استرداد عبدالناصر - عبد الحليم قنديل
التاريخ: 17-5-1439 هـ
الموضوع: عبد الحليم قنديل


استرداد عبدالناصر

عبد الحليم قنديل

Jan 15, 2018
بعد أن تخرجت من كلية الطب أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وقبل انتقالي للعمل بالصحافة في أواسطها، قضيت مدة سنة في الريف، أرسلوني إلى منطقة كأنها على حافة الدنيا، وجعلوني مسؤولا عن وحدة صحية في عزبة نائية، تخدم مجموعة متجاورة من النجوع حولها، وصدمت بأطنان الفقر والبؤس التي كانت في انتظاري، وكان من واجبي أن أزور المرضى في بيوتهم المتواضعة، وهناك قابلت عبد الناصر وجها لوجه.
كانت المفاجأة موحية، فلا شيء في العزبة شديدة الفقر يذكر بعبد الناصر، ولا أنه مر من هنا، اللهم سوى الوحدة الصحية التي انتدبت للخدمة فيها، وقد بنيت في ستينيات عبد الناصر، وانتصب مبناها على صورة حرف T بالإنكليزية، وكان الزمن قد جار عليه بقسوة، وبدت أناقته الأصلية متهدمة، فلا شيء في سكن الطبيب يمكنه من إقامة آدمية. سرير حديد منقصف العمر محطم الأضلاع، وبقايا أغطية بالية ممزقة، وثلاجة خارج الخدمة لغياب الكهرباء، ومياه مقطوعة من سنوات، ولا وجود لمطبخ ولا لأدوات طعام، كان كل شيء قد جرى تدميره، وكان إصراري على الإقامة موضع عجب وتعجب الناس، وقد أحببتهم وأحبوني، وأضافوني كفرد مستجد إلى عوائلهم الكريمة المكافحة المعانية، وكان صمودهم الحياتي بطولة في ذاته، فالبيوت التي زرتها كانت في حال يرثى لها، إلى حد أنها بدت كآثار بيوت كانت، بنيت غالبيتها من الطوب اللبني، وعلى سقوفها أكوام القش، وألوان جدرانها تحولت وبهتت، وبدت كأنها تنافس في بؤسها بؤس ساكنيها.

