Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 38
الأعضاء: 0
المجموع: 38

Who is Online
يوجد حاليا, 38 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

حمدي قنديل
[ حمدي قنديل ]

·التقيت السيسي في 2011 فأدركت أهمية دوره - حمدي قنديل 10
·أصابني أذى من كل جانب بسبب مساندة مرسي - حمدي قنديل 9
·البرادعي خان أمانة أنصاره باستقالة مفاجئة - حمدي قنديل 8
·مكالمة من مبارك إلى القذافي توقف برنامجي - حمدي قنديل 7
·مبارك أبدى انزعاجه لوصفي الإسرائيليين بـ«ا لسفلة» - حمدي قنديل 6
·سامي شرف أوفدني إلى بغداد في مهمة سرية - حمدي قنديل 5
·شاهدت الطائرات المصرية تحترق بينماالإذاعة تتخبط - حمدي قنديل 4
·الأسد وصل في عناده مع الشعب السوري إلى اللاعودة - حمدي قنديل 3
·حياة تجمع بين الأسى والانكسار والصمود والإنجاز - حمدي قنديل - 2

تم استعراض
50353930
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر (3) ليلة القبض على جمال عبد الناصر
Posted on 28-2-1434 هـ
Topic: جمال عبد الناصر


هكذا تحدثت تحية عبد الناصر (3)
ليلة القبض على جمال عبد الناصر بعد العودة من فلسطين خضع للتحقيق أمام إبراهيم عبد الهادي وتدخل رئيس الأركان لإطلاق سراحه

تروي السيدة تحية عبد الناصر في هذه الحلقة يومياتها أثناء غياب الزوج في حرب فلسطين وكيف التقت عبد الحكيم عامر ورأته أول مرة ليسلمها خطاباً من زوجها الذي علمت بالصدفة من الجيران أنه كان أسيراً.
اليوزباشي جمال عبد الناصر في كلية أركان حرب يقضي مدة الدراسة، والوقت شهر أيار/ مايو سنة 1948، قال: سنتخرج من الكلية خلال أيام بعد أن قُدِّمَ موعد التخرج أسبوعًا، والبدلة الرسمية سيكون عليها شارة حمراء.. وهي شارة أركان حرب توضع تحت الشارة العسكرية.. أرجو تجهيزها، فخيطتها بنفسي وكنت في غاية السعادة. وتخرّج من الكلية وأصبح اليوزباشي أركان حرب جمال عبد الناصر.. هنأته بحب وإعزاز.
بعد يومين قال لي: جهزي كل ملابسي لأني سأسافر إلى فلسطين في خلال يومين لمحاربة اليهود.. فكانت مفاجأة لي وبكيت وحزنت جدًّا.. قال: لماذا تبكين؟ فقلت له: كيف لا أبكي؟.. وكنت عندما يخرج أظل أبكي. بعد تجهيز الشنط لمحته يضع أربطة ومعدات إسعافات للجروح وكان يخفيها حتى لا أراها.







بدأت الحرب يوم 15 مايو سنة 1948، وفي يوم 16 مايو الساعة السابعة صباحًا غادر جمال البيت وأنا أبكي، وعندما خرج من الباب، وكان ينزل السلالم مسرعًا وقفت أبكي وأنظر له وهو ينزل السلالم، وكان المراسلة قد سبقه، وعربة جيب منتظرة على الباب.. وحضر أشقاؤه لتوديعه قبل سفره.
كنت مع ابنتي هدى.. (سنتان وخمسة أشهر)، ومنى.. (سنة وأربعة أشهر)، وكانت الشغالة قد سافرت إلى بلدها منذ أسبوعين. وقال لي جمال قبل سفره: يجب أن تكوني حذرة في اختيار الشغالة، والأحسن أن تكون يعرفها أخواتك.
كانت تزورني زوجة أحد الضباط، وكانت قد طلبت زيارتي بعد مولد هدى لتهنئني وهي تسكن قريبة من منزلنا، وزوجها هو حمدي عاشور.. بقي في القاهرة ولم يسافر إلى فلسطين، فكان يرسل لي المراسلة الخاص بهم لشراء ما يلزمني كل يوم.
