في ذكرى الوحدة الرائدة - وقفة نقدية مع الذات - د.خالد الناصر
التاريخ: 26-2-1430 هـ
الموضوع: خالد الناصر




 ذكرى الوحدة الرائدة - د.خالد الناصر

في ذكرى الوحدة الرائدة
وقفة نقدية مع الذات

في 22 شباط / فبراير من كل عام تعودنا الاحتفال بذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 عبر وحدة قطرين عربيين رئيسيين هما مصر وسوريا وتحت زعامة تاريخية نادرة هي جمال عبد الناصر , وبالفعل كان الحدث نقطة انعطاف بالغة الأهمية في تاريخ العرب الحديث ؛ فلقد جسد بالتطبيق العملي إمكانية تحويل فكرة الوحدة العربية من نطاق حلم مثالي غائم كان يبشر به بعض المفكرين القوميين إلي واقع محسوس قابل للحياة والنماء والاتساع , ووفر للدعوة القومية العربية دولة مركزية جاذبة وقيادة ذات تأثير جماهيري عارم عابر للحدود , ونقل هذه الدعوة من يد نخبة محدودة – متركزة أساسا في بلاد الشام – لتصبح تيارا جماهيريا هائلا – لاتزال الحركة القومية تقتات منه حتى بعد انحساره - من أدنى شرق الوطن العربي إلى أقصى غربه مرورا بوسطه – مصر – الذي أصبح في بوتقة العروبة بعد أن كان مغيبا عنها .
والآن , وبعد مرور سبع وأربعين سنة على ذلك الحدث القومي الكبير وتحول الاحتفال به إلى رتابة متزايدة وأقوال مكرورة وتناقص المحتفلين به حتى ضمن الحركة القومية بحيث يكاد يقتصر على بعض أجزائها بل وجهله من قبل القسم الأعظم من الأجيال الجديدة , آن الأوان للذين ما يزالون قابضين على جمرة المشروع الوحدوي العربي أن يقفوا وقفة مراجعة للذات يتساءلون فيها عن سبب انفضاض الناس من حولهم وعن المناسبات التي يحييون .. هل يكمن الخلل فيهم أم في فكرهم أم في خطابهم وأسلوبهم أم في طريقة احتفالهم بهذه المناسبات ؟ !
وليس مجالنا هنا فحص بنية الحركة القومية ومراجعة فكرها وخطابها وأسلوب حركتها , وكلها يشكو من الاضطراب وعدم الارتقاء إلى متطلبات وشروط العصر الراهن كما بينا في دراسات سابقة منشورة , وإنما همنا هنا المناسبات القومية – والمناسبة الآن ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة – والأسلوب الذي يتم به عادة إحياؤها والاحتفال بها , وهو أسلوب مبني على الحوار الداخلي المنطلق من الذات وإليها ؛ أقرب ما يكون إلى أسلوب المولد الصوفي الذي يقتصر عادة على المؤمنين وتتلى فيه ذات الأدعية والأذكار التي تردد ذات القيم المطلقة ليزداد الإيمان بها والتأكيد عليها والتعلق بها فيتحقق بها رضا النفس والشعور بتأدية الواجب بغض النظر عن عزلتهم الجلية عن الناس الذين يفترض أن كسبهم إلى تلك القيم هي واجب المؤمنين الأول قبل أي شيء .
إن هذا التعامل مع المناسبات ينحو إلى تجريدها من تاريخيتها ويحيلها إلى أصول شبه منزهة يتم القياس عليها والحكم على الحاضر بها كما يفعل السلفي , بينما هي حوادث ومعالم هامة خلت يجري استذكارها للاعتبار وتحري مكامن الصواب والخطأ وفرز الثابت عن المتحول فيها باعتبارها تراث الحركة الماضي الذي لايمكن قراءته بشكل صحيح ومفيد إلا وفق معايير ثلاث :
- أن تكون هذه القراءة متحررة من وهج تقديس الماضي وتنزيهه .
- أن تدرس وقائع الماضي – محتوى المناسبة – كما حدثت بشكل موضوعي في إطار ظروفها التي حكمت حصولها وليس بتلوينها وفق انفعالنا بها سلبا أم إيجابا ولا بمحاكمتها وفق معايير الحاضر الراهن .
- أن نتذكر دائما أن هدفنا عندما نستذكر حوادث الماضي ونحتفل بها هو توظيفها في خدمة الحاضر وصنع المستقبل وليس الحنين المعطل لاستعادتها المستحيلة .
وما دمنا بصدد الاحتفال بهذه التجربة الوحدوية الهامة – بل الأهم في التاريخ العربي الحديث – لابد لنا أن نشير أنها لم تكن الوحيدة في تاريخنا الحديث ؛ فلقد سبقتها عملية توحيد أقاليم نجد والحجاز والاحساء وعسير في شبه الجزيرة العربية في الربع الأول من القرن العشرين التي أنجزها عبد العزيز آل سعود بحد السيف – على النمط البسماركي – وكون منها ما يعرف حاليا بالمملكة العربية السعودية , وتلتها محاولات عديدة فشل بعضها كمشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق عام 1963 والجمهوريات العربية المتحدة التي ضمت سوريا ومصر وليبيا أوائل السبعينات من القرن الماضي بينما نجحت وحدة إمارات ساحل عمان التي كونت الإمارات العربية المتحدة عام 1971 وكذلك الوحدة اليمنية عام 1991 , هذا إذا غضضنا النظر عن تجربتين ماتزالان قيد التداول رغم تعثرهما وهما اتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون الخليجي باعتبارهما لاترقيان إلى مستوى الوحدة الحقيقية . وهذه التجارب الوحدوية تعتبر تراثا هاما للحركة القومية حتى ولو لم تساهم في بعضها وتستحق الدراسة وتأمل عوامل النجاح والفشل فيها .
وبالرغم من أن أشهر ما يميز وحدة مصر وسوريا عام 1958 هو قيامها نتيجة إجماع شعبي منقطع النظير إلا أنها لم تنفرد بهذه الصفة فلقد جاءت الوحدة اليمنية أيضا نتيجة إرادة شعبية أكيدة وضغط شعبي تواصل طيلة السنوات التي أعقبت تحرر شطري اليمن , ولكن ريادة وأهمية قيام الجمهورية العربية المتحدة تمثل في كون طموحها لم يكن متوقفا على وحدة هذين القطرين – على أهميتهما المعروفة – وإنما امتد ليصبح مشروع توحيد كامل لكل أجزاء الوطن العربي وهو مشروع اعتبرت الجمهورية العربية المتحدة – حتى بعد انفصال سوريا عنها في أيلول / سبتمبر 1961 - قاعدة له وحاملة لرسالته ورافعة لراياته كما ورد في ميثاق العمل الوطني عام 1962 , وهذا هو مغزى الاحتفال الدائم بهذه المناسبة الجليلة .


د. خالد الناصر 18 / 2 / 2005





أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4134