الخطر إسرائيلي وليس فلسطيني...زياد هواش
التاريخ: 18-4-1439 هـ
الموضوع: محمد حسنين هيكل


الخطر إسرائيلي وليس فلسطيني...

 

الإشكالية الرئيسية في المشهد السياسي العربي والإقليمي والإسلامي، لا تزال وستبقى، بين أنظمة رسمية ترتبط بأمريكا بنيويا وتحتاج لذلك بشدة لعلاقة واضحة ومعلنة مع إسرائيل، وبين شعوب ترفض بوضوح وجود إسرائيل ولا تقبل بشرعيتها ولا تريد أي علاقات معها رسمية كانت أو شعبية وتقاوم بدرجات التطبيع.

 

الأنظمة الرسمية في المنطقة والاقليم تحتاج لتبرير علاقاتها المعقدة والقلقة مع أمريكا والخطرة للغاية مع إسرائيل أمام شعوبها المقموعة والمُحتقنة الى "شيطنة الفلسطينيين" بشكل مباشر وخصوصا هذه الأيام، لذلك تغيب بقوة حقائق الخطر الإسرائيلي وتستبدل بأكاذيب واساطير وخرافات الخطر الفلسطيني.




 

الأنظمة الرسمية ليست فقط مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والقمعية والجيش الوطني، بل والاغنياء أو سكان المدن، وشريحة واسعة من الأكاديميين والنخب والمحترفين والمرتزقة والخارجين عن القانون والمتطرفين لأسباب متعددة، هناك شريحة واسعة من الشعب تخضع للنظام وتسوّق لسياساته وفساده وخداعه.  

 

لذلك يبدو من الضروري أن يُثار دائما وعند كل مفصل من مفاصل القضية الفلسطينية_الاقليمية، حوار واسع الطيف حول الثوابت المرتبطة بالصراع الإقليمي_الاسرائيلي وليس أقل من ذلك، لأن إسرائيل ليست مجرد مشروع غزو ديني لفلسطين بل مشروع هيمنة فوضوية على المنطقة العربية وجوارها الإقليمي بدون أدنى شك.

 

اليوم نشهد نهاية درامية متوقعة لمفاوضات عبثية فلسطينية_اسرائيلية كان الهدف منها التغطية لاختراق المنطقة والاقليم وتبرير الانتقال من حالة العداء الحتمي الى حالة السلام المخادع، والمطلوب اليوم وغدا التحول الى العلاقات المباشرة بالتزامن مع الإلغاء الكامل والدائم لفلسطين الأرض والشعب والاسم.

 

عندما أعلن الاحمق ترامب أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل كان يعطي أمرا إقليميا مباشرا ووقحا للحلفاء الخاضعين بضرورة التعامل المباشر مع إسرائيل وتطبيع العلاقات الرسمية معها وقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني والتسويق للخطر الفلسطيني الإقليمي والرهان على الأمن الإسرائيلي...!  

 

لذلك نلاحظ في لغة الاعلام الرسمي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي الموازية له وعلى لسان أكاديميي ونخب الأنظمة انقلابا في الحقائق وتشويها كاملا للبديهيات، فالإسرائيلي اليوم هو الحليف الطبيعي في معارك الفوضى المذهبية والفلسطيني هو الغريب أو الدخيل او المعطل لتطور المنطقة وأمنها واستقرار الإقليم...!

 

تجاوب شريحة أوسع مع ثقافة "شيطنة الفلسطينيين" مؤشر خطير على درجة انحلال المجتمعات العربية وجوارها، وانحدار الهويات الوطنية الإنسانية الخلاقة الى هويات مذهبية عنصرية هدامة، لا ترى الخطر المحدق بها خارجيا بل تراه محليا وترى في الخارج الإقليمي والدولي عامل حماية وضمانة بقاء واستمرار...

 

القواعد العسكرية الإقليمية والدولية فوق الأرض العربية لم تعد أمرا يرتبط بالصراعات الدولية والإقليمية والتحالفات، بل تحول الى مطلب رسمي وشعبي لتحقيق توازن قبلي أو مذهبي، واستقرار داخلي، حتى عندما يتعلق الامر بإدارة شؤون البلاد ونقاشات القضايا السياسية المحلية، انه شكل من وصاية متفق عليها وطنيا...!