رجع أشقاؤه إلى الإسكندرية إذ كانوا لا يزالون في الجامعة وفي وقت الامتحانات، وحضر والده لزيارتنا وبقي معي مدة حوالى شهر، وبعد ذلك كان يحضر أحد أشقائه أو اثنان منهم حيث كان وقت الإجازة.
لم يهمني أي شيء.. وكان الذي يشغلني الحرب وأخبار جمال، وكنت أتلهف على استلام خطاب منه وأفرح جدًّا عند استلامي الخطاب، وبعد ما أقرأه أقول في نفسي: من يدري ماذا حصل بعد كتابته الخطاب؟!.. وأقلق من جديد وأجلس وحدي أحيانًا أبكي.
في خطاب بتاريخ 18 مايو:
«أرجو أن تكوني بخير مع الأنجال العزيزات أما أنا فكل شيء يدعو للاطمئنان...».
وفي خطاب بتاريخ 22 مايو سنة 1948:
«أنا في أحسن حال ولا يشغلني سوى راحتكم والاطمئنان عليكم وأرجو أن أراكم قريبا في أحسن حال...».
وفي خطاب بتاريخ 24 مايو سنة 1948:
«أكتب إليك الآن ولا يشغلني أي شيء سوى راحتكم وأرجو أن تكون شقيقتك قد أحضرت لك شغالة.. أوصيك على هدى ومنى والمحافظة الشديدة عليهما...».
وفي خطاب بتاريخ 9 يونية سنة 1948:
«إن شاء الله نجتمع قريبا في أحسن حال بعد النصر بإذن الله...».
طلب مني في خطاب أن أذهب عند أخي وحدد وقتا ليكلمني بالتلفون. ذهبت بمفردي وتركت هدى ومنى مع شقيقه وانتظرته حتى تكلم.. وسأل عن هدى ومنى وطمأنني، وقال إنه سيكلمني في الأسبوع المقبل في الميعاد نفسه.. وذهبت وكلمني وقال لي: سأكلمك كل أسبوع.
ذهبت - كما قال - وانتظرت على التلفون لكنه لم يتكلم.. ثم قال لي في خطاب إنه لم يجد فرصة ليكلمني لأنهم لا يمكثون في مكان، وقال: سأكلمك وحدد موعدا. ذهبت وانتظرت ولم يتكلم أيضًا هذه المرة. وقال في خطاب: لم أكلمك نظرا لانشغالي.
وفي خطاب بتاريخ 23/7/1948 قال:
«وحشني منزلنا جدًّا وإن شاء الله سأحضر قريبا.. وبالمناسبة، في يوم 20 رمضان سأحصل على رتبة صاغ».
وفي خطاب آخر قال لي إنه سيأخذ إجازة لمدة ثلاثة أيام.. كانت فرحتي عظيمة.. حضر وكان قد مضى على سفره ثلاثة أشهر ونصف شهر.
جرح من رصاصة أثناء الحرب
رأيت علامة جرح حديث وخياطة في صدره من الناحية اليسرى، سألته ما هذه؟ فقال: إنها لا شيء.. دي حاجة بسيطة.. وسكت. ثم وجدت في الشنطة قميصًا وفانلة ومنديلا بها دماء غزيرة فنظر وقال: إنه أصيب وهو في عربة حربية، وهذا أثر جرح من رصاصة خبطت أولا في حديد العربة الحربية الأمامي الذي لا يزيد عرضه على بضعة سنتيمترات، مما خفف الإصابة إذ انكسرت منها قطعة دخلت في صدرى.. والحمد لله بعيدة عن القلب بمسافة بسيطة، ومكثت في المستشفى أيامًا قليلة.. وأراني القطعة وقال: سأحتفظ بها والملابس المخضبة بالدماء.. حكى لي كل ذلك ببساطة. وضعتها في مكان كما هي، وكان بها خروم مكان دخول القطعة.
مكث جمال ثلاثة أيام زارنا خلالها كل أفراد العائلة، وذهبنا إلى السينما مرة وانتهت الإجازة.. وعند سفره بكيت فقال إنه سيحضر مرة كل شهر. ولقد كان يرسل لي خطابات منتظمة، وبعد شهر حضر في إجازة ثانية، وطبعًا كانت الفرحة العظيمة يوم حضوره، ومكث الأيام الثلاثة ثم رجع لفلسطين.. وكانت الإجازة يوم 14 سبتمبر وانتهت يوم 17 منه.
