلافات قابلة للتفاقم، ويمكن تفجيرها باعتماد منطق الفعل القائم على العلم. وهذا ما قالته تقارير غربية عدة في مناسبة ذكرى خمسين سنة على إقامة هذا الكيان، وقد تساءل واحد منها: «هل يصمد مثل هذا الكيان خمسين سنة أخرى؟».

أما ثالث نمعن النظر فيه ونُعمل الفكر هو المحيط الدولي الذي يحيط بالصراع العربي ـ الصهيوني اليوم في هذه المرحلة، ذلك أن لهذا المحيط تأثيراً في مجرى الصراع. وقد تتبعنا هذا التأثير في مراحل الصراع المتتابعة في كتابنا ماذا بعد حرب رمضان؟، ورأينا أثر تسويات فرساي بعد الحرب العالمية الأولى ودور عصبة الأمم، ثم أثر تسويات يالكادبوتسدام بعد الحرب العالمية الثانية ودور الأمم المتحدة.

واضح أن المرحلة الراهنة في الصراع يحيط بها نظام عالمي يتحكم فيه القطب الواحد. ولكن درجة تحكم القطب عام 1991 التي صدرت عام 1995 لم تلبث أن انخفضت بدءاً من عام 1996. ولقد استطاع الكيان الصهيوني بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية أن يستثمر مؤتمر مدريد وعملية سلام الشرق الأوسط وما اقترن بها من مفاوضات متعددة الأطراف ومن إبرام لاتفاقات أوسلو، لفك عزلته الدولية ولإقامة علاقات مع دول كثيرة أفريقية وآسيوية كانت يقاطعه. ولكن من الملاحظ أن بعض هذه الدول بدأت تعيد حساباتها بشأن مؤتمر مدريد ونظام الشرق الأوسط الأمريكي في ضوء ما كشفت عنه السياسات والممارسات الإسرائيلية في هذه الفترة. وقد رأينا كيف تحرك الاتحاد الأوروبي للشراكة المتوسطية، وكيف بدأ تململ روسيا الاتحادية من الدور الشكلي الذي أسند إليها في رعاية مؤتمر مدريد إلى جانب الراعي الأمريكي الفعلي، وكيف كان للتقارب الإسرائيلي ـ التركي تداعياته ومضاعفاته التي تضمنت ردود أفعال عدة دول عليه. وواضح أن نظرة عدد من الدول إلى الكيان الصهيوني وقوته النووية ستتأثر بالتجارب النووية التي أجرتها مؤخراً الهند ثم باكستان.

مجمل القول في الأمر الثالث أن المحيط الدولي الذي يحيط بالصراع يشهد تحولات فيه، وأن بإمكان أمتنا توظيف هذه التحولات لصالحها.

رابعاً: حال الطرف العربي الإسلامي في هذا الصراع

ماذا عن الأمور المتعلقة بطرفنا في الصراع العربي ـ الصهيوني في المرحلة الراهنة، التي يوقف أمامها بغية تحديد ما ينبغي عمله؟ وطرفنا الذي استهدفته بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني قوى الهيمنة الغربية والصهيونية، هو شعب فلسطين العربي وأمتنا العربية وشعوب حضارتنا الإسلامية.

الأمر الأول خاص بشعب فلسطين العربي الذي خبر عملياً داخل وطنه المحتل وخارجه حصاد مدريد وأوسلو، وحقيقة عملية التسوية الجارية التي تحمل اسم «سلام الشرق الأوسط». فهذا الشعب يتعرض اليوم لصور بالغة الفظاعة من ممارسة الصهيونية العنصرية عليه، في ظل اتفاقات أوسلو. فأما الجزء الأول الموجود في قطاع غزة والضفة الغربية، فقد أصبح يعيش في «معازل» مفصولة بعضها عن بعض، لا يتم التواصل بينها إلا بصعوبة شديدة. هي معرضة لفرض الحصار الإسرائيلي عليها فترات طويلة. ولا يزال الاحتلال العسكري الإسرائيلي يقوم فيها بـ «الاعتقال الإداري» في مناطق «ب» و«ج»، وبقيام حرس حدوده وفرقة «المستعربين» الذين يتخفون بالثياب العربية بقتل أفراد فلسطينيين بدم بارد. وتعاني المدن التي تمت فيها إعادة انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتولت السلطة الفلسطينية مسؤولية حكم ذاتي انتقالي فيها، انتشار البطالة فيها، وسوء أوضاعها الاقتصادية، وواقع الحكم الذاتي المقيد المعرض لضغوط إسرائيلية شديدة. وقد بلغ عدد الذين استشهدوا من أبناء فلسطين منذ توقيع أوسلو 1 حتى نهاية شباط / فبراير 1998، خمسمائة واثنين وثلاثين شهيداً، كما تقول إحصائية صادرة عن الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما بلغ عدد المعتقلين في السجون الإسرائيلية أربعة آلاف وثمانمائة وخمسة وسبعين، منهم مائتان وخمسون طفلاً.

