جمال عبد الناصر حلم امة بقلم سامى شرف
التاريخ: 22-4-1439 هـ
الموضوع: مئوية عبد الناصر


جمال عبد الناصر حلم امة بقلم سامى شرف

تمر الأيام والسنين، تسرق عمر البشر، تتغير الملامح وتتبدل الأحوال، تتواتر الأحداث، وتتزاحم تداعياتها، وتتشابك كخيوط عنكبوت، تترك آثارها نقوشا في وجداننا قبل أبداننا، يعبر شريط الذكريات وكأنه ومضة برق في عمر الزمان، نستعرض فيها ما مضى وما كان، تستوقفنا لحظات عصية على النسيان.

وفور أن بدأ الحديث عن الاحتفال بمئوية الرئيس جمال عبد الناصر، تداعى أمامي ذلك اليوم العصيب، حيث الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 حين رحل الرئيس جمال عبد الناصر عن دنيانا، كانت الصدمة فوق كل احتمال، اعتصرت قلب مصر، هزت كيانها، زلزلت أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وتخطت ذلك النطاق الجغرافي لتمتد إلى أحرار العالم.




كان الوداع أسطوري، بحجم ما كان إخلاص الرجل لبلاده وشعبه؛ 6 ملايين مواطن، 40 ألف ضابط وجندي، 40 لواء من قادة القوات المسلحة، و500 جندي شرطة عسكرية لحراسة جثمان الزعيم؛ هذه الأرقام سجلت للمشيعين يوم الجنازة، و في اليوم التالي 2 أكتوبر 1970، كان مانشيت جريدة التايمز البريطانية "أنه أضخم تجمع بشرى في التاريخ"، وفى تعليق مجلة نيوزويك على الجنازة قالت: "لم يشهد العالم جنازة تماثل في ضخامتها جنازة عبد الناصر، وسط مشاهد من عويل المصريين والعرب عليه، بلغت حد التخلي عن الموكب الجنائزي، عندما ضغطت الألوف المؤلفة على الموكب في محاولة لإلقاء نظرة أخيرة على النعش، الذي يحمل جثمان بطلهم الراحل، إن جنازات كيندي وستالين وكمال أتاتورك، تبدو كصور فوتوغرافية إذا ما قورنت بجنازة عبد الناصر ، لقد أحس العرب أنهم فقدوا الأب والحامي لهم".

لا أعرف لماذا لاحت تلك اللحظة القاسية – تحديدا - في خاطري في تلك المناسبة، لعله جلل هذا اليوم، وتداعياته الكبيرة على مصر والمنطقة وربما العالم، وربما الحنين لمعلم وقائد تعلمت منه مبادئ الوطنية، والإخلاص في العمل من أجل هذا الشعب، إلا أن كلمة مئوية في حد ذاتها استنفرت شيئا داخلي، وعلى الفور وجدت نفسي أردد الأسئلة التالية: هل مرت مائة عام على قدوم ناصر لدنيانا تلك؟، ماذا لو كان هذا الزعيم الكبير لازال بيننا الآن؟ كيف كان سيكون حال مصر والمنطقة؟ بالقطع .. أمور كثيرة جدا كانت ستتغير، و يقيني أننا كنا سنصير في وضع أفضل بكثير مما نحن والعرب فيه.

بمقاييس الزمن عاش جمال عبد الناصر حسين حياة قصيرة (15 يناير 1918 – 28 سبتمبر 1970)؛ فقد رحل عن 52 عاما و8 أشهر و 13 يوما، ظهر فيها على مسرح التاريخ لمدة 18 عام، مثلت فصلا استثنائيا في التاريخ العربي كله، تاركا للأجيال المتعاقبة؛ مجداً وارثاً فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً يشبهنا ويشبه طموحنا .. ترك لنا مشروعاً عظيماً خرج من رحم الأمة المصرية، يقوم على مبادئ الكفاية والعدل، وقيم الحرية والمساواة لجميع الشعوب، وكل الأوطان.