حصار الفالوجة
رجع عبد الحكيم عامر من فلسطين إلى القاهرة.. وكان قد سافر أيضًا وجرح في يده وأخذ إجازة. ذهبت لزيارة عائلته فقابلني وقال: إن جمال الحمد لله بخير وبصحة جيدة. وكان عبد الحكيم قد رقي أيضًا إلى رتبة يوزباشي وأخبرني أن جمال سيحضر إن شاء الله قريبا في إجازة، وكان عيد الأضحى قد اقترب. وكنت أول مرة أرى فيها عبد الحكيم عامر ويصافحني ويتحدث معي.. حلَّ عيد الأضحى وانتهى ولم يحضر جمال، وكانت الخطابات تصلني إلا أنها أصبحت على فترات أطول مما قبل، ولم يذكر لي ميعاد حضوره في إجازة.. فكنت قلقة أقرأ الجرائد وأسمع الراديو. طلبت من شقيقتي أن تسأل زوجها فأخبرها بأنهم الآن في مكان بعيد مقطوع عنه الاتصال، ولا توجد قطارات تذهب إلى هناك.
قبل سفره أعطاني جمال شيكات لصرف مرتبه من بنك مصر. وفي خطاب بتاريخ 17/10/1948 قال: إني حولت لحسابك بالبنك الأهلي مبلغا... شهريا يمكن استلامه في أول ديسمبر. وأضاف: أرجو أن تكوني مطمئنة ولا تنشغلي إلا بنفسك وهدى ومنى وهذا هو طلبي منك.. وأرجو أن أراكم إن شاء الله قريبا في أحسن حال. وأنا ذاهبة إلى البنك الأهلي قابلتني سيدة جارة لشقيقتي فسلمت عليّ وسألتني: هو زوجك لسه في الأسر؟ هذا ما قالته لي بالحرف.. فذهلت وقلت لها: إنه ليس أسيرًا، إنه في مكان بعيد.. وطبعًا حالتي كانت صعبة جدًّا.
مكثت في البيت وأنا في منتهى الحزن، وكانت جارتي التي تسكن تحت مسكننا ابنة رئيس هيئة أركان حرب الجيش في ذلك الوقت، وهو عثمان باشا المهدي فسألتها عن جمال. وبعد أيام وجدتها تطرق الباب في الصباح، وكنت لا أزال نائمة فقمت وفتحت الباب، ورأيت معها مجلة المصور وقالت: ها هو ذا زوجك الصاغ جمال عبد الناصر في صورة مع عدد من الضباط في الفالوجة.. فعرفت بحصار الفالوجة. كنت من وقت لآخر أطلب من جارتي أن تسأل والدها عن الضباط الموجودين في الفالوجة، فقالت لي إن والدها سيحضر قريبًا، وألحت عليّ في زيارتها وقت حضوره لأطمئن.. فشكرتها، وهي طيبة جدًّا وللآن لا أنساها وأطلب منها زيارتي. كنت لا أزورها إلا قليلا وهي التي كانت تحضر عندي وتقول: لم لا تزورينني وأنت وحدك؟ فكنت أقول لها: إنك مع زوجك وأولادك فلتحضري أنت في الوقت الذي يناسبك. فكانت تسأل عني في أغلب الأيام.. وهي السيدة نادية المهدي. زارتني جارتي في مساء يوم من شهر فبراير سنة 1949 وقالت: اليوم عيد ميلاد ابني فلتحضري ومعك هدى ومنى، وأصرت على أن أنزل عندها وقالت: ليس عندي غير شقيقتي التي تصغرني.. فشكرتها وذهبت ومعي هدى ومنى.
قابلت هناك والدها.. رئيس هيئة أركان حرب الجيش، فطمأنني وقال: إن ضباط الفالوجة بخير، ويرسل لهم أسلحة وذخيرة وتمويناً، وإن شاء الله يحضرون قريبا.
في خطاب بتاريخ 21/11/1948 يقول جمال:
«أرجو ألا تنشغلي إذا تأخرت في المكاتبات فأنا أرسلها حسب الظروف ولكنها لا تكون منتظمة في هذه الفترة على الأقل».
