Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 44
الأعضاء: 1
المجموع: 45

المتصفحون حاليا:
01 : خالد حنينه

Who is Online
يوجد حاليا, 44 ضيف/ضيوف 1 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

تميم منصور
[ تميم منصور ]

·جهة نظر لا بد منها - تميم منصور
·شد براغي العلاقات المصرية القطرية لن تزيد من تلاحم الشعوب العربية - تميم منصور
·الثورات بأفعالها وليس بعناوينها ومواعيد حدوثها ..... تميم منصور
·كذبة اسمها العروبة .. تميم منصور
·لن يكون الأقصى جسرا لعودة مرسي أو تنصيب غيره .. تميم منصور
·من دلف الإخوان إلى مزراب الفلول - تميم منصور
·قطار الربيع العربي خرج عن مساره ... تميم منصور
·عش عرباً ترى عجباً .. تميم منصور
·ما وراء انتصار الاسلام السياسي في مصر ... تميم منصور

تم استعراض
51280591
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
المشروع النهضوي العربي 3 - المؤتمر القومي العربي
Posted on 23-2-1434 هـ
Topic: المكتبة

الفصل الثالث: الوحدة

لكلِّ أمَّة، في أيّ مرحلةٍ من تاريخها، قضية كبيرة في الأهمية يتجه اهتمامها إليها وتتطلع إلى تحقيق الهدف المتَّصل بها. وتكون أهميتُها عادةً حصيلةَ مشاعر الناس وتفكير النخب وإيحاء الظروف المحيطة. ولقد كانت قضية الأمة العربية، منذ ميلاد الوعي القومي المشتبك مع حركة التتريك وإلى حدّ الآن، هي تحقيق هدف التوحيد القومي.

وبعد مرور عقود على ظهور المشروع القومي – الذي كرَّسها قضيةً رئيسَة – طرأت على الأوضاع في الوطن العربي وفي العالم تحوُّلاتٍ كبيرةً كان من الطبيعي أن تُلْقِيَ بتأثيراتها الكبيرة على القضية هذه: فَهْماً لها وطرائقَ ومناهجَ وأساليبَ في العمل من أجلها. وهي التحولات التي تفرض الحاجة إلى إعادة وعي مسألة الوحدة في ضوء معطياتها وتحدياتها، واشتقاق الصيغ والأساليب المناسبة لتحقيقها.



فلقد نجحت القوى الاستعمارية في تكريس التجزئة، ونجحت معها القوى المحافظة – الموجودة على رأس السلطة في الدولة القطرية – في تنمية هذه الدولة وتقويتها وترسيخها في مرحلةٍ أولى، ثم أدى أداؤها وتبعيتها ومصالحها إلى إضعافها وتعريضها للتفتيت في مرحلةٍ ثانية. وأتى ذلك كلُّه مترافقاً مع تدخُّلٍ خارجيّ معادٍ لمشروع التوحيد القومي، ومع تكريسٍ للمشروع الصهيوني في قلب الوطن العربي. ولم تستطع جامعة الدول العربية أن تخترق السقفَ السياسيَّ الذي رسمتْهُ لها السياساتُ العربية المحكومة بخلفياتها المحلية، ولا أن تُطْلق آلياتٍ توحيديةً تتخطى عقبة السيادة والأمن في حدودهما القطرية إلى توليد فضاءٍ قوميٍّ أرحب للعلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية. كما لم تنجح تجربة الوحدة المصرية – السورية في البقاء طويلاً إلى الحدّ الذي تطلق فيه آليات للتوحيد في مجمل أقاليم الوطن العربي. وأعقبتها محاولات أخرى فاشلة للوحدة بين بلديْن أو أكثر لم تكن مزوَّدة برؤية قومية أو إرادة سياسية. ثم بَدَا كما لو أن الميْل الوحدوي بدأ يتجه نحو صيغة التجمعات الإقليمية الفرعية، بدل الفضاء العربي الجامع، قبل أن يعلن ذلك الميْل عن حدوده المتواضعة وخاصة في أعقاب أزمة الخليج وحربه (1990 – 1991).