لكن شيئا لافتا كان يبرق في العتمة، كانت الجدران المشققة مزينة بصور لعبد الناصر، مقتطعة من جرائد قديمة، وقد ألصقت بالحوائط كيفما اتفق، ولم يكن بوسع أغلب الناس أن يقرأوا حرفا في صحيفة، لكنهم لا يخطئون أبدا في قراءة صورة عبد الناصر، وقد بدت في جلالها على الحوائط، كأنها تميمة ضد غدر الزمن، أو كأنها استغاثة استنجاد بالرجل، وكان قد ترك الدنيا قبلها بعشر سنوات وتزيد.
كانت الصورة على الحائط تحيرني، فلم ألمس من حياة الناس وقتها إلا بؤسا مطلقا، كان بوسعى أن أشاركهم فيه، فأنا الآخر قادم من قرية فلاحين فقراء، وإن كانت أحوالهم أفضل، كانت في منازلنا كهرباء ومياه شرب نقية، بينما لا قطرة ماء صالحة للشرب في بيوت العزب التي وجدت نفسى فيها، ولا شبهة وجود لصرف صحي، والمياه تجلب محمولة في «جراكن» من قرية بعيدة، وكل أمراض الدنيا تسكن وجوه الناس، ولم يصل إليهم شيء من منجزات عبد الناصر وعصره، فالوحدة الصحية المتآكلة تهدمت تقريبا، ولا أثر لمستفيدين من أراضي إصلاح زراعي جرى توزيعها، وأقرب مدرسة ابتدائية على بعد كيلومترات، لكن حكايات الناس كانت تنطق شوقا وحنينا لعبد الناصر، وكأنهم كانوا ينتظرونه، أو ينتظرون دورهم الذي لم يأت بعد في حضرته، ولا يملون من استنطاق صوره، وسؤاله عن مواعيد الخلاص ونيل الحقوق الإنسانية، ولم أكن بعد التفكير في حاجة إلى تفسير، فهم يعلمون يقينا ما جرى، وأن عبد الناصر ذهب إلى جوار ربه، لكن شيئا ما جعلهم يتعلقون باسمه وبصورته، ليس هو الامتنان بالتأكيد، فلم يصلهم شيء محسوس من عدالة عبد الناصر، وكانوا لا يزالون يشربون غالبا من مياه الترع والقنوات، وكنت كثيرا ما اضطر إلى فعل ما يفعلون، لكن الأبدان المنهكة كانت لا تزال تحلم، وتجد في صورة عبد الناصر ملاذا، وسبيلا نقيا لزاد الحلم، وقد بدت الصورة صريحة في وعودها، وبدت لمعة عين عبد الناصر كأنها زرقاء اليمامة، تنبئ بحروب من وراء الغبار، وتعد بانتصار يأتى من بعد انكسار، وبعدالة وتقدم وحياة حرة ووطن منيع كان يريده عبد الناصر.
كان الدرس الذي تعلمته غاية في الوضوح، فظاهرة عبد الناصر لم تكن عنوانا لزمن مضى، بل عنوانا لأمة لا تموت، ومصهرا ومطهرا لآلامها وأشواقها وأحلامها، وهو ما يفسر لماذا يعيش عبد الناصر في القلوب والعقول، ولماذا يبدو عابرا للمراحل، وكأن اسمه اكتسب حصانة تقي من تقادم الدهور، ويعيش معنا في مئويته التي عاش نصفها بالكاد، وكأنه لا يزال طالب الثانوية الذي كتب عن «فولتير»، وجرح في مظاهرات ثلاثينيات القرن العشرين ضد الاحتلال البريطاني، وشرع في كتابة روايته الوحيدة «في سبيل الحرية»، ومنع كأبناء الفقراء والطبقات الوسطى وقتها من دخول الكلية الحربية، وخدمته ظروف الحرب العالمية الثانية، واضطرار بريطانيا المحتلة لتسهيل شروط الالتحاق بالكلية الحربية، وانتقال عبد الناصر من دراسة الحقوق إلى دراسة السلاح، وحصاره كضابط في «الفالوجا» و»عراق المنشية» على أرض فلسطين، وإدراكه أن العطب في الرأس، وأن التغيير المطلوب يبدأ من القاهرة، وتجاربه في البحث عن منفذ للثورة، وتكوينه لتنظيم الضباط الأحرار، وثورته العظمى التي خلعت القلوب، ودراما الحروب والمعارك العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذهابه إلى السماء فجأة كما يذهب الشهداء، مقاتلا لم يترك سلاحه على جبهة الحرب والتنمية، وذهول الناس لرحيله، وخروج حشودهم في جنازته الأعظم في مطلق التاريخ الإنساني، وهتافهم الحزين المتنبئ بما ينتظرهم من دونه، هتافهم المليوني الباكى «يا ناصر ياعود الفل/ من بعدك هنشوف الذل»، وقد كان، وبالذات بعد حرب أكتوبر 1973، وبدء انفتاح «الانفشاخ»، وإطلاق شياطين الهدم والتدمير والنهب وشفط مصر، وكما لم يحدث أبدا من قبل في تاريخ مصر الألفي، وانقلابات الأربعين سنة على كل شيء ينتمي لعبد الناصر وعصره واسمه، ثم عودته وصوره فوق رؤوس المتظاهرين في ثورة 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، كان الوحيد الغائب الذي رفعت صوره مشفوعة بحلم الخلاص، كان حس الشعب الجماعي يعرف العنوان، ليس أملا في أن يعود عبد الناصر بشخصه، فالراحلون لا يبعثون في غير الدار الآخرة، بل أملا في العودة إلى طريقه، وحلمه الذي لا يهزمه الزمن، وإن كانت العودة هذه المرة بثورة الناس الأحرار لا بتحرك الضباط الأحرار.
