عبد الرحيم مراد في وطن المذاهب..يقبض على جمر عروبته
التاريخ: 17-10-1438 هـ
الموضوع: مقالات سياسية


عبد الرحيم مراد في وطن المذاهب..يقبض على جمر عروبته


خورشيد الحسين
 


ليس من السهل أن تتحدث عن معالي الوزير عبد الرحيم مراد وتحصره في حدود مكان واحد أو موقف واحد أو حتى في زمن لحظوي واحد ,فالرجل تاريخ متصل من النضال القومي والوطني,منفتح على كل الساحات وكل ميادين الصراع ,ولا يستطيع بحكم انتماءه المبكر للفكر القومي العربي ومن التزامه الناصرية عقيدة سياسية ومنهجا اجتماعيا مستمرا حتى اليوم أن ينأى بنفسه عن الحدث العربي, على أي بقعة من(بلاد العرب أوطاني),ناهيك عن موقعه وما يشكل على الساحة اللبنانية من حالة عروبية سياسية جامعة,وصولا إلى موقعه وما يمثل بحكم الضرورة التي يفرضها النظام اللبناني بتركيبته الطائفية_المذهبية داخل الطائفة السنية من ثقل كمي ونوعي ,يتجنب حلفاؤه قبل خصومه الإقرار بهذا الحجم ,وكل يعقوب منهم في نفسه حاجة تجاه هذه المواقف والتي أقل ما يقال فيها أنها مجحفة وعديمة الإنصاف ولهم فيها كعصى موسى ....مآرب أُخرى,وما يضفي المزيد من هالة حضور هذه القامة العملاقة هي معجزة المؤسسات التربوية والثقافية و التعليمية ,والتي تطورت لاحقا وما زالت تضيف كل مطلع شمس مجالا حيويا خدماتيا ينافس الدولة في مجالات تقصيرها وهي كثيرة ,إن لم نقل أنها معدومة,هذه المؤسسات التي أصبحت محل حسد حتى من المحبين ومحل حقد وتآمر من الحاقدين سياسيا دون أدنى اعتبار لما يشكله وجودها من ضرورة لمنطقة عانت وما زالت الإهمال والحرمان من الدولة وخدماتها منذ قيام لبنان الكبير حتى اليوم ,والتي لم تقف في المجال السياسي الحيوي للوزير مراد .أو مكان نفوذه الإنتخابي إن صح التعبير,بل تمددت كشجرة مباركة على مساحة لبنان وجامعاتها انطلقت عابرة الحدود الوهمية لتحط رحالها في كل مكان (لحرف الضاد) فيه لسان.