ولقد كان يمكن أن تتحول التجمعات الفرعية العربية الثلاثة ("مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، و"مجلس التعاون العربي"، و"اتحاد المغرب العربي") إلى نواة كبيرة لعملية التوحيد القومي لو قامت على أمرها نخب سياسية مؤمنة بفكرة الوحدة – مثلما كان يمكنها أن تتحول إلى أطر للتعاون والتكامل الاقتصادي والتجاري والمالي تسهّل سيرورة الاندماج أو الاعتماد المتبادل، والواقع أن العلاقات البنيوية داخل هذه التجمعات لم تكن تمثل حالة أرقى من مثيلتها على صعيد النظام العربي ككل، ناهيك عن أن أحدها كان منغلقاً على أعضائه فيما كان تجمع ثانٍ منفتحاً على العضوية من خارج النظام العربي بما يقضي على فكرة أن يكون آلية للتوحيد القومي الشامل، وعموماً فقد انتهت إلى الإخفاق عند أول امتحان سياسي ("مجلس التعاون العربي"، "اتحاد المغرب العربي") فيما يُخشى أن يُمْعن "مجلس التعاون الخليجي" في انكفائه الإقليمي أكثر فأكثر.

وإذ نجحت تجاربُ في توحيد الكيان الوطني في دولة، على نحو ما حصل في المملكة العربية السعودية وليبيا والإمارات العربية المتحدة واليمن، فقد تعرَّضت بلدان عربية أخرى لخطر التمزيق الكياني وبرزت فيها حركات انفصالية أو مشاريع فيدرالية وتقسيم هددتْ وحدتَها الكيانية (لبنان، المغرب، السودان، العراق، الصومال، اليمن). ولم تلبث محاولات الانقضاض على النظام الإقليميِّ العربيِّ أن أخذت جرعةً أعلى، في سياق زحف حركة العولمة، فأطلَّت بصيغ مختلفة مثل "النظام الشرق أوسطي"، و"النظام المتوسطي"، واتفاقات الشراكة العربية – الأوروبية أو مناطق التجارة الحُرّة مع الولايات المتحدة...، هادفة إلى فك الرابطة القومية والإقليمية بين البلدان العربية، وإعادة ربط هذه بمراكز إقليمية أو خارجية وتزوير هويتها.

وثمة جدل حول ما إذا كان زحف العولمةِ حَمَل معه تحدياتٍ قد تكونُ دافعةً نحو أشكالٍ جديدةٍ من الممانعة والتوحيد في مناطقَ مختلفةٍ من العالم، وخاصة في المراكز الصناعية والرأسمالية المتقدمة. فقد وُلِدَ في أحشائه "الاتحاد الأوروبي"، الذي أخذ في التوسع شرقاً، ونشأت بالتوازي معه تجمعات إقليمية ضخمة مثل اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا "النافتا" ومجموعة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان". ولم تلبث أمريكا اللاتينية أن شهدت أشكالاً من هذه الدينامية التوحيدية بين مجتمعاتها. وهو ما قد يرتب اعتقاداً بأن العولمة إذ تطيحُ بحصون الأوطان والحدود وسياداتها، وتميل إلى استلحاق الهوامش بالمراكز، تفتح الباب – في الوقت نفسه – أمام خيار التجمُّع والتوحيد بحسبانه الخيار الوحيد الذي تبقَّى في حوزة الدول والمجتمعات لكفّ الآثار السلبية للعولمة وتأهيل نفسها للبقاء وللمنافسة. ومع ذلك فإن حصيلة السعي لتجسيد هذا الخيار على الصعيد العالمي تبدو محدودة وهو ما يشير إلى الصعوبات التي تكتنف هذه العملية ناهيك عن السياق العربي الذي تنشط فيه قوى الهيمنة العالمية سعياً إلى تمزيق النظام العربي أو إلحاقه بأطر أوسع غير عربية.

إن حقائق التراكم الذي حققه النضال من أجل الوحدة، وتجارب الإخفاق أو الانتكاس التي تعرَّض لها، والتحديات الكونية الجديدة التي تفرض نفسها عليه، تؤسّس الحاجة مجدَّداً إلى إعادة صوغ مطلب الوحدة في ضوء دروس الماضي ومتطلبات المستقبل، وذلك من خلال تجاوز الأسباب الذاتية التي أعاقت بناء المشروع القوميّ الوحدويّ على أسس صحيحة وواقعية، والاستفادة من دروسها في عملية إعادة البناء. إن المبدأ الذي يؤسّس هذه الرؤيةِ إلى مركزية الوحدة العربية في مشروع النهضة العربية هو أن لا نهضة للأمة من دون وحدتها القومية. وهو ليس مبدأً نظرياً نستفيده بعملية استنباط ذهنيّ، بقدر ما هو ترجمةٌ مادّيّةٌ – وحصيلةٌ موضوعية – للسيرورة التاريخية التي قطعتها مجتمعاتٌ وأممٌ في سبيل تحقيق نهضتها، والتي أتى إنجازُها وحداتِها القوميةَ المدخلَ إليه والرافعةَ السياسية التي عليها قام.