في مصر؛ نثر عبد الناصر بذور حلمه في التربة المصرية الطيبة، مؤمنا بخصوبتها، وقدرتها على استيعابها والتفاعل معها، فعل كل ما في وسعه لتوفير البيئة والظروف الملائمة لتنبت البذور، ورغم كافة المحاولات في الداخل والخارج لإجهاض ذلك الحلم ومنعه من الاكتمال، كان إيمان الرجل بمبادئه وأهدافه، ورغبته في النهوض بوطنه وأمته أكبر من كل التحديات.

وحين ظن أعدائه أنهم نالوا منه في 5 يونيو 1967 كان الشعب المصري على موعد مع القدر؛ أدرك حجم المؤامرة وهدفها، رفض الاستسلام، وأبى أن يمكن أعدائه من تحقيق هدفهم انتفض المصريون وأعلنوا التحدي، وأصروا على مواصلة الطريق، وأعادوا تجديد الثقة في قائدهم الذي وثقوا فيه، وآمنوا بمشروعه؛ حيث أدرك المصريون بوعيهم الفطري أن مؤامرة 5 يونيو كان العرض منها إزاحة عبد الناصر، وإجهاض مشروعه، وسلب إرادة المصريين مرة أخرى.

وهو ما يؤكده هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في مذكراته؛ التي قال فيها "أنه شعر بالسعادة البالغة لنبأ وفاة الرئيس عبد الناصر؛ لأن وجوده بسياسته الراديكالية المعادية للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط كان يمثل أكبر عائق لتنفيذ الأهداف الأمريكية في المنطقة الأهم للولايات المتحدة في العالم"، ويحلل كيسنجر أوضاع المنطقة عقب وفاة عبد الناصر ، ويصل أن الوقت أصبح مناسب للوصول لحل سلمى للصراع بين مصر وإسرائيل بشرط أن يكون هذا الحل أمريكي، وأن يتضمن ثلاثة شروط:

1 - طرد النفوذ السوفيتي من المنطقة كلها.

2 - يترك مصر ضعيفة غير قادرة على التأثير بأي نفوذ على الإطلاق في العالم العربي.

3 - أن تظهر التجربة الثورية التي قادها عبد الناصر فى مظهر التجربة الفاشلة.

لم يكن عبد الناصر هو ذلك الرجل الذي يعرف الاستسلام والإحباط طريقا لعقله وقلبه، كما اعترف بمسئوليته عما حدث في 5 يونيو، انصاع لرغبة شعبه في بقائه لحين إزالة آثار العدوان.

سابق الرئيس عبد الناصر الزمن، وكأنه كان يشعر بأن ما تبقى له في هذه الدنيا القليل، ورغم وطأة الأحداث تأثيراتها على صحته، ونصيحة الأطباء له بالراحة، كان قراره مواصلة الليل بالنهار بما ينأى عن حمله الجبال – وكنت شاهد عيان على ذلك - من أجل استعادة الثقة بالنفس، وتصحيح المسار، ومعالجة أخطاء التجربة، والقضاء على كافة مظاهر القصور، وبؤر الفساد.

وقد استطاع الرئيس عبد الناصر - في ثلاث سنوات - أن يحقق ما لا يمكن تحقيقه في ثلاثين عاما؛ حيث نجح الاقتصاد المصري في تحمل أعباء إعادة بناء القوات المسلحة، وأنجز عددا من المشروعات العملاقة؛ منها إتمام بناء مشروع السد العالي، الذي أعلن الرئيس عن انتهاء هذا المشروع العملاق أثناء خطابه في العيد الثامن عشر للثورة، كما تم بناء مجمع مصانع الألمونيوم في نجع حمادي، وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليار جنيه، كما استطاعت مصر المحافظة على نسبة النمو الاقتصادي المتحقق قبل النكسة والتي بلغت 7% حسب تقرير البنك الدولي رقم «870 أ» عن مصر الصادر في واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976، بل أن هذه النسبة زادت في عامي 1969 و 1970 وبلغت 8% سنويا.

كانت تلك النسبة للنمو الاقتصادي في مصر لا مثيل لها في العالم النامي كله؛ حيث لم يزد معدل التنمية السنوي في أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن (2.5%) بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها في العالم المتقدم باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية.

فمثلا ايطاليا وهى دولة صناعية متقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تقدر بـ (4.5 %) فقط في نفس الفترة الزمنية.