 

الكيانات العربية لا تحتاج الى هذه القواعد العسكرية الغريبة لتحميها بعضها من بعض وفقط، بل لتحمي السلطة من الشعب ولتحمي الشعب بعضه من بعض، أي لتضمن علاقات القبائل او المذاهب او القوميات التي تعايشت لمئات السنين ثم في اقل من عقد من الفوضى قررت أنها لا تثق ببعضها ولا يمكن ان تستمر في تعايشها...!

 

 ما وصل اليه الحال العربي من تدهور وفوضى بدأت تتمدد صوب الجوار الإقليمي وتبدو إسرائيل فيه المستفيد الأكبر، يشير بوضوح الى أن (إسرائيل مشروع إقليمي) لفرض وصي امريكي مباشر يدير المنطقة والاقليم، وان تجارب السلام او التحالف او التطبيع او الانفتاح تعني الرضوخ والخضوع والابتزاز والاذلال وليس أقل من ذلك...

 

لا يمكن تبرير التدخل الإيراني في اليمن والدور الخَطِر على الأمن القومي العربي، ولا يمكن فهم الدور الإيراني في العراق الا كشكل من اشكال التعاون الاستراتيجي مع أمريكا، ولكن الموقف الإيراني من إسرائيل واعتبارها الشرّ المطلق في الإقليم هو موقف صحيح، والاحساس الإيراني بخطرها المباشر على أمنهم صحيح...

 

لا يمكن تبرير التدخل التركي في سوريا والدور الخَطِر على الأمن القومي العربي، ولا يمكن فهم الدور التركي في العراق الا كشكل من اشكال التعاون الاستراتيجي مع أمريكا، ولكن التعاون التركي الاستراتيجي مع إسرائيل والشراكة العميقة في مشروع الفوضى الخلاقة يشكل تهديدا مباشرا ووجوديا للأمن القومي العربي...

 

سقوط القدس الشريف يؤكد سقوط بغداد ومن قبلها سقوط عمّان والقاهرة ومن بعدها دمشق وبيروت، في الوقت الذي تفتح فيه عواصم جزيرة العرب أبوابها، وإذا كان لبنان المختبر لتصنيع وتعميم النماذج السياسية في المنطقة والاقليم فان إسرائيل الحاضنة الساهرة على انتشار ونجاح النماذج وضمان بقائها واستمراريتها...

 

إذا قبلنا أن الدور الحيوي لإسرائيل يمتد على كامل المنطقة العربية وجوارها الإقليمي وأمنها المائي، سيكون من الكارثي أن نعتبر أن هدفها هو حدود فلسطين التاريخية او القدس الشريف او حتى سيناء وعمّان وبيروت ودمشق، هدفها وخطرها هو على كل الجغرافيا العربية وكل العواصم العربية وكل الشعوب العربية وغير العربية...

 

أن تقاتل الخطر الإسرائيلي الحقيقي مع الفلسطينيين وداخل فلسطين ودفاعا عن القدس الشريف ليس في ذلك انتصار للحق او العروبة او الإسلام، بل دفاعا عن بلدك وعاصمتك وأمنك واستقلالك واستقرارك ومستقبلك، عربيا كنت أو غير عربي في إقليم تجتاحه الفوضى ويعيث فيه الأمريكي والإسرائيلي فسادا وهلاكا...

 

سقط اليوم والى الأبد شعار "الصراع العربي_الاسرائيلي" وارتفع مكانه شعار الصراع "الإقليمي_الاسرائيلي" أو الصراع الحتمي والدائر والمتصاعد في المنطقة والاقليم بين إسرائيل وتوابعها وبين أحرار العرب والاقليم، في عالم يتوحش فيه الأمريكي ويفرض عليه أوصياء أو كلاء أو جباة أموال وجلادين تحت تهديد الإبادة والفناء...

 

ترامب يعبر عن رؤية أمريكية جديدة لإدارة العالم بأسلوب مافيوي لا أخلاقي ولا مكان للحياد والسياسة والسلام فيه.

4/1/2018

 

صافيتا/زياد هواش

 

..









أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12986