1- في ضرورة الوحدة العربية

ويرتبطُ بهذا المبدأ القول إن الوحدة ضرورة حيوية ووجودية للأمة العربية. وليس مصدر هذه الضرورة ما يقوم بين العرب – على اختلاف أقطارهم وطبقاتهم – من عوامل الاشتراك في اللغة والقيم الثقافية والموروث التاريخي والحضاري فحسب، بل تفرضها عليهم المصلحة المشتركة: تحديات الحاضر والمستقبل في ميادين التنمية الاقتصادية والعلمية والتقانية والأمن القومي وضرورات البقاء؛ مثلما يرتبط به القولُ إن الوحدة القومية حقٌّ شرعيٌّ ومشروع للأمة العربية لأنها تعرضت للتجزئة الاستعمارية، وجرى تقسيم وحدتها الجغرافية والبشرية بالعنف. وهي حين تناضل من أجل حقها في التوحيد القومي، فهي تفعل ذلك أُسْوَةً بغيرها من الأمم التي أنجزت وحدتها القومية. إن الوحدة العربية ليست ضرورية فقط لأننا أمة لها عوامل توحيدية من مواريث تاريخها، بل أيضاً لأننا نحتاج إليها من أجل التنمية ورفع مستوى المعيشة للمواطن، ومن أجل حماية الوطن والشعب والدفاع عن الوجود القومي والمصالح المشروعة.

وكما أن الوحدة العربية ضرورية للأسباب البديهية التي ذكرنا، فهي ضرورية لسببين لا سبيل إلى إنكار ما ينجم عن فعلهما من آثار بالغة السوء بالنسبة إلى مستقبل الوطن العربي ومصير الأمة:

أوّلهما الفشل الذريع الذي منيت به الدولة القطرية في الجواب عن معضلات التنمية والأمن والتقدم الاجتماعي. وهو فشلٌ ناجمٌ عن هشاشة تكوينها، وعن محدودية مواردها الاقتصادية وقواها البشرية، وعن انغلاقها الكيانيّ على نفسها مخافة تأثيرات علاقاتها بمحيطها العربي. فلقد باتت الدولة القطرية عَالَةً على نفسها نتيجة ما حصَّلته من نتائج، وبات خروجُها من مَحْبِسِها الذاتيّ الخانق نحو علاقةٍ أفقية عميقة بنظيراتها في الوطن العربي شرطاً لخروجها من حال الاندحار. على أن يكون واضحاً أن هذه العلاقة لن تؤتي ثمارها المرجوة ما لم تحكم "الدولة القومية" بواسطة نظام صالح.

وثانيهما الوطأة الشديدة للتحديات الجديدة التي أطلقها زحف العولمة على العالم، وفي قلبها تحدّي الإطاحة بالحدود والأوطان وإلحاق اقتصادات العالم بالمراكز الرأسمالية الغربية إلحاقَ أذْنَاب، وإفقاد تلك الاقتصادات دفاعاتها الذاتية ضد الاستباحة الخارجية أو قدراتها على المنافسة. وليس أمام الوطن العربي لكفّ آثار ذلك الزحف الجارف للعولمة سوى الوحدة أفقاً وحيداً وآليةً دفاعية للبقاء.

إذا كانت الوحدة ضرورية لكل هذه الأسباب، فإن أوّل ما يطرح نفسه على حركة النضال من أجلها أن تعيد وعيَ العلاقةِ للثنائية الأساس الحاكمة للوعي الوحدوي العربي: ثنائية القومي/القطري، بما يبدّد الكثير من التباساتها التي لم يستفد منها نضالُنا القومي.