كما استطاع الاقتصاد المصري عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجاري لأول و أخر مرة في تاريخ مصر بفائض قدرها 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان .. كانت المحلات المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث و أجهزة كهربية، وكان الرئيس عبد الناصر يفخر أنه يرتدى بدل وقمصان غزل المحلة، ويستخدم الأجهزة الكهربائية المصرية (ايديال).

صعدت روح الرئيس عبد الناصر إلى بارئها بعد ثلاثة أعوام من النكسة واقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية، ولدى مصر فائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولي.

وفيما يتعلق بالعمليات القتالية على الجبهة، قبل الرئيس عبد الناصر مبادرة روجرز، حتى يمكن أبطال القوات المسلحة تحريك حائط الصواريخ حتى حافة قناة السويس.

وقبيل وفاة الرئيس عبد الناصر أتمت مصر بناء حائط الصواريخ، وأتمت خطط العبور وتحرير الأرض العربية كلها وليس تحريك الموقف!!، وصدق على الخطة جرانيت، وهي خطة العبور التي نفذ الجزء الأول منها في ظهيرة يوم 6 أكتوبر 1973، كما صدق على الخطة 200 وهي الخطة الدفاعية التي تحسبت لحدوث ثغرة في المفصل الحرج بين الجيشين الثاني والثالث المصري.

وكانت كلمات الرئيس الفرنسى شارل ديجول خير معبر عن حقيقة ما بذله الرئيس عبد الناصر عقب نكسة يونيو، "إن الرئيس جمال عبد الناصر قدم لبلاده وللعالم العربي بأسره خدمات لا نظير لها بذكائه الثاقب وقوة إرادته وشجاعته الفريدة، ذلك أنه عبر مرحلة من التاريخ أقسى وأخطر من أي مرحلة أخرى، لم يتوقف عن النضال في سبيل استقلال وشرف وعظمة وطنه والعالم العربي بأسره".

كانت مشيئة الله – عز وجل – أن يرحل عبد الناصر قبل أن يحصد ثمار عمله، ويرى تحرير الأرض، رحل الرجل ولم يكتمل مشروعه، ولم تكتمل رسالته، وبعد وفاته، تم بتر تجربته، والانقضاض عليها، بترويج شعارات وحجج عبثية لا طائل من ورائها سوى محاولة تشويه التجربة لوأدها في عقول وقلوب المصريين، حيث أطلقت حملات جاهلة ممولة تملئ الفضاء عويلا على غياب تطبيق الديمقراطية في عهد جمال عبد الناصر.

وبالمناسبة، يواجه النظام المصري الحالي ذات الحملات المشبوه في الداخل والخارج من قبل من لا يريد لهذا الوطن أن يملك قراره، وأن يظل منشغلا بقضايا وموضوعات تصرفه عن مسيرة البناء والتنمية، وإلا ما هو تفسير القارئ الكريم لكافة الحملات المسعورة التي توجهها عدد ممن يطلقون على أنفسهم منظمات مجتمع مدني، ومنظمات حقوق إنسان، معظمها –أقول معظمها وليس كلها- ذات تمويل خارجي مشبوه، تهدف لتشويه صورة النظام المصري في الخارج وأمام شعبه في الخارج، ويركزون على حادثة يرتكبها أحد أفراد الشرطة أو أحد مسئولي الدولة هنا أو هناك، ويملئون الفضائيات والإعلام صراخا وعويلا، وكأن النظام المصري يتفرد دون نظم العالم بأنه ينصب المشانق، والمجازر لشعبه!!.

هذا، في الوقت الذي تتغافل هذه المنظمات عن انتهاكات لحقوق الإنسان أبشع وأفظع ترتكب في الدول التي تمولها، وغيرها من الدول التي ينتهك فيها جميع حقوق الإنسان، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ...إلخ من كافة صنوف الانتهاكات الواضحة والصريحة، ولكن ليس لدى هذه المنظمات التعليمات من مموليها بتوجيه سهامها المسمومة والمشبوهة تجاه تلك الدول.

ها هو عبد الناصر - يا من تنصبون أنفسكم سدنة حقوق الإنسان وحماتها - رحل عن دنيانا منذ ٤7 عاما، ووصل لسدد الحكم في وطننا العربي الكثيرون ممن كانوا ومازالوا يتبجحون بهذه العبارات الرنانة دون آي إنجاز يذكر، علما بأن هذه العبارات والمفاهيم باتت، في يومنا هذا مألوفة ومعروفة من القاصي والداني !.