الجزء الآخر من شعب فلسطين العربي الموجود خارج وطنه المحتل، يتعرض هو الآخر لعنصرية اتفاقات أوسلو، فلاجئو 1948 لا يكاد يوجد أي بصيص ضوء أمام عودتهم في الاتفاقات. وقد بات واضحاً أن تأجيل بحث قضيتهم إلى «الحل النهائي» ومفاوضاته، كان الهدف منه القفز فوقها. وهم يعيشون ظروفاً صعبة في ما يتعلق بالإقامة والعمل والتنقل، وقد أصبحوا هدفاً لمخططات التوطين الأمريكية والصهيونية.

الجزء الثالث من شعب فلسطين العربي الموجود في فلسطين المحتلة عام 1948 على تراب وطنه المحتل، لا يزال يعاني وطأة الصهيونية العنصرية عليه التي صادرت جل أراضيه، وأزالت عدداً من قراه، وفرضت عليه «جنسية إسرائيلية» في «دولة» تجاهر بأنها «يهودية» وقيدت انتماءه الثقافي.

والجزء الرابع من شعب فلسطين العربي الموجود في القدس الشرقية المحتلة يعاني هو الآخر عزلة عن مجتمعه العربي الفلسطيني، ومن قوانين المحتل وأوامره العسكرية وإجراءاته التي تضيق عليه وتستهدف طرده، ومن مخططات تسعى لهذا الطرد.

لقد عانت منظمة التحرير الفلسطينية التي تجسد كيان هذا الشعب رسمياً، تجميداً شبه كامل بعد أوسلو 1، ولا تزال. وأفسحت المجال لوجود سلطة فلسطينية تمارس الحكم الذاتي الانتقالي في أجزاء من الضفة والقطاع، وجرى في إطارها انتخاب مجلس ذي صلاحيات قانونية خاصة بمجالات الحكم الذاتي، وقد كشفت الممارسة العملية عن محدودية هذا النوع من الحكم الذاتي الواقع تحت الاحتلال. وتعذر عملياً عودة نازحي 1967 إلى بيوتهم التي أخرجوا منها.

استجاب شعب فلسطين العربي لهذه التحديات التي تواجهه في هذه المرحلة، بالتمسك بالمقاومة التي تجلت في صور مختلفة وبأبعادها الروحية والفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والفدائية المسلحة. وقد استمرت الهبات وأبرزها هبة القدس في مطلع خريف 1996. كما حدثت مجموعة عمليات فدائية. وتبدو اليوم روح المقاومة وثابة. وقد بدأت تنفذ إلى مؤسسات السلطة التي حاولت اتفاقات أوسلو توظيفها للوقوف في وجه المقاومة.

مجمل القول الذي نخرج به من إمعان النظر وإعمال الفكر في هذا الأمر، هو أن شعب فلسطين العربي مهيأ لمتابعة العطاء السخي للمقاومة، شأنه طيلة قرن مضى، ولصراع النفس الطويل، فهو مصمم على مواجهة العنصرية الصهيونية. ويبقى أن يبرز قيادته لهذه المرحلة التي تستطيع توظيف طاقاته في إطار حشد طاقات أمته العربية وطاقات شعوب دائرته الحضارية الإسلامية.