وفي خطاب بتاريخ 23/11/1948 يقول:
«... أرجو أن نلتقي قريبا في أحسن الأحوال. أرجو أن تكوني مطمئنة جدًّا... وأنا أحاول باستمرار أن أكتب لك في أي فرصة وقد كتبت لك ثلاثة خطابات أرجو أن تكون وصلت... وعموما لا تنتظري خطابات منتظمة في هذا الوقت. لم أستلم منك خطابات منذ خمسة وأربعين يوما لصعوبة وصولها ولكن عبد الحكيم يطمئنني عليكم باستمرار».
وفي خطاب بتاريخ 26/11/1948 يقول:
«يمكن أن تصلني أخباركم عن طريق عبد الحكيم.. أقصد أن تكلمي السيدة حرمه أن تبلغه عن أخباركم باستمرار لأنه يتصل بي يوميا... وأما خطاباتكم فلا يمكن أن تصل الآن... وأنا بخير والحمد لله وكل شيء يدعو للاطمئنان».
وفي خطاب بتاريخ 14/1/1949 يقول جمال:
«ما كنت أعتقد أني سأفترق عنكم هذه المدة ولكن الحمد لله.. ويشجعني على ذلك إيمانك العظيم بالله فيجب ألا تقلقي ولا تحزني مطلقا لهذا الغياب. سنلتقي قريبا إن شاء الله سويًّا ونشكره شكرا جزيلا... فأنا بخير وسننسى كل شيء ونبقى سويًّا يا حبيبتي العزيزة إلى الأبد...».
وفي خطاب يقول:
«... أرجو أن تفسحي هدى دائمًا وتأخذيها جنينة الحيوان وجنينة الأسماك.. أرجو أن تكونوا دائمًا في أسعد حال».
زرت أختي في الجيزة، وهي تسكن بجوار جنينة الحيوانات، وأخذت هدى ومنى وذهبنا للحديقة، ولم أذهب إلى جنينة الأسماك لأني كنت لم أرها للآن.. وكانت هدى تتكلم وحفظت اسم طائرين.
مكثت في البيت لا أخرج إلا قليلا أتتبع الأخبار من الصحف والإذاعة، وأدعو الله أن ينتهي الحصار في الفالوجة ويحضر جمال.
شتاء سنة 1949..
كانت جارتي السيدة نادية المهدي ترجوني أن أخرج أو أذهب معها إلى السينما فكنت أرفض، ولم أذهب أبدًا. كما أني لم أتعود أن أخرج مع أية سيدة ولم يكن لي صديقات، بل كانت صلتي بالسيدات محدودة والكل بالنسبة إلي سواء.. وكنت أقضي فراغي في شغل التريكو لهدى ومنى، وابتدأت أشتغل بولوفر لجمال وقلت له في خطاب: إني أشتغل لك «بولوفر» لونه رمادي فاتح.. وهو يفضله في ألوان البولوفر.
وصلني خطاب بتاريخ 20/1/1949 قال:
«... وإن شاء الله أراكم قريبا جدًّا فإن شاء الله سأكون بالقاهرة قبل أول فبراير أو في الأسبوع الأول... وسنبقى سويًّا باستمرار وأظن أن اللحظة التي سألقاكم فيها ستكون أسعد أوقات حياتي... وإن شاء الله يكون البولوفر خلص».. فعرفت أن خطابي وصل إليه، وفرحت جدًّا بقرب حضوره.
هذه أجزاء من بعض خطاباته لي أيام حرب فلسطين محتفظة بها وعددها 46 خطابا.. وكلها بإمضائه الذي لم يتغير.
بعد انتهاء الإجازة الصيفية للطلبة وافتتاح الجامعة لم يعد أحد من إخوته يحضر إلى القاهرة، وجاء عيد الأضحى وكنت منتظرة حضور جمال.. ومضت أيام العيد ولم يحضر ولم يصلني منه خطاب، فكنت في غاية القلق والانشغال عليه، وبالإضافة إلى ذلك بقائي بمفردي مع هدى ومنى. وبعد عدة أيام حضر والده وقال لي: سأبقى معك حتى يحضر جمال، ولن أرجع إلى الإسكندرية أبدًا مهما طال غيابه.. فشكرته لحضوره ورحبت ببقائه معي وشعرت براحة واطمئنان.