نعم، فبطولة عبد الناصر ليست درسا في كتاب تاريخ، ولا هي بطولة مغلقة على زمن بذاته، فقد جاء عبد الناصر إلى الدنيا ورحل، كما كل الناس، وكما كل الأبطال في تاريخنا، وهم بالمئات والألوف، والعشرات منهم في مراتب الدرجة الأولى، أبطال عسكريون أو أبطال سياسيون أو قادة وعلماء ومشايخ ورهبان، لكن سير أغلبهم تظل حبيسة تواريخها، كأن يقال إن فلانا عاش وفعل وانتصر أو هزم، كانت أغلب النهايات محسومة، وقابلة لوضع نقطة في آخر السطر أو نهاية الحكاية، لكن حكاية عبد الناصر تبدو مختلفة بالجملة، وأقرب إلى ما قد تصح تسميته «بطولة القوس المفتوح»، لم تضع وفاة عبد الناصر نهايتها، بل ربما ابتدأتها، فلم يمت الرجل بعد أن أكمل رسالته، بل مات واقفا على جبهة الحلم والرسالة، لا هو قبل بالهزيمة التي فرضت، ولا كان قد حقق النصر الأخير، كانت النهاية مفتوحة، وهذا هو سر دراما عبد الناصر التي عاشت لمئة سنة بعد ميلاده في 15 يناير 1918، وقد تبقى مع أجيال تأتي، ربما لمئات مقبلة من السنوات، فقد كان عبد الناصر رجلا يحمل ويجسد حلم أمة، وأحلام الأمة لا تفنى، بل تتجدد، وبوسع كل حالم أن يكمل سيرة عبد الناصر على طريقته، وعلى اختلاف عصور تأتي عن عصر عاش فيه الرجل، ووضع فيه النواة المركزية للحلم العربي، وصاغ بعمره وقلبه وعقله إشارات الحلم وإلهاماته، فلم يكن عبد الناصر مجرد حاكم يأتى ويذهب، ولا مجرد زعيم لم يسبقه أحد ولا لحقه في شعبيته الفياضة، بل تحول عبد الناصر إلى معنى لا يزول، وإلى انحياز مطلق للأمة وللشعب العامل، يكرهه الأعداء والخصوم كراهة التحريم، ويفزعون على مصالحهم وامتيازاتهم وسرقاتهم لمجرد ذكر اسمه، ويحاربون الجموع الغفيرة التي تحلم بمثله، وتدور المعارك والنزالات الضارية الساخنة من حول اسمه، وكأن الرجل مات توا بالأمس، أو كأنه لم يمت بعد، فهو عنوان على دفع الناس بعضهم بعضا بالقانون الإلهي، وعلى الصراع الاجتماعي الظاهر حينا المتواري أحيانا، وقد مات الرجل في قلب الصراع من أجل التحرير والعدالة والتقدم والتصنيع الشامل، وخلق مجتمعا جديدا من قلب مجتمع متخلف قديم، وظل إلى آخر نفس عنوانا لتجديد لا يهدأ، ففوق «بطولة القوس المفتوح» التي امتاز بها اسمه، وفوق القدوة الأسطورية التي جعلته أيقونة العدل الاجتماعي في عصرنا وأمتنا، وفوق الانحياز اللانهائي لغالبية الناس العارقين العارفين صناع الحياة، وفوق المزايا الاستثنائية التي وهبها الله لشخصه، فوق ذلك كله وغيره، كانت لعبد الناصر ميزة متفردة، يندر أن تجدها في أحد خاض تجربة حكم وسلطة، فقد كانت لديه عبقرية التصحيح الذاتي، وطلاقة النقد المتصل لأخطاء وخطايا الممارسة والتطبيق، وهو ما يفسر نقده الجذري العنيف لنظامه بعد هزيمة 1967، كان يعيد بناء الجيش من نقطة الصفر، ويصوغ لمصر جيشها العصري القوي القادر، وفي زمن قصير خاطف، ويمهد لحروب الثأر على جبهة السلاح، وبدون أن يلهيه الواجب العسكري عن واجبات إعادة النظر الشامل، وعلى نحو ما بدا في المحاضر السرية لاجتماعاته التي أعقبت الهزيمة، وقد انفردت بنشرها جريدة «صوت الأمة» المصرية قبل شهور، وبدا فيها عمق إدراك عبد الناصر لعيوب نظامه السياسي، وصاغ طريقا لتجاوز المأزق، أطلق فيه سراح غالب المعتقلين لأسباب سياسية، ولم يبق في سجونه وقت مات سوى 273 شخصا، كان الكثير بينهم من جواسيس إسرائيل، ثم كانت قفزته الكبرى في التفكير، وإعلانه العزم على التحول إلى ديمقراطية سياسية كاملة، والتحول إلى نظام التعدد الحزبي المفتوح مع إزالة آثار عدوان 1967، وإن لم تمهله الأقدار، لكن درسه ظل باقيا وبليغا، وكاشفا لعلة النقص والضعف فيما جرى، وهو أن ثورة عبد الناصر كانت للناس، لكنها لم تكن بالناس، وهو ما سهل دواعي الانقلاب عليها بعد رحيله، فالثورة التي تدوم وتمكث في الأرض، تكون للناس وبالناس، وهذا هو درس عبد الناصر الأخير للحالمين باسترداد المستقبل.








أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=13057