الأمية التاريخية - احمد الجمال
التاريخ: 23-6-1438 هـ
الموضوع: أحمد الجمال



الأمية التاريخية





من حق كل مواطن أن يبدى رأيه فيما وفيمن شاء وقتما يشاء، فإذا أخطأ بسب أو قذف أو كذب فللمتضرر سبل يمضى فيها لمعاقبة المخطئ، فإذا صار ذلك المواطن صاحب مسئولية معنوية، كأن يكون مفكرا ومثقفا أو كاتبا أو أستاذا لأجيال أو قدوة وقيادة لجماعAة ما، ضاق الحق قليلا وتعين عليه أن يتريث قبل أن يبدى رأيا أو يفتى فى مسألة، أما إذا انتقل ذلك المواطن للموقع القيادى المسئول فى الدولة، كأن يكون رئيسا أو وزيرا أو نائبا، فإن قيودا أخرى تضاف ليصبح ميزان كلامه ورأيه فى جده وهزله أدق وأكثر حساسية من موازين الذهب، لأن خطأه يمكن أن يضر بمصالح الدولة أو يضر بوعى الناس ووجدانهم، عندما يظهر فى كلامه الانحراف عن الحقيقة أو الجهل بالتاريخ أو باختصار تنضح من كلامه الأمية الفكرية والثقافية والعلمية والتاريخية، ولذلك كان الدرس الأول لأى مسئول هو أن يتحفظ ويتحرز من الأقوال والأفعال، حتى وإن كانت مباحة لغيره. !



وسواء كان الكلام الذى نسب إلى أحد الوزراء الحاليين صحيحا أو غير صحيح، فإن الأسطوانة المشروخة حول مجانية التعليم والصحة، وحول إلصاق أسباب تردى التعليم والصحة، وغيرهما بثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر هى أسطوانة تستحق أن تتحطم وليس أن تتوقف فقط.

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإننى سأحكى مشهدا كنت طرفا فيه منذ سنوات قليلة مضت، إذ كنت فى أحد النوادى الاجتماعية الخاصة التى يرتادها رجال أعمال وميسورون من مختلف الفئات والانتماءات الاجتماعية والمشارب الفكرية والتوجهات السياسية، وفيما كنت أمر أمام مجموعة من مشاهير رجال الأعمال، أذكر منهم المهندس نجيب ساويرس والدكتور أحمد هيكل، وإذا بالمهندس ساويرس يبادرنى بحوار إنسانى لطيف أشار فيه إلى أنه بمناسبة أننى ناصري، فإنه يحترم زعيمى فيما يتعلق بفكره ودوره العربي، أما على صعيد آخر فقد أضاع زعيمى الدنيا، لأنه هو الذى وضع قاعدة «البلوشى» أى المجاني.. فى التعليم والصحة وغيرهما.. وفوجئت بأن الواقفين معه متفقون على ما يذهب إليه ومعهم الدكتور أحمد هيكل، وعندها سألته وسألتهم سؤالا مباشرا هو: «هل حضراتكم والرأسمالية المصرية بوجه عام بل والتحديث المصرى كله كان يمكن أن يتم وتراكموا ما راكمتموه من أصول وثروات ومشاريع بغير قناة السويس وشبكة الرى المصرية وخطوط السكك الحديدية، وجسور النيل التى كانت تتخذ طرقا للمواصلات؟!»، وكان الرد المباشر هو: «وما العلاقة بين حديثنا عن عبد الناصر والبلوشى - وأنا هنا أستخدم اللفظ الذى استخدمه بعضهم ويقصد به المجانية - وبين ما نتحدث عنه؟!»، وأجبت: «إن العلاقة هى أن من حفر قناة السويس وحفر قبلها ومعها وبعدها شبكة الرى التى تمتد رياحاتها وترعها وقنواتها آلاف الكيلو مترات ومد خطوط السكك الحديدية عند إنشائها، وكان يقف حارسا لجسور النيل يحميها من الانهيار فى أثناء الفيضان ويراعيها بالرش والدك لتتحمل سير المركبات والدواب وبدون أجر «أى بلوشى»، هم الفلاحون أى الغالبية الساحقة من شعب مصر الذين حفروا القناة والرياحات والترع والقنوات بدون بلدوزرات وإنما بالفؤوس والكواريك والمقاطف، وكان زادهم البتاو والبصل والمش، ومأواهم عشش من أعواد الذرة الجافة أو خيام مهلهلة ولا توجد مصادر للمياه العذبة وتفتك بهم الأمراض المتوطنة.. ومات منهم مئات الألوف بعد أن تم سوقهم بالسخرة والكرابيج لأداء المهمة؟!.. هذه هى قصة البلوشى الأصلية، ثم جاء من أصلابهم رجال من بعد رجال حاولوا إنهاء هذا الظلم والحصول على أدنى حقوق الحياة، وكان منهم عرابى ورفاقه إلى أن تمكن الفلاحون من إنجاب الجيل الذى جاء منه رجال يوليو أبناء الجيش المصرى وعلى رأسهم جمال عبدالناصر الذى حاول أن يرد بعضا يسيرا من الجميل لأصحابه، فكان أن مضى على خطى العميد العظيم طه حسين فى مجانية التعليم واتجه لإنقاذ أهله، أى تلك الغالبية العظمى مما هى فيه من جهل وفقر ومرض، وانقضى عمره وهو مؤمن بأنه لم يؤد ما كان يجب عليه أن يفعله».. عندها أدار السادة المنتقدون للبلوشى رءوسهم وانصرفوا عن استكمال الحوار، فإذا أضفنا أن الرأسمالية الحالية - وهى منحطة بكل المعايير قياسا على الرأسمالية الأوروبية والأمريكية - أخذت وتأخذ مجانا أو شبه المجان الأراضى والكهرباء والغاز والأمن ومعفية من الضرائب، ناهيك عن التهرب وناهيك عن الامتناع عن أى دور اجتماعي، وناهيك عن أى مساهمة فى مشاريع قومية، مثلما حدث فى مشروع قناة السويس الجديدة، لعرفنا أن البلوشى الحقيقى ليس هو التعليم والصحة وغيرهما من الفتات الذى يحصل عليه غالبية الشعب، وإنما هو ما قدمه الشعب للوطن منذ حفر القناة إلى الآن.. فإذا وصلنا إلى أن من يبذل روحه ودمه فى الحروب الدفاعية عن الوطن وفى مواجهة الإرهاب هم أبناء تلك الغالبية، لأدركنا حجم المغالطة بل الجريمة التى يرتكبها من يردد الأسطوانة المشروخة الخاصة بالتعليم والصحة وثورة يوليو وعبد الناصر.. المطلوب أيها السادة هو قليل من الوعى ومن محو الأمية الحضارية والثقافية والتاريخية، فربما ينصلح الحال





أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12335