فلسطين....الموقف الثابت(من البحرإلى النهر).
تختصر مأساة فلسطين كل حزن الوزير مراد,يتداخل العاطفي بالسياسي ,فالعشق أيضا في مكان ما, هو موقف ,كما الموقف الثابت هو عشق لا ينتهي ,هكذا في روح وعقل وموقف الرجل.
من يتابع سياسة الوزير مراد يلحظ المنحى السلمي كما يلحظ السلوك الأخلاقي المميز في ممارسته وخطاباته ومقابلاته وحتى في لقاءاته الضيقة ,لكنه يكتشف انسانا آخر في الموقف من فلسطين والكيان الغاصب,هنا لامجال للحل الوسط ولا مجال لمسايرة أحد حزبا كان أم شبه دويلة أم دولة أم قوة عظمى أم العالم كله مجتمعا.هي ثوابت تتلخص عناوينها بالنقاط التالية :
1_فلسطين أرض عربية من البحر الى النهر وهي جزء لا يتجزأ من العالم العربي.
2_القضية الفلسطينية هي العنوان وتحته تنضوي كل التفاصيل ,فكل ما يفتح الطريق هو صح وكل ما يعيق هو خطأ .
3_كل بندقية مقاومة وحجر وسكين ودولاب وعبوة وصاروخ وجسد متفجر في الصهيوني هو على حق مهما اختلفنا معه فكريا وعقائديا وأيديوليجيا ....فلسطين أولا ...والبقية تأتي لاحقا.
4_الكيان الصهيوني سرطان في جسد الأمة ولا يمكن أن يشفى ويتعافى هذا الجسد دون إزالة هذا الورم .
5_الكيان الصهيوني سبب مباشر لكل ما نعاني منه من أزمات وصراعات .
6_باختصار وبالمجمل,الكيان الصهيوني نقيض حضاري وثقافي ووجودي لهذه الأمة ولا يمكن تحت أي عنوان أن نتعايش معه أو أن يتقبله جسد الأمة .
فلسطين في رؤية القابض على جمر عروبته لا تنفصل عن التأثيرات المحيطة بها من كل جانب ,سلبا أو إيجابا عن محيطها الأم ,فكلما كان الوضع العربي يعيش نوعا من (السلام الداخلي النسبي) تنتعش المقاومة وتأمن لظهرها وكلما زادت حدة التناقضات العربية ,خفتت وبهتت,فالبعد العربي لفلسطين ومقاومتها هو المعيار الذي ينعكس سياسيا وعسكريا على العلاقة التي تحكم موقف المقاومة بتنوعاتها وبكل مشاربها مع الكيان الصهيوني ارتفاعا وهبوطا أو كمون غير مطلق بالتأكيد.
الفوضى المدمرة واستثمار الخلل في بنية النظام العربي .
يبتعد الوزير مراد عن الخطاب الشعبوي في المفاصل التاريخية كما في غيرها ,فالرؤية المنطقية والصحية والقراءة العلمية تحكم الموقف ,والموقف أخطر من أن يُستغل في زواريب ضيقة بمفردات هي نفسها إحدى مسببات ونتائج (المؤامرة الكبرى) ,فلا مساومة على الدم المراق مجانا ولا مواقف تصب زيت التطرف على نار الفتنة,هذه الفتنة التي تشتعل في مكان ما مذهبيا وفي مكان ثان طائفيا وفي مكان ثالت قبليا ,,,,هو السؤال الذي يطرح نفسه على كل ساحات الصراع .ويحمل الإجابة في نفس الوقت :
هل الصراع في العالم العربي اليوم هو مذهبي كما في سورية وفي العراق ؟؟؟ أم هو طائفي كما حاولت الأصابع السوداء أن تثيره في مصر؟؟ أم هو قبلي كما الحال في ليبيا؟؟؟ وماذا عن الصراع الأخوي في الخليج اليوم؟؟؟؟ أم هو حصان طروادة التي اُستغٍل بإسم الحرية والديموقراطية والمطالب الإصلاحية ليفتح طريق(الفوضى المدمرة) بإسمه الرمزي (الربيع العربي) كي يدخل الجسد العربي ويفجره من الداخل ,وبأيدي أبناءه,وبأموالهم وبدماءهم ؟؟؟؟
وضوح الرؤية دفع الوزير مراد لكي يتمسك بثوابت متجاوزا التفاصيل في الإعلام ليعمل في الظل وفي اللقاءات مع القوى الفاعلة والمؤثرة ليؤكد على النقاط التالية:
أولا:لا للحروب الأهلية بين مكونات المجتمع العربي والعمل على إسقاط أسبابها ودوافعها.
ثانيا:لا للإنصياع والإنجرار إلى مشاريع الفتن التي تثيرها وتغذيها المؤمرات الدولية تحت عناوين جذابة (وهي كلمة حق يراد بها باطل) حيث استطاعت بما تمتلك من إدوات إعلامية ومالية وأذرعة أخطبوطية أن تعنون (الفوضى الخلاقة باستبدال تسميتها)إلى ربيع عربي وبالرغم من وضوحها منذ بدايتها وذلك بدلالة غياب البرامج السياسية وعدم وجود قيادة واضحة وهذا مخالف لأبسط قواعد منطق الثورات والإنتفاضات الشعبية إلا أنها استطاعت أن ونجحت حتى اللحظة أن تدب التفرقة والشرذمة بين مكونات الشعب الواحد وتضع الجميع في خادق الموت مقابل الجميع.
ثالثا:لا لسياسات المحاور بين الدول العربية لما تحمل في طياتها من انعكاسات سلبية حاضرا ومستقبلا ومخاطر الدخول في صراعات على كل المستويات مما يعمق الشرخ ويفتح الباب واسعا لتمرير الأهداف الصهيو_أمريكية من إقامة(اسرائيل الكبرى) وتصفية القضية الفلسطينية وتكريس العداء بين الشعب العربي الواحد تمهيدا لقوقعة كل أقليم أو ما سيتشظى منه إلى دويلات متصارعة تعتاش على دعم القوى العظمى وحمايتها وتكون أدوات مطواعة في يدها لإنهاء وجود الأمة حضاريا وسياسيا وتمزيقها جغرافيا وإخرجها كليا من التاريخ والحاضر والمستقبل.
هذا الموقف لم يستطع الوزير مراد أن يرميه في مخاض المصالح الضيقة في السياسة اللبنانية,بل تمسك به وتحمل الخسارة في كثير من المحطات ولم ينجر ولا يقبل على نفسه أن يصعد فوق بركان النار وفوق جرح الأمة وفوق الدم ليبحث عن مكان في السلطة !!!
هكذا يرى وهكذا يؤمن وهكذا يمارس عمله السياسي والإجتماعي ....المصلحة العليا ...ولا مصلحة تعلو فوق مصلحة الأمة ووحدتها وعروبتها وسلمها الأهلي ,من العراق الى ليبيا فسوريا ومصر ....واليوم الخليج لا سمح الله .
عبد الرحيم مراد .القابض على جمر عروبته ,يقبض اليوم على جمرات في الواقع اللبناني وفي استحقاقاته القادمة ,هي نفسها الثوابت التي تحكم رؤيته في المجال القومي ,تحكمه على المستوى الوطني .
لا لخطاب تعبوي مذهبي أو طائفي ,لا لإطلاق وعود خلبية ووهمية,لا للعربشة على المواقع وفرض الزعامة من خلال استغلال العواطف والمشاغر وتغييب الوعي ,لا للخطابات الممجوجة والمتخمة بالوعود واستغلال حاجة الناس ورغبتها في النمو والتطوير والإصلاح ومحاربة الفساد ,لا لنسيان الوعود المرتبطة بالمواسم الإنتخابية ....وتبقى النعم ...نعم كبيرة أطلقها عبد الرحيم مراد منذ نصف قرن ,نعم لم يستطع أحد أن ينكر أنه كان وفيا لها ,كما كان ولا زال وفيا لكل مواقفه ومبادئه وثوايته ,....نعم ....تنطلق من مصالح الناس وتصب فيها ...
إن كنت مع هذه الهامة الكبيرة أو كنت تخالفها في بعض المواقع ,غير أنك لا تستطيع إلا أن تحترم وتقدر كم من الجمرات العروبية والوطنية تحرق كفي هذا الرجل.....ويقبض عليها ملىء إرادته..ويصبر.








أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12583