الأمر الثاني خاص بأمتنا العربية التي عانت مرارات زلزال الخليج وما أصاب النظام العربي بسببه، وما أسفرت عنه مدريد وما تلاها من اتفاقات وتحركات «شرق أوسطية». فهذه الأمة اليوم مدركة طبيعة المرحلة الراهنة في الصراع بعد أن تمثلت تجربة عملية التسوية الجارية. وهي على يقين بأن التحالف الاستعماري الصهيوني لم يتخل عن أطماعه فيها، ومتمسك بمخططاته التي تستهدف التسلط على الوطن العربي. كما أنها باتت على يقين بأن ما أخذه العدو بالقوة لا نسترده نحن منه إلا بالقوة، وما المفاوضات الجارية إلا «اختبارات» وملء فراغ إلى حين توافر القوة اللازمة للحسم. وقد تأكد لها أن «النظام العربي» الذي يجمع دولها في «جامعة الدول العربية» ضرورة لازمة، ولابد من إعادة الفعالية إليه بعد أن حاولت عملية التسوية تجميده واستبداله بنظام شرق أوسطي تكون الهيمنة فيه للكيان الصهيوني.

لقد استجابت الأمة العربية لتحديات المرحلة، بالتوجه نحو «المقاومة» على الصعيد الشعبي، وقدَّم الشعب اللبناني العربي مثلاً رائعاً على دعم المقاومة الفدائية المسلحة، ستذكره الأمة كلها مشيدة بما أعطاه لها من ثقة بالنفس، وبما أوقعه في صفوف العدو الصهيوني من اهتزاز. كذلك قدمت للشعوب العربية في بقية الأقطار مثلاً رائعاً في مقاومة «التطبيع» الذي حاولت قوى الهيمنة الغربية فرضه. وقد التقت تيارات الأمة الفكرية والسياسية، وفي مقدمتها التياران القومي والإسلامي، على برنامج عمل لاستمرار المقاومة بكل أبعادها. وارتفع شعار «فلنعتصم بالمقاومة».

استجابت الأمة العربية لتحديات المرحلة أيضاً بالتمسك بالمشروع العربي الحضاري الذي يكفل نهوضاً، بأهدافه الستة تحريراً ووحدة وشورى ديمقراطية وعدلاً وتنمية وتجدداً حضارياً. وقويت الدعوة في أوساط الأمة للنضال للتقدم على طريق تحقيق هذه الأهداف، والبحث عن الأساليب المناسبة المنطلقة من الواقع لبلوغ ذلك.

أمثلة لافتة لهذه الاستجابة برزت منذ عام 1994 على الصعيد الرسمي العربي بعد ثلاثة أعوام على انعقاد مؤتمر مدريد، كان لقاء الإسكندرية الثلاثي على مستوى القمة بين مصر والسعودية وسوريا أحد أهم تجلياتها، آخر ذلك العام. وقد مهد لقاء دمشق الثلاثي في حزيران / يوليو 1996 لعقد أول قمة عربية بعد زلزال الخليج في القاهرة في مطلع صيف 1996. وهكذا بدأ النظام العربي يستعيد حيويته.

كان من ثمار هذه الاستجابة أن شرعت بعض الدول العربية الكبيرة في مقاومة مخططات «نظام الشرق الأوسط» التي عمدت قوى الهيمنة إلى فرضها على الصعيد الاقتصادي. وقد حاولت مصر تأجيل مؤتمر القاهرة الاقتصادي في خريف 1996، ونجحت بإثارة أسئلة جذرية حول جدواه في ظل السياسات العدوانية الصهيونية، وإن انعقد. وأمكن لعدد من الدول العربية من بينها مصر أن تقاطع المؤتمر التالي في خريف 1997 الذي انعقد في الدوحة.

لقد تجلى من خلال هذه الاستجابة ما للمقاومة في بعدها الروحي من أثر فعال. وسجل تاريخ المرحلة قيام قيادات روحية مسلمة ومسيحية بدور متميز على هذا الصعيد، كما تجلى للمقاومة ما في بعدها الفكري من أثر فعال. وسجل تاريخ المرحلة كيف استطاعت أفكار موحية نابعة من ضمير الأمة أن تواجه إعلام الترويج لقوى الهيمنة، وأن تنير الطريق أمام المثقفين العرب وسط ضباب ذلك الإعلام، وهكذا ارتفع شعار «لا للحل العنصري في فلسطين» وشعار «نبذ اليهود للصهيونية العنصرية هو الشرط اللازم لبدء مسيرة سلام عادل» وشعار «مقاومة النفس الطويل» وشعار «أمة المواجهة». وتجلت أمثلة أخرى للمقاومة في بعدها السياسي، كان أبرزها تمييز المقاومة من الإرهاب، وكذلك في بعدها الدبلوماسي، في تصريحات تضمنت روح المقاومة.