2- في العلاقة بين القوميّ والقطري

لقد أثبَتت التجربة التاريخية أن الدولة القطرية (أو الدولة الوطنية) لا يمكن أن تزول من الوجود لمجرَّد أن معظمها نشأ نشأة غير شرعية كحصيلةٍ لفعل التجزئة، ولا لمجرد وجود إرادة وحدوية في زوالها. ذلك أن هذه الدولة نجحت – عبر أجيال ثلاثة – في بناء بعضٍ من شرعيتها (شرعية الأمر الواقع) التي تمدها اليوم بأسباب البقاء. خاصة في ظل تأييد القوى الدولية والداخلية المتضررة من المشروع الوحدوي العربي بما في ذلك العمل على منع أية أشكال وحدوية تتعارض مع مصالح تلك القوى. مثلما أثبتت التجربة أن خوف الدولة القطرية على نفسها من الزوال بعملية توحيدٍ قوميّ لا يزيدها إلا استنهاضاً لفاعلياتها الدفاعلية والانكفائية في وجه الفكرة القومية والمشروع الوحدوي. ثم إن الفكرة القومية التقليدية عن الوحدة العربية: الذاهبة إلى استهداف الدولة القطرية والمتطلعة إلى زوالها، لم تقدم شيئاً للمشروع التوحيدي ولا فتحت أفقاً أمام تحقيقه. ولقد آن الأوان لإعادة النظر في ذلك الموقف التقليدي من الدولة القطرية على قاعدةِ الاعتراف بها والمصالحة معها ككيانٍ واقعي، والانطلاق في العمل الوحدوي منها كخامة أو كمادة وليس على أنقاضها. مثلما آن الآوان للتسليم بقاعدة جديدة في المشروع القومي التوحيدي مقتضاها أن وحدة الكيان القطري (الوطني) مدخلٌ نحو الوحدة العربية وليس العكس.

إن المبدأ الذي يؤسس هذه الرؤية إلى مسألة الوحدة هو أنه كلَّما أحرزت الدولة القطرية (الوطنية) تقدُّماً في توحيد كيانها الوطني، وفي تحقيق التنمية الاقتصادية والعلمية، وفي توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، وفي بناء أسس حياة ديمقراطية، وفي حفظ أمنها الوطني وتنمية قدراتها الدفاعية من أجل ذلك، توافرت لمشروع الوحدة العربية مقدماته التحتية الضرورية. ويرتبط بهذا القول بأنه كلما نجحت الدولة القطرية (الوطنية) في تحقيق الاندماج الاجتماعي الداخلي بين الجماعات المختلفة المكوِّنة للكيان، انفتحت الطريق أمام تحقيق الاندماج القومي. وفي الحالين، تشكل الدولة القطرية مختبر فكرة الوحدة وعيِّنَتَها التمثيلية التي تدُلُّ عليها سلباً أو إيجاباً.

وفي هذا السياق من الواضح أن الوحدة العربية تواجه الآن واحداً من أخطر تحدياتها والمتمثل في الخطر الداهم الذي يحدق بالوحدة الوطنية أو القطرية في عديد من الأقطار العربية سواء كان ذلك بسبب هشاشة بنية الدولة والمجتمع أو التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، ولذلك فإن النضال الوحدوي يتعين عليه في الظرف الراهن أن يعطي أولوية لتمتين الوحدة الوطنية أو القطرية في داخل كل دولة عربية دون أن يتعارض ذلك مع ضرورة التحرك السريع لدفع قضية الوحدة إلى صدارة اهتمامات الجيل العربي الراهن.

3- في المضمون الاجتماعي والديمقراطي للوحدة

لا تكون الوحدة هدفاً مطلوباً لدى الأمة إلا متى وجدت هذه مصلحتها فيها. فحين تكون الوحدة إطاراً لتحقيق السوق القومي، وتعظيم الثروة، وتحسين شروط المعيشة للمواطن، وتوفير الحقوق المدنية والسياسية وكفالتها، وتحقيق المشاركة السياسية، وتوزيع الثروة توزيعاً عادلاً بين الطبقات والفئات والمناطق، وتعزيز الأمن القومي...، تكون حينها قد قدَّمت جواباً عن معضلات المجتمع العربي، وتكرَّست هدفاً تناضل من أجله الأمة جمعاء.