-ماذا عن تطبيق الديمقراطية ؟ أين حرية وعدالة العصر ؟

-أين الاقتصاد الوطني؟

-ماذا كانت نتائج اتباع نهج اقتصاد السوق، وبيع القطاع العام؟

-ماذا عن موقع مصر على خريطة العلم والمعرفة الإقليمية والعالمية؟

-ماذا عن مكانة مصر في أمريكا اللاتينية وأفريقيا (سد النهضة)؟

-لماذا نتخلف مجتمعيا باستمرار وبشكل مخز ؟

-لماذا لم يتوحد العرب، معتبرين من أخطاء ومعطيات الماضي ؟

-لماذا قامت وتقوم صراعات دينية وطائفية وعرقية في وطننا العربي ؟

-ماذا عن الأوضاع في الأمة العربية؟

-لماذا قام (مجانياً) صلح وسلام وتفاوض مع العدو ؟

-لماذا لم يُعـد حكامنا العدة لتحرير فلسطين ؟

ما رأيكم فيمن تدعونهم النخبة ممن باتوا سلعا في سوق التهريج السياسي والمجتمعي والفضائي وموضع سخرية العالم المتحضر القوي؟

لماذا؟ وماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ ...إلخ، بكافة أدوات الاستفهام أوجه أسئلتي لهؤلاء ممن حاولوا عبثا أن يشوهوا حلم جمال عبد الناصر ومشروعه لنهضة هذه الأمة.

ولطالما أتت الإجابات من ملايين المصريين والعرب عبر الأجيال المتعاقبة، فصورة هذا الزعيم الخالد يستدعيها العقل الجمعي للملايين، كلما واجهت الأمة أزمة، كما لو أنها تحتمي به من مصائب الزمان، ولتؤكد أن عبد الناصر الحلم والفكرة عصيا على الموت والغياب بشخصيته المتفردة؛ فقد رأوا فيه رجلا أعطى المثل في قهر الظلم بالعدل، والاستعمار بالتحرر، والفقر بالتنمية، والتجزئة بالوحدة، وجدران التعصب الطائفي والمذهبي والعنصري بالعروبة الحضارية الجامعة، رجلا اجتمعت فيه كل قيم الاستقلال والحرية والسيادة والمقاومة والوحدة الوطنية والقومية، وكافة معاني التنمية المستقلة وقيم الكفاية والعدل وتكافؤ الفرص .. أحبوا فيه قدرته على التعبير عن مصالحهم، وحقوقهم السليبة منذ قرون.

وأكاد اليوم أسمع صوت الملايين تردد؛ تركنا أبو خالد ونحن في أشد الحاجة إلى صموده، وصلابته، وبعد نظره، في مواجهة قوى الهيمنة العالمية، التي لا ترى الوطن العربي إلا كمصدر للبترول، وسوق لتصدير منتجاتها، كان وجوده يمثل رادعا لكل الخونة، والعملاء، واللصوص، والفاسدين، وبعد رحيله، أصبحت الخيانة حكمة، والاستسلام للأعداء بعد نظر، وواقعية، والنهب، والسرقة طموح، وبيع ممتلكات البلاد، ونهب ثرواتها موائمة لروح العصر، وتعمقت القطرية البغيضة، وتشظت الدولة الوطنية في الوطن العربي.

لقد أنصف الزمن والتاريخ الرئيس عبد الناصر .. أنصفه حين نقارن أوضاعنا في ظل وجوده وبعد رحيله .. أنصفه حب الملايين من أبناء هذه الأمة .. أنصفه المولى - عز وجل - من فوق سبع سموات؛ حين جند له من المحيط إلى الخليج من الأوفياء الذين يتصدون لمحاولات الصغار الذين يسول لهم خيالهم المريض التطاول على هذه القامة العالية .. أنصفه عمله حين أصبح نهجه اليوم معياراً نقيس به أهمية كل قائد أو زعيم من خلال اقترابه أو ابتعاده عن نهج هذا الرجل الكبير وسلوكه النقي والنظيف والعفيف.

سلام عليك أيها القائد والمعلم العظيم









أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12991