مجمل القول الذي نخرج به من إمعان النظر وإعمال الفكر في هذا الأمر، هو أن الأمة العربية اليوم أقوى عزماً على متابعة مقاومتها للعدوان الصهيوني الاستعماري، ومواجهة قوى الهيمنة الغربية والصهيونية، وهي تتطلع إلى نجاح قياداتها الرسمية بالوصول إلى المعادلة الصحيحة لتفعيل النظام العربي وحشد طاقات الأمة.

الأمر الثالث خاص بدائرتنا الحضارية الإسلامية التي تعاني دولها أشكالاً من تسلط قوى الهيمنة الغربية عليها. فشعوب هذه الدائرة في ديار الإسلام هي اليوم أكثر وعياً بالخطر الصهيوني عليها، وبعلاقة الصهيونية بقوى الهيمنة الغربية، وبدور الكيان الإسرائيلي في تنفيذ مكائد هذه القوى إزاءها، وبما وقع لبيت المقدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة فيه. وهذه الشعوب تعيش فترة انبعاث حضاري وصحوة ونصب عينها تحقيق مشروعها الحضاري. وهي تواجه في بعض أقطارها تسلط «انغماسيين» على الحكم وثيقي الصلة بقوى الهيمنة، وأبرز الأمثلة هي المؤسسة العسكرية التركية، كما تتطلع إلى تعاون أوثق بين أقطار دائرتها الحضارية.

لقد استشعرت جلّ دول دائرتنا الحضارية أهمية تفعيل مؤتمر الدول الإسلامية لصالح كل منها، وذلك كي تواجه إعلان قوى الهيمنة الغربية والصهيونية «الإسلام: ديناً وحضارة» عدواً للغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وكذلك كي توثق العلاقات في ما بينها في المجالات الثقافية والاقتصادية والعلمية والتقنية. وهكذا انتظمت اجتماعات قمة هذا النظام مرة كل ثلاث سنوات، وجاء انعقاد آخرها في طهران في خريف 1997 في ظل ظروف دقيقة دليلاً على توجهها لدعم نظامها الإقليمي هذا.

واضح أن مخططات قوى الهيمنة الغربية والصهيونية تستهدف الانفراد ببعض هذه الدول واحدة واحدة لتخضعها. ومثل ذلك ما نراه في توجهها نحو إيران. كما تستهدف هذه المخططات إقامة علاقة تحالف بين الكيان الصهيوني وبعض هذه الدول، كما يحدث مع تركيا وإريتريا.

ما نخلص إليه من وقوفنا أمام هذا الأمر الثالث هو إدراك دائرتنا الحضارية لطبيعة المرحلة الراهنة في الصراع العربي ـ الصهيوني، ووعيها أخطار مخططات قوى الهيمنة والصهيونية عليها رسمياً وشعبياً، واستعدادها على الصعيدين للاستجابة لتحدي هذه الأخطار، وتطلعها إلى ما يعزز نظامها الذي يجمعها في منظمة مؤتمر الدول الإسلامية.

أما رابع خاص بقوى التحرر في عالمنا، يتداعى إلى الخاطر، ذلك أننا وهذه القوى نلتقي على استهداف قوى الهيمنة الغربية والصهيونية لنا بتسلطها وعنصريتها واستغلالها، ونلتقي على العمل لانتصار التحرير والمساواة والعدل والتعاون على البر والتقوى بعامة.