وليس يعني ذلك أن الوحدة لا تقوم إلا إذا تلازمت مع الاشتراكية أو كانت ذات مضمون اشتراكيّ كما نُظِر إلى ذلك سابقاً. فالوحدة ليست مطلب الطبقات الاجتماعية الكادحة والمثقفين الثوريين فحسب، وإنما هي مطلب أغلب طبقات المجتمع. وقد تجد قوى الرأسمالية الوطنية مصلحتها فيها، بل قد تنهض بدورٍ رئيسٍ فيها على نحو ما فعلت في الأعمّ الأغلب من تجارب التوحيد القومي. كما قد تنطوي دولة الوحدة على دول ذات نظم اقتصادية–اجتماعية متباينة على مثال ما يقوم في الصين اليوم بعد استعادتها هونغ كونغ إلى الوطن الأم. ولذلك، ينبغي عدم إقامة رابطٍ تلازميّ مطلق بين الوحدة القومية كهدفٍ مشترك وجامع، وبين طبيعة النظام الاقتصادي–الاجتماعي الذي هو حصيلةُ توازنِ القوى داخل المجتمع وموضوعُ منافسةٍ سياسية وطبقية فيه، على ألا يخل هذا بأي حال باعتبارات العدالة الاجتماعية باعتبارها ركناً أصيلاً من أركان المشروع النهضوي العربي.

لكن الوحدة التي نتطلع إليها –من منظورٍ نهضوي– لا يمكن إلا أن تقترن بالديمقراطية من وجهيْن: من حيث تقوم بواسطة الرضا الشعبي ومن خلال الاختيار الحُرّ الديمقراطي (عبر الاقتراع أو الاستفتاء)، فلا تأتي بصورة فوقية أو انقلابية أو من طريق الإلحاق القسريّ؛ ثم من حيث تنطوي في تكوينها على مضمون ديمقراطيّ تَقُومُ فيه المؤسسات الدستورية المنتخبة مقام الفرد/الزعيم، ويعبّر من خلالها المواطنون عن إرادتهم بحريّة، ويشاركون في صناعة القرار وفي الرقابة على أجهزة السلطة. إن الديمقراطية هي النظام الكفيل بتحقيق مبدإ المواطنة والمساواة الكاملة في الحقوق السياسية، بما يسمح بتحقيق الاندماج الاجتماعيّ والقوميّ وتنمية ولاء المواطنين للوطن الجامع وللكيان القومي. وهي، في الوقت عينِه، النظام الذي يؤمِّن إمكانية حلٍّ قوميّ لمسائل الاندماج لدى الجماعات الإثنية في الوطن العربي داخل دولة الوحدة.

4- في نمط بناء الوحدة

تقدِّمُ تجربةُ النضال من أجل الوحدة العربية، والمحاولات التي خيضت في سبيل ذلك، والمراجعات الفكرية التي جرت في إطار الفكر القومي حول جدليات العلاقة بين الوطنيّ (القطريّ) والقوميّ، درساً سياسيّاً غنيّاً في مسألة الوحدة العربية مَفَادُه أن إطارها الكياني والدستوريّ الأنسب لن يكون صيغة الدولة القومية الاندماجية، وإنما صيغة الدولة القومية الاتحادية. إن الدولة الاندماجية قد توحي بأنها تفترض إلغاءً كاملاً للكيانات القطرية. وهذه حالة لا تبدو شروطُها ممكنةً في الأفق، وقد لا يُقَيَّض لها النجاح أو البقاء إن قامت. أما الدولة الاتحادية، فتقوم من اجتماع الكيانات العربية القائمة وتراضيها على مؤسساتٍ اتحاديةٍ مشتركة تنتقل إليها السلطة الجامعة مع استمرار سلطاتها المحلية. وفي الأحوال كافة، لا بدَّ من أن يكون الإطار الاتحادي القوميّ محلَّ تراضٍ وتوافق بين الكيانات والقوى العربية كافة.

* * *

إن الرؤية النهضوية لهدف التوحيد القومي تضعنا أمام جملةٍ من الحقائق لا سبيل إلى تجاهلها أو القفز عليها، وهي:

- إن تحقيق الوحدة العربية ليس نتيجة حتمية تصل إليها الأمة العربية تلقائيّاً. وإنما هو رهنٌ بتوافُر إرادةٍ ومشروع سياسيٍّ يعملان من أجل ذلك، ويعبئان كافة الموارد والإمكانات التي تهيئ الشروط لذلك.