كنت أجلس بمفردي في المساء بعد أن تنام هدى ومنى أشتغل التريكو، وأتذكر حديث جمال لي أيام الخطوبة عن سفرياته وتنقلاته في البلاد. وكنت وقتها منتظرة أني سوف لا أعيش في القاهرة باستمرار، وكنت سعيدة بأني سأسافر معه. وكنت أقول في نفسي: أول بلد يسافر إليه يذهب ليحارب؟!.. وهو الآن محاصر في الفالوجة ولا أدري متى ينتهي هذا الحصار. والخطابات تصلني وكلها يشعرني فيها بأنه في أمان وأنه سيحضر قريبًا.. وأفكر أنه ربما يريد أن يعطيني الأمل ليخفف من حزني بعد أن طال غيابه.
في يوم قالت لي جارتي إن صاحبة البيت أبدت لها رغبتها في أن أترك البيت لأنها سوف تبني دورا آخر فوق مسكني، فرددت عليها قائلة: كيف تطلبين منها أن تعزل الآن وزوجها مسافر في الحرب؟! فاقترحت عليها أن أذهب وأعيش مع أخي.. فقلت لجارتي: أخبريها بأني سأترك منزلها عند حضور الصاغ جمال عبد الناصر إن شاء الله قريبًا.
تلفون من العريش
في أول مارس سنة 1949 اتصل جمال بالتلفون وقال إنه موجود في العريش وسيحضر في خلال أسبوع.. وطلب أن أذهب لأخي في الصباح ليكلمني.. فكانت الفرحة العظيمة، وذهبت وكلمني جمال وسألني عن هدى ومنى ووالده وأشقائه وقال: أريد أن أكلم الوالد غدًا.. فذهب معي إلى أخي وكلم جمال وكانت فرحتنا لا تقدر وقال لي: سأكلمك كل يوم في الموعد ذاته، حوالى الثامنة صباحًا حتى أحضر.
وفي يوم 6 مارس سنة 1949 في المساء حضر جمال من الفالوجة.. وكانت الفرحة التي لا أقدر أن أعبر عنها، وكان أشقاؤه قد حضروا من الإسكندرية. وعند وصوله عرف الجيران والناس في المحال القريبة من منزلنا.. والكل كان يعرف الفالوجة والحصار ويريد أن يصافح العائدين منها ويحييهم.. فكانت هيصة أمام البيت.
بعد أن استراح قليلا نهض وقال: سأخلع الملابس الرسمية وألبس البدلة العادية.. لقد أوحشني اللبس العادي، ثم سأل: أين البولوفر الذي اشتغلته لي؟ وكنت قد اشتغلته وجهزته وعلقته في الدولاب فأحضرته له فأعجبه لونه ولبسه.. وكان أول لبس جديد بعد رجوعه.. ثم قال لي: سأخرج ولن أغيب فسأذهب للقشلاق وأرجع بسرعة.
كان قد مضى عليه خمسة أشهر لم يرنا.. هدى ومنى تغيرتا وكبرتا.. منى كانت لا تتكلم إلا القليل فهي تتعلم الكلام، وهدى زاد كلامها وفصاحتها.
وطبعًا كان الزوار يحضرون بكثرة، وكذلك الأقارب من إسكندرية والصعيد، وكانت الإجازة لمدة شهر. كنت أخرج معه ونذهب إلى السينما، وكان وقتها المعرض الزراعي الصناعي.. ذهبنا وقضينا اليوم كله هناك نتفرج على المعروضات وتناولنا الغداء. قابلنا ضابطا من معارفه كان متزوجا حديثا من أسبوعين، سلم علينا وقال: لسنا وحدنا في شهر العسل بل أنتم أيضًا.. وضحكنا.
الانتقال إلى بيت جديد
في الأسبوع الأخير من شهر مارس قال لي جمال: قابلت ضابطا أعرفه رتبته كبيرة يملك فيلا في كوبري القبة، وبنى دورين جديدين فوق الدور الأول، والدور الثاني فاضي.. ففكرت نعزل ونسكن في كوبري القبة. رحبت، فقال: سأذهب لأرى البيت، وذهب مع الضابط ورأى المسكن وقال: إنه لا بأس به فلتذهبي معي وتشوفيه.. فقلت: مش ضروري أشوفه ما دام عجبك، فلنعزل.. وكوبري القبة مكان هادئ والدور الثاني السلالم له سهلة. وكنت مقتنعة بأنه أحسن من البيت الذي نسكنه، ولم أذكر له شيئًا عن رغبة صاحبة البيت في أثناء غيابه، وكانت قد حضرت لتهنئتنا بسلامة رجوعه من فلسطين وحدثته عني وقالت له الكثير من المديح والثناء.
