بعد عودة الحايس - عبدالله السناوي
التاريخ: 16-2-1439 هـ
الموضوع: عبدالله السناوي




بعد عودة الحايس


كان وقوع نقيب الشرطة «محمد الحايس» أسيراً في حادث الواحات الإرهابي، إحدى الصدمات الكبرى التي اهتزت لها المشاعر العامة في مصر. وتبدت خشية واسعة من أن يُفضي هذا الأسر إلى نوع من التنكيل المعنوي مسجلاً على شرائط يجري بثها بقدرة البلد على كسب معركته مع الإرهاب.



لم تكن صدمة وقوع الضابط الشاب في الأسر، داعياً وحيداً لمشاعر الخوف من المجهول. بل إن حجم ما سقط من شهداء داع ثان، ونقص المعلومات عن مستويات تسليح وتدريب الإرهابيين داع ثالث، والتمركز في منطقة على تخوم العاصمة ينذر بعمليات إرهابية كبيرة داخلها داع رابع، واحتمال فتح جبهة جديدة في الصحراء الغربية تناظر ما يجري في شمال سيناء داع خامس، وهو باليقين الأفدح والأخطر.
بعودة «الحايس» إثر عملية عسكرية، هدأت مشاعر الخوف من المجهول. هذه إيجابية بذاتها، لكن لكل شيء حدوده. الاطمئنان الزائد نوع من الغفلة الكاملة.
بطبيعة حروب الإرهاب، فإنها طويلة ومكلفة، وتستدعي وضوح الرؤية الاستراتيجية. بلا استراتيجية تلهم الرأي العام التماسك، يصعب خفض تكاليف مثل هذه الحروب. لا يمكن التعويل على الضربات الأمنية وحدها، أو الإفراط في التشديد العقابي بالقوانين السارية.
الكلام كثير حول إصلاح الخطاب الديني، ودور المجتمع المدني، وتوسيع المجال العام، والإفراج عن المظلومين في السجون، وتجفيف البيئة الاجتماعية الحاضنة لتمركزات الجماعات الإرهابية، وأن يكون هناك مشروع ثقافي يرفع من مستوى الوعي الجماعي، دون أن يتبلور ذلك في رؤية واضحة تُبنى عليها سياسات وبرامج تنفيذية.
بعد عودة «الحايس» والتقاط بعض الأنفاس، تبدت الثغرات العامة في الحرب على الإرهاب صريحة وواضحة أثناء زيارة وفد برلماني مصري برئاسة الدكتور علي عبدالعال للعاصمة الأمريكية واشنطن، وقد كانت عاصفة ومثيرة تحت عنوان «قانون الجمعيات».
وفق مانشيت صحيفة «الأهرام» يوم الجمعة الماضي: «عبدالعال: قانون الجمعيات يمنع تمويل الإرهاب». ووفق مانشيت صحيفة «المصري اليوم» بنفس التوقيت: «عبدالعال تحت الهجوم الأمريكي: قانون الجمعيات ليس قرآناً».
التباين الفادح بين الصحيفتين القومية والمستقلة في تغطية حدث واحد على مثل هذه الدرجة من الأهمية والحساسية، يصدق فيه ما كان يقوله الأستاذ «محمد حسنين هيكل» في الأحوال المماثلة: «كلٌّ يأخذ هواه».
هناك من طلب تركيز الاهتمام على الحرب مع الإرهاب وخطر تمويلاته، مغفلاً الانتقادات الحادة التي تبارى فيها النواب الأمريكيون لقانون «الجمعيات» باعتباره اعتداءً على «الحريات المدنية وأنشطة المنظمات غير الحكومية».
وهناك من طرح الوقائع كما جرت فعلاً في مجلس النواب الأمريكي، وما شهده من تنديد واسع بالتضييق على المجتمع المدني، والأهم ما صرح به رئيس مجلس النواب المصري من أن القانون «ليس كتاباً مقدساً» وأن تعديله ربما يكون قريباً.
بغض النظر عن التباين الفادح في التغطيتين، لكنهما معاً يعكسان الانشقاق الحادث في مصر حول ذلك القانون.
مَنْ صاحبه الحقيقي؟.. وكيف مَرَّ في لمح البصر؟.. ولماذا نحي بلا مسوغات مشروع قانون آخر أعدته الحكومة بعد حوارات مطولة مع ممثلين للجمعيات الأهلية؟
باسم الأمن جرى تمرير القانون.. وباسم حرية العمل الأهلي انقضى أجله.
في غضون وقت قصير، سوف يكون هناك مشروع جديد يحاول أن يوفق بين حرية العمل الأهلي ومقتضيات الأمن القومي، وفق صيغة حديثة تنتسب إلى العصر وترفع يد الوصاية الأمنية.
بلغة الحقائق، تمويل الإرهاب خطر حقيقي، يضخ الأموال في شرايينه، ويساعده في شراء الأسلحة الحديثة، فضلاً عن التجنيد والتدريب. بنفس اللغة فإن التضييق على المجتمع الأهلي يساعد على تمركز الإرهابيين في بنية المجتمع.
في أية استراتيجية جدية لمكافحة الإرهاب، دور المجتمع كله حاسم بذات قدر الدور الأمني. اصطناع التناقض بين ما هو أمني وما هو أهلي أضَرَّ بصورة مصر في عالمها، وسحب من رصيدها بمواجهة الجماعات المتطرفة.
المشكلة الحقيقية في النظر إلى قضية الإرهاب أننا لا ندرك بما فيه الكفاية أن أية استراتيجية فعالة لمواجهته تستدعي دولة حديثة قوية وعادلة، لا دولة خوف وظلم.
دون شك، فإن شعار منتدى شباب العالم الذي يحتضنه منتجع «شرم الشيخ» الآن: «نحتاج أن نتكلم»، قاصداً الحوار بين الثقافات والحضارات والشعوب لترميم الفجوات، هو ما تحتاجه مصر وأجيالها الجديدة بفداحة.
مصادرة الكلام المختلف لا يؤسس لمستقبل. التنوع والتعدد وتداول السلطة من مفردات العصر التي لا يمكن تجاهلها. نصف السياسة كلام، إذا جفت السياسة امتنع الكلام، والصراخ الإعلامي يعمق الأزمة والشعور بوطأتها. ذلك يساعد جماعات العنف والإرهاب بأكثر من أي توقع. المعنى أن التزام الدولة بالقيم الدستورية الحديثة هو المدخل الصحيح للحرب مع الإرهاب.
تمكين الأمن تسليحاً وتدريباً من ضرورات كسب الحرب، غير أنه لا يعني الخروج باسمها عن مقتضيات وظيفته الدستورية.
بقدر ردم الفجوات بين الأمن وشعبه، يكسب الأول ويطمئن الثاني.
وهذه مسألة تصورات وأفكار تؤسس لسياسات مختلفة أكثر فاعلية، وتوطيداً للدولة في غمرة الحرب الطويلة.









أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12855