- إن تحقيق الوحدة العربية مشروع طويل الأمد يجري إنجازُه بالتدرُّج: خطوة خطوة وعن طريق التراكم. ويفترض ذلك أن يقع تَنَاوُلُ مسألة التوحيد القومي على مقتضى نظرة واقعية سياسية تتسلح بفكرة الممكن دون أن تتخلى عن فكرة الواجب.

- إن كافة المداخل إلى الوحدة ممكنة: الاقتصادية والسياسية والأمنية بحسب ما تفرضه الظروف والتطورات وديناميات العلاقات العربية – العربية. لكنها، في مطلق الأحوال، تحتاج إلى مدخل تعاونيّ عربيّ بَيْنيّ يؤسّس للترابط والتداخل بين البنى الإنتاجية والاقتصادية والأمنية والسياسية العربية ويطلق ديناميات التفاعل التراكميّ بينها.

- إن النظرة الواقعية إلى الوحدة تقوم على أساس التعدد في الوسائل والأساليب. إذ لا يوجد قانون واحد لمعالجة قضية كبرى مثل التوحيد القومي. وتعدُّد الوسائل والأساليب يعني التعامل مع معطيات الواقع حالةً حالة وابتداع الوسيلة المناسبة لكل حالة من دون أفكار مسبقة أو تعصُّبٍ أو تبسيط.

- إن الوحدة هدف للأمة: بمعظم طبقاتها وفئاتها، وبمعظم أحزابها ونقاباتها وجمعياتها وتياراتها الفكرية المختلفة. وهذه جميعُها القوى المدعوة إلى النهوض بعبء النضال من أجل تحقيق هذا الهدف، وليس لفريقٍ دون آخر الحق في احتكار هذه القضية أو استبعاد غيره تحت أي عنوان سياسيّ أو ايديولوجي.

- إن تحقيق الوحدة العربية يواجه مهمَّة ملحَّة هي حلّ المعضلات الموضوعية والذاتية التي تواجه ذلك التحقيق: معضلة التباين في درجة التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين الأقطار العربية التي ستصبح شريكاً في الوحدة؛ ومعضلة المؤسَّسيَّة الناجمة عن هشاشة فكرة المؤسسة في الوطن العربي وعن تضخم قوة الفرد على حساب المؤسسة؛ ومعضلة عدم التوازن في القوة (البشرية، الاقتصادية، العسكرية...) بين أطراف كبرى وأطراف صغرى عربية، والحاجة إلى حلّها بما يضمن حقوق كل طرف – خاصة الصغرى – في الشراكة الوحدوية؛ ومعضلة الخلاف بين الفصائل القومية وتشرذمها؛ ثم معضلة التدخل الخارجي المعيق، باستمرار، لمشروع التوحيد القومي.

- إن الاتحاد الفدرالي العربي لا يشترط انضمام جميع الأقطار العربية ابتداءً، بل يمكن أن يبدأ من اتحاد بعضها ممَّن أبدى جَهُوزيته للاتحاد أو توافرت فيه شروطه؛ على أن نجاح تجربة الاتحاد الجزئي، والفوائد المادية الناجمة عنه، سيكون – من دون شك – حافزاً للأقطار الأخرى للانضمام إليه أو محاكاته، وبقدر قوة المجموعة النواة ونجاح تجربتها الوحدوية سوف يمكن إقناع القوى الجديدة الراغبة في الانضمام إليها بتلبية المتطلبات السياسية والاقتصادية لهذا الانضمام.

وقد يصحّ أن يقال إن مشروع التوحيد القومي ممتنع عن التحقق دون أن يتوسّل بالوسائل الشعبية والديمقراطية نهجاً لتحقُّقه، وهذا صحيح ومرغوب، وإن لم يكن ذلك دائماً في حكم النواميس والقوانين التي جرت تجارب التوحيد القومي بمقتضاها في التاريخ الحديث والمعاصر. لكن الذي ليس يرقى إليه شك أن سائر الأهداف النهضوية العربية من تنمية، واستقلال، وعدالة، وأمن، وتقدّم... إلخ ممتنعة عن التحقيق، بل مستحيلة، دون توحيدٍ قوميّ.


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول المكتبة
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن المكتبة:
المشروع النهضوي العربي 1 - المؤتمر القومي العربي


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.08 ثانية