العروبة عندما يحييها مثقف ويستشهد - حافظ البرغوثي
التاريخ: 12-6-1438 هـ
الموضوع: مقالات سياسية


حافظ البرغوثي

«تحية العروبة وبعد».. بهذه المقدمة بدأ الشهيد المثقف الصيدلي باسل الأعرج وصيته التي كتبها قبل اشتباكه المسلح مع قوات الاحتلال في غرفته في مدينة البيرة. فالشاب الشهيد كان حالة ثورية منفردة ومتميزة لم ينتم إلى فصيل، بل كان يؤمن بالعمل الفردي في غياب التخطيط الفصائلي. فهو يؤمن باستمرار المقاومة بكل أشكالها، وظل يوثق تاريخ المعارك مع البريطانيين ويزور مواقع المعارك ويثقف الشباب على ضرورة المقاومة، وأخذ في الآونة الأخيرة يوثق شهداء انتفاضة السكاكين حتى امتزج بهم وكأنه منهم.
كان مثقفاً وكاتباً، كثير القراءة والاطلاع. لاحظته مرة في اعتصام تضامني مع الأسرى، لكنه كان ينشط في المسيرات والاعتصامات، ويحمل معه دوماً كتبه، كان منفتحاً على كل الأفكار ويناقش الشباب ويسمونه الدكتور. ما زالت تفاصيل كثيرة غائبة عن سيرته وكيف انتقل إلى الكفاح المسلح، وما الذي فعله حتى يطارده الاحتلال ويتعقبه لإعدامه.
كان الأعرج اختفى مع اثنين آخرين العام الماضي، بعد أن تركوا أجهزة الهاتف وبطاقات الهوية، وبعد البحث عنهم من الأمن الفلسطيني عثر عليهم في الجبال كأنهم كانوا يخططون لعملية كبيرة، واعتقل لفترة وخاض إضراباً عن الطعام حتى أطلق سراحه، واتهم بحيازة سلاح.
العمليات الفردية هي الأنجح دوماً، كعمليات الدهس إلى الطعن وإطلاق النار، وكان الأعرج ممن يفضلون هذه المدرسة النضالية الفطرية. وهناك مثالان جديران بالذكر في هذا المجال، وهما: عملية وادي الحرامية شمال رام الله في مارس/آذار 2002 وعملية حاجز عين عريك غرب رام الله في فبراير/ شباط من العام نفسه. العملية الأولى نفذها قناص شاب هو ثائر حامد من قرية سلواد ببندقية قديمة «إم1» حيث تمترس فوق حاجز احتلالي في واد سحيق تحيطه جبال مرتفعة قرب سلواد، وكان الحاجز مصدر إزعاج لأهالي القرى المارين، حيث يتعرضون للإهانة والإذلال، ومن بينهم نساء قريبات لثائر، وكان الشاب يدرب نفسه على بندقية قديمة حتى أتقن القنص بجدارة. وفي صباح ربيعي شرقي الرياح تمترس فوق الحاجز وأخذ يصطاد الجنود واحداً تلو الآخر، ثم انتقل إلى الجنود القادمين للنجدة والمستوطنين فقتل 11 منهم، وجرح آخرين وأطلق 27 طلقة، حتى تفككت بندقيته. لكنه في خضم معركته ترفع عن إطلاق النار على سيارة مستوطنين تقودها امرأة، ومعها أطفالها وأشار إليها بالرجوع والهرب. ظل القناص لغزاً رغم اعتقال ثائر والإفراج عنه، لكن يبدو أن كلمة واحدة على مقهى عن بندقيته من أحد العارفين بها أدت لاعتقاله وتقديمه للمحكمة وسجنه.
العملية الأخرى نفذها عنصران من الأمن الوطني الفلسطيني ضد حاجز إذلال آخر على مدخل قرية عين عريك غربي رام الله في فبراير/ شباط عام 2002. فقد تفحص الشابان الحاجز ودرسا الموقع جيداً، وكما روى أحدهما، ويقال إنه ما زال مختفياً حتى اللحظة، أنهما درسا عادات الجنود في الموقع.. وفي ليلة ليلاء تقدما نحوه من عل واستعدا لقص السلك الشائك، إلا أنهما فوجئا بكلب حراسة ضخم أمامهما لم يكونا حسبا حسابه فتسمرا أمامه وأخذا يقرآن آيات من القرآن بصمت ولم يحرك الكلب ساكناً، لأنهما كانا هادئين، ثم اجتازا السلك واقتربا من جنديين من الخلف وأطلقا النار عليهما، ولحسن حظهما، فإن الجندي الذي كان في أعلى برج المراقبة كان قد نزل لقضاء حاجة واشتبكا مع الجنود فقتلوا خمسة وأصيب سادس فيما أصيب أحدهما. لم يكونا دبرا أمر الانسحاب لأنهما كانا يتوقعان ألا يعودا، فنظرا إلى الشارع ليجدا سيارة شحن متوقفة فهرعا إليها ليجدا السائق في حالة شلل من الخوف وركبا معه، وأمراه بالتوجه إلى رام الله. وفي الطريق نزل أحدهما عائداً إلى مقر عمله في المقاطعة، أما الثاني فطلب من السائق التوجه إلى مخيم الأمعري حيث نزل ووجد سيدة عجوز طلب منها مساعدته، فاستدعت شاباً أركبه سيارة إلى مستشفى رام الله. وهناك وضع على سرير وظل ينتظر العلاج لأن طاقم الطوارئ في المستشفى كان مشدوداً إلى التلفزيون الذي كان يبث الأنباء الأولية عن العملية والرجل الجريح يصرخ من الألم وكاد أن يصرخ ويقول إنه من نفذ العملية.
ظل منفذ العملية شادي صعايدة طليقاً يختبيء في المقاطعة وشارك في عمليات أخرى إلى أن اعتقل واستشهد في السجن دون سبب طبي مقنع، أما الآخر فيقال إنه ما زال مختفياً عن الأنظار حتى الآن. وبعد العملية انتقمت قوات الاحتلال من قوات الأمن الفلسطيني فهاجمت مواقعها وقتلت خمسين عنصراً بدم بارد.
غياب العمل المسلح من قبل الفصائل يحفز الشباب على العمل الفردي، فالفصائل مجتمعة هجرت العمل المسلح وحالياً تطارد أجهزة الأمن الفلسطينية من يحمل سلاحاً. لذا سيظل العمل الفردي مستمراً بالعزف المنفرد على السكين أو الرشاش. لكن الجديد في وصية الشهيد باسل أنه افتتحها بتحية العروبة التي نسيها الجميع.










أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12315