لقد تابعت قوى التحرر هذه المرحلة الراهنة في الصراع العربي ـ الصهيوني، وما كشفت عنه من حقائق. وأكدت لها هذه الحقائق عظم الأخطار التي يتهددها بها ذلك التحالف الباغي بغير حق. وما أشد الضربة التي أصابتها بها اتفاقات أوسلو على أم رأسها، في ما «أملته» من نصوص تناقض القيم الإنسانية العليا، ومنها نص «نبذ الإرهاب» التي اعتبر «مقاومة الاحتلال» إرهاباً. وما أعظم مرارة حقيقة «الحكم الذاتي» حين تحل صيغته محل التحرير والاستقلال. وقد أدركت هذه القوى أن ما يصيب إحدى حركات التحرر بفعل وهن أو خطأ في الحساب، يؤثر فيها جميعاً ويغري التحالف الباغي أن يفرض قانونه على الشعوب. والعكس صحيح. وقد تجلى هذا في محاولة الولايات المتحدة فرض «المكارثية العالمية» في آذار / مارس 1996 في شرم الشيخ، بعد أوسلو الثانية، ثم في عجزها عن ذلك بفعل عمليات الفداء وصمود المقاومة في جنوب لبنان.

إن قوى التحرر هذه الموجودة في مختلف الدوائر الحضارية في عالمنا، وفي دائرة الحضارة الغربية نفسها، متربصة اليوم بالتحالف الباغي. وهي تترقب الظرف الملائم لتحقيق الملحمة في ما بينها والتعاون في استجابتها للتحديات التي يواجهها بها هذا الاستعمار العولمي وهذه الصهيونية التابعة له.

ما نخرج به من إمعان النظر وإعمال الفكر في هذا الأمر الرابع هو أن قوى التحرر هذه عازمة على متابعة النضال، متطلعة إلى ما تقوم به أمتنا في مواجهة قوى الهيمنة والصهيونية مترقبة لحظة تاريخية لتنظيم حركتها واختيار السبل المناسبة لهذه المرحلة.

خامساً: مستقبل الصراع برؤية حضارية وما ينبغي عمله

ماذا عن مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني برؤية حضارية؟ والرؤية الحضارية تحرص، كما سبق أن ذكرنا، على استشراف المستقبل وتشوفه لتسهم في صنعه.

للمستقبل مدى قريب قصير، وآخر متوسط، وثالث طويل. وحين نمد البصر في المدى القريب القصير، نجد أن الخطوط التي رسمتها مرحلة الصراع الراهنة لا تزال تحكمه مع حدوث ضعف في الخيوط الممسكة بها. وهكذا فإن لنا أن نتوقع استمرار عملية التسوية الجارية وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بتوفير قوة دفع لها، كي تصل بها إلى مفاوضات «الحل النهائي»، ومن ثم إليه، وفق مصطلحها. وسيشهد هذا المدى بعد قبول السلطة الفلسطينية بما بلورته الإدارة الأمريكية من أفكار بشأن إعادة انتشار القوات الإسرائيلية من بعض مناطق الضفة والقطاع بما يصل إلى 13 بالمئة منها، قيام هذه الإدارة بالتأثير في الحكومة الإسرائيلية لقبول ذلك مقابل ما التزمت به السلطة الفلسطينية من إجراءات تقوم بها حماية لأمن إسرائيل. ومن المتوقع أن يحدث أثناء ذلك شد وجذب على الصعيدين الإسرائيلي والفلسطيني. وقد تنجم فيهما تفجرات محدودة.