وفي آخر شهر مارس سنة 1949.. أي في نفس الشهر الذي رجع فيه جمال من الفالوجة انتقلنا إلى البيت الجديد في كوبري القبة. وقبل مغادرتنا البيت حضرت صاحبة البيت وكانت تسكن بجوارنا - يعني جيران وهو ملكها أيضًا - وكانت متأثرة وبكت وقالت لي: لقد قلت إنك ستتركين البيت عند رجوع حضرة الصاغ جمال وها أنت ذي تتركينه. وسلمت عليّ بحرارة وهي تبكي.
ذهبت مع جمال وهدى ومنى للبيت الجديد.. وكنت أول مرة أراه كما حدث في البيت الأول، وأعجبني جدًّا. والبيت مبني بحيث يكون: البدروم، ثم الدور الأول، والثاني مسكننا، ودور ثالث. ونظام الأبواب الثلاثة كالبيت الأول مع اختلاف إذ لا يوجد باب يوصل لحجرة السفرة كالبيت السابق، فالباب الثالث على الشمال يوصل إلى مدخل صغير للمطبخ. والبيت مكون من خمس حجرات منظمة كالآتي: حجرة السفرة ملحقة بحجرة الصالون من دون باب ولها باب على الصالة، والحجرتان تطلان على الشارع. الصالون به فراندة مستديرة على ناصية البيت ترى الشارع العمومي.. شارع مصر الجديدة، وترى الباص والترامواي والكوبري الذي يمر تحته المترو أمام المستشفى العسكري في ذلك الوقت.. وهي الآن الكلية الفنية العسكرية. أرى الشارع بوضوح إذ بيتنا الثالث في الشارع بعد فيلتين صغيرتين ولكل فيلا حديقة. حجرة المكتب ملحقة بالصالة بدون باب أيضًا وبها فراندة وشباك في مواجهة الصالة يطل على حديقة المنزل الذي يلي منزلنا، وأرى الشارع أيضًا، وفي الناحية الأخرى حجرتان للنوم.
كان جمال يحكي لي عن الوقت الذي قضاه في الحرب وعن الحصار في الفالوجة وقال: كانت هناك طفلة كنت أحب أن أكلمها تذكرني بهدى وفي عمرها، وفي ليلة شعرت بحزن وقلت كيف حال تحية الآن وهدى ومنى؟ ولم أنم.. وكيف كان الرصاص والقنابل تتساقط حوله ونجاه الله، وقراءته للمصحف عدة مرات وتأديته للصلاة، وكيف كان يرسل لي الخطابات مع أحد العرب، ويدفع كل ضابط مبلغًا ويصل ما يتقاضاه العربي إلى خمسين جنيها.
إبراهيم عبد الهادي يستجوب جمال
انتهى شهر الإجازة ونقل العائدون من الفالوجة - وهم ثلاث كتائب - كل كتيبة في بلد. وكانت الكتيبة السادسة - وهي التي بها جمال - نقلت للإسماعيلية، وهو أركان حرب الكتيبة. قال لي: ليس هناك مكان لسكن عائلات الضباط، والمكان عسكري فقط، وسوف أذهب وأحضر كل أسبوع.. فكان يحضر يوم الخميس ويغادر القاهرة يوم السبت في الصباح الباكر.. ولم أذهب إلى الإسماعيلية أبدًا ومكثت في القاهرة.
استمر الحال حوالى ثلاثة أشهر، وكانت صحتي متوعكة إذ كنت في الشهور الأولى للحمل. في شهر يوليو قال لي جمال: سأحضر في إجازة لمدة شهر ففرحت جدًّا، وفي أول يوم للإجازة في الصباح خرج ورجع قبل الثانية عشرة ظهرا، وخلع ملابسه العادية طبعًا ولبس البيجاما ورقد على السرير يقرأ. ولم يلبث إلا قليلا وسمعنا أحدا يصفق بشدة ويسأل عن مسكن الصاغ جمال عبد الناصر.
