كشف حساب «الإصلاح» - عبدالحليم قنديل
التاريخ: 18-2-1439 هـ
الموضوع: عبد الحليم قنديل


كشف حساب «الإصلاح»






■ قد لا تكون لغة الاقتصاد محببة للنفس، ولا مفهومة تماما عند القارئ العادي، ففيها غابة من الأرقام والمعدلات والنسب، وفيها احتمالات واسعة لفرص التضليل، وعلى طريقة إيحاء حكومي باتجاه الأسعار إلى الانخفاض، بينما يقصد الوزراء المعنيون أن معدل التضخم قد ينخفض، وهو معدل زيادة أسعار فلكي، صار الأعلى في تاريخ مصر الاقتصادي بإطلاق.



قس على ذلك كل ما يعلن من أرقام، والنظر إليها كنجاح اقتصادي باهر، تحقق بعد مضي سنة واحدة على صدور قرار تحرير سعر الصرف، الذي ضاعف سعر الدولار، وانخفض بقيمة الجنيه المصري إلى أقل من النصف، والمصريون العاديون يتقاضون رواتبهم إن وجدت بالجنيه لا بالدولار، وهو ما يعني تدهورا حادا في مستويات المعيشة، يضيف إليه ما جرى ويجري من الإلغاء التدريجي لدعم البنزين ومشتقاته، والزيادات الدورية السنوية في أسعار النقل والمياه والكهرباء، وفي برامج مفتوحة للزيادة المزيدة إلى ثلاث أو أربع سنوات تالية، فالعذاب لم يصل إلى آخرته بعد، ووزير المالية ـ مثلا ـ يجرب حظه في»صنعة لطافة»، ويقول إنه لا نية لرفع أسعار البنزين خلال العام المالي الحالي، الذي ينتهي في آخر يونيو 2018، وهو كلام مكشوف التحايل، فزيادة أسعار العام المالي الحالي تمت بالفعل في أوله، وقد كانت الثالثة من نوعها على التوالي منذ 2014، والزيادة الرابعة مقررة في أوائل العام المالي التالي، أي في يوليو 2018، بعد أن تكون انتخابات الرئاسة قد جرت وتمت، فهذه طبيعة تعهدات الحكومة أمام صندوق النقد الدولي، الذي يرسل بعثات المراقبة دوريا، ويحكم على إجراءات الحكومة، ويفرج أو يحجب الشرائح المتبقية من قرض الصندوق، الذي تلقت الحكومة منه إلى الآن أربعة مليارات دولار، وتنتظر على مراحل ثمانية مليارات دولار موعودة بها.
وبالطبع، ليس من إمكانية نظرية ولا عملية للتراجع عن قرار تحرير سعر الصرف، وتركه لدواعي سوق العرض والطلب، فالقرار أشبه برصاصة انطلقت وانتهى أمرها، وقد أدى إلى اختفاء سوق العملة السوداء، وزاد من تدفق الدولار إلى البنوك، ومن حصيلة تحويلات المصريين العاملين في الخارج الموردة للبنوك، وهذه ميزات محسوبة، لا يصح تجاهلها، فوق إن البنك المركزي ضاعف احتياطي النقد الأجنبي في خزانته، لكن هذه الإيجابيات المقـــــدرة مجــــرد جانب في الصورة، فقد زادت بالمقابل فواتير الديون الخارجـــــية، وتكاد تناهز قريبا رقم الثــــمانين مليار دولار، تتراكم فوائدها مع أعباء الدين الداخلي الثقيلة، وتلــــتزم مصر بتســــديدها من لحمها الحي، وهو ما يعني خللا ظاهرا في لغة الأرقام الزاهــية، فاحتياطي النقد الأجنبي زاد بالقروض والديون غالبا، وقلــــيل منه تكون بتحسن طفيف في أرقام الصــــادرات وتحويلات المصريين بالخارج ورسوم المرور في قناة السويس، وقد حدث انخفاض ملموس في الواردات أكـــثر كثيرا من الزيادة في الصادرات، لكن عجز الميزان التجاري لايزال فادحا، بينما انخفـــــض عجز الموازنة العامة بنســـبة محدودة، وظل رقم الدين العام مقاربا لإجمالي الناتج القومي، فيما تقول أرقام الحكومة، أن معدل النمو السنوي قد يقفز بنهاية العام المالي الحالي إلى 5٪، وهي نسبة معقولة، تزيد قليلا عـــن ضعـــف معدل الزيادة السكانية، بينما المطلوب هو زيادة معدل النمو الحقيقي إلى ثلاثة أمثال معدل التزايد السكاني على الأقل، وبصورة متصلة على مدى سنوات طويلة، إن كنا نريد نهوضا يعتد به.
هذه هي الصورة العامة لما جرى إلى الآن، لم نغفل فيها شيئا مهما من دعاوى الحكومة عن نجاح برامج «إصلاحها»، وقد تعني تحسنا ما في أرقام اقتصاد الحكومة، أو بالدقة تخفيفا ما في عناوين التدهور، غير أن تحسن اقتصاد الحكومة لا يعني تحسنا بالضرورة في اقتصاد الشعب، وكلمة الشعب هى الأصدق قيلا، فالناس لا تلمس مما يجري كله غير حرائق الغلاء الجنوني، وغير عجز أغلبية المصريين المتفاقم عن مواصلة بطولة البقاء على قيد الحياة، والناس تحملوا إجراءات بالغة القسوة، ويقال لهم إن الأصعب مضى، ومن دون أن يقول لهم أحد متى يأتي الأسهل؟ خاصة أن إجراءات المزيد من رفع أسعار البنزين والكهرباء في الطريق، بحسب البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد، الذي تشكل قروضه إضافة مزادة ومنقحة لعبء الديون الخارجية، ويشترط الصندوق إكمال الجرعة المميتة إلى آخرها، رغم اتساع نطاق الفقر على نحو مخيف، ووصول معدل الفقر النسبي إلى قرابة نصف إجمالي المصريين بأرقام الرسميين، بينما الواقع الفعلي المنظور يظهر تفاقم المأساة، وانزلاق الطبقات الوسطى إلى هوة الفقر، ووقوع ثلثي المصريين عمليا تحت خط الفقر الدولي النسبي المقدر بدولارين في اليوم للفرد الواحد، والأفدح هو انتظار الأخطر، فكل روشتة لصندوق النقد تنتهي في العادة إلى «خصخصة» و«مصمصة»، وقد جرى ذلك في مراحل سابقة، وانتهى إلى شفط ثروة مصر وأصولها وقلاعها الإنتاجية الكبرى، وهم يريدون الآن استئناف السيرة المدمرة، والإقدام على خصخصة بنوك عامة ومحطات كهرباء وشركات بترول كبرى، إما بالبيع المباشر لمستثمر رئيسي، أو بالطرح في البورصة، ثم يقال لك إن الاستثمارات تزيد وتتدفق، بينما القصة كلها هي تسييل وخلع أصول، واعتبار القروض والديون كأنها استثمارات مضافة، والعودة للتعامل مع «استحمار» البلد كأنه استثمار فيها.
ونتصور أنه لابد من وقفة مع ما جرى ويجري، فروشتة صندوق النقد ليست قرآنا ولا إنجـــــــيلا، وما دخل صندوق النقد الدولي بلدا إلا وخربه، وهذه بالضبط خلاصة سيرتنا المنكودة مع الصندوق عبر ثلاثين سنة مضت، ودعونا مما يقال عن «وطنـــــية» برنامج الإصلاح، وأن صندوق النقد الدولي لم يفـــعل سوى أن قبل بخطتنا، فهذه دعوى ترتد على أصحابها، وتشبه دعاوى الجماعات المدنية المتلقية للتمويل الأجنبي، التي تقدم البرامج المقترحة للمانحين، وهي تعرف مسبقا ما يشجعهم ويثير حماسهم في التمويل، ثم تزعم أنه لا أحد يؤثر على عملها، أو يملي عليها شروطا، بينما القصة مكشوفة من أولها إلى آخرها، والحكومة تنفذ «الروشتة» المشهورة لصندوق النقد الدولي، بل إنها تزايد على الصندوق نفسه في إجراءات التعسف، والتحيز الصارخ للأغنياء، فقد اعترض صندوق النقد الدولي ـ مثلا ـ على تجميد ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة، وكانت فرضت بقرار من الرئاسة، وبنسبة أقل مما يجري في الدول الرأسمالية، ثم جرى تجميد قرار الرئيس بقرار من الحكومة، تماما كما جرى مع قرار الرئيس بفرض «الضريبة الاجتماعية»، وقد كانت بنسبة 5٪ زيادة على من تزيد أرباحهم السنوية الشخصية على مليون جنيه سنويا، وقد جرى تطبيقها لتسعة شهور لا غير، وكانت الحصيلة ثلاثة مليارات جنيه قبل تحرير سعر الصرف، أي ما يساوى ستة مليارات جنيه الآن، أعيدت إلى الأغنياء المعنيين بقرار من الحكومة، وجرى إلغاء قرار الرئيس شخصيا، والإبقاء على سعر الضريبة في حدها الأقصى عند 22.5٪، وهي نسبة متدنية وبلا مثيل في أي دولة ناهضة، تحترم نفسها وشعبها، أضف إلى ذلك ما هو معلوم عن فداحة جرائم التهرب من الضرائب في مصر، وتفشي الفساد في أجهزة الدولة، فرغم ما يقال عن تحسن جرى في تحصيل الضرائب، فلا تزال الأرقام الرسمية تبرز هول خسائر التهرب الضريبي، المقدرة رسميا بنحو 400 مليار جنيه سنويا، أي عشرة أمثال المبلغ الذي توفره الحكومة سنويا مقابل رفع أسعار البنزين ومشتقاته، فأصل القصة ظاهر، وهو التحيز الفادح للأغنياء على حساب الفقراء والطبقات الوسطى، الذين يدفعون وحدهم فواتير الاقتصاد المنهك، فيما يمتنع من بيدهم الأمر عن فرض نظام الضرائب التصاعدية المعمول به في الدنيا كلها، ويجري التردد في تصفية امبراطورية الفساد، وتحصيل عوائد أراض منهوبة، قيل إنه جرى حصرها، وتكفي قيمتها المالية المباشرة لتسديد ديون مصر الداخلية والخارجية مجتمعة، فتصفية الفساد هي واجب الوقت، وعدالة توزيع المغانم والمغارم هي طريق النجاح الحقيقي، والأولوية المطلقة ينبغي أن تكون لتحصيل إيرادات مصر المنهوبة، ووقف برامج رفع أسعار البنزين والكهرباء، مع بدء تدفق إنتاج حقول الغاز الطبيعي الهائلة المكتشفة حديثا، وفي مصر موارد جبارة، تمول مشاريع إنجازات إنشائية كبرى، تشرف عليها إدارة الجيش غالبا، وبالوسع تخصيص نصف الموارد التريليونية لإنشاء مصانع كبرى، فالتصنيع الشامل هو الحل لإنقاذ مصر واقتصادها، وليس العودة الدورية إلى روشتات الخراب.





أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12859