إن خطوط ما سوف تسفر عنه مفاوضات الحل النهائي إن حدثت في هذا المدى القريب القصير باتت واضحة في ما يخص القضايا الأربع محل التفاوض، وهي القدس والمستوطنات واللاجئون وحدود الأرض، وذلك في ضوء ما كشفت عنه عملية التسوية الجارية، وقد فصلنا شرحها في عدة فصول من كتابنا أزمة الحل العنصري نشرناها مجتمعة. فأما القدس فالخط هو اغتصابها واستكمال تهويدها والاحتيال بتسمية قرى ثلاث قريبة منها باسمها بعد فرض اسم «أورشليم» عليها، وإبقاء المسجد الأقصى وكنيسة القيامة تحت رجس الاحتلال الصهيوني العنصري مع إتاحة الفرصة للعبادة فيهما. وأما المستوطنات، فباقٍ معظمها ركائز للوجود الصهيوني العنصري في الضفة الغربية، وربما قطاع غزة أيضاً، وأما لاجئو 1948 فمحرم عليهم العودة إلى بيوتهم، وتستمر محاولة «توطينهم» حيث هم في دول عربية أو نقلهم إلى دول عربية أخرى أو في القارات البعيدة، ومثلهم جلّ نازحي 1967، مع السماح لبعض هؤلاء بالعودة إلى الضفة والقطاع، وإتاحة الفرصة للجميع أن يحملوا هوية فلسطينية ويزوروا لمدة محدودة الدولة الفلسطينية التي ستقوم. وأما حدود أرض هذه الدولة، فهي تلك الطرق الالتفافية التي شقها العدو الصهيوني في أراضينا الزراعية لتحدد «معازل» المناطق الكثيفة السكان بالفلسطينيين العرب في مدن الضفة والقطاع والقرى المحيطة بها. وهي تشمل مساحة تصل في مجموعها إلى حوالي 7 بالمئة من أرض فلسطين، ويكون لهذه الدولة علم، ويتم الاعتراف بها «دولة فلسطينية»، ويجري قبولها في الأمم المتحدة عضواً. ولكنها منزوعة السلاح مقيدة في صلاتها بشقيقاتها العربيات وبالعالم الخارجي، بما يحدده الكيان الصهيوني العنصري بحجة حفاظه على أمنه.

قد يقبل بهذا الحل قطاع صغير من شعب فلسطين العربي في الداخل، لأنه يوفر لأفراده وضعاً أفضل. وقد يسكت عنه قطاع أوسع من شعب فلسطين العربي في الداخل، لأنه يوجد ظروفاً هي بالمقياس النسبي أفضل من الظروف القائمة في ظل الاحتلال الصهيوني المباشر. ولكن الجزء الأغلب من شعب فلسطين العربي في الداخل بمن فيهم فلسطينيو 1948، والغالبية العظمى من شعب فلسطين العربي في الخارج لن يقبلوا بهذا الحل، لأنه لم «يحل» العُقد الأساسية في قضية فلسطين. وهكذا فإن من المؤكد أن هذا الحل لا يمكن أن يكون «نهائياً» ولا يستحق بحال أن يحمل هذا الاسم.

الحق أن هذا الحل الذي سيحاول التحالف الباغي بغير حق فرضه، هو حل عنصري يستلهم عنصرية قوى الهيمنة الغربية وعنصرية الصهيونية معاً. وهو نقيض الحل الحضاري العمراني الإنساني الذي تصبو إليه حركات التحرير في عالمنا ويجاهد شعب فلسطين العربي مع أمته العربية وشعوب عالمه الإسلامي لبلوغه وإرسائه على قواعد المساواة والعدل والحرية والتعاون على البر والتقوى.

سيكون لفرض هذا الحل العنصري تداعياته ومضاعفاته في طرفي الصراع، وفي الكيان الصهيوني وشعب فلسطين العربي بخاصة. وسوف تمهد هذه التداعيات والمضاعفات لمرحلة جديدة يدخلها الصراع العربي ـ الصهيوني في المدى المتوسط. وهي تتطلب منا أن نهيئ أنفسنا لها بتحديد ما ينبغي أن نعمله وفاءً بمتطلباتها.

نعم إن الإجابة على سؤال «ما العمل؟» جزء أساسي في استشراف المستقبل وتشوفه بالرؤية الحضارية، ومن ثم صنعه. فماذا علينا أن نعمل على الصعيدين الشعبي والرسمي؟

لقد بلور الفكر العربي مجموعة أفكار هي حصيلة نظر مؤرخ الأفكار في تعامل هذا الفكر مع الصراع العربي ـ الصهيوني، وفي تطوره.

الانطلاق في العمل في المرحلة القادمة من الصراع هو من الإيمان بالقيم الإنسانية العليا والالتزام بها. ومنها قيمة الحرية، وحق كل شعب وأمة وحضارة في أن يكونوا أحراراً، ومنها قيم الحق والمساواة العدل والتعاون على البر والتقوى. وهذا الإيمان جزء من الإيمان بالله الخالق الذي دعا مخلوقه الإنسان إلى هذه القيم. وهو يوفر البعد الروحي للعمل.