وكان أحد الضباط. قابله جمال وتحدث معه دقائق وارتدى الملابس الرسمية وقال لي: لا تنتظريني على الغداء سأغيب ولتتغدي أنت والأولاد.. وخرج وركب عربة مع الضابط. تناولت الغداء مع هدى ومنى ومر الوقت عاديا، وحتى حوالى الساعة السابعة لم يحضر.. وابتدأت أقلق: أين ذهب جمال؟ ومن هذا الضابط الذي حضر بطريقة غير عادية يصفق ويسأل بصوت عال عن مسكننا؟ وكنت أشعر بأن ما يحدث حولي غير عادي ولكن لم أفهم شيئًا غير الكتمان. جلست بجوار الشباك المطل على الشارع في حجرة السفرة.
ولم ألبث إلا قليلا حتى رأيت عربة كبيرة زرقاء تدخل الشارع وتقف أمام منزلنا، ورأيت جمال ينزل من العربة وينتظر شخصا آخر.. وكان عثمان باشا المهدي - رئيس هيئة أركان حرب الجيش - وكنت أعرفه وحتى عربته إذ كنت أراها أمام منزلنا السابق. خرجت بسرعة من حجرة السفرة ودخلت حجرة النوم، وصعد جمال مع عثمان باشا ودخلا الصالون. وبعد قليل دخل جمال عندي في الحجرة فقلت له بلهفة: أين أنت؟ إني قلقة عليك.. فرد وقال: فلتعطيني بسرعة الأسلحة الموجودة عندك، ولاحظ اضطرابي وقلقي فقال: لا تخافي إني راجع لك.. أسرعي وسأحكي لك عما حصل بعد خروج عثمان باشا، فقلت له: لقد عرفته وكنت جالسة بجوار الشباك.
كنت أخفي الأسلحة بين الملابس في الدولاب.. في الشتاء أخفيها بين ملابسه الرسمية الصيفية، وفي الصيف أخفيها بين ملابسه الشتوية، إذ كنت أرى أنها يجب إخفاؤها وألا يراها أحد غيري، من دون أن يلفت نظري أو يقول لي شيئًا. رجع جمال بعد خروج عثمان باشا وقال لي: كنت عند رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي.. لقد استدعاني لاستجوابي والتحقيق معي بوجود عثمان باشا، وبقيت هناك للآن، وهو الذي كان يحقق معي ويستجوبني بنفسه، وكان في منتهى العصبية، وكنت أجاوبه على كل سؤال.. وأخيرا لم يجد إلا أن يقول لي: روّح، وسألني هل عندك أسلحة؟ فقلت له: نعم.. وذكرت أنواعها، وكلف عثمان باشا بالحضور معي واستلام الأسلحة. وكنت منتظرا أنه سيعتقلني لكنه قال لي: روّح.. وهو في غاية الغيظ والضيق.
مكث جمال شهر الإجازة في القاهرة نخرج سويًّا ونذهب إلى السينما.. وغالبًا الصيفي في مصر الجديدة، وأحيانًا نأخذ هدى ومنى معنا. وكان يقابل الضيوف ويخرج مع بعضهم أو بمفرده.
بعد انتهاء الإجازة نقل من الإسماعيلية إلى مدرسة الشؤون الإدارية بالقاهرة، وهي التي يقضي فيها الضباط فترة.. ثم يمتحنون ويحصلون على الترقية.. أي «فرقة». وكانت فرحتي عظيمة بنقله للقاهرة.
اشترى جمال العربية الأوستن السوداء، ودفع ثمنها من النقود التي توافرت معه أثناء مدة الحرب، إذ المرتب كما هو معروف يكون الضعف للمقاتلين، ولم تكن تكفي فكملت الباقي من ثمنها وفرحت بالعربية. بعد شراء العربية بأيام قليلة قال: سآخذك لمشوار طويل.. وذهبنا إلى القناطر الخيرية ومعنا هدى ومنى وتناولنا الغداء هناك.
كان يحضر إلى المنزل بعض الضباط الذين سيدخلون امتحان كلية أركان حرب، وكان يساعدهم ويجلس معهم وقتا طويلا، وكنت أسمعهم يتكلمون في موضوعات الدراسة، وكان يعطيهم الدوسيهات التي هو كاتبها ومجهزها بنفسه ويقول لي: إني أحب أن أساعد كل من يريد أن يتقدم لكلية أركان حرب وأرحب به.



جميع الحقوق محفوظة لدار الشروق


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال عبد الناصر
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن جمال عبد الناصر:
جمال عبد الناصر ينبض بالحياة على الإنترنت - حسام مؤنس سعد


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.08 ثانية