الهدف الذي يضعه عملنا نصب العين هو تحرير فلسطين وبيت المقدس من الصهيونية العنصرية والوصول إلى الحل الحضاري العمراني الإنساني لكل من قضية فلسطين والمسألة اليهودية التي ظهرت في كنف حضارة الغرب. وحل هذه المسألة اليهودية يبدأ بنبذ اليهود للصهيونية العنصرية وقبولهم العيش مواطنين متساوين في أوطانهم، ومستأمنين في بلاد ترحب بهجرتهم إليها، ومنها أقطار دائرة الحضارة الإسلامية.

مطلوب أن يوضح هذا الهدف بشعارات يجري تعميمها، تبين ما هو غير مقبول وما هو نصب العين مثل شعار «لا للحل العنصري في فلسطين، نعم للحل الحضاري العمراني الإنساني». وتوضح هذه الشعارات ما يجب عمله مثل شعار «فلينبذ اليهود الصهيونية العنصرية إذا أرادوا السلام القائم على العدل». ويوفر الوضوح الفكري للهدف البعد الفكري في العمل. ومطلوب أن تشمل الشعارات أهم ما ينبغي عمله في دوائر شعب فلسطين العربي والأمة العربية وشعوب الحضارة الإسلامية. وكذلك دائرة قوى الحرير. ولابد من أن يبرز من بين هذه الشعارات بخاصة شعار «التحرير» وشعار «المقاومة».

هذا البعد الفكري في العمل يجب أن يضع المخططات اللازمة لتنفيذ الأفكار وفق برامج عمل كي يقترن القول بالفعل، والفكر بالعمل. وهذه المخططات يجب أن تشمل جميع الدوائر.

إن العمل المطلوب في مرحلة الصراع القادمة يأخذ في اعتباره المعادلة الصحيحة للعلاقة بين المستويين الشعبي والرسمي، وبخاصة في ظل الالتزام الرسمي باتفاقات يغلب عليها طابع «الإملاء». وهذا يعني إدراك المستويين الشعبي والرسمي في «سفينة واحدة» في مواجهة «سفينة» طرف العدو. كما يعني التسليم بأن مواقف كل من المستويين يجب أن تتكامل مع بعضها لا أن تتطابق، وأن الاختلاف القائم بين الرسمي والشعبي يجب أن يخدم أهداف الأمة.

هذه المعادلة الصحيحة للعلاقة بين المستويين الشعبي والرسمي تتجسد على صعيد كل قطر في صيغة «وحدة وطنية» أساسها العمل لتحقيق المشروع الحضاري للأمة. وهي توفر «مشاركة» كل القوى والفعاليات في الوطن، تحترم «التعدد».

كما أن «الوحدة الوطنية» ضرورة لازمة في كل قطر عربي، فإن «التضامن العربي» و«العمل العربي المشترك» ضرورة لازمة في الوطن العربي الكبير في الأقطار العربية مجتمعة. وهذه الضرورة اللازمة تتطلب هي الأخرى معادلة صحيحة للعلاقة بين الدول العربية، تحقق تفعيل النظام العربي وحشد طاقات الأمة.

جوهرة هذه العلاقة بين الدولة العربية هو «تحقيق تضامن عربي يأخذ بعين الاعتبار واقع كل دولة عربية، ويقبل به وبمحدداته، ويستند لكل من هذه الدول الأعضاء في النظام العربي دوراً منسجماً مع واقع الدولة العضو، وفي حدود طاقتها، بما يكفل مصلحتها في إطار المصلحة القومية للأمة، وبما يحقق تكامل الأدوار العربية في عمل مشترك يسعى لتحقيق مشروع الأمة الحضاري».

إن الفكر العربي قادر على وضع هذه المعادلة الصحيحة التي توظف تعدد الدول العربية إيجابياً، وتعطي العضو الصغير في النظام العربي دوراً يناسبه شأن العضو الكبير، وتوفر آلية منتظمة للنظام العربي. والحق أن إشارات على طريق الوصول إلى هذه المعادلة الصحيحة ظهرت في الممارسة السياسية العربية منذ عام 1994 كما سبق أن شرحنا. فلنرفع شعار «الدور القطري في إطار الكل القومي».

عمل أول بعينه مطلوب بإلحاح بين يدي المرحلة الجديدة القادمة في الصراع العربي ـ الصهيوني في المدى القريب القصير، هو إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من الجمود الذي فرضته عليها اتفاقات أوسلو، وإعادة بنائها، لتبقى تجسيداً للكيان الفلسطيني يجتمع في إطاره كل شعب فلسطين العربي في داخل الوطن المحتل وفي خارجه، ويكون المرجع الأعلى لكل ما يتعلق بهذا الشعب. ولقد كان من أهم ما أسفرت عنه المناقشات في آخر اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني في أعقاب توقيع أوسلو 1، هو إجماع أعضاء المجلس من مؤيدين ومعارضين على أن المنطقة هي الكيان لكل الشعب. ويومها التزم المؤيدون بأنها هي المرجعية للسلطة الفلسطينية التي ستقوم، ولكن «تجميد» المنظمة حال دون توفير هذه المرجعية.

إن إخراج المنظمة من حال الجمود يتحقق باجتماع مجلسها الوطني الذي يضم كل قوى الشعب الفلسطيني وفعالياته وتنظيماته، بعد تحضير متقن، في مقر جامعة الدول العربية، بعيداً عن حراب المحتل، بدعم من الدول العربية وتوافقها، وبإجماع فلسطيني يضع نصب عينه وحدة الشعب الوطنية. وهذا كلّه كفيل بالتغلب على «الفيتو» الأمريكي الصهيوني على مثل هذه الخطوة، كما تم التغلب على ذلك الفيتو الذي وضعته واشنطن على إعادة تفعيل جامعة الدول العربية.

عمل آخر ملح هو انعقاد قمة عربية، بعد تحضير متقن، ترسم خطوط المعادلة الصحيحة للعلاقة بين الدول العربية ضمن نظرية الأدوار المتكاملة، وترسي أساس انتظام انعقاد مؤسسة القمة سنوياً.

عمل ثالث ملح على المستوى الشعبي هو قيام مراكز بحث مختصة بوضع برامج المقاومة بمعناها الواسع في أبعادها كلها الروحية والفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والمسلحة، بما يناسب المرحلة الراهنة.

وبعد…

فإن الرؤية الحضارية للصراع العربي ـ الصهيوني في ماضيه وحاضره ومستقبله، تعمِّق فهمنا له، وتزيدنا ثقة بقدرتنا على الوفاء بمتطلبات انتصارنا فيه والوصول إلى تحرير فلسطين وبيت المقدس، وإلى الحل الحضاري العمراني الإنساني لقضية فلسطين وللمسألة اليهودية التي ظهرت في حضارة الغرب. وهذا يعني إفشال «الحل العنصري» الحالي، والوصول بقوى الهيمنة الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إلى تغيير استراتيجيتها تجاه المنطقة والتعامل مع أمتنا العربية وشعوب دائرتنا الحضارية على أساس من الندية حفاظاً على مصالحها ومصالحنا، والوصول باليهود إلى نبذ الصهيونية.

هذه الرؤية الحضارية تدعو على الخاطر صفحات من تاريخ أمتنا حفظت تزوّد الطلائع المؤمنة بها، فكانت خير عون لهم على إدارة الصراع، وقد وعى الصحابة، رضوان الله عليهم، قول الله )إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم( ([3])، وقوله تعالى:) إنا فتحنا لك فتحاً مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيما( ([4])، وقوله تعالى:)لقد صدق رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين( ([5]) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الراعية من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها ولكنكم تستعجلون».

------------------------------------------------------------------
([1] ) القرآن الكريم، «سورة الزمر»، الآية 9.

([2] ) المصدر نفسه، «سورة النساء»، الآية 114.

([3] ) المصدر نفسه، «سورة محمد»، الآية 7.

([4] ) المصدر نفسه، «سورة الفتح»، الآيتان 1-2.

([5] ) المصدر نفسه، «سورة الفتح» الآية 27

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول أحمد صدقي الدجاني
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن أحمد صدقي الدجاني:
المشروع الحضاري النهضوي العربي - أحمد صدقي